تحميل رواية «الطبيب العاشق (2» PDF
بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس على الفراش يجذبها لتتوسد صدره مرددًا بحنان: _ ابكي ياحوراء. وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت في البكاء وهي تقبض على قميصه بقوة، زاد من احتضانه لها مع ازدياد بكائها لتمتلئ هو عينيه بالدموع وهو يحاول التماسك بكل قوته. ظلت تنتحب بشدة وأمور كثيرة تمر أمام عينيها لتفطر قلبها أكثر. أمها.. ابتسامتها.. صوتها.. حنانها.. دفئها.. خوفها عليهم.. اشتاقت لها وبشدة تتمنى فقط رؤيتها أو عناق واحد فقط يجمعها بأمها. أبيها.. قسوته.. جفاءه.. كرهه.. بغضه.. من كان من المفترض أن يكون سندها ويحميها من أي شر وأذى هو...
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الأول 1 - بقلم منة جبريل
جلس على الفراش يجذبها لتتوسد صدره مرددًا بحنان:
_ ابكي ياحوراء.
وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت في البكاء وهي تقبض على قميصه بقوة، زاد من احتضانه لها مع ازدياد بكائها لتمتلئ هو عينيه بالدموع وهو يحاول التماسك بكل قوته.
ظلت تنتحب بشدة وأمور كثيرة تمر أمام عينيها لتفطر قلبها أكثر.
أمها.. ابتسامتها.. صوتها.. حنانها.. دفئها.. خوفها عليهم.. اشتاقت لها وبشدة تتمنى فقط رؤيتها أو عناق واحد فقط يجمعها بأمها.
أبيها.. قسوته.. جفاءه.. كرهه.. بغضه.. من كان من المفترض أن يكون سندها ويحميها من أي شر وأذى هو من أخذها للأذى بنفسه، باعها لرجل سيطر عليه شيطانه وأصبح وليّ للشيطان. تتذكر كيف كانت تناديه حتى لا يتركها ولكنه لم ينظر لها من الأساس، كان كل ما يشغله تلك الأموال التي جناها من ورائها.
أخيها.. حنانه.. طيبته.. قوته.. مرحه.. كان وسيكون ونعم الأخ لها، دفئ حضنه الذي يشعرها بأنه ما زال هناك أمان في هذه الحياة. ابتسامته التي تنير درب حياتها. هو أخيها وأبيها وصديقها وابنها وحبيبها. هو الأول في كل شيء.
أختها الكبرى.. ابتسامتها.. حكمتها.. سعادتها.. حزنها.. هي من شاركتها كل شيء حتى مرضها، كانتا دائمًا تجلسان معًا لا يبتعدان عن بعضهما إلّا وقت النوم أو وقت الصلاة، وكانت وستكون نِعم الأخت لها.
أختها الصغرى.. شقاوتها.. حدتها.. جرأتها.. كل شيء بها يختلف عنهم. هي مميزة من بينهم. من قوة شخصيتها وصلابتها وحدتها. نظرة عينيها الكفيلة بإسكات أي شخص يفكر بالتفوه معها بكلمة واحدة قد لا تنال إعجابها.
وأخيرًا وختامه مسكٌ، منقذها.. معالجها.. مساندها.. قوتها.. شجاعتها.. زوجها.. حبيبها.. ريانها. صفات كثيرة تذكر أقلّها يمتلكها ذلك الذي أصبحت تعشقه من صميم قلبها، تنفر من اليوم الذي لا يجمعها به، تشعر وكأن روحها وعقلها وقلبها معه هو، هي تحضر معهم بجسدها أما بروحها معه، فهو من امتلكها بمهارته وعشقه لها وحنانه معها.
اشتاقت له، فهذا الأسبوع الثالث بدونه، بدون أن ترى نظراته التي تنبعث منها العشق لها، ابتسامته الحنونة. لمساته الرقيقة. صوته. وآهٍ من صوته الذي لم ولن تسمع بحّة رجولية رائعة وجذابة مثله.
ظلت تبكي وتبكي حتى اختفى صوتها واحمرت وجنتيها وأنفها وعينيها أيضًا.
أبعدها إياد وهتف بقلق وصوت متحشرج:
_ بس ياحوراء اهدي كفاية يا أميرتي.
نظرت له حوراء وهتفت بصوت مبحوح يكاد يسمع:
_ مش قادرة اتخطى يا إياد، حاسة إن روحي خسرتها في اليوم اللي خسرتها فيه، ماما وحشتني أوي.
شعر بغصة في قلبه، مهما فعل وحاول بالتأكيد لن يعوض شقيقاته أو نفسه حتى عن غياب والدتهم، التي أتى يوم يحمل تاريخ رحيلها عنهم، كان تاريخًا بريئًا من الحزن الذي يحدث فيه ولكن كانت مشيئة الله أن يجعله تاريخًا يحمل فيه ذكريات سوداء على هذه العائلة، مرة في فقدان والدتهم والمرة الثانية ابتعاد حوراء عن عائلتها بسبب والدها وقد صادف ذات التاريخ.
ربما الشيء الوحيد الذي يواسي هذا التاريخ بأنه ليس له ذنب وأنه مجرد يوم تتصادف فيه الأقدار بحلوها ومرها، أنه وكما اجتمع به الكثير من الألم، اجتمع به أيضًا بداية لسعادة وحب كبيران مع اجتماعها بريان.
لم تكن التواريخ والأرقام جالبة للحظ أو سالبة له، تلك ليست سوى أيام، وما بها هو مصير الشخص، فليس من الشجاعة والإيمان أن تعلق مصيرك على أرقام وليالي ونهار، إنهم مجرد وقت مسخرين ومطيعين أكثر منك أيها البشري.
مسح إياد على رأسها يقول بصوت خرج مختنقًا رغمًا عنه:
_ حقك عليا من كل حاجة، أنا آسف ليكِ عن الدنيا دي كلها، وآسف لآية وأريب وعن كل اللي شوفتوه وأنتم متستحقوش غير كل سلام وخير، ممكن وقتها خسرنا أمي بس هي هتفضل حية جوانا ليوم وفاتنا، حية بذكرى طيبة وروح بتمدنا بالأمل، في كل ذكرى ليها بيكون يوم بجدد فيه عهد الحفاظ عليكم وإني أهتم بيكم زي ما كانت هتهتم بيكم لو كانت هنا.
تحدثت بنبرة مبحزحة خرجت مع دموعها:
_ لو ربنا كتب لينا النجاة في الدنيا فهو كتبها فيك يا إياد، شخص الدنيا أبدًا ما هتكرره، وأبدًا ما هيكون فيه زيه، لأنك إياد واحد بس أخو حوراء وآية وأريب وبس، أنا بحبك أوي وربي اللي يعلم بدرجة حبي وتمسكي بيك لإني أنا نفسي معرفش هي وصلت لأي مرحلة لأنها فاقت كل المراحل اللي عرفها البشر، ربي يديمك لينا ويحفظك لأجلنا.
_ ويديمكم ليا يا أميرتي، ارتاحي، أنا هنا علشانك، علشان أميراتي.
أراحت رأسها على صدره، لقد تزاحمت كل المشاعر عليها، فقد الحزن والخذلان والحب والشوق، كانت مشاعر لا يمكن أن تجتمع معًا ولكن هي حملت تلك المشاعر بسبب عدة أشخاص في حياتها وللأسف، لم يكونوا أشخاصًا ثانويين.
ذلك الزوج الذي اشتاقته كثيرًا للأسف هو ليس هنا خاصًة في هذا اليوم، لقد سافر منذ ما يقارب الشهر لأجل عمل ولا تستطيع التواصل معه سوى عن طريق بعض الرسائل التي تحمل حبه وشوقه لها ولكن من دون صوته!
لتبيت الليلة صاحبة بداية يوم ذو تاريخ بائس عليهم، برفقة اخوتها، نامت آية وأريب، وبقيت هي مع أخيها تشاركه ألمها وفجعتها.
احتضنها إياد وظل يهدئها حتى وجد اهتزاز جسدها يتوقف لينظر لها ليراها قد نامت، ليبتسم بحزن فهي هكذا دائمًا، تبكي بشدة ثم تنام. ظلت وستظل طفلة تهرب من حزنها بالنوم.
عدل من وضعيتها على الفراش بحذر ثم دثرها بالغطاء جيدًا وقبل رأسها بحنان ومسح هو تلك الدمعة التي فرت من عينيه وخرج متوجهًا إلى غرفته.
بعد رحيله وبعد انتصاف ساعة الليل، انزعج من تكرار رنين هاتفه والذي لم يكد يكمل ساعتين نائمًا، نظر لهاتفه وأجاب بصوت خامل قبل أن يستمع لصوت الآخر ليتنهد ونهض عن فراشه خارجًا من الغرفة، تحرك ناحية باب الفيلا يفتحه ليقابله جسده، زوج شقيقته.
"أنت نا صدقت سفري ورجعتها لعندك، انسى يا خبيبي مراتي في وجودي أو غيابي هي مراتي وهتفضل في بيتها، زمنك خلص."
تنهد إياد ولم تكن لديه القدرة على المشاغبة مع الآخر الذي كان رغم حديثه ينتظر بفارغ الصبر رؤيتها، عاد لقصره ليجده خاليًا إلا من شقيقته والتي أخبرته أنها الليلة فقط ذهبت للبقاء مع اخوتها، هل اختارت الليلة التي سيعود بها صدفة أم ماذا؟
_ اهدى على نفسك هي في أوضتها، وبعدين زمن إياد في حياة أميراته أبدًا ما يخلص.
همهم ريان وتحرك بلهفة ناحية الدرج ليوقفه صوت إياد الجاد:
_ ريان…
التفت له برأسه بفراغ صبر، يود الذهاب لها ورؤيتها، ليقول إياد ما جعل قلبه يتألم ويسب عمله وكل شيء أبعده عنها في مثل هكذا يوم:
_ الليلة ذكرى وفاة والدتي، وللأسف نفس اليوم اللي عبد القادر أخدها فيه مني، يعني مش أحسن حاجة، فاهم؟
صمت ريان قليلًا قبل أن يعود إلى إياد وبدون حديث كان يعانقه بطريقة فاجأت إياد وأذهلته حتى أخذ وقتًا ليستوعب ما فعله، هو ودود معه ولكن لم يصل الأمر إلى عناق كهذا!
لم يأخذ وقتًا طويلًا حتى بادله العناق كان في حاجته، يمد شقيقاته بالطاقة وينسى نفسه، الآن فقط شعر بغصة في حلقه وحرقة في عينيه وضعف يغزو جسده، هل ينهار الآن؟ أيفعلها بين ذراعي زوج شقيقته؟
لم يكن بيده الاختيار أو الثبات أمام عناق ريان القوي له، يؤازره ويواسيه بدون كلمات بعلم أن لا فائدة لها في هكذا فاجعة، فقد الأم كان ولا زال الكارثة التي حلت على رأسه ولم يستطع تخطيها إلى الآن، ولكن ها هو يجد الفرصة ليواسي بها شخص مثله، فقد والدته... وللأسف زوجته منهم.
ظل محتضنًا له لمدة طويلة أفرغ فيها إياد شحناته السلبية وبعضًا من دموع عينيه، والكثير والكثير من التنهيدات الحارة التي كانت تملأ صدره.
ابتعد إياد عنه وقال بصوت مختنق مبتسمًا بحزن ولم تخرج منه سوى كلمة حملت في نبرته بها الكثير:
_ شكرًا.
ربت ريان على كتفه قائلًا:
_ متتعودش على كدا، كتفي لمراتي بس.
ضحك إياد بيأس عليه وهز رأسه موافقًا ثم اصطحبه إلى الأعلى وتركه أمام غرفتها وتوجه هو إلى غرفته ويبدو أن النوم الذي حصل عليه بصعوبة قبل ساعات سيحصل عليه سريعًا هذه المرة كون الثقل شاركه مع شخص آخر، دائمًا ما تهون الأمور الثقال وقت مشاركتها.
نظر لها حيث تتوسط الفراش غافية والحزن بادٍ على ملامحها النائمة، اقترب منها وتسطح خلفها يجذبها إلى صدره في عناق دافئ يتمنى أن يصل لها داخل عقلها، يهمس لها جوار أذنها وكفه تمسح على خصلاتها الحبيبة على قلبه:
_ أول مرة أحس إني جيت في الوقت الصح تمامًا، مكنتش هسامح نفسي لو عدى اليوم دا عليكِ وأنا مش جنبك، بس أنا هنا، وهفضل دايمًا علشانك هنا، وأوعدك إن كل شيء هيكون بخير.
ويبدو أن صوته الحنون ودفئ جسده وصلا إلى عقلها بالفعل، لتتململ ثم تستدير في نومتها تضع رأسها على صدره هامسة من بين نومها:
_ ريان…
_ قلبي وروحي، ريان هنا دايمًا علشانك يا فاتنة ريان.
لم تجبه، كانت تمتمة لاسمه وقت نومها وهو لم يكن بحاجة لأن تتحدث بل اكتفى بضمها له يقبل رأسها كل لحظة وأخرى يعبر عن اشتياقه لها، وهي في غفوتها وجدت راحتها لتنعم بنوم هانئ.
في صباح هذه الليلة، تشارك الأخوة تجهيز الفطور ولم تذهب إحداهما لأختهما بعدما أعلمهما إياد أن زوجها برفقتها وقد عاد ليلًا.
تحدثت أريب ببسمة مشرقة تزيح بها غمام الحزن الذي يحيط بهم:
_ كويس أنه جه، كانت زعلانة وقرفانة أنه طول في سفره.
_ اتلمي طيب وخلي كبايات العصير قدام كل كرسي، ليقابلها إياد مبتسمًا لتفعل ما قاله بسرعة بينما آية تضحك عليها، لتقول أريب بغيظ منها وهي تترك ما بيدها:
_ على فكرة مش مجبرة، أنا مش هعمل حاجة والاستاذة دي بتضحك عليا.
ضحك إياد على غيظها واقترب منها مقبلًا جبهتها يقول بحنان:
_ حقك يا أميرتي، اقعدي جنبها وأنا هجهز كل حاجة، حقك عليا.
عكزت شفتيها تطالعه بعدم رضا، ليعقد حاجبيه قائلًا:
_ حقك عليا والله خلاص متعمليش حاجة.
احتضنته فجأة وهي تقول بصوت مختنق تجاهد رغبتها في البكاء أو الاستسلام لحزنها منذ الليلة الماضية:
_ وأنت كمان مش مجبر يا إياد ورغم كدا بتعمل كل حاجة علشانّا، مش عارفة من غيرك حياتي كانت هتبقى إزاي، افضل دايمًا معايا بالله عليك، والله ما هقدر من غيرك.
وتلك الجالسة نهضت وقد زرفت عيناها عبراتها تضمه هي الأخرى قائلة:
_ رغم أنها بتقول كلام كتير ملهوش لازمة بس هي المرة دي معاها حق، إحنا ولا حاجة ولا هنقدر نكون حاجة من غيرك يا إياد، كنت ليا الأب الحامي والأم الراعية والأخ المساند والصديق المغيث، عملت لنا حاجات لو فضلنا عمرنا كله بنحاول نسدد منها مش هنقدر، شكرًا ليك ولكل لحظة ابتسمت فيها في وشنا في وقت غلطنا وعرفتنا الصح وعلمتنا من غير ما تجرحنا، شكرًا لأنك بتراعي كل حرف وخطوة بتعملها حفاظًا علينا، ربنا يديمك لينا يا أحن وأجمل أخ في الدنيا.
وذلك الأخ الذي شعر بتضخم قلبه حبًا وامتنانًا لتواجدهن حوله، حمد الله كثيرًا لأنهن يحببنه، ضمهن لصدره يقول بنبرة دافئة حنونة اعتادت قلوبهن على امتصاصها منه ليشعرن بالسعادة:
_ لو حد قالي إني هصحى على الدلال والجمال دا كله كنت نمت بدري أوي علشان الليل يعدي، وبعدين أنا بعمل كل حاجة علشاني يا أميرة منك ليها، يعني أنا اللي عايز أشوف ضحكتكم وفرحكم وأنا اللي عايزكم تحبوني وأنا اللي عايز وجودكم معايا، والراجل لما يعوز حاجة بيعمل علشانها أي حاجة، يعني أنا لا بتجمل ولا أي حاجة عليكم بالعكس أنا شخص استغلالي جدًا ليكم، هو حد ربنا يكرمه بالإناث المدللات ويتجبر عليهم؟ دا يبقى جاحد والله.
ضحكتا عليه بينما هو سارع في إعطاء كل منهما قبلة على جبينها ليأتيهما صوت الثالثة التي قالت بانزعاج مزيف:
_ إيه دا؟ لا يلا بينا يا ريان دا إياد نسيني خلاص.
نظر لها ليجدها تقف جوار زوجها تطالعهم ببسمة واسعة ووجه مشرق، يبدو أن أثر ريان ذو مفعول سريع وقوي، أشار لها وكانت أسرع ملبية يعرفها التاريخ وهي تضع نفسها وسط هذا العناق الأخوي الدافئ، بينما عقد ريان ذراعيه يراقبها بأعين مبتسمة.
ضمه إياد له قائلًا:
_ أنسى روحي إزاي، نفسي أريب وعمري آية وروحي حوراء، قوليلي أقدر أنسى واحدة منكم إزاي؟؟
قبل رأسها ثم أكمل بأكثر جدية وحنانًا، يراعي عواطفهن في هكذا يوم فقدن فيه المصدر الأول للحنان:
_ صدقوني يا أميراتي لو في حد لازم يكون ممتن فهو أنا، والله أنا بحمد ربي على رزقي بيكم، وكل اللي بعمله دا حقكم واللي أنا وللأسف مقصر فيه.
قاطعه ثلاثتهن بقولهن السريع والمعترض على ما يتهم به نفسه باطلًا، فإن كان هناك من أدى الأمانة حقها فهو إياد، فتحدثت أولهن آية باعتراض:
_ لا مش مقصر، وعمرك ما كنت، متقولش كدا تاني.
_ أيوا لو سمحت متقولش كدا تاني علشان هزعل.
_ وأنا كأريب هزعل وزعلي وحش وبيكلف كتير.
ضحك عليهن وضحكن فور رؤية ابتسامته، ليقاطعهم ريان بقوله:
_ وبعد استئذان العواطف الجياشة، أنا عايز مراتي.
دفعتها له أريب بخفة قائلة:
_ عرفنا أنها مراتك، خدها أهي.
ضحكت حوراء بينما سارعت أريب في العودة لها وعناقها، ثم جلسوا حول مائدة الطعام ومعهم ريان مجبرًا بسبب زوجته، لم يتأخر حيث نهض مرددًا:
_ مضطر أمشي علشان كيان لوحدها، يلا يا روحي.
ودعت حوراء أشقائها ورحلت برفقته وأخذت برفقتها آية كون إياد سيذهب لعمله وأريب لدراستها، كان سيلغي أمر ذهابه للعمل ولكن ما إن وجدهن سيكملن يومهن بشكل طبيعي لم يعترض، بل كان أكثر من مرحب وهو يتمنى أن يتخطوا هذا الحزن، وقد كان سابقًا يبقى برفقتهم اليوم بأكمله يغدقهم بحنان أكثر وأكثر ويمضي اليوم عليهم ويكون قد صنع فيه الكثير لسماع ضحكاتهن ورؤية سعادتهن فيَسعد.
دلف للقصر تاركًا كف زوجته رغمًا عنه كونها تجاور شقيقتها، ابتسم وهو يستمع لصوتها العالي والسعيد ثم جسدها الذي يركض صوبه، فتح ذراعيه يضمها في عناق قوي يهمس لها:
_ كياني وروحي كله، وحشتيني.
_ وأنت وحشتني أوي يا أبيه.
قالتها بصوت باكٍ كونها لم تعتاد على الابتعاد عنه مدة طويلة، وإن غاب عنها يكون دومًا على تواصل معها عبر مكالمة تحمل صوته وصورته لها، وإن شعر بأن بعده سيطول كان يرسل لها طائرته الخاصة تأتي بها له تقضي معه أيام سفره وكان يراعيها رغم انشغاله في العمل.
ولكن هذه المرة كانت غريبة وتتمنى عدم تكرارها، أن ينشغل لدرجة أنه يرسل رسائلًا فقط بين الحين والآخر لهو أمر محزن لقلبها الذي اعتاد قربه، وكان هو أكثر من يشعر بها.
ضمها كثيرًا ودللها بكلماته أكثر، ثم غمزها بعينه قائلًا:
_ ليكِ هدايا عندي ترضيكِ.
رمقته لنظرات فضولية منتظرة، ليضحك عليها ورفع هاتفه يقول بين عينيه الرماديتين المختلطة بخطوط خضراء تطالع زرقاويها بحب:
_ ابعت الحاجات يا سليمان.
أنهى المكالمة ولحظات حتى دخل سبع رجال يحملن الكثير والكثير من الحقائب والصناديق المغلفة، تركوها أيضًا وقد فصلوا بعضها عن بعض، أتى بالعاملات وأشار لهن على الموضوعات على الجانب الأيمن:
_ طلعوهم للجناح، ومفيش داعي أقول إن آخركم الجناح.
أماءن له بصمت وتحركن يفعلن ما قال، بينما أشار للبقية قائلًا:
_ طلعوهم لأوضة الهانم كيان.
نظرت للعاملات وهن يحملن الحقائب والهدايا لأعلى ليضحك ريان على فضولها قائلًا:
_ روحي شوفييهم وتعالي قوليلي، لو مش عجبتك حاجة اختاري أعوضك عنها إزاي.
صرخت كيان بحماس وقبلته على وجنتها ثم ركضت إلى الأعلى لترى ما أحضره لها أخاها من هدايا، أما تلك التي حملتها العاملات للجناح الخاص به كانت لزوجته.
نظر ريان إلى زوجته التي اندمجت في الحديث مع بيجاد وبسمة واسعة على شفتيها جعلته يقلب عينيه ثم حدّج بيجاد بنظرات قاتمة جعلت الآخر يضحك ببلاهة قائلًا:
_ مش يلا ولا وإيه يا أتش، أنا جيت معاك علشان كوكو كانت لوحدها غير كدا فأنا مكنتش هتأخر عن شغلي وأنت دلوقتي معطلني، يلا اتحرك يا كسول.
رمقه هشام بسخرية قبل أن ينظر إلى حوراء وآية وحياتهما برأسه بصمت ثم غادر رفقة بيجاد وتبعهم ريان بأن قال لزوجته:
_ هخلص شوية شغل وهرجع، لو عاوزتي حاجة قوليلي.
أماءت له بطاعة رغم نظراتها التي كانت تصرخ باشتياقها له وأنها اكتفت من انشغاله بالعمل، ولكن صمتت كونه حتى إن بقيَ ستنشغل هي عنه بالبقاء رفقة أختها.
وما إن خرج ريان وجد هشام ينتظره أمام سيارته وبقي معه بيجاد، نظر له متعجبًا من عدم تحركهما ليحرك بيجاد كتفيه بعدم معرفة للسبب وأنه بقي ليعلم خوفًا من أن يكون هناك مشكلة مع أحدهما، ولكن مع تعجب ريان علم أن المشكلة مع هشام.
_ خير؟ فيه إيه؟
نظرا ناحية هشام الذي سأله بهدوء:
_ كنت عايز أعرف لو في حاجة مع أخت المدام، يعني كان باين أنها تعبانة وعيونها كـ…
توقف عن الحديث وهو يدرك ما يتفوه به بل وما انشغل به، وجد نظراتهما الخبيثة تعلقتا عليه وهذه المرة لا يلومهما، هو الغبي الأحمق هنا.
مال بيجاد على السيارة يتابع بتسلية بينما عقد ريان ذراعيه مرددًا:
_ ها كمل، وعيونها مالها؟ مشتاقة؟؟
سأله ساخرًا ليضحك بيجاد بينما رمقهما هشام بغيظ قبل أن يقول بغضب من نفسه قبلهما يتحرك لسيارته بينما يرى نفسه تنجرف خلف هذا الطريق:
_ ظريف أوي، اتحركوا ورانا شغل، أنا اللي غلطان أساسًا.
أوقفه ريان بقوله الهادئ وهو يتصنع اللامبالاة بينما يتجه لسيارته:
_ براحتك، فكرت أنه ممكن تكون عايز تعرف فيه إيه النهاردة يخليها زعلانة بالشكل دا.
توقف هشام ونظر ناحيته بدون حديث، ليغمزه ريان قائلًا:
_ لو ما اعترفش لسانك كل حاجة تانية فيك بتعترف يا ابن العامري، ومش ريان الذئب اللي تخفى عنه حالتك أنت أو البغل التاني دا، عمومًا النهاردة ذكرى وفاة والدتها، معلومة يعني مش أكتر لا سمح الله بما إنك بعت والعياذ بالله مش مهتم والحاجات دي.
تعالت ضحكات بيجاد مع وصول سبة من هشام لهما ثم تحركه بالسيارة مغادرًا تبعه كلاهما.
توجهت ناحية العمل، وريان بعقد في نفسه أنه لن يأخذ وقتًا كثيرًا حتى يعود ويبقى جوارها.
كان يومًا رغم ما له من ذكريات إلا إنه جميلًا، ها هو يحمل ذكريات جميلة تزاحم على تلك الحزينة، لم يمكث ريان طويلًا في عمله وعاد للبقاء رفقتها وقد فاجأها بإعداد نزهة للعائلة جميعها معًا، هي اخوتها وهو وشقيقته ومعهما بيجاد وهشام، كانت نزهة جعلتهم يستطيعون التنفس من بين حزن قلوبهم على المفقود، ولم يكن أي مفقود، بل كانت الأم.
وبينما يجلسون معًا في نادي، كانت آية تجلس جوار أخيها تضحك على مشاغبات كيان مع بيجاد وتتفاجأ أحيانًا من مزاحه الثقيل معها وهو يجذبها بقوة أسفل ذراعه، ثم تعود للضحك ما إن يعنفه هشام وريان بحدة يذكرونه أنها ليست أحد أصدقائه في الجيش.
وقفت تستأذن فور أن رن هاتفها برقم صديقة لم تتواصل معها منذ فترة، تحدثت معها أسفل نظرات إياد الحامية من مكانه، في ذلك الوقت كان هشام نهض يحضر بعض المشروبات لهم، ليتوقف وهو يستمع لبعض الشباب المراهقين يتغزلون بها دون دراية منها، بدت هيئاتهم أنهم ما زالوا يدرسون وربما في الكلية ويحملون من الطيش ما يحمله أي فتى مراهق يجرب نزعته وفطرة انجذابه للجنس الآخر لأول مرة وبشكل قوي.
وها هو يحدث حيث تحرك أحدهم ناحيتها يستأذنها في الحديث وهي التي توترت في البداية ما إن سمعت صوت رجل غريب من خلفها، ابتسمت ببشاشة وهي تراه مجرد فتى، أذنت له بقوله:
_ آسف على الإزعاج بس أنا حبيت أقولك حاجة لو تسمحيلي.
_ اتفضل.
أكمل يتملقها في الحديث وهو يخرج شيئًا من جيب بنطاله:
_ صادفتها النهاردة في محل وشدتني من جمالها، رغم إن مليش صديقة أهديها ليها بس اشتريتها، ودلوقتي عرفت إن النصيب كان هيجمعني باللي أجمل منها علشان كدا جهزني للقياكِ، لو ممكن تقبليها مني.
نظرت إلى ما في يده لتجدها سوار لامع جميل الشكل وبراق، نظرت إلى الفتى متحدثة ببسمة صغيرة وقد أخجلها بتملقه:
_ شكرًا لك ولكن…
وقبل أن تكمل حديثها تحدث الفتى مصرًا على أخذ هديته، وعلى مقربة منها يقف هشام عاقدًا ذراعيه أمام صدره يطالع الأمر مستنكرًا، تلك الفتاة لا تجب الرجال البالغين فقط!
رفع حاجبه وهو يراها تأخذها منه بوجنتين متوردتين تزامنًا مع وقوف إياد جوارها يطالع الفتى بنظرات متفحصة، حسنًا ويبدو أن الفتى أدرك توضيح الأمر إلى آية بعد أن تركها هاربًا وكأنه حبيب تم إمساكه متلبسًا وهو يتغزل بمحبوبته من قبل والدها.
ضحكت آية وأظهرت السوار إلى إياد تخبره بالأمر ليقلب إياد عينيه وأخذها عائدًا إلى الطاولة مرددًا بحنق:
_ أبعد نظري عنك دقيقة ألاقي واحد بيحاول يخطبك، إيه الغلب اللي أنا فيه دا.
ضحكت مجددًا برقة تحت نظرات هشام الذي حرك بصره على وجهها ثم إلى ذلك الفتى الذي يراقبها عن بعد وكأنه حقًا أعجب بها!
مرّ اليوم على أكمل وجه، مبهجًا وسعيدًا ويحمل ذكريات دافئة، وفي اليوم التالي بعد انتصاف الشمس للسماء، تسير بعد انتهاء دوامها إلى الخارج لتتنهد ما إن أحاط بها رجال الحرس يرافقونها حتى السيارة، تأففت بضيق وما كادت تتحدث حتى توقفت على صوت يصيبها بالازعاج:
_ إيه الصدف البشعة دي؟
التفتت له وأفسح لها رجال الحرس مسافة للرؤية، وضعت بسنة باردة على شفتيها تجيبه بنبرة أشد برودة:
_ مش أشبع من طلّتك والله.
خلع نظارته لتظهر زيتونيتيه التي تواجه عيناها البنية في نظرات حادة، يقول ساخرًا وهو يشير إلى نفسه بغرور:
_ طلّتي! وهو في أبهى من طلّتي يا قصيرة أنتِ؟
أماءت له قائلة بسخرية:
_ آه، حلاوة خطوتك وأنت بتبعد عني، يلا يا سكر مش فضيالك.
_ مش عيب يا قصيرة تتكلمي مع من يكبرك عمرًا وطولًا بالشكل دا!
_ عيب لما تكون أمي، غير كدا هقولك كلمة تزعلك والله.
تحركت ناحية السيارة وهي تستمع إلى حديثه الذي قررت تجاهله، بالأساس تشعر بصداع في الرأس وليست في مزاج له حقًا، لا الآن ولا لاحقًا:
_ وماله يا بنت عبد القادر، لولا أخوكِ وإن بقى في شيء يربطك بصاحبي ريان كنت علمتك إزاي تتكلمي معايا.
وتلك الكلمات المستفزة جعلتها تنظر له من نافذة السيارة مرددة بتهكم:
_ تعلميني أتكلم معاك بتاع إيه؟ أنت مين أصلًا علشان أتكلم معاك، يلا يا أستاذ عدنان خلينا نمشي بلا قرف.
راقب رحيل السيارة وهو يردد باستنكار مغتاظًا منها:
_ قرف!! وماله، ماشي.
كانت قد استأذنت أخاها الذي في عمله أنها ستسير قليلًا دون أن تبتعد عن محيط المنزل، وبصعوبة وافق بعد أن أخبرته أن رجل من رجال الحرس سيكون على بعد منها لحمايتها، رغم أنها لا تعلم مماذا تحديدًا!
لم يحب يومًا فكرة الحرس ورجال غرباء يحوطون شقيقتيه بزعم الحراسة، هو حارسهم وحاميهم منذ البداية ولكن تلك الأمور التي قصها عليه ريان وبعض المخاطر التي تعرضت لها شقيقته أثناء عمله أو ابتعاده عنها أجبرته على الموافقة قلقًا عليهما خاصًة أنه أضحى ينشغل لوقت أكثر في العمل.
وبينما تسير آية على جانب الطريق تستمع بمداعبة النسيم لوجهها، فزعت فجأة على إثر قطة قفزت أمامها فجأة جعلت صرخة خفيفة تخرج منها وهي تبتعد عن جانب الطريق.
ضحكت على ما أصابها من رعب وهي تنظر إلى القطة وقررت أن تعود إلى جانب الطريق حتى تتجنب أمورًا أسوأ، ولكن يبدو أن ذلك الأمر الأسوأ قد حدث بالفعل، حيث اقتربت منها سيارة بسرعة كبيرة يبدو أن سائقها فقط تحكمه بها.
اتسعت عينيها بذعر تلبس جسدها حتى ثبتت قدماها بمكانها، أغمضت عينيها برعب مع شعورها بألم مروّع ينتشر بجسدها الذي تلقى اصطدام السيارة أولًا ثم الأرض التي استقرت عليها فاقدة وعيها!
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثاني 2 - بقلم منة جبريل
البارت الثاني
_ حادث ولا مُدبر؟
سؤال ليس وقته، الأولى أن يسأل عن حالها ووضعها ولكن بعد علمه أنها داخل غرفة العمليات تحت أيدي ريان الذي ينقذها، عمل عقله على تفسير كُل ما سمعه منذ البداية، وكانت كل نقاط التفكير تنتهي عند هذا السؤال، والذي حتمًا إجابته هي التي ستقرر مجرى الأحداث بعدها.
وهشام الذي انشغل عقله في سؤال آخر،ردد بانشداه وهو ينظر إلى قبضته وكلٌ يبكي على ليلاه :
_ تجنبتها ازاي دي؟
مرّ إياد من جانبه يردد بصوت هادئ وعقل تفرغ لمعرفة الإجابة عن سؤاله فقط، يقسم أنه سيُري العالم جحيمًا في الدُنيا إن كان مفتعلًا :
_ الحارس اللي كان معاها..
نظر له هشام بجانب عينه، هذا الوجه المتجمد لا يصل بينه وبين ذلك البشوش والملامح المُريحة شيء البتة، كان هذا خاويًا ومخيفًا، هل هذه حقيقته؟
لم ينتظر إياد أكثر وتحرك يبحث عن ذلك الحارس بنفسه، وفجأة ومن وسط أفكاره المُظلمة اصطدم بجسده جسد آخر اختلف بكينونته عنه، أكثر ليونة وهشة، جسد تعرف عليه دون النظر له ليحيطها بذراعيه هامسًا لها بصوت حنون وعاد وجهه منيرًا ذو ملامح ليّنة :
_ كل حاجة هتكون تمام، وهي هتكون بخير بإذن الله، متخافيش، أنا هنا
هزت أريب رأسها وهي تأخذ أنفاسها بين ذراعي أخيها، عيناها الحادة كانت محمرة من كبتها لدموعها ومشاعرها الحزينة المتفجرة بداخلها، هي عليها الصمود لتكون داعمة لا عائقة، أن تتحلى بالقوة في موقف لا يطلب سوى الثبات.
ربت إياد على رأسها ثم رفع بصره إلى تلك الواقفة على مقربة منه، ابتسم لها ومد ذراعه الأخرى ناحيتها لتسرع في امساكها والاقتراب منه، تسند رأسها على كتفه قائلة بما ضرب صميم قلبه :
_ كانت خايفة تدخل العمليات، قالتلي أقولك تكون جنبها أول ما تيجي، حتى لو مكانتش واعية
يا الله، ارفق بحاله، كيف الآن يفعلها؟ كيف الآن يحافظ على عهده في احتوائهن، أيبقى رفقتهما ليطمئن خوفهما، أم يذهب للأخرى ويحقق مطلبها، أم يتحرك للبحث عن حقيقة الحادث! تشتت عقله وتاه بين الكثير.
لتأتيه نجدة الله في صوت رجل جلى حنجرته لخشونة لينتبهوا له، ابتعدت حوراء وأريب ووقفتها خلف أخيهما الذي استدار ينظر للرجل بجهل لهويته، وكان غريبًا بالفعل، كان رجلًا في منتصف الثلاثين من عمره.
تحدث معرفًا عن نفسه في خجل :
_ أنا مُراد وأنا للأسف صاحب العربية اللي خبطت اللي عرفت من هشام أنها أختك، أنا بجد آسف وبعتذر ومستعد أعمل أي شيء تطلبه، بس والله ما كان قصدي والحادث حصل في لمح البصر، هي ظهرت في نص الطريق فجأة وأنا عيني غفلت عن الطريق قدامي لثانية، حاولت أتجنبها بس معرفتش.
تحدث بكل لباقة وأسف موضحًا ما حدث، يتابع في حذر رد فعل إياد والذي توقع منه أن ينقض عليه ويسدد إليه اللكمات الموجعة، ولكن كل ما وجده هو نظرات ثابتة داخل عينيه وكأنها تخترق روحه، علم أنه يحاول كشف صدقه من كذبه، ليكمل قوله في ثبات :
_ أنا مستعد لأي طلب وتعويض وأقدم اعتذاري للمرة التانية.
تقدم إياد خطوة منه ثم تحدث بهدوء :
_ كل دول تخليهم جواك لأن مفيش منهم فايدة، وإن كنت هعفو فدا لسبب واحد لا أكثر، أنك طلعت راجل ومهربتش
رفع مُراد حاجبه لينتبه إلى هشام الذي وضع كفه على كتفه قائلًا :
_ تقدر تمشي
_ مش أطمن على الآنسة الأول! أنا حاسس بذنب وتأنـ
_ صبري أقصر من شعر راسك، مش إني عفوت يعني هستحمل وجودك قصادي، اتفضل من هنا
كبح بيجاد ضحكته من كلمات إياد المنفعلة، والتي تسببت في تشنج وجه مُراد الذي تحسس رأسه الحليقة بيده وهو يردد بسخرية :
_ كان طويل والله بس المدام حكمت، على العموم ألف سلامة على الآنسة وأنا بقدم اعتذاري للمرة التانية، سلام.
أنهى حديثه وتحرك مغادرًا، ليتقول أريب بقلب حمل الحقد على الرجل :
_ لي مش ضربته؟
التفت لها إياد وابتسم في وجهها قائلًا :
_ كان نفسي والله بس طلع محترم، واحنا مش طاغيين علشان نضرب المحترم والوقح من غير تفرقة
تأففت أريب وقالت :
_ ولو، حسيته مش ندمان على اللي عمله
تحدث ببجاد ساخرًا :
_ أكتر من كدا إيه تاني، دا أسعفها ووصلها المستشفى مع الحارس ولما عرف إن ليها أخ فضل مستنيه علشان يعتذر منه بنفسه وكان مقرر يطمن على سلامتها لولا طرد أخوكِ ليه، ودا كله مش حاسس بتأنيب ضمير
تنهدت أريب ولم تتحدث، رغمًا عنها تحمل مشاعر الغضب عليه كونه السبب في حال أختها، وإياد الذي يعلم كينونتها مسح على وجنتها قائلًا بحنان :
_ متقلقيش، هي هتكون بخير
نظرت إلى عينيه قائلة بهمس يصله وحده، تكشف فيه عن وحش داخلها والذي ينهش عقلها منذ ما حدث :
_ خايفة دا يأثر على صحتها وهي ملهاش كتير بتمشي على رجلها، أنا خايفة من احتمالية خطورة الحادث على العملية يرجع بالسلب عليها، مش هستحمل أشوف حزنها بعد ما لمعت عيونها بفرحة براءة رجليها من المرض
أغمض إياد عينيه للحظات ينفي تلك الأفكار عن رأسه، أحد المخاوف التي هاجمته وأسرّها في نفسه، تبصقها الآن شقيقته في وجهه، جذبها إليه يحتضنها ماسحًا على ظهرها بينما يهمس جوار أذنها :
_ كل دي وساوس من الشيطان، ربك أرحم وأكبر من كل شيء، ثقي في رحمته وأحسني الظن في الجبار ومش هيخيب أملك أبدًا
ها هو الأخ الحصين يعود ليطمئن ويحتوي مخاوفها، ومع خروج كلماته ألقى السلام في جوف شقيقته وجوفه الذي كان يحتاج لسماع هذه الكلمات حتى وإن كان بصوته.
مرّت نصف ساعة وهم منتظرين خروج ريان، يقف بين شقيقتيه اللتان تستندان على كتفيه كلٌ على حدى، وهشام يقف مقابلًا لهم يستند على الحائط يعقد ذراعيه أمام صدره شاردًا، بينما بيجاد فوقف على بعد منهم برفقة كيان التي تمسك بكفه، وآسر الذي انضم لهم ما إن علم.
حرّك مقلتيه ناحيتها، وجهها ذو الملامح الصغيرة وعيناها المحمرة والتي لم تتخلى عن حدتها وقوتها، يجذبان انتباهه رغمًا عنه، يراها صغيرة على كل هذا الثبات!
انتفضت الأجساد ما إن فُتح الباب وخرج منه ريان مع أحد الممرضين وهو يلقي غليه أوامرًا سريعة قبل تحرك الممرض بعيدًا والتفات ريان للجميع، نظر إليها من بينهم، زوجته التي أسرعت في الاقتراب منه متلهفة سماع خبر يثلج صدرها
وابتسامته مع حديثه نزلا كالنسيم على بتلات وردة في فضل الصيف :
_ الحمدلله عدت مرحلة الخطر وخلال أربعة وعشرين ساعة هتكون تحت العناية علشان نتابع حالتها واستقرارها، وبعد مرور الأربعة وعشرين ساعة على خير نقدر نقول أنها بخير تمامًا
ابتسمت حوراء بشدة وحمدت الله بداخلها بينما نظرت أريب بقلق آلى إياد الذي فهم نظراتها ليتولى سؤال ريان عمّا يخيفهما :
_ الحمدلله، بس.. بالنسبة للعملية اللي ملهاش كتير طالعة منها دي إيه؟ هل في ضرر عليها؟
فهم ريان سؤاله جيدًا، ونفى برأسه قائلًا :
_ لا، مفيش ضرر
خرج زفيرًا من شفتي إياد بينما ضحكت أريب بصوت مسموع تنظر إلى أخيها بأعين لامعة بالراحة، ابتسم لها وهو يمسح على وجنتها برفق ثم نظر بلهفة إلى من خرج جسدها على الفراش، لم يدخل لغرفة العمليات كونه رأى حال تذبذب أريب بين مخاوف وصمت حوراء الذي نتج عن رعبها من فقدان شقيقتها، أما الآن يمكنه مجاورة شقيقته حتى تستعيد وعيها ويكون هو أول من تراه.
تحرك ريان ليبدل ملابسه سريعًا ويغسل يديه ويعقمهما ثم عاد بسرعة إلى زوجته التي جعلها تنتظر في مكتبه، أسرعت حوراء تلتجئ إلى حضنه تخرج تنهيدة حملت تعب أعصاب رافقها طيلة بقائه في الداخل، ألقت بتعبها وإرهاقها عليه وكان أكثر من مرحب على استقبالها بكل ما فيها.
ظل يمسح على ظهرها ويهدئها بكلمات حنونة مُحبة، حتى بدأ الإرهاق يخرج من داخلها ويطفو على على خارجها لتغفو على صدره، ابتسم ريان بحنان ووضعها على أريكة كانت مناسبة لتحمل جسدها، قبل جبينها ثم خرج.
توجه إلى الغرفة التي أمر أن يتم تحويل آية عليها ليقابله بيجاد الذي تحرك له بلهفة أثارت حفيظة ريان وهو يستمع لهمسه وكأن هناك مصيبة على وشك الحدوث :
_ إلحق هشام اللي واقف جوا دا وإياد لو رجع وشافه جنب أخته ينفخنا كلنا
ولكن كل ما خرج من ريان هو سؤال موازي :
_ مال وشك؟
تحسس بيجاد أنفه وقال ساخرًا :
_ دي إيد صاحبك المتخلف، المهم اتصرف مع الغبي اللي جوا قبـ... يخربيتك يا هشام، إياد رجع!!
اندفع ريان لداخل الغرفة دون النظر خلفه إلى إياد الذي كان ينظر في هاتفه ولم ينتبه سوى لوقوف بيجاد متوترًا ببسمة بلهاء على وجهه أمام باب الغرفة التي يُفترض أن تكون بها شقيقته!
ماذا حدث، هو بالكاد أوصل أريب إلى المنزل وبرفقتها كيان التي أصرت على البقاء معها بعد أن رفض إياد بقائها في المشفى هذا اليوم، وأخبرها أنه سيأتِ بحوراء لها إن بقي زوجها بالمشفى أيضًا، هذا ليس مكان ترتاح فيه شقيقاته!
_ حصل إيه؟ آية مالها؟؟
وسراله المندفع بقلقه لم بنتظر للحصول على الجواب من بيجاد بل أسرع يندفع لداخل الغرفة بكل قوة ورعب تملكه في لحظات، ليتوقف كل ذلك ما إن رأى ريان وهشام كل منهم يمسك قبضة الآخر وكأنهما كانا على بداية شجار ما!
هنا، حيث شقيقته الغائبة عن الوعي، في المشفى!
احتدت ملامح إياد وسأل بنبرة أظهرت انفعاله :
_ إيه اللي بتعملوه دا؟
اعتدل ريان وإياد في وقفتها وأجابه ريان بهدوء وكأنه ليس هو من كاد ينسى موقعه ويحطم الغرفة على رأس هشام :
_ مجرد نقاش حاد شويتين، عمومًا في شيء لازم تعرفه
وبكلمات قليلة استطاع ريان أن يغير انتباه إياد بالكامل ويصرفه عن غضبه ويحوله إلى تركيز وحذر :
_ خير ؟
_ أنا بحب أختك أوي
رفع هشام حاجبه بينما بهت وجه إياد للحظات وهو من ظن بأنه سيتحدث عن أمر خطير يخص شقيقته، اندفع له بغيظ قائلًا :
_ ما تحترم نفسك يا أخ أنت
_ إيه؟ أنا بحب أختك بجد والله وهي مراتي أصلًا فبراحتي
كز إياد على أسنانه بغيظ مرددًا :
_ ولما ترجع تقولها بالشكل دا مترجعش تشتكي
نظر له ريان باستفزاز ثم تحدث بهدوء وجدية :
_ تمام، يلا اطلعوا وجودكم هنا غير مرحب بيه
_ أنت أصلًا بتعمل إيه هنا؟
سأل هشام الذي حرك كتفيه قائلًا :
_ بكون في المكان اللي عايزه بكل بساطة
تابع إياد خروجه بملامح متشنجة ثم نظر إلى ريان مشيرًا في حديثه إلى هشام :
_ وإيه دا كمان؟!
حرك ريان كتفيه مثل صديقه وخرج دون حديث، تنهد إياد وعاد بنظره إلى آية، اقترب من فراشها ومسح على وجنتها برفق، مال عليها مقبلًا وجهها عدة قبلات هامسًا :
_ كوني بخير علشاني، وعلشان أخواتك اللي أبدًا ما هيكونوا بخير من غيرك
جلس جوار الفراش يميك كفها تارة ويحدثها تارة ويتلو عليها آيات القرآن الكريم تارة أخرى.
مرّت الساعات حتى انتصف الليل وتخطاه ببضع ساعات أخرى، فتح باب الغرفة بحذر وتأكد من خلوها من إياد وأنه الآن حقًا موجود في المرحاض
اقترب من الفراش ينظر إليها بأعين خضراء هادئة، ياطالع ملامحها المستكينة بأعين متسائلة، لمَ هي وماذا فعلت به كي ينجذب لها بهذه الطريقة؟ لمَ يشعر ناحيتها بمشاعر أقسم على النفور منها؟ لمَ هي الوحيدة التي تميزت في إحياء شعور النسؤولية والقلق ناحيتها؟
وشعور يعلمه جيدًا بدأ ينبض من جديد بداخله، نفض رأسه عند هذه النقطة بقوة، يرفض هذا، نهر نفسه للانجراف خلف رغبته في رؤيتها في هذا الوقت، بل وفي كل وقت!
نظر بسرعة إلى الباب الذي فُتح فجأة، توقفت أنفاسه لوهلة قبل أن يرَ أن المقتحم للغرفة هو ريان الذي جذبه بدون كلمات لخارج الغرفة، دلف به إلى مكتبه ودفعه أمامه وصرخ به غيظًا من أفعاله :
_ إيه لعب العيال اللي بتعمله دا؟ أنت عارف إياد لو شافك هيعمل فيك إيه؟ أيوا أنا مش هسمحله يأذيك بس بأي وجه هقف في وشه وأنت بتتجسس على أخته بالشكل المُريب دا ولا كأنك مهووس أو مضطرب عقليًا، أنت اتجننت يا هشام!
قلّب هشام عيناه وتحدث بضجر وهو يلقي بثقل جسده على المقعد، يكابر على مشاعره ويرفض الاعتراف بها :
_ مفيش داعي لكل دا يا ذئب، اهدى كدا وخُد أنفاسك، كل الحكاية إني كيان كلمتني وطلبت إني أقولها حال آية علشان تقوله لأخواتها، وأنا روحت علشان كدا بس
كاذب! يكذب بكل وقاحة وكأن من أمامه لا بعلم من هو، ونظرات ريان وكلماته الساخرة أعلمته أن كذبه لا ينطلي عليه، وفي الحقيقة هو لا يتهم، يكفي بأن لا يعترف بما يعتمر داخله ليس جُبنًا بل رفضًا له بالأساس :
_ وحيات أمك، أنت هتستعبط عليا أنا، بس ماشي، وماله يا ابن العانري، اعمل اللي عايزه بس اعرف إن دا كله عناد غبي وهينتهي مهما حصل وغصب عنك
_ مش هيحصل
_ وماله، أنا وأنت قاعدين والأيام تثبتلك صحة كلامي
طالعه هشام بانزعاج، قاطعهما دخول بيجاد للمكتب وهو يقول بكل جهل لما يحدث ويضع أمامهما طعام :
_ أنا جُعت بس طلبت ليكم معايا، وكمان إياد أخد حِصته، هتاكلوا؟
نظر لهما بيجاد ورأى علامات الغضب علة وجه ريان والإنزعاج على ملامح هشام، ليجلس بعدم اهتمام وبدأ يتناول طعامه وهو يتابعهما في صمت ينتظر أن يستمتع بمشاهد مسلية بينما يتناول طعامه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظرت إلى ساعة هاتفها بينما تسير بسرعة إلى داخل المشفى، ها هو اليوم الثاني بدأ وقارب على الانتهاء مع غروب الشمس لتعلم أن شقيقتها بدأت تستعيد وعيها.
توقف فجأة مع سقوط هاتفها ما إن اصطدمت بجسد لتقول بسرعة وهي تبتعد إلى الخلف :
_ مكنتش أقصد أنا أسـ
توقفت الكلمات بحلقها وهي ترَ أنه آسر ليس غيره، والذي خلع نظر لها من علياه وابتسم بجانبية مرددًا :
_ هي دي نهاية اليوم؟ هل هي دي ختامه مسك؟! معتقدش
لم تجيبه والتقطت هاتفها بينما تخطته وأكملت سيرها دون الالتفات له، بينما تبعها آسر وهو ينظر إلى حركاتها التي تظهر انفعالها وتسيطر عليها بصعوبة، ابتسامة زينت وجهه وهو يتابعها تتعرقل ثم تعتدل بسرعة وتكمل سيرها وكأن لا شيء حدث، رغم علمها بأنه خلفها كونهما لا يفصلهما سوى بضع خطوات هي تتقدمه بها.
دلفت إلى غرفة غير التي كانت بها آية بالأمس وتم نقلها عليها منذ ساعات قليلة، لتجد بها إياد و... الجميع، الجميع عدا كيان التي ذهبت للشركة تقضي الأعمال بدلًا عن أخيها لهذا اليوم.
انتبهت حواس الجنيع بصوت أنين خافت، لتلتف اارؤوس والأبصار ناحيتها فجأة، ليروها وهي تحرك مقلتيها ثم تحاول فتح جفنيها بوهن، ورأسها المستند على جانبه الأيمن جعل أول ما تراه هي مُقلتان خضراء لامعة.
تواصل بصري قصير بينهما قطعه وجه مألوف محبوب لها، ألَا وهو شقيقها الذي ابتسم لها بسمة في غاية الجمال، همس لها بحنان وسعادة :
_ أميرتي..
ثم قبل رأسها بعمق وهو يحمد ربه كثيرًا، بينما احتضنتها حوراء وأريب برفق حرصًا على حالتها، بينما تحدث آسر وبيجاد معًا قبل خروجهما من الغرفة :
_ الحمدلله على سلامتك يا آنسة آية
نظرت لهما بدون حديث، لا زال لسانها ثقيلًا ورأسها أثقل، بالكاد تحرك مقلتيها، وهشام الذي تحرك ووقف في آخر الغرفة، حيث الحميع يولونه ظهورهم ويستطيع النظر لها براحة، انتفض مقتربًا من فراشها بسرعة البرق ما إن تجعدت ملامحها بألم خرج على هيأة تأوهات منها :
_ مالها يا ريان؟؟
والقلق الذي سيطر على إياد جعله يغفل عن فعله، بينما تنهد ريان من صديقه الغبي والذي سيوقعهم في المتاعب لا ريب :
_ هيكون ألم بسبب اصطدام العربية مش أكتر، وعلشان اتأكد اطلعوا برا
_ هي بخير؟
سألته حوراء بقلق لينظر لها ثم إلى إياد وأريب وهشام الذين ثبتت أنظارهم عليه ينتظرون إجابة هذا السؤال، ليهز رأسه قائلًا :
_ هي بخير متقلقيش، دي مجرد أثار جانبية للحادث
تنهد إياد وخرج رفقة شقيقتيه وهشام بينما اقترب ريان من آية ووضع لها جرعة مخدر في المحلول الوريدي وقال مبتسمًا لها :
_ الحمدلله على سلامتك، لحظات والألم هيروح
_ هو إيه اللي حصل؟
نظر لها ريان عاقدًا حاجبيه لتقول بأعين بدأت تثقل :
_ أنا مش فاكرة أنا هنا ليه؟
_ إيه! آية أنتِ بتقولي إيه؟
قالها بسرعة ولكن الأخرى كانت قد غفت، ليزفر ريان بقوة ونظر لها للحظات وقرر أن يسر الأمر في نفسه حتى يعلم ماذا يحدث.
_ هي آية كويسة بجد؟
سألت أريب أخاها تطمئن منه مائة مرة في الدقيقة، وها هو يجيبها للمرة المائة وواحد عن طيب نفس :
_ الحمدلله كويسة، ريان قال أنها مجرد أثار جانبية للحادث.
ابتسمت له وهزت رأسها في صمت، بينما نأى بيجاد بهشام بعيدًا وهو يهمس له ببرود :
_ ما تروح تاخدها بالحضن أحسن، بكلمك بأمانة، احضنها وقولها أنك بتحبها واتجوزها ونخلص بقى بدل ما أنت موقع قلبي وقلب ريان معاك كل شوية، يا ابني والله إياد لو مسكك ما هيحلك، أنت مش فاكر تفادى ضربتك ازاي!
_ خلاص بقى يا بيجاد قرفتوني في عيشتي، إياد هيعمل إياد هيشوفك، أنا بعمل إيه يعني لكل دا؟
رمقه بيجاد بنظرة تهكمية أخبرته بكل وضوح ماذا يفعل، ليزفر هشام وتحرك بغيظ قائلًا :
_ سايبهالكم خالص
_ تريح والله بدل ما حالنا اللي شبه المربية اللي بتمشي ورا عيال قليلة أدب
وصلته سبّة من هشام جعلته يرفع صوته قائلًا :
_ هو دا اللي أقصده بقليل الأدب
بعد وقت استعادت آية فيه وعيها من جديد، ليسألها ريان على الفور عن إذا ما كانت تتذكر ما حدث معها، لتجيبه بوهن :
_ أيوا، أنا قولت لإياد إني هخرج أتمشى وبعدها ظهرت عربية فجأة قدامي
نظر لها ريان للحظات بتفكير، إذا كانت تتذكر لما قالت عكس ذلك قبل ساعات! ليحلل بأنه بسبب الصدمة أو الإجهاد.
لتمر الأيام وتحسنت حال آية مع رعاية كاملة نفسيًا وجسديًا، فقد كان يخشى إياد من أن تسوء حالتها النفسية ليعمل عليها بجهد تجنبًا لذلك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرّ شهران في أحداث متفاوتة بين الجميع، مشاحنات معتادة بين أريب وآسر، وإنقاذ ريان وبيجاد لصديقهم من مواقف حمقاء يضع نفسه بها بدون تفكير، وأتت امتحانات أريب للثانوية العامة لتبدأ في التجهز لها وها هو اليوم الأول لها في الامتحانات..
تجهزت سريعًا وترجلت الدرج وهي تمسك بحقيبتها الصغيرة وقبلت شقيقتها من وجنتها وهتفت وهى تخرج سريعًا :
- ادعيلي واتصلي بإياد قوليبه يدعيلي
أجابتها آية مبتسمة بينما إياد فكان في العمل :
- استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه
صعدت أريب السيارة وصعد معها عدنان ذلك الحارس الضخم المسؤول عن حمايتهم مع فريقه.
هتفت أريب بعدما اقتربوا :
- بس اقف هنا مش لازم تدخل جوا
هتف عدنان بجدية وهو لا يتوقف :
- الأوامر مش كدا ياهانم
هتفت أريب بغضب :
- ﭢوامر مين دي إن شاء الله؟
اجابها عدنان بهدوء وجدية :
- إياد باشا
زفرت أريب بهدوء وهي تحاول تهدأه نفسها فهي لا تستطيع مخالفه كلمة قالها أخاها على كل حال.
خرجت من السياره لتجد الكثير من الحرس يلتفون حولها وهم يدلفون بها إلى الداخل لترى نظرات الجميع المتعجبة نحوها، لتمسح وجهها بنفاد صبر وهتفت وهي ترسم ابتسامة مغتصبة على شفتيها :
- ممكن كفاية لحد كدا، ما هو بالعقل مش هتخطف وسط الناس دي كلها!
أماء لها عدنان بدون أن يتحدث وتوقف وهو الرجال لتبدأ هي بالسير إلى الداخل متجاهلة نظرات الجميع نحوها، لتتوقف عندما أتتها إحدى الفتيات والتي تكون صديقة لها واحتضنتها باشتياق وهتفت بتساؤل :
- إي دا يا أريب ماشية بمدرعات بشرية ليه؟ تكوني بنت الوزير وأنا معرفش! وبعدين لي مش باينة الأيام اللي فاتت بقالك فترة مختفية؟
ضحكت أريب وأوقفت حديثها الكثير :
- اسكتي بالله يا قمر علشان أنا هتشل منهم وهبقي أحكيلك بعد الإمتحان وبعدين تعالي هنا علشان نراجع بسرعه قبل ما يبدأ الإمتحان
ضحكت قمر تلك الصديقة الوحيدة لأريب في الدراسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( قمر سيف الدين : تسعة عشر عامًا، فتاة يتيمة الأم تعيش مع والدها الذي يكون لها عالمًا بكل أحواله "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت من الاستعداد للذهاب إلى شقيقتها اليوم، ترجلت الدرج لتبتسم في وجه كيان التي تتعلق بذراع أخيها :
_ يلا؟
نظر لها ريان منتبهًا ليرسم بسمة محبة على وجهه ومد لها كفه الأخرى لتمسكها برفق وخرج ثلاثتهم متجهين نحو فيلا إياد.
وقد كان بانتظارهم رفقة آية التي تحسنت حالها تمامًا، ولا تعاني سوى من الضجر بعد أن منعها إياد من الخروج بمفردها، أخذ حوراء في عناق حنون ثم صافح ريان مرحبًا والتفت دون انتباه لتلك التي تقف خلف أخيها، لم يرَها!
زمت كيان شفتيها وقبل أن تتحدث ابتسمت إلى آية التي انتبهت لها، لترحب بها بحبور بينما هي نظرت إلى إياد قائلة بخفوت :
_ ازيك يا إياد؟
انتبه لها إياد ليهز رأسه مبتسمًا بدون النظر لها قائلًا :
_ في نعم الحمدلله، وأنتِ؟
_ بخير
هز رأسه ثم انتبه مجددًا في الحديث إلى ريان الذي ردد بجدية :
- أنا هروح الشركة وأتت يا إياد عارف إني سامحلك بإجازة مفتوحة وبراحتك
هتف إياد بجدية :
- لا أنا مش محتاج اجازات وبما أن حوراء والآنسة موجودين مع آية فهروح معاك دلوقتي
نظر ريان إلى حوراء واقترب منها هامسًا :
_ لو احتاجتي حاجة اتصلي عليا
أماءت له واستقبلت قبلته على جبينها بخجل من أخيها، ثم تحرك ناحية كيان وقبلها من جبينها وتحرك للخارج، وفعل إياد المثل مع شقيقتيه ثم ألقى السلام قبل رحيله على كيان دون النظر لها بينما هي تابعته بأعين لامعه وللمرة الثانية تلاحظها حوراء وأيضًا لم تخفى عن آية.
سحبتها حوراء فجأة من يدها وأجلستها بينها وبين آية لتهتف كيان بفزع باللغة التركية :
_ ne oldu ?
_ ماذا حدث؟
فهمتها حوراء فقد علمها ريان بعض الكلمات التركية ولكن ليس كلها بسبب عدم توفر الوقت :
_ عايزاكِ تعاونيني على الأخت دي، قوليلي يا آية هشام ماله بيكِ!
هتفت كيان بسرعة :
_ اتش دا غريب، أنا أول مرة اشوفه بيخاف على حد كدا غيرنا
هتفت آية بهدوء ودون فهم لما يلمحان إليه :
_ أنتوا قصدكوا إيه؟؟
ضحكت كيان، بينما قررت حوراء أن تتحدث مع أخيها لتعلم إذا كان يحب فتاة ما أو لا بعد أن رأت نظرات الإعجاب في أعين كيان، تخشى عليها أن يكون حبًا من طرف واحد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يا أمي، يا حبيبتي ويا نور عيني، ارحميني أبوس إيدك، أنا مش بفكر في الموضوع دا دلوقتي أبدًا
تحدث آسر متنهدًا بيأس من إلحاح والدته عليه، لتقول سناء بنفاد صبر عليه :
_ مش بتفكر فيه دلوقتي؟ أمال هتفكر فيه امتى يا حيلة أمك؟ لما تتم الأربعين! أنت ناسي أنك ثلاثين سنة خلاص والبنات مبقوش يحبوا اللي يكبرهم بكتير، يا إما اللي في عمرهم أو اللي يسبقها بسنين متتعداش الخمسة
_ في داهية، أنا لما أحس إن نفسي بتهفني على الجواز هتجوز، متشغليش بالك أنتِ
تنهدت سناء واقتربت منه قائلة بحنان :
_ يا حبيبي أنا لو مشغلتش بالي بيك هشغله بمين غيرك، أنا نفسي أفرح بيك قبل ما أسيبك في الدنيا دي لوحدك
قبل آسر كفها قائلًا :
_ بعيد الشر عنك يا أمي، ربنا يجعل يومي قبل يومـ
قاطعته ناهرة وقد آلمها قلبها ولمعت عيناها بالدموع :
_ الله يسامحك، ربنا يطول في عمرك وتشوف الحلو كله في الدنيا دي، إنما أنا أخدت نصيبي في أبوك الله يرحمه وفيك خلاص، وبعدين أبوك وحشني أوي يا آسر
نهض آسر وعانقها مرددًا :
_ ادعيله بالرحمة بس متفكريش أنك تسيبيني علشانه، أنا بغير يا ست أنتِ
ضحكت من بين دموعها تضرب كتفه برفق، ليبتسم آسر وقبل رأسها هامسًا :
_ يديمك ليا يا حبيبتي
ثم ابتعد عنها وقبل كفيها مرة أخرى هاتفًا :
_ تسمحيلي أمشي دلوقتي يا أمى
أومأت له بحنان ليذهب ولكنه توقف وعندما سمعها تهتف بإصرار :
- وبرضه هشوفلك عروسة يا ابن بطني
هز رأسه بيأس من والدته ورحل لتتنهد وهي تنظر إلى أثره وقلبها يدعوا له بصلاح الحال.
دلف آسر إلى مبنى المخابرات بهيبته المعتادة وثقته بنفسه ودلف إلى مكتب اللواء حمدي الذي قال بدون مقدمات :
_ الملف أهو، ادرسه كويس وعايزه يكون سري تمامًا لأسباب أنت هتعرفها لما تقرأه
أماء له آسر وأخذ الملف وتحرك إلى غرفته في المقر وما إن بدأ في قراءة الملف حتى بدأت عيناه تتسع تدريجيًا، لينتفض قائلًا :
_ يا نهار مشوفتش في جماله
أخذ الملف رفقته، فهذا الملف لا يجدر به سوى أن يبقى في مكان آمن، صعد سيارته وهو مصعوق من الذي قرأته عيناه للتو، ليتوقف وهو يرى هاتفه يضيء باسم صديقه بيجاد ليستعيد ربطه جأشه وهتف بثبات لم يشك به بيجاد :
_ أيوا يا بيجاد
استمع إلى حديث الآخر ليقول بهدوء :
_ ماشي جايلك على طول
أغلق هاتفه وزفر بقوة ووضع الملف في مكان غير مرئي فى السيارة وانطلق إلى صديقه الذى أخبره أنه يريده لكي يجتمع هو وهشام وريان معًا لبعض الوقت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جلستا معًا في نادٍ بعد انتهائهما، لتقول قمر بانتباه إلى أريب :
_ يلا بقى احكيلي اختفيتي فين الأيام اللي فاتت دي، عرفت أنكم سبتوا البيت من طنط آمنة ومحدش يعرفلكم طريق
هتفت أريب بهدوء :
_هحكيلك
وبدأت أريب بقص كل شئ لصديقتها فهي بئر أسرارها.
هتفت قمر بصدمة :
_ دا كله حصل معاكم؟ وحوراء دلوقتى أخبارها إيه؟
هتفت أريب وهى تستعد لصدمة صديقتها :
_ اتجوزت
_ نعـــم
صرخت بها قمر بصدمة لتجعل كل من بالمكان ينظر لهما بانزعاط، لتقول أريب بنهر لها :
_ وطي صوتك
حمحمت قمر بخجل وهتفت بصوت منخفض :
_ اتجوزت ازاي يعني! ومن مين؟
اردفت أريب مبتسمة :
_ اتجوزت ازاى بيعي زي الناس، بس مش هتصدقي اتجوزت مين
هتفت قمر وهي تنظر إلى صديقتها بنصف عين بريبة :
_ أوعي تقوليلي أنها اتجوزت الواد الأهبل اللي كان دايمًا يقول أنا هتحوز أخت إياد الحلوة
ضحكت أريب بقوة عند تذكر ذلك الشاب :
- استغفر الله أهبل إيه بس يا بنتي فكرتيني بيه والله كان غلبان
هتفت قمر :
_ ماشي غلبان مش أهبل، قوليلي بقى اتحوزت مين؟ تعرفي... أنا ليا فترة بحب في أكبر رجل أعمال في العالم، بجد كاسح العالم بشركاته وكل أملاكه، وأحملهم لأنه مجنس أصلًا نص تركي ونص مصري وحاجة آخر حلاوة، أكيد واخد الجمال التركي، عيونه متعرفيش لونها رمادي من أخضر ولا هيبته واسمه اللي بيرعب الكل، حاجة كدا آخر حب بس المشكلة أنه ميعرفش إني عايشة أصلًا
وأريب التي اتسعت ابتسامتها قالت :
_ اسمه ريان الكيلاني
تنهدت قمر بحالمية :
_ وهو في غيره، هو أنتِ بتحبي فيه ولا إيه؟
سألتها ضاحكة لتقول أريب :
_ حوراء لو سمعتك هتجيبك من شعرك
_ لي؟ أنتوا كلكم بتحبوا فيه!
ضحكت أريب قائلة :
_ لا، هي الأحق بيه لأنه جوزها
نظرت لها قمر قائلة بعدم فهم أو استيعاب :
_ هو مين دا؟
_ ريان الكيلاني يبقر زوج أختي حوراء عبد القادر يا حلوة
ضحكت قمر بقوة غير مصدقة :
_ قولي غيرها، أيوا عرفت انه للأسف اتحوز بس ملهاش صور أو أي معلومة عنها
أخرحت أريب هاتفها تريها صور وبعض فيديوهات زفاف أختها :
_ شوفي بنفسك
كانت قمر تشاهد بصدمة وعدم تصديق.، ثم هتفت بوله وكلٌ يبكي على ليلاه :
_ يا بت، مين الحلو دا؟
أشارت على أحد أفراد عائلة ريان لتجيبها أريب بتفكير :
_ دا ابن عم ريان، وبعدين أنتِ مش بتحبي في ريان، لحقتي تحولي على غيره
_ لا خلاص بما أنه اتجوز يبقى ميخصنيش، نشوف اللي بعده
قالتها قمر ضاحكة، لتهز أريب رأسها بيأس منها، لتنهض قمر وهى تسحب أريب خلفها :
_ تعالي يلا علشان الحج سيف مبطلش يسأل عنك
ضحكت أريب وهي تفكر في ذلك الرجل الحنون الذي يعاملها كابنته، لتتوقف رفقة قمر ما إن حاوط بهما عدنان برجاله وهتف عدنان بصوت أجش :
- اتفضلي يا هانم
هتفت أريب بهدوء :
- امشوا انتوا
هتف عدنان بجدية :
- منقدرش يا هانم اتفضلي واحنا نوصلك للمكان اللى عايزاه
أماءت له أريب وامسكت بيد صديقتها التي كانت تقف بجوارها بصمت وخوف من هيأتهم وصعدت معها السياره وانطلقوا إلى وجهتهم، إلى بيت قمر.
وصلتا إلى المنزل ودلفتا إليه ليريا سيف الدبن والد قمر يجلس يقرأ من كتاب الله، ليصدّق منه عندما علم من أن ابنته قد أتت من الخارج وهتف بحنان :
_ تعالي يا قمري عملتي إيه في الامتحان
ابتسمت قمر على هذا اللقب الذي دائمًا والدها يناديها به وهتفت بسعادة :
- الحمدلله يا سيف بس أنا النهاردة عملالك مفاجأة محصلتش
ضحك سيف وهتف بمرح :
_ وهي اي دي بقى يا قمر سيف؟
ظهرت أريب من خلف الحائط وهي تهتف بسعادة :
_ أنا يا سيف
نظر لها سيف وهتف بسعادة كبيرة :
_ أريب حبيبة قلبي
ونهض وتوجه لها لتتقدم هي منه سريعًا واحتضنته باشتياق وهو أيضًا وهتف باشتياق شديد :
_ وحشتيني يا حبيبة القلب، اخبارك واخبار اخواتك، إيه الغيبة دي كلها
هتفت أريب بحب صادق لهذا الرجل الذي تشعر معه بحنان الأب الذي حرمت منه :
_ بخير الحمدلله يا سيف كلنا بخير الحمدلله
هتفت قمر بضيق مصطنع :
_ بس اقعدوا علشان نتكلم مع بعض وكفايه، راعوا إني بغير
ضحك سيف وأريب عليها وجلسوا يتحدثون معًا وأخبرته أريب عن سبب غيابها وقضوا وقتا ممتعًا وقبل رحيل أريب هتف سيف بحنان :
_ متغيبيش عننا تاني
ضحكت بمر وأريب التى هتفت :
_ حاضر بإذن الله يا سيف، يلا السلام عليكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ثلاثة أيام
كان في مكتبه يصب كل تركيزه على حديث إياد الذى يتحدث بجدية عن أمور حسابات الشركة وقد أعجب بذكائه وثقته بنفسه بالحديث ورأى ذلك الثبات الذي في عينيه غير باقي العاملين في الشركة الذين دائمًا عندما يتحدثون معه أو حتى يقفون أمامه يرتجفون من الخوف، وهذا الأحسن لهم بالطبع ولكن ثقه هذا الإياد بنفسه تعجبه كثيرًا.
أنهى إياد حديثه وهو يغلق الملف الذي بيده وهتف بجدية :
_ كدا كل حاجه تمام، عن إذنك
أومأ له ريان بهدوء، قاطع هذا الهدوء صوت رنين هاتف ريان الذؤ التقطه وأجاب سريعًا عندما رأى هوية المتصل ووضع الهاتف على أذنه وبعد وقت بدون أن يتحدث اغلق الهاتف ونهض بسرعة ملتقطًا سترته ومفاتيح سيارته وخرج من المكتب سريعًا رآه إياد الذي كان ما زال لم يصل إلى مكتبه.
أصابه القلق من سرعته ولهفته بهذه الطريقة وتبعه بقلق يخشى أن يكون حدث مكروه لشقيقته
رآه يصعد سيارته ويدورها سريعًا ولم يلحق به ليجول بعينيه في المكان ليرى بيجاد وهشام وأيضًا آسر وهم يترجلون من السيارة لينطلق لهم وهتف بقلق :
_ حصل إيه؟ مال ريان؟؟
نظروا له بعدم فهم وهتف هشام بقلق :
_ ريان مش في الشركة!
- لا، خرج دلوقتي كان شكله قلقان ومشي بسرعة
أخرج بيجاد هاتفه وهاتف صديقه وبعد وقت اغلق الهاتف وظهرت على معالم وجهه هو أيضًا القلق وهتف سريعًا :
- اركبوا بسرعة
صعد الجميع ومعهم إياد وانطلق بيجاد إلى وجهته
هتف آسر بقلق :
_ في إيه يا بيجاد أنت كمان وشك اتغير كدا ليه
هتف إياد بقلق تحكم به وكاد قلبه يتوقف من محرد التفكير أن أحد اخوته أصابهن سوء :
_حوراء حصلها حاجه يابيجاد؟ آية، أريب!
نبض قلب هشام بالقلق ليقص لهم بيجاد الأمر وهو يزيد من سرعة سيارته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مغامرات لا تنتهي.
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثالث 3 - بقلم منة جبريل
صوت احتكاك إطارات السيارة بالأرض هو كل ما سيطر على المكان للحظات قبل أن يندفع منها ريان يتحرك بخطوات ثقيلة وواسعة إلى داخل القصر والذي لم تتواجد به حوراء أو كيان كونهما في فيلا إياد برفقة آية.
اندفع ريان وهو ينظر إلى تلك التي تجلس في البهو تخفي وجهها بين كفيها تبكي بشدة، هتف بصوت قوي ظهر به قلقه:
_ ليان…
رفعت وجهها له ما إن سمعت صوته، ليفزع عندما رأى وجهها المتورم وتلك الدماء التي على جبينها وجانب فمها وشعرها المشعث وملابسها الممزقة، يا الله، ما الذي أصابها؟
تملكه الرعب من هيأتها وأسوأ الأفكار بدأت تراود عقله، نهضت ليان مسرعة نحوه تعانقه محتمية به مما مرت به، لحظات صامتة مرت عليهما لم يقطعها سوى صوت شهقاتها قبل أن يقطعها وهو يبعدها عنه قائلًا بغضب:
_ مين عمل فيكِ كدا؟
وهي التي ما زالت في حال الرعب لم تفعل سوى أنها أجهشت في بكاء قوي جعله يمسك بذراعها في قوة من شدة قلقه يسألها بانفعال:
_ انطقي، قولي الاسم بس، مين اللي اتجرأ وقرب منك؟ اتكلمي يا ليان متسيبنيش لناري.
حاولت التحدث ولكن كل ما خرج منها هو تمتمات غير مفهومة جعلته يشفق عليها، جذبها إلى صدره يحاول تهدأتها، مسح بكفه على خصلاتها برفق هامسًا:
_ اهدي، أنا هنا، متخافيش.
أجلسها على المقعد وأمر العاملة بأن تأتِ له بكوب ماء وعلبة الإسعافات الأولية، كل همه الآن أن يداوي جراحها ثم سيتركها لتبدل ثيابها وترتاح قليلًا وبعدها... سيعلم منها كل شيء.
في ذلك الوقت دلف بيجاد برفقة حوراء وكيان وحتى آية بعد أن هاتفه ريان وهو بمنتصف طريقه إلى هنا يخبره أن يحضرهن معه، وحمد الله أن إياد كان معه منذ البداية فهو لم يكن ليصبر طويلًا حتى يأتِ بإياد.
توقفت قدميه بصدمة شلّت أطراف جسده، شعر وكأن دلو ماء بارد انسكب عليه، حرك قدمه بصعوبة كلسانه الذي همس بصدمة وحالها لم يوصل له سوى فكرة سوداوية:
_ ليان!
وحال هشام لم يختلف عنه، يا الله، مدللتهم الثانية والتي تحوز على مكانة كبيرة لديه، ماذا حل بها؟
بينما شهقت كيان برعب وهي تهتف باسمها مقتربة منها بسرعة وقد انهمرت دموعها على ابنة عمها وصديقتها، أما حوراء وآية فنظرا لها بصدمة وخوف، أشاح إياد بنظره بعيدًا، أما آسر فوقف متحفزًا، كل ما يعلمه أن هذه الفتاة تقرب صديقه، وبالتأكيد الذي يتملكه الآن وهو يداوي جراحها لن يعقبه سوى عاصفة غضب قوية.
_ ليان، حصل إيه؟
نظرت له ليان بأعين منتفخة حمراء أثر بكائها، وفجأة وبينما هي تنظر إلى بيجاد، انغلقت عيناها وسقطت رأسها على ريان الذي كان يمسك ذراعها يسعف جرحها، أمسك بها بسرعة بينما انحنى بيجاد ناحيتها وحملها وتحرك بها إلى الأعلى في صمت شديد، تبعه ريان وهشام الذي قتمت عيناه بشكل مخيف.
اقتربت حوراء من كيان تربت على كتفها تحاول تهدأتها، الجميع بداخل رؤوسهم أسئلة كثيرة، ولكن الضجة داخلهم فقط!
قاطعهم صوت هشام الذي نادى على كيان والتي صعدت له في لهفة ليمسح دموعها قائلًا بصوت ظهرت به مشاعره السلبية:
_ خليكِ معاها، ومتقلقيش، كل حاجة هتكون بخير.
_ هي حصلها إيه يا هشام؟
سألته ببكاء وحزن، تنهد هشام ولم يفعل سوى أن يربت على رأسها، لا زال لا يعلم ماذا حدث معها ولكن بالتأكيد سيعلم، وحينها... حينها فقط سيتوقف عن كبت مشاعره التي تحرق جوفه.
بعد دقائق، اجتمع الخمس رجال معًا في البهو بينما صعدت آية وحوراء لمجاورة كيان، تحدث بيجاد بنبرة باردة:
_ إحنا لازم نعرف حصل إيه، وازاي جات لوحدها وهما هناك عارفين ولا لأ.
تحدث هشام بجدية:
_ هتصل على أيان.
وما إن أنهى حديثه حتى تعالى رنين هاتف ريان الذي ما إن رأى المتصل على أدار الهاتف إلى هشام ليظهر أنه أيان، قام ريان بالرد عليه وما إن فعل حتى وصله صوت أيان والذي شعر أنه على حافة الجنون، وقد كان كذلك بالفعل وهو يبحث عن شقيقته المختفية:
_ يارن.. ليان مش موجودة، ليان مختفية أكتر من خمس ساعات ومش لاقيها!!
نظر ريان حوله إلى الرجال ثم تنهد وتحدث بصوت ثابت قوي:
_ أيان، اهدى وركز معايا ونفذ اللي هقولك عليه بالحرف.
بعد وقت كان لا زال الخمسة باقين في بهو القصر، وانضمت لهم الفتيات بعد أن أخبرهن ريان بذلك ولا يعلمن السبب.
ولكن ها هو السبب يندفع لهم من الخارج يهتف بصوت منفعل مرتفع وأنفاسه الثائرة تظهر حالته السيئة:
_ فينها؟
تبعه دخول أقوى وصوت جهوري مع أعين ذهبية تلمع بنيران الغضب والقلق:
_ فين ليان؟
_ فوق، في أول أوضة على اليمين.
جملة بسيطة من ريان ما إن انتهى منها حتى اختفى أثرهما من شدة سرعتهما إلى الأعلى، كانت هيأتهما المندفعة تفزع الفتيات إن بقين معها بالغرفة، خاصةً في حال الأخوين السيئة.
ثبتت قدم أيهم عند باب الغرفة بينما صرخ أيان باسم توأمه في لوعة وهو يرى وجهها الشاحب، ومن الجيد أن الفتيات أبدلن لها ثيابها وإلا كان الأمر ليصبح أسوأ على كليهما.
نظر أيهم إلى جسدها الذي يضمه إليه أيان وهو يهتف باسمها، وكأنها فاقدة للحياة، تحرك بأقدام شعر بأنها ثقيلة، وقف على مقربة منهما وراقبها وهي تفتح جفنيها بتعب:
_ أيان!
همست وصوت أخيها يعانق سمعها، ضمها أيان إليه في لهفة مرددًا:
_ حياتي، حياة أيان أنتِ.
تحركت مقلتاها إلى أيهم الذي مسح على شعرها ثم سألها:
_ إيه اللي حصل؟
وكأنه أعطى الإشارة الخضراء إلى عقلها ليتذكر ما حدث، لتنتحب في بكاء شديد جعل أيان يضم رأسها إلى صدره وهو بهدهدها بينما النيران اندلعت في جوفه وقد اختلطت الشعيرات الحمراء بزرقاويه بشكل مخيف.
أما أيهم فلم يشعر بقبضته التي ابيضت من شدة ضغطه عليه، يقسم أن يذيق ذلك الذي تجرأ وفعل معها هذا أسوأ وأبشع العذاب.
بينما هي تركت العنان لدموعها تبكي على صدر أخيها وتوأمها وهي تتذكر مشاعر الذعر والألم التي تعرضت لها حتى شعرت أنها لن ترى عائلتها مجددًا.
بعد وقت هدأت فيه، سألها أيان بحنان:
_ هتقدري تتكلمي؟
أماءت له في صمت ليقبل جبينها ثم حملها برفق ونزل بها إلى الأسفل وتبعه أيهم في صمت يترقب تلك اللحظة التي سيعرف فيها الميت الذي يمشي على قدمين... إلى الآن فقط.
ما إن وضعها على المقعد دارت بعينيها حولها ووجدت الجميع، أخويها وأبناء عميها وحتى زوجة ابن عمها وشقيقيها وشخص آخر لم تتعرف عليه، والذي كان آسر.
ومن بين الجميع شعرت بالحزن والفراغ فجأة، أين هو؟ لمَ وجهه ليس بينهم؟ أين يكون حينما تكون في أمس الحاجة إليه، وهو الذي يتغنى بحبه الأبدي لها!
ونظراتها التي لم تخفى على ريان ولكنه قرر تجاهلها، يسألها بهدوء:
_ تقدري تحكيلنا اللي حصل؟
أماءت له في صمت، ليجلس أيهم على جانبها الآخر لتكون بين شقيقها، أمسك كفها ينظر لها باهتمام ولكن عميقًا هناك داخل عينيه، شيء مرعب.
كانت تسير بهدوء وشعرها يتطاير حولها بسبب نسمات الهواء تبتسم في حماس وقد خرجت للتسوق، ولكن فجأة قطع طريقها سيارة سوداء كبيرة خرجت منها أربعة لم تستطع تفاديها وهي تكمم فمها وتحيط بجسدها تسحبها إلى داخل السيارة.
كل ذلك حدث في لمح البصر حتى أنها لم تستوعب ما أصابها، ولم تشعر سوى بالذعر وهي تحاول مقاومتهم والصراخ ولكن كل ذلك ذهب هباء بعد استنشاقها لمادة مخدرة أفقدتها وعيها...
بعد مدة لا تعلمها فتحت عينيها وهي تشعر ببرودة ورطوبة جعلت جسدها يرتجف، ارتجافة برد وذعر ما إن فتحت عينيها على مكان مظلم لتراودها ذكريات آخر شيء أصابها، نظرت إلى جسدها المكبل في مقعد خشبي وسط فراغ كبير من حولها، لتحاول التحرك بعنف ولكن لا فائدة، كان الرباط محكمًا عليها حتى أنه أصاب جسدها وذراعيها بالألم.
وحتى الصراخ سلبوه منها عندما كمموا فمها بلاصق قوي، ظلت تتحرك في عنف حتى توقفت على صوت خطوات تقترب منها، رفعت رأسها تنظر إلى الذي وقف أمامها بنظرات شرسة قوية، وأعين محمرة بغضب، وإن كانت ترتجف بداخلها رعبًا فهي لن تظهر ذلك أبدًا.
وكونها شقيقة أيهم، وابنة عم ريان وبيجاد الكيلاني وتهُم هشام العامري، الذين لديهم الكثير من الأعداء، فقد تعرضت لمثل هذه المواقف كثيرًا، وفي كل مرة كانت تشعر بالرعب ولكن بمر الوقت تكتسب مناعة حول هذا الأمر، فها هي تنحي خوفها إلى أبعد نقطة تواجه من اختطفها بنظرات قاتلة لا تظهر ولو قليلًا من الضعف.
تغضن وجهها وهي تسمع صوت الرجل المستفز:
_ آسف على معاملة رجالي الغشيمة، أصلهم مش متعودين يتعاملوا مع الجميلات، خاصةً اللي جمالها جمال روسي.
أنهى حديثه يمرر أنامله على وجنتها، لتشيح بوجهها للناحية الأخرى وهي تهمهم بغضب، ابتسم ببرود مرددًا بينما يزيل اللاصق عن فمها:
_ قولي اللي عندك يا حلوة، ليلتنا طويلة وشكلنا هنتسلى.
وفجأة لم يجد منها سوى بصقة على وجهه ثم صوتها الذي خرج بأنفاس متسارعة وغضب:
_ لو حاولت تقرب مني، ليلتك أنت اللي هتكون طويلة وأنت بتتحاسب في قبرك.
رمقها بغضب وهوى على وجنتها بصفعة قوية أدت إلى التفاف وجهها إلى الناحية الأخرى بقوة ثم أنت بألم عندما قبض على خصلات شعرها بقوة رافعًا رأسها إلى الأعلى، انحنى نحوها حتى أصبح وجهه قريبًا من وجهها يهمس لها بينما انكمش بطنها بتقزز وألم:
_ خلينا نشوف القوة دي هتفضل قاعدة بعد اللي هعمله فيكِ ولا هتبقي قطة مطيعة.
ورغم رعبها منه إلّا أنها لم تظهر ذلك، في كل المرات السابقة لم يتعرض لها أحد وكانوا يستعملونها كتهديد لأحد الرجال إما أخيها وإما ريان دون الاقتراب منها، ولكن هذا الغريب والذي لم تعلم مع من عداوته بعد، بدأ في تمزيق ثيابها لتبدأ في سبّه وعضه كلما أتيحت لها الفرصة، ومن شدة معاندتها معه زاد غضبه ليبدأ في صفعها وتسديد ضربات قوية لها، كونها امرأة يختلف تكوين جسدها عن جسد الرجل، جعل الأمر أكثر صعوبة عليها.
أصبحت الرؤية أمامها ضبابية ولم تعد تسمع شيء بسبب صفعاته القوية والتي كانت كثيرًا تسقط على أذنيها، نزف أنفها وفمها، وسقط المقعد بها ليصطدم رأسها في الأرض حتى نزفت رأسها، وهو لم يتوقف وبدأ يسدد لها الركلات حتى شعرت باقتراب أجلها وبدأت عيناها تفقد رؤيتها تدريجيًا.
وقبل أن تفقد وعيها تمامًا، وقد أصبحت بحال يرثى لها، أتتها النجدة على هيأة صوت رجل يقول باحترام دون أن يعبأ بحال تلك المسكينة، ربما هي نجدة رغم سوداويتها:
_ كله تمام يا باشا مستنيين بس أوامرك بعد ما تتأكد منهم.
أشار له الرجل بالخروج ليخرج الآخر بصمت، نظر لها من علياه وهو يمرر نظره عليها:
_ أخلص اللي ورايا وآجي نكمل نقاشنا.
قاومت شعور الإغماء ورمقته بنظرة رغم ضعفها إلّا أنها غاضبة، ضحك هو بقوة وخرج من المكان، وما إن فعل حتى تنفست بألم، تحاملت على نفسها ونظرت حولها تبحث عن أي شيء يساعدها للتحرر من هذا القيد.
ولكن وقبل أن تفعل دب الرعب في قلبها وهي تراه قد عاد لها سريعًا حيث سمعته يردد:
_ رجعتلك يا حلوة، جه الوقت اللي أندم أخوكِ وأخليه يعرف هو بيتعامل مع مين، أخوكِ دا شخص غشيم مش بيفهم، فحتى بعد اللي عملته في مراته قدام عينه لسه زي ما هو، متكسرش، إزاي يتكسر وهو أيهم الكيلاني، بس وماله هخليه يعيد ذكريات مراته بس مع أخته المرة دي، بس برضه بعد ما أستمتع شوية، ما أنا مش هتخلى عن الجمال ده.
نظرت له بصدمة وعدم فهم لحديثه، ماذا يقصد بحديثه عن زوجة أخيه المتوفية، وهو الذي قرأ نظراتها ضحك بقوة مرددًا:
_ لا متقوليش أنك هتتصدمي، لا ركزي معايا.
وحينما بدأ يقترب منها ولا تعلم كيف سقط بصرها على نصل حاد على مقربة منها، ولكن ذلك مستحيل طالما هو ينظر لها بهذا الشكل، وللمرة الثانية أتتها النجدة على هيأة صوت ذات الرجل:
_ العميل عايزك يا باشا.
ها قد أتتها الفرصة ما إن استدار الرجل منتبهًا لحديث الآخر، لتستغل الفرصة وتحركت بحذر وبطء قليلًا ناحية النصل، ثبت جسدها بفزع ما إن سقط نظر ذلك الرجل الذي كان نجدتها للمرة الثانية عليها.
ورأى ما تزحف له، ظل ينظر لها للحظات قليلة ثم أشاح بصره عنها وكأنه لم يرَ شيئًا يطلب من الرجل مرافقته للخارج لمقابلة العميل.
لم تفهم سبب تصرفه ولكن لم تشغل عقلها كثيرًا واستغلت رحيله للمرة الثانية وهي تمسك النصل لتئن بألم ما إن جرحت كفها، تحاملت على ألم يحتل جسدها ورأسها وبدأت في استعمال النصل لتحرير يديها ثم بدأت في قدميها، وما إن انتهت حتى نهضت بسرعة تترنح بسبب الضربات التي تلقتها.
تحركت بصعوبة ناحية الباب الذي خرجا منه كونه المكان الوحيد للخروج، مدت بصرها لتتفاجأ بالكثير من الرجال وقبل أن تقوم بأي فعل شعرت بمن يدفع جسدها للداخل وقبل أن تصرخ كمم فمها.
تحركت بعنف ولكن همس الرجل لها وهو يكبل حركتها:
_ لو عايزة تخرجي من هنا اسكتي، مش قدامك غير سبع دقايق بالظبط لو ضيعتيهم مش هتقدري تخرجي.
هدأت حركتها ليقوم بتركها بروية، نظرت له لترى ذات الرجل للمرة الثالثة، طالعته بريبة وتراجعت للخلف وما زالت تحكم بيدها على النصل:
_ وأنا أصدقك لي؟
رمقها بنظرات جامدة قبل أن يشيح ببصره عنها وتحرك ناحية صخرة في زاوية، وبدأ في تحريكها بصعوبة، اقتربت منه بحذر وهي تسأله:
_ بتعمل كدا ليه؟
أجابها دون النظر لها بجمود:
_ بطلي أسئلة كتير.
وما كادت تصر على سؤالها حتى رأت الضوء يدخل من خلف الصخرة، خرج بجسده ثم مد يده لها من الخارج، لتنحني مثلما فعل وخرجت دون الإمساك بيده، لا زالت لا تثق به، تصنم جسدها ما إن رأت رجل يوليها ظهره، أشار لها بالصمت واقترب من الآخر بحذر وفجأة ضربة بقوة على رأسه أفقدته وعيه.
التفت لها بينما هي تطالعه بريبة وعدم فهم، لمَ يفعل ذلك معها؟
التفت لها وقال بسرعة وهو ينظر إلى ساعة يده:
_ ثلاث دقايق حاولي تبعدي فيهم عن المكان على قد ما تقدري، من الطريق دا بعد نص ساعة هتلاقي نفسك على الطريق العمومي، أنا آخري لحد هنا.
تحرك تحت نظراتها إلى داخل المكان من ذات المدخل وبدأ يعيد الصخرة إلى مكانها، وقبل أن يفعلها تمامًا سألته بسرعة:
_ ليه؟
كان أكثر سؤال يشغل عقلها الآن، لماذا يفعل هذا؟ نظر لها لثانية ثم أعاد الصخرة إلى مكانها دون الرد عليها، وقف للحظة ببلاهة قبل أن تتدارك الوضع لتمسك أطراف ثوبها وبدأت في الركض بأقصى ما يمكنها متحاملة على أوجاع وضعف جسدها.
وما إن وصلت بعد وقت طويل من الركض إلى الطريق الذي تحدث عنه ذلك الغريب، وجدت سيارة تمر به، أشارت بيدها ولكنها مرت تتخطاها دون التوقف لها، انتظرت قليلًا ثم رأت سيارة أخرى وحمدًا لله توقفت لها، طلبت من السائق أن يعلمها أين هي تحديدًا، لتجد أنها أقرب إلى بيت ابن عمها لتطلب منه مساعدته في إيصالها، وقد كان.
هل شعرت سابقًا وكأنك تحتجز أحجارًا من الجمر داخل صدرك؟
كان ذلك هو شعور كل من الرجال وهم يستمعون لها، أصبحت هيأتهم مخيفة وأجسادهم بدت وكأنها تضخمت مع غضبهم، إن رآهم أحد وهم على هيأتهم هذه لأقسم أن هناك عاصفة قادمة ولن تهدأ إلًا بعد أن تدمر كل شيء ولن تترك شيء خلفها سوى فتات صغير جدًا.
_ مين اللي ساعدها دا؟
تساءلت كيان وشعرت أن ذلك الرجل لديه صلة بأخيها، وقد كان عندما رأت تلك اللمعة في عينيه، إنه أحد رجاله!
هتف أيهم بصوت آتى من الجحيم:
_ تقدري توصفين شكله؟
أومأت له قائلة:
_ أيوا أنا ركزت في شكله كويس.
هتف آسر وبيجاد معًا بغموض:
_ كويس قوي.
نظروا لهم ليهتف بيجاد ببرود:
_ مع وصفها هنقدر نرسم ملامحه، آسر.. كلم طه خليه يجي.
قبل أن يفعل آسر ذلك، قالت آية بسرعة:
_ لحظة.. حوراء ممكن ترسمه!
التفتوا لها بتعجب وكذلك ريان، ليقول إياد بنبرة هادئة:
_ حوراء بتعرف ترسم، بس مفيش أدوات.
لتقول كيان بلهفة:
_ لحظة...
أسرعت تحت أنظارهم إلى الأعلى وعادت بعد وقت تحمل بيدها ورقة وأدوات الرسم وقدمتها إلى حوراء التي أخذتهم منها بتوتر بسبب تركيز الجميع معها، اقترب بيجاد منها قائلًا:
_ عايزك ترسمي كل تفصيلة تقولها ليان.
أماءت له في صمت وتوتر، بينما الرجال ومن بين انشغالهم بما يحدث، إلّا أن صمت ريان وهدوئه بذلك الشكل أثار حفيظتهم، بالتأكيد هو لا ينوي على الخير أبدًا، حسنًا... لا أحد ينوي على ذلك بالأساس.
بدأت ليان في وصفه بدقة شديدة وقد علمها أيهم ذلك، أن تركز في وجه وملامح كل من يقترب منها بأذى حتى يستطيع هو الوصول له بعدها بسهولة، وكانت حوراء تستمع لها ويدها تمر على الورقة ترسم ما تسمعه وكان الجميع يتابعها بصمت شديد.
انتهت أخيرًا من وصفه لتعطيها حوراء الورقة وهي تردد بتوتر:
_ دي ملامحه؟
هتفت ليان سريعًا بأعين متسعة:
_ هو.. هو نفسه، أيهم أيان.. هو نفسه وكأنها صورة ليه مش رسمة.
التقطها منها أيهم بسرعة وما إن وقعت مقلتيه على تلك الملامح حتى عادت له ذكريات سوداوية، قتمت ملامحه وبرقت عيناه بغضب عاصف، جذب أيان منه الورقة ونظر إلى ذلك الذي سيجعله يتمنى قدوم الموت إليه ليخلصه منه.
أخذها منه بيجاد وهتف بغموض وهو ينظر إلى تلك الملامح التي تعرف عليها:
_ كدا تمام قوي.
هتف آسر بحذر وصمت ريان لا يروقه:
_ مش هتقول حاجة يا ذئب؟
نظر له ريان بعينيه التي أصبح لونها رمادي قاتم بشدة، وقد اختفت تلك اللمعة الزمردية منهما، كان مخيفًا وطاقة سلبية تحيط به.
حرك ريان مقلتيه إلى أيهم لتتلاقى أعينهما التي ترعب كل من ينظر إليها، ابتسامة مخيفة ارتسمت على جانب شفتي كل منهما، لينظر لهم بيجاد وهشام وآسر بريبة من ابتسامتهما تلك، وأعلنوا أن وقت الحساب قد حان، فقد فتح ذلك الأحمق باب الجحيم على نفسه عندما عبث مع أحفاد الكيلاني.
هتفت ليان بتساؤل:
_ بس يا أبيه هو ليه قال أنه قتل بسمة؟
نظر لها أيهم بسرعة شديدة وظهر وهج متألم داخل مقلتيه القاتمة، ليجيبها بصوت قوي ينافي ارتجافة قلبه:
_ متهتميش بكلامه واحنا هنتصرف، أنتِ دلوقتي ارتاحي ومتشغليش عقلك بحاجة.
بينما حوراء فقد ثبتت عينيها عليه بصدمة وعلمت أن ذلك الرجل هو من فرق هذا الأيهم عن زوجته بطريقة شنيعة، وأيهم الذي حرك عينيه فجأة اصطدم بعينيها ونظراتها المليئة بالحزن، نظر لها للحظات قبل أن يشيح بوجهه في جمود.
تشعر بالحزن الكبير لأجله، تريد أن تنفجر في البكاء الآن ولكنها لا تستطيع، كيف يتحمل كل هذا الألم والعذاب؟ كيف يستطيع إظهار قوته وصموده وهو من الداخل محطم، مكسور القلب وجريح الروح!
وفي ذلك المكان كان الرجال يقفون في صف أمام ذلك الغاضب الذي يهدر بهم بانفعال وقد احمر وجهه غضبًا:
_ ازاي قدرت تهرب!! أنا مشغل معايا بهايم، مشغل عيال ملهمش لازمة.
تحدث أحد الرجال مطأطئ الرأس خائفًا:
_ يا باشا والله ما طلعت من الباب دا، هي أكيد لقيت مخرج تاني من جوه.
هتف به بغضب شديد:
_ والحيوان اللي كان واقف من ورا دا كان بيعمل إيه؟؟
ابتلع الرجل ريقه برعب وهو يجيبه:
_ لقيناه مغمى عليه يا باشا.
صرخ بغضب شديد وهو يدمر كل شيء تقع عيناه عليه ثم همس بفحيح:
_ هي كدا هتخليني أجتمع بيهم تاني، أنا كدا لازم أستعد ليهم كويس، جه الوقت.
بعد رحيل الجميع من قصر ريان، كلٌ عاد لمنزله وغرفته، وبقيَ منهم فقط أيان وليان وأيهم حتى انتهائهم من مصاب أختهما.
كانت تنام بعمق شديد بعد شعورها بالإرهاق، تنام بين ذراعيه في سلام بينما هو قد جافى النوم عينيه، ليسهر الليل متأملاً ملامحها وحياته قبلها وبعدها، وبالطبع كان الجزء الثاني من حياته هو الأجل ويتمنى عدم انتهائه إلى الأبد.
هذه الحميلة تذهله يومًا بعد يوم، فلم يكن يعلم أنها ماهرة في الرسم أو أنها تهوى ذلك، لم يخطئ عندما لقبها بملكة الذئب، فهي ملكة في كل شيء.
ظل شاردًا بها لوقت طويل حتى قطع ذلك صوت هاتفه ليلتقطه بسرعة حتى لا يزعج نومها محيبًا المتصل بهدوء:
_ جاي...
كلمة واحدة أنهى بها المكالمة ثم نهض من جوارها برفق بعد أن أراح رأسها على الوسادة، تحرك إلى غرفة الثياب مبدلًا ثيابه إلى بنطال وتيشيرت أسود اللون.
خرج من القصر ليراهما يقفان ينتظرانه، ليقول بجدية شديدة ولمعت عيناه بوميض غريب إلى ذلك ذو الأعين الذهبية:
_ أنت متأكد من اللي هتعمله دا؟ أنا قادر أخليك تاخد حقك منه بعد ما أجيبه تحت رجلك ورجلك، بس عايزك أنت اللي تعمل كدا.
تحدث الآخر بنبرة قاتمة عيناه:
_ صدقني يا ريان هخليه يتمنى الموت وما يشوف.
ربت الذئب على كتفه فهو الآن ليس ريان أبدًا، فريان رغم قوته إلّا أن به جانبًا لطيفًا هادئًا يتعامل به مع عائلته، أما الذئب فتجرد من كل المشاعر إلّا القوة والشراسة، مع كبريائه وغروره الشديدان، ذلك غير ذكائه الدّاهي ومكره الخبيث، وشجاعته الشديدة.
صعدوا جميعًا إلى سيارتهم وانطلقوا إلى وجهتهم والتي كانت فيلا بيجاد الذي يوجد بها أيضًا هشام وغيث الذي كان ثائرًا غاضبًا بشكل مخيف، وناقمًا على الجميع كذلك.
وما إن جلسوا معًا حتى تحدث غيث منفعلًا، يشعر بالغضب كونه ليس بجوارها، ولأجل ما أصابها:
_ أنا مش فاهم مانعيني عنها ليه، مش كفاية محدش عرفني غير دلوقتي، انتوا بتستهبلوا؟؟
تحدث آسر بنبرة هادئة لا تناسب انفعال الآخر:
_ اهدى يا غيث، كلها ساعات وهتشوفها، احنا مش مانعينك عنها بس كل الحكاية أنها نايمة دلوقتي.
مسح غيث على وجهه مستغفرًا ربه، فهو لم يعلم بما حدث إلّا من ساعات بعدما هاتفه هشام، كان في الإسكندرية منشغلاً بعمله وفجأة أتاه اتصال يخبره بما أصاب حبيبته، ليهرع إليها ولكن يتفاجأ بمنعهم له عنها.
يشعر بنيران تأكل جوفه، ليتحدث أيان:
_ أنا عايز أعرف كل حاجة عن المرحوم.
نظر ريان إلى أيهم والذي التفت له هو الآخر، تشابهت نظراتهما وترابطت أفكارهما، ليتحدثا معًا بنبرة وكأنها خرجت من الجحيم:
_ شاذلي الرفاعي.
نظر له الجميع بتوجس عدا بيجاد وهشام المحيطان علمًا به سابقًا، وبدأ أيهم في سرد ما سيفعله هو به، ظن أنه قد قتله بعد ما فعله به انتقامًا لزوجته وابنه، ولا ينكر أنه تفاجأ أنه على قيد الحياة ولكن يبدو أنه أتته الفرصة لكي يقتله مجددًا، سوف يعذبه كثيرًا بدون رحمة، أو شفقة، سيذيقه من العذاب ما سيخرج عينيه من محجريهما، سيريه صورة الموت دون الحصول عليه.
أقسم بداخله على الويلات لذلك الحقير الذي سلب منه حياته ببساطة، سيأخذ حق حبيبة قلبه، وحق ابنه الذي لم يرَ الضوء، وحق كل شعور قتله في بعده عنهما.
كانت ليلة ثقيلة على ليان التي لم يتوقف عقلها عن وضعها داخل أحلام مزعجة تصنف بالكابوس، وكيان التي خزنت لأجلها قررت أن تبقى مستيقظة لأجلها.
في صباح اليوم التالي، تجلس ليان بمفردها في بهو القصر وقد أشقت على كيان التي بالكاد نامت منذ ساعات قليلة بسببها، تجلس شاردة حزينة وعيناها معلقة على باب القصر، بداخلها... هناك داخل قلبها جزء يتضرع لحضوره، وعقلها يرفض ذلك بقسوة، ولكن من بين أفكارها خرج متجسدًا أمامها في صورة حية تتحرك، يدخل من الباب بطلته الخاطفة لأنفاسها، اتسعت عينيها قليلاً تظن بأنها تتهيأ، ولكن اقترابه الشديد منها بتلك النظرات التي يحملها في عينيه أكدت لها أنه هنا.
شعرت بكفيه الدافئين يعانقان كفيها المرتجفتان، إذًا هو ليس خيالاً!
همس غيث بنبرة حملت حبه وألمه لها:
_ لياني…
ترقرق الدمع بمقلتيها الزرقاء، تنظر إلى عيناه بحزن شديد وقد انهمرت دموعها تشق طريقًا على وجنتيها، ليزيل غيث دموعها بأنامله برفق وكأنه يخشى أن تجرح كفه الرجولية وجنتها الرقيقة، لينعقد حاجباه بألم وغضب شديدان وهو ينظر إلى ذلك الجرح الذي بجانب رأسها، ويده تستشعر ذلك التورم في خدها المحمر، ذلك غير جروح كفيها الصغيرة.
يقسم أنه ما كان ليفعلها الآن ولكن، كل ذلك تجمع عليه بقسوة وفاضت مشاعره بحماية وحزن وغضب لأجلها، ليقوم بجذبها بقوة بين ذراعيه، يضمها إلى قلبه يعتذر لها عن كل ألم مرت به ولم يكن بجانبها.
تمسكت به ليان وانفجرت في بكاء شديد بدموع ألهمت عينيها من حرارتها، ارتفع صوت بكائها مع شهقاتها المتألمة، مرر كفه على خصلاتها بينما يسمع صوتها المعاتب:
_ أنت ليه مجيتش معاهم، كنت بدور عليك بينهم، كلهم كانوا موجودين بس كنت عايزاك ومستنياك أنت، لي مجيتش يا غيث؟
ماذا يخبرها؟ أنه لم يعلم بمصابها إلّا ليلاً! زفر بقوة وتحدث بنبرة محبة:
_ ورب عيونك الحلوة ما منعني عنك غير الجهل، أنا آسف ليكِ لإني مكنتش هنا، آسف لإني كنت بعيد ولما جيت كنتِ نايمة ومقدرتش أزعج نومك.
ابتعدت عنه ونظرت له بحزن:
_ تزعج نومي! غيث أنا كنت مستنياك!
_ عارف، وحقك عليا، أنا هنا وهفضل جنبك على طول.
مسح على وجنتها متحدثًا بنبرة أخافتها رغمًا عنه:
_ وأوعدك إن اللي عمل كدا هيندم على اللحظة اللي اتولد فيها، وربي هوريه الجحيم على الدنيا.
مرحى يا شاذلي..
أحفاد الكيلاني يتوعدون لك بالعذاب الشديد.
انتبها إلى صوت خطوات ليبتسم غيث بهدوء إلى كيان قائلًا:
_ الجميلة أخبارها إيه؟
_ الحمدلله يا غيث، جيت امتى؟
_ بالليل.
أماءت له بهدوء ثم تحركت إلى ليان مقبلة وجنتها قائلة:
_ الشمس طلعت من الغرب ولا إيه؟ ليان صحيت بدري!!
ابتسمت ليان على حديثها ببهوت، ثم جلسوا معًا يتحدثون وأمرت كيان بتجهيز وجبة الفطور، وأثناء ذلك أتى ريان وبكفه حوراء التي رحبت بغيث بوجه بشوش.
وخلال وقت كان القصر ممتلئ بالجميع عدا أريب التي توجهت إلى كليتها، تحدث آسر بجدية:
_ بعد ما المدام رسمته واتأكدنا منه فتح قضيته بقي أسهل.
تحدثت ليان بتساؤل:
_ يعني هو ليه قضية ومقفولة؟
أومأ لها آسر مجيبًا:
_ أيوا، قضايا مش قضية واحدة، قتل وتجارة بالبشر، وأعضاء دا غير تجارة السلاح والمخدرات ومع تهريب آثار، يعني عمل كل ما يخطر وما لا يخطر على بالك بس وبسبب قوته بين رجال كتير وللأسف في منهم شرطة باعوا ضميرهم كان دايماً يقدر يقفل القضية لمجهول وينتهي الموضوع، بس دا بعينه، دا قبل ما الموضوع يوصل للمخابرات السرية وملفه وقع في إيدي، ورب الكعبة لو في بطن أمه هجيبه.
وحوراء التي شُدَّهت من فظاعة ما قد تصل إليه النفس البشرية من شر، تمسكت بكف ريان في خوف شديد من تلك النفوس، كيف تملك الحقد والسواد قلوبهم إلى تلك الدرجة! وفجأة أتى بعقلها قول الله تعالى..
" ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (سورة البقرة: الآية 74)
وريان الذي شعر بها، مسح على ظهر كفها، ومال ناحيتها يهمس لها بحنان:
_ اهدي، متخافيش من حاجة، أنا هنا.
نظرت له مبتسمة، تحمد الله على تواجده برفقتها.
وفجأة على رنين هاتف بيجاد لتقتم أعين الرجال، وتحدث ريان بهدوء وهو يترك كفها:
_ معايا شغل دلوقتي وممكن أتأخر، لو احتاجتي حاجة قولي لكيان أو حد من الخدم، بس متطلعيش برا القصر، تمام؟
وهي التي انقبض قلبها فجأة سألته:
_ هتروح فين؟
قبل رأسها ثم همس لها:
_ قولتلك شغل يا روحي، وأنا معايا إيه غير الشغل المسالم!
هل من المفترض أن تطمئن هكذا؟ حسنًا... ذلك لم يحدث.
وجه ريان حديثه فجأة إلى إياد:
_ زي ما قولتلك، افضل هنا واهتم بشؤون الشغل من هنا.
_ متقلقش، كله تمام.
أجابه إياد بنبرة هادئة وكلاهما يفهم الآخر، أماء له ريان ثم نظر إلى بقية الرجال ليبدأوا بالتحرك إلى الخارج في هدوء مخيف وكل منهم داخل عينيه الكثير والكثير من الوعيد، عدا آسر الذي أخذ الأمر مهمة تخص عمله وهو من لم يفشل في مهمة أبدًا.
توقف بيجاد على نداء حوراء له، ليلتفت لها بتساؤل لتقترب منه تسأله بريبة:
_ انتوا رايحين فين كلكم كدا؟ ولي ريان بيتكلم بالشكل دا؟
هز كتفيه يجيبها في ثبات شديد:
_ كل واحد رايح لشغله، أما ريان فهو دايماً كدا طريقته كلامه مبهمة ومحدش بيفهمها، وأنا مش هعرفك الكلام دا أكيد يا أختي العزيزة!
أنهى حديثه بنبرة مرحة يزيل بها من داخلها أي شك وريبة، وقد كان، حيث أماءت له مبتسمة بهدوء، يبدو أن إحساسها خاطئ وإلّا ما كان بيجاد ليبتسم بذلك الشكل المبهج كعادته!
خرج بيجاد ليجد ريان يطالعه بتهكم، ليبتسم له مرددًا ببرود:
_ كان بيتم استجوابي من قبل المدام، بس متقلقش، كله إلا إفشاء سر الوطن.
ضحك ساخرًا في آخر حديثه، ليقول ريان بنبرة غاضبة، ليست منه بل بسبب ما يفكر بفعله في ذلك الذي تجرأ على أحد نسائه.
تحرك الجميع بسيارتهم وخلفهم سليمان مع فريق الحرس الخاص به.
بعد وقت طويل ترجل الجميع من السيارات وكل منهم يمتلك هالة مخيفة تحيط به، كان أكثرهم أيهم الذي يشعر كل من يقترب به بالخطر وكأن الموت يحيط به من كل اتجاه!
نظروا إلى ذلك المبنى البعيد عنهم والذي تحيط به حراسة شديدة، نظر ريان إلى غيث من أسفل نظراته السوداء مرددًا بغموض:
_ أكيد فهمت اللي قولتلك عليه.
أماء له غيث ثم صعد سيارته مجددًا وتحرك بها مبتعدًا عنهم وتبعه سيارتان من الحرس الأشداء.
ابتسم أيهم ابتسامة سوداوية مرددًا:
_ أي حد تقابلوه اقتلوه، أما أنت يا أيان افضل هنا مع كام واحد من الحرس ولو حد فكر يهرب منهم يلاقيك بالمرصاد.
كاد أيان أن يعترض، فهو لا يريد أن يبقى بعيدًا بينما يحصل غيره على متعة تعذيب ذلك الشاذلي، ولكن نظرة أيهم السوداوية له أعلمته أنه لا تراجع، كان البقية يعلمون لما فعل أيهم ذلك، فهذا هو شقيقه الصغير، وما هم مقدمين عليه ليس بالهين، وهو لن يخاطر بحياة أخاه أبدًا، أجل أيان قوي ويستطيع التخلص من الكثير ولكن لا يزال أنه يفتقد خبرة في تلك الأمور، خاصةً أن من يتعاملون معهم رجال مدربين بشدة لن يمانعوا تفجير رأسه إن كلفهم الأمر، أو الغدر به من ظهره.
تحرك ريان والبقية معه إلى ذاك المبنى في خطة مدروسة وخطة موضوعة مسبقًا بينهم، توجهت أيدي كل منهم إلى سلاحه، عدا ريان الذي يتحرك بكل ثقة وكفيه داخل جيبي بنطاله، يتجهون بأقدامهم إلى تلك المعركة الدامية التي تنتظرهم.
للمبنى أربع جهات، تولى أيهم وهشام الجهة اليمنى، وآسر وبيجاد الجهة اليسرى، وغيث مع الحرس من الخلف، أما ريان فتولى الجهة الأمامية، ما تلك الثقة التي يسير بها هذا الريان!
وما إن تهادى طيفه إلى الرجال حتى أشهروا أسلحتهم ناحيته، فلم يأتهم خبر أن هناك زائر، إذًا هذا الضيف غير مرحب به، ولبعد المسافة بينهم لا زالت ملامح الضيف غير واضحة لهم.
وما إن اقترب منهم أكثر واتضحت معالم وجهه لهم وعرفوا هويته، رأيه الذي يرتفع كالطاووس، ابتسامته السوداوية المخيفة، وكريقة سيره التي تدل على ثقته اللا متناهية، أرسلت الرعب إلى قلوبهم. هم أكثر من عشرين رجل! وهو بمفرده!
هم مدججين بالأسلحة، أما هو فكفيه داخل جيبي بنطاله بكل بساطة!
اهتزت نفوسهم برعب، فهم رغم عملهم الذي لا يمت للخير بصلة، كان اسم الذئب يتردد بين كبار تلك الأعمال الغير قانونية كثيرًا، يتحدثون عن قوته ودهائه، والأسوأ انتقامه، رغم أنه رجل أعمال نزيه، ليس له علاقة بتلك الأعمال الشنيعة، إلّا أن محاولة الكثير في التعاقد معه حول ذلك واستغلال نظافة سجله في أعمالهم، وطريقته المخيفة التي يتصدى بها لهم، جعلت اسمه يتداول بين الألسنة وفي أخطر المناقشات.
هم على علم بالذئب، وبطشه أشد علمًا.
وقف الذئب أمام أحدهم وخلع سترته وبقي بتيشيرته فقط، ناوله للرجل الذي التقطه منه بعدم فهم، ليأتيه حديث ريان بنبرة محذرة:
_ حياتك قصاد نظافته.
ونظر للمجاور له وخلع نظارته قائلًا:
_ نفس الشيء، حافظ عليها تحافظ على حياتك.
ثم التفت إلى الرجال الذين رغم رهبتهم منه إلّا أنهم حاصروه، لقد وصلهم أمر بأن يتخلصوا منه، وغرتهم كثرتهم وأسلحتهم بالغلبة عليه وهو بمفرده دون سلاح، ما فرصة فوزه عليهم؟ صفر.
ابتسامة ساخرة مخيفة ارتسمت على شفتيه، لمعت عيناه بوميض مخيف وفجأة تحول هذا البشري إلى آلة قتل مخيفة، استعمل منهم دروعًا بشرية يصد بها عنه تلك الرصاصات، وما إن تنتهي صلاحية الجسد يأخذ الآخر بكل برود، ويتحرك به يقتلهم بسلاحهم، اهتزت أعينهم وهم يشاهدون تغلبه على أغلبهم في لمح البصر، منهم من يسقط صريعًا ومنهم من يتلقى ضربة في مكان هو أعلم به تسقطه في حالة شلل بأعين شاخصة، تقهقروا إلى الخلف بذعر.
لم يتبقى منهم سوى الرجلان الممسكان بسترته ونظارته، ولكن الأخير ملأه الغضب على زملائه ليقول بكسر النظارة أسفل نظرات ريان التي تحكمت ملامحه وكأنه مس أحد أبنائه، ركض الرجل ناحيته يوجه له لكمة قوية أمسكها ريان ببساطة، نظر إلى أعين الرجل بغضب مرددًا:
_ الغباء دائماً بيقتل صحابه.
وما إن انتهى من حديثه حتى هشم عظام ذراع الرجل الذي أطلق صرخة مدوية، وما كاد يستوعب ألم ذراعه حتى شعر بعظام قدمه تكسر وحسه يسقط أرضًا، وصراخه الذي أصاب ريان بالإزعاج جعله يقوم بكسر رقبته ينهي كل ذلك.
الغبي، إن بقي محافظًا عليها بين يديه لكان تركه حيًا!
توجه إلى ذلك الرجل الذي كان ما يزال ممسكًا بسترته بين يديه، عيناه شاخصة ووجه شاحب كالموتى وهو يراقب سقوط زملائه واحدًا تلو الآخر بوحشية، ارتجف بدنه ما إن وقف أمامه وظن أنه ميت لا محالة، ولكن كل ما وجده من ريان هو ابتسامة باردة وهو يأخذ سترته منه، ثم ربت على كتفه قائلًا:
_ شكلك بتفهم.
ثم تركه في صدمته التي تكاد تقتله وتحرك داخل المبنى ولكن ما لبث حتى عاد وجهه الذي بات يمثل للرجل كابوسًا يظهر له وهو يسأله بنبرة مخيفة:
_ هو غلط لما كسر النظارة صح؟
طالعه الرجل بذعر وأيقن بداخله أن هذا ليس سوى مختل عقلي، بينما أماء ريان مرددًا ببساطة:
_ عارف، علشان كدا قتلته.
ثم دلف إلى المبنى ببرود شديد، ليسقط الرجل أرضًا وشعر بخدر في جسده من هول ما رآه، كيف... كيف لرجل واحد أن يفعل ذلك، يقسم أنه لو قص الأمر على أحدهم لضحك عليه ملء شدقيه ناعتاً له بالجنون، فبكثرتهم عليه لم يستطع أحد توجيه لكمة واحدة له وهذا سيصيبه بالجنون حتماً.
كان أيهم وهشام قد انتهوا من الرجال الذين في الجهة اليمنى وكذلك آسر وبيجاد، وكانوا قد انتهوا من الرجال بدون أن يصابوا بضربة واحدة، جميعهم لا يُستهان بهم أبدًا، دلفوا هم أيضًا إلى داخل المبنى كلٌ من جهته وتقابلوا في المنتصف.
وقد وصلهم صوت آسر المغتاظ من بيجاد:
_ علشان نبقى على نور، لو هنتفرق لفرق تاني فأنا مش عايز البارد دا معايا.
أسأله هشام بهدوء وهو يحرك ذراعه وكأنها تشنجت من ذلك المجهود، فقد كانوا كثر وعنيدين بشكل أثار غضبه:
_ عمل إيه؟
ليصيح آسر بغيظ:
_ دا كان بدل ما يخلص عليهم بسرعة علشان نخلص،
فضل يقف مع كل واحد شوية يتكلم معه عن حياة البرزخ وازاي هيبعته ليها، ويشرح له السبب اللي هيموت علشانه.
نظرا إلى بيجاد الذي أجابه بنبرة شديدة البرودة يتميز بها:
_ الله، مش أفهمه أنا هقتله ليه! ولا يموت من غير ما يعرف السبب، إيه القسوة دي!
_ قسوة فعلاً، ازاي تطلب منه كدا يا آسر!
تحدث غيث ساخرًا، ليأتيهم صوت أيهم بنبرة مخيفة وكأن أكثرهم ملامح سوداوية:
_ كلمة كمان وهخلص عليكم.
صمت ثلاثتهم ليقول بيجاد بسرعة:
_ فين ريان؟
نظروا إلى بعضهم قبل أن يركضوا جميعًا وبيجاد يصرخ بصوت مرتفع ليصل إلى ريان الذي سبقهم للداخل:
_ والله لو قتلته لوحدك هزعلك يا ريان.
توقفوا في ممر مظلم بين جثث رجال تخلص منهم ريان والذي كان يطالع بيجاد بسخرية وقد وصله حديثه، هيأته في الظلام وتلك الدماء تغطي ذراعيه وبعضًا من وجهه تجعله كوحد مرعب.
ابتسم له بيجاد ببلاهة مرددًا:
_ بهزر، اقتله براحتك يا ذئب.
تجاهله ريان وتقدمهم إلى داخل تلك الغرفة الواسعة والفارغة من كل شيء عدا مبتغاهم ولكن...
كان يجلس على مقعد بكل أريحية وبجانبه يقف شخص لم يتوقع أحد وجوده أبدًا، حتى الذئب وقد شلت الصدمة أجسادهم للحظات.
تحدث شاذلي بنبرة ساخرة:
_ كنت مستنيك بس مش هخبي وهقولك إني متوقعتش توصل بالسرعة دي، مكدبش اللي لقبك بالذئب، بس عارف دا على مين؟؟
_ على أمك.
قالها هشام بنبرة بجمود رغم انشغال عقله بكيف أتى بها وماذا سيفعلون الآن؟
رمقه شاذلي بغضب، لطالما هشام كان الأكثر ثقلاً في حضوره على من يُعادي من يُخصه، خاصةً صديقيه، ليعود شاذلي بنظره إلى ريان يسأله ببسمة مستفزة:
_ بس قولي، إيه رأيك في مفاجأتي؟ حلوة مش كدا؟
كان ريان يقف أمامه وعيناه مثبتة على تلك التي تقف بجانبه ولمع الخوف بعينيها لأول مرة لأجلها، هو ليس مستعدًا لخسارتها، بالكاد أمس كان يقارن بين حياته قبلها وبعدها ووجد أن ليس له حياة قبلها بالأساس، ورغم ذلك تحكم به غضب جحيمي أثارته هيأتها فبالتأكيد هو من فعل بها هذا!
خرجت همسة من بيجاد حملت صدمته التي أوقفت عقله للحظات:
_ حـوراء!!!
تعالت ضحكات شاذلي بقوة وهو يشهدهم بتلك الحالة، وريان ازدادت لهيب صدره وهو ينظر إلى زوجته التي تقف جوار شاذلي الذي نهض ووجه فوه سلاحه إلى رأسها، يضع شريط لاصق قوي على فمها ويكبلها بقسوة بحبل قاسٍ على جسدها والأسوأ... خصلاتها، كنزها مكشوف أمام الجميع، تنسدل بسواده الليلي على طول ظهرها حتى لامس أطرافه الأرض.
أما عينيها، كانت تطالعه بخوف وذعر شديدان، يشعر أن عقله توقف عن العمل.
وأيهم كان يمر بذكريات سيئة، ليس بذات الطريقة ولكن بالتأكيد هو ذات الشعور الذي يتملك ريان الآن، شعوره بأن روح روحه تخرج بعذاب من جسده دون استطاعته أن يفعل شيء.
تحدث شاذلي ضاحكًا:
_ للحق، مكنتش أتوقع انها حلوة كدا، كله حكاية وشعرها حكاية تانية، أنوثة أنوثة يعني ومفيش كلام.
الحقير، هل يخوض حديثًا بذيئًا في زوجته وأمامه؟ قتمت عيناه بشر كبير، إن كان سيتركه لأيهم حتى يأخذ قصاص زوجته، تغير ذلك الآن ولن يحرّق رقبة هذا الخنزير سواه.
بينما اندفع آسر يوجه سلاحه ناحية ذلك الشاذلي يتحدث بقوة:
_ أنت كدا كدا ميت، فيستحسن تسيبها وإلّا هتشوف الأسوأ من الموت.
ألصق شاذلي فوه السلاح بجانب رأسها قائلًا:
_ طالما كدا كدا ميت، أخليه يعيش في سواد زي ابن عمه.
خرج صوت أيهم هادرًا مزلزلًا جدران المكان وبداخله شعور مر حارق:
_ والله لو أذيتها لهحرقك حياً.
جميعهم يوجهون أسلحتهم ناحيته، ولكن لا يستطيعون فعل شيء بسبب ذلك السلاح الموجه إلى رأسها.
بينما ريان كان ينظر لها بدقة، وجهها شعرها و... عيناها المترقرقة بالدموع!
وفجأة تحدث شاذلي ببسمة قاسية وكأنه يستمتع بحرق أفئدة أحفاد الكيلاني على أحبتهم:
_ ادعيلها بالرحمة يا ذئب.
هو يكرر نفس فعلته الشنيعة مع الحفيد الأكبر، ويعيد ذكريات ذلك اليوم في ذاكرته الحفيد الثاني بشكل قاسٍ، وضع اصبعه على الزناد وبدون تردد كان يطلق الرصاصة لتفجر رأسها أمام أعينهم التي شخصت وشحبت وجوههم بشدة.
خرجت صرخة قوية من بيجاد جزعًا:
_ حــــوراء!
ومع سقوط جثتها أرضًا المضرج بدماء حياتها، انطلق رصاصة من سلاح أيهم تخترق قدم شاذلي تسقطه أرضًا، لن يقتله... ليس الآن.
وبعدها انطلقت رصاصتين من سلاح هشام تتقران في كتفيه، وتولى آسر التصويب على قدمه الأخرى، لقد شلوا أطرافه وهو يصرخ متلوياً من الألم الحارق.
حل الصمت عليهم سوى من صرخاته، كانت أنفاس بيجاد ثقيلة وأعين غيث متسعة وآسر وهشام يقفان على رأس شاذلي يشعرون بالقهر، لقد تمكن من أذية صديقهم بشكل شنيع، حتى لو قتلوه، سيبقون هم الخاسرين!
أما أيهم فكان قد غرق في سواد ذكرياته وعيناه تلمع بانعكاس تلك الدماء، وليس لدماء زوجة ابن عمه، بل دماء بسمته.
أما هو... يقف بكل ثبات يطالعها فقط!
لم يكن من المفترض أن ينتهي الأمر بهذه الطريقة أبدًا!
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الرابع 4 - بقلم منة جبريل
وفجأة، أحس ريان بجسد وأذرع قوية تعانقه. لم يكُن سوى أيهم، فبادله ريان العناق وهو يتفهم مشاعر الآخر.
بقيَ وقتًا وهو يعانقه، يستشعر أنفاس أيهم المضطربة، ويده تمسح على ظهره وكأنه يواسي نفسه به.
وفجأة ابتعد عنه وتحرك إلى الخارج بعينين اختلطت بها الشعيرات الحمراء. لقد مرّ بمعركة داخلية قاسية استنزفت كامل قواه.
تحركت أعين ريان إلى ذلك الجامد بأرضه وعيناه ثابتة على تلك الجثة. كان بيجاد ما زال واقفًا يطالعها بصدمة. حمد الله بداخله كثيرًا، ولكن ذلك الشعور الذي شعر به عندما رآها تسقط أمامه وهو يظنها حوراء، كان أكثر شعور سيء راوده، شعورًا لم يستطع تجاوزه إلى الآن.
تحرك ريان مارًا من جانبه، ووضع كفه بقوة على كتف بيجاد ثم قال بنبرة هادئة:
_ يلا.
ثم خرج وتبعه البقية بعدما أمسك هشام بيد صديقه الآخر وخرج به وكأنه أب يخشى ضياع ابنه. وكان سؤال واحد يدور في عقولهم وهو: كيف علم أنها ليست حوراء؟
كان أيان يقف بملل. لم يأتِ رجل واحد فارًا حتى يتصدى له!
وما إن ظهروا له حتى تحدث أيان بقلق من حال بيجاد وتلك الدماء التي تغطي ريان:
_ مالك يا بيجاد؟ وأنت.. ريان، إيه الدم ده؟
نظر ريان بجمود إلى كفيه المليئة بدماء الرجال، ولكن الجديد عليها هي دماء تلك الفتاة. ليقول بجمود وهو يصعد سيارته وقد رافقه صديقيه وأيهم وآسر أيضًا وكأن ليس بهم قوة للقيادة:
_ مش دم.
نظر ريان إلى بيجاد الذي يجلس بجانبه وينظر أمامه فقط، ثم نظر إلى أيهم وآسر وهشام من المرآة ليعلم ما يدور في ذهنهم.
وقد تولى هشام أمر السؤال:
_ عرفت إزاي؟
وهنا تحدث آسر بتفكير:
_ أكيد من شعرها، مفيش بنات شعرها كده!
_ أكيد من شعرها صح، علشان مفيش حد شعره كده.
ريان الذي تجاهل حديثه حتى لا يخطئ ظنه فيجعله يحيط علمًا بتلك الحقيقة. سأله هشام مجددًا:
_ عرفت إزاي يا ريان؟
_ عيونها.
ثم انطلق بالسيارة في سرعة شديدة، بينما قال هشام:
_ عيونها إزاي؟ لا مؤاخذة! كانت تشبهها تمامًا و...
نظر له ريان نظرة سريعة جعلت هشام يقطع حديثه صامتًا، وعلموا أنه لا يود الحديث حول ذلك الأمر.
وفجأة تحدث أيهم بنبرة خالية من المشاعر:
_ وقف.
توقف ريان للحظات ثم أوقف السيارة جانبًا وأملى عنوانًا ما، وهو يعلم أن وجهته الآن إلى ذلك الشاذلي. وبعد ترجله من السيارة، اقتربت منه سيارته التي تولى قيادتها أحد الحرس. تركها له ثم رافق زملائه في سيارتهم الخاصة.
بعد وقت، توقفت السيارة أمام فيلا بيجاد وهشام. ودلفوا بها كي يزيلوا عنهم أثر الدماء قبل عودتهم إلى حيث الفتيات.
أعطى بيجاد آسر ملابسًا منه كونه يقاربه في الجسد. أما ريان فكان لديه بالفعل ملابسًا هنا وغرفة مخصصة له، فقد كان كثيرًا ما يبقى الليل برفقتهما.
وبعدما انتهوا، كان آسر يقف مع بيجاد في غرفته يتحدث حول عدم قتل أيًا من ريان أو أيهم لذلك الشاذلي كونه يريده في عمله. وبيجاد كان بعيدًا كل البعد عن انتباهه معه.
دلف عليهما ريان ليصمت آسر ويتحرك للخارج. بينما علم بيجاد أن القادم يريد التحدث معه.
وقبل أن يتحدث ريان، كان بيجاد يقول بنبرة باردة:
_ كل الحكاية إني بعتبرها أختي يا ريان. يمكن أنت متفهمش الموضوع ده، بس أنا بجد أخدتها أخت ليا. في اليوم اللي أنت اتجوزتها فيه، أنا كنت فرحان. فرحت إنك خلاص لقيت نصك التاني، ولإني هيكون معايا أخت أنا حسيت ناحيتها بمشاعر الأخوة من أول مرة شوفتها فيها. بس صدقني لو الموضوع ده هيأثر على علاقتنا وصداقتنا، فأنا مستعد أبعد تمامًا.
كان ريان يستمع له ويرسم على وجهه الغضب، ولكن بداخله سعيد. لا ينكر أنه يغار عليها من الجميع، حتى من شقيقها. ولكن هو يثق بصديقه ويعلم أنه من المستحيل أن ينظر لها نظرة خاطئة، وأنه صادق في كل ما يقول. ورغم ذلك، هو بالتأكيد لن يسمح له بالتعامل معها مثل أخيها. إن كان ذلك شعوره، فليحتفظ به لنفسه. هي زوجته وهو ابن عمه، ولا صلة بينهما.
ولكن آخر حديثه أصابه بالغضب. الأبله يتحدث عن الابتعاد وهو صديقه. جذبه يوقفه بالقوة أمامه ثم عانقه قائلًا:
_ غبي وهتفضل طول عمرك غبي. لحد إمتى هفضل أقول إني أخسر الكون عشانك أنت والمتخلف التاني!
ومستحيل أي شيء يفرقنا عن بعض مهما كان ده إيه أو مين. وبعدين أنا متأكد إنك مستحيل تفكر في حاجة غير إنها أختك، بس كان رد فعلك أوڤر يا بيجاد. ده أنا جوزها ومعملتش كده.
ضحك بيجاد بخفة ثم تحدث بمرح لن يتخلى عنه وضحك على حديث صديقه:
_ والله رغم صدمتي، بس بقول الحيوان ده ليه مش متحرك؟
قبض ريان على مقدمة ثيابه قائلًا بحدة:
_ قولت إيه يا روح خالتك؟
قهقه بيجاد وعاد يعانق صديقه، يضمّه بداخله على تلك الثقة التي يحملها بداخله له. وفجأة وصلهما صوت الضلع الثالث لهذا المثلث:
_ أنتوا بتحضنوا بعض من غيري؟ والله من غيري ما ليكم ريحة ولا طعم ولا شكل حتى يا معفنين.
_ بطل كلام، هيجي فوق راسك في الآخر.
ابتسم هشام بخفة واقترب منهم وتشارك الثلاثة عناقًا جماعيًا، ورُبط بين قلوبهم جسر قوي لصداقتهم المتينة.
وفجأة تحدث هشام بفضول:
_ بقولك يا ريان، ريحني وخليني أعرف أنام الليل وقولي عرفت إزاي إنها مش مراتك.
ضحك ريان على الفضول الذي ظهر بعينيه:
_ قولتلك عيونها.
_ إزاي وعيونها كانت تشبه عيونها بالظبط؟
ضحك بيجاد على حديثه وهتف ريان بجمود:
_ أكيد مش هقولك حاجة تخص مراتي.
هز هشام رأسه وهو يشعر بالحماقة هاتفًا:
_ صحيح!
تنهد ريان ثم قال بهدوء:
_ يلا نرجع للقصر.
أومأ له وتحركوا للأسفل، ليقول بيجاد متسائلًا:
_ فين آسر؟
_ مشي.
أجابه هشام بهدوء ليرحلوا هم أيضًا إلى قصر ريان.
وما إن وصلت السيارة أمام القصر حتى ترجل منها ريان متحركًا إلى الداخل بسرعة شديدة. تعجب بيجاد وهشام وتبعاه قبل أن يتوقفا يطالعان ذلك المشهد أمامهما. حسنًا، أمام الجميع.
ريان يحتضن زوجته يخفي وجهه في كتفها. الصديق القوي، يبدو أن قشرة قوته تشققت وهو الآن يمررها. كان الأمر صعبًا. لقد ظن حقًا أنها هي في الآونة الأولى قبل أن يكتشف خدعة ذلك الشاذلي بسبب دموعها، فزوجته العزيزة تعاني من مرض نفسي يمنعها من البكاء أمام أحد عداه وشقيقها... وبالطبع خالقها.
بينما إياد الذي يتابع ذلك لم يعجبه الأمر البتة. الحقير يحرج صديقته والأسوأ... شقيقتيه الأخريان في وضع حرج بسببه.
حمحم بخشونة جعلت حوراء تزداد خجلًا. حاولت إبعاده عنها ولكن لم تستطع، لتهمس له بخفوت راجية أن يتركها، ولكن الآخر لا شيء يعنيه، ليحترقوا جميعًا.
انسحبت كيان وليان رفقة غيث وأيان إلى الأعلى بهدوء. وبيجاد وهشام وكذلك آسر يعلمان سبب احتضانه لزوجته بذلك الشكل. حسنًا، في الحقيقة هم لا يهتمون كثيرًا.
تحرك إياد مندفعًا لهما. جذب شقيقته من بين ذراعي ذلك الوقح يوقفها خلفه قائلًا بحدة:
_ لو نخلي عندنا شوية حياء يكون كتر خيرك والله.
عين ريان القاتمة ثبتت على وجه إياد بشكل مخيف. من هو ليبعد عنه زوجته؟ أمسك ذراع حوراء وجذبها نحوه بقوة آلمتها، بينما يردد بصوت هادئ مخيف:
_ زوجتي وأنا حر، ويستحسن متكررهاش تاني.
_ أختي قبل ما تكون زوجتك، افهم ده يا حيلتها.
أحاط ريان خاصرتها بتملك بينما يردد بقوة:
_ كانت... كانت أختك، إنما هي دلوقتي زوجتي وبس، زوجة ريان الكيلاني.
طريقته أغاظت إياد الذي اندفع قائلًا بقوة هو الآخر. لا يعلم ما أصاب الآخر ولكنه يستفزه بشكل كبير:
_ برضاك أو من غيره هي أختي وغصب عنك.
_ قولتلك كانت، هي دلوقتي ملكة الذئب، لا أختك ولا أختها، هي تخصني أنا وبس.
غضب إياد من حديثه الذي يفرق بينه وبين شقيقته، ليقوم بجذبها له تحت نظرات ريان القاتمة يردد بنبرة حادة:
_ معرفش حصلك إيه، بس لما تتزفت وتعقل كلامك تعالى اترجاني عشان أسلمك أختي تاني، إنما أسيب أختي مع واحد مهووس زيك ده.
ضغط ريان على أسنانه حتى برزت عظام فكيه. وفجأة كانت يده تهبط بلكمة قوية على وجهه. إياد الذي ما إن رآه حتى دفع حوراء بعيدًا عنه حتى لا تتأذى، والتي بدورها شهقت بفزع وخوف على شقيقها تستمع إلى صوت ريان الجهوري:
_ إياك تفكر تقرب منها أو تلمسها تاني، وإلا هخليك تندم، ومتختبرنيش في إني بعمل إيه في اللي يفكر يقرب من ممتلكاتي.
ممتلكات؟ هل هي الآن ممتلكة؟
بينما أسرع بيجاد وهشام في التدخل بعدما كانا يأخذان دور المشاهد. رأى كل منهما أن المسألة شخصية، ولكن تفاجأوا أن بعد نطق ريان لتلك الكلمة لم يحصل على رد من إياد سوى لكمة عنيفة. رفض بها أن يتحدث بذلك الهوس المرضي عن شقيقته. وبلمح البصر كان ريان يردها له بقوة أكبر. تقدما منهما سريعًا ووقف بيجاد أمام ريان يدفعه إلى الخلف، بينما هشام وكذلك أريب التي أسرعت إلى شقيقها وقفا أمامه.
بينما تحدثت حوراء بغضب ترميه على زوجها:
_ أنت إزاي تمد إيدك على أخويا يا ريان؟
ثم استدارت بقلق إلى أخيها تمسح على وجنته هامسة بأسف:
_ أنا بجد آسفة، مش عارفة هو بيعمل ولا بيقول كده ليه، أنا آسفة. لحظة هجيب تلج.
ثم تحركت بسرعة أسفل نظرات ريان الغير مفهومة. ثم حولت مقلتيه إلى إياد، ولو كانت النظرات تقتل لتحول إياد إلى رماد محترق. ترك الجميع وتحرك إلى الأعلى يمنع نفسه بصعوبة من العودة وتحطيم فك ذلك المزعج المدعو بأخيها. وبالنسبة لها.. سيلقنها درسًا لن تنساه. سيعلمها أنه لا يحق لأحد أن يقترب أو يلمسها سواه حتى وإن كان أخاها. مهووس.. أجل هو كذلك.
جلسوا في هدوء مريب بعد صعود ريان إلى الأعلى. بينما قلق بيجاد وهشام من انسحابه الهادئ ذاك. بينما كانت نظراتهما تتحرك نحو تلك التي تجلس جوار أخيها تضع الثلج على وجهه وهي تطالعه بحزن، بينما تسأله بهمس وهي غير راضية عن ابتسامته في وجهها:
_ بيوجعك وبتخبي عني صح؟
أومأ نفيًا، ثم همس لها بحنان:
_ روحي شوفي زوجك.
هزت رأسها باعتراض قائلة:
_ لا، أنا زعلانة منه ويستحسن مروحش دلوقتي.
ضحك إياد بينما قال بهدوء:
_ الغبي مبيقدرش يتحكم في غيرته وسايبها كده على الله. وغيرته من تعلقه وحبه ليكي. أيوا هي غلط شويتين بس أنا هقومه. أنتِ دلوقتي روحيله ومتفكريش في حاجة، تمام؟
رمقته باعتراض ولكنه دفعها بيده في خفة لتنهض مجبرة وتحركت إلى الأعلى.
جاء رنين هاتف أريب لتستأذن أخاها في الرد ليقول بهدوء:
_ متتأخريش، هستناكي عشان نمشي.
أومأت له وتحركت إلى الخارج تجيب صديقتها قمر. وعلى بعد منها انتهى آسر من مكالمة والدته ووقف ينظر إلى تلك الضاحكة بقوة وهي تتحدث في الهاتف. ورغمًا عنه شعر بفضول نحو هوية من تتحدث معه.
وما إن اقترب خطوات منها حتى سمعها تقول ضاحكة:
_ عيب عليك يا سيف، أكيد موافقة حتى لو هعيش معاك في بيت عصفور، هو أنا أطول؟
عقد حاجبيه بضيق. من هو سيف ولمَ تتحدث معه بذلك الود؟ وما إن أنهت المكالمة حتى سارع في سؤالها وهي قد تفاجأت من ظهوره:
_ بتكلمي مين؟
رفعت حاجبها وكذلك رأسها تطالع ذلك المتطفل بحدة قائلة:
_ نعم! وأنت مالك؟
اندفع آسر بغضب فاجأها:
_ إيه... شكله حبيب القلب ومش عايزة تقولي، وعاملة فيها البنت المحتر...
قبل أن يكمل حديثه كان يتلقى صفعة. تساءل بداخله كيف يمكن أن تكون هذه القوة في تلك اليد الصغيرة. وكان أيهم قد دلف من باب القصر الخارجي وقد سمع كلمات آسر ورأى تلك الصفعة التي جعلته يرفع حاجبيه لوهلة. ثم وصله صوتها الحاد:
_ قبل ما تتكلم وتتشطر بلسانك اعرف أنت بتكلم مين، وإلا وربي مش هيكون ده آخر واحد تاخده على خلقتك. وصدقني لو حاولت تتعرض لي تاني بمجرد كلمات بس أنا مش هسكت وهجيبك بطولك ده تحت رجلي، أنت فاهم.
_ إيه اللي بيحصل هنا ده؟
التفتت بأعين حادة إلى أيهم قائلة:
_ ابعد الشخص ده عني، أنا هسكت المرة دي بس لو كان في مرة جاية هزعله.
ثم شملت آسر الثابت في وقفته بهيئة مخيفة لم تخفها. بنظرة من أعلاه لأسفله باحتقار ثم تحركت إلى الداخل. بينما أيهم فقد تابعها بنظرة تهكمية. هل قالت بأنها ستصمت هذه المرة؟ كل هذا وستصمت!
ثم وجه نظره إلى ذلك الجامد بأرضه وعلى وجهه علامات الغضب الشديد. لا يزال في صدمته أن فتاة لا يتعدى طولها صدره قد صفعته للتو بل وهددته أيضًا. هذا إن تجنب ذكر تلك النظرات. لمعت عيناه الزيتونية بغضب ووعيد.
بينما تحدث أيهم ببرود:
_ من الأول كان لازم توزن كلامك بدل الإهانة دي. أهو شفت ردها واللي أكيد مش عاجبك.
ابتسمت شفتاه رغمًا عنه وهو يمسك بفك آسر يديره للجانب مرددًا:
_ وريني كده..
دفع آسر يده بغيظ وهو يتوعد لتلك القصيرة.
لا تزال واقفة أمام باب الغرفة حائرة. حديث أخاها عن غيرته ورد فعلها جعل عقلها مشوش. لا تعلم أتحزن منه أم تراضيه. زفرت بقوة وتحركت إلى داخل الغرفة مغلقة الباب خلفها ببطء. نظرت إليه وهو يجلس على الأريكة وعلى قدميه حاسوبه الخاص، والذي بدا من تركيزه به أنه يعمل.
وفجأة لاحت صورته وهو يلكم من هو بمثابة العالم لها. لتسرع في القول مندفعة:
_ أنا مش فاهمة أنت عملت كده ليه، ممكن تقولي إزاي تضرب أخويا بالشكل ده؟
وإن كانت تتوقع إجابة فقد أخطأت. هو لم ينظر لها حتى. لتشعر بالغيظ منه وتحركت نحوه تغلق الحاسوب وتأخذه من بين يديها تلقيه على الفراش قائلة:
_ رد عليا أنا مش بكلم نفسي.
رفع عينيه لها يطالعها بنظرة أخافتها، لكنها تسلخت بشجاعة زائفة قائلة:
_ متتبصليش كده، لما أكون بكلمك تسيب أي حاجة وتسمعني.
وضع قدم فوق الأخرى وأراح ظهره إلى الخلف متحدثًا بجمود:
_ ها.. وبعدين؟
عقدت حاجبيها بعدم فهم:
_ بعدين إيه؟ أنت هتسمعني وترد عليا.
أمال رأسه متحدثًا ببرود:
_ قولي اللي عندك وخلصينا، وبعدين هشوف أرد عليكِ ولا لأ.
كانت نظراته جامدة قوية ناحيتها. شعرت بالحزن من تعامله وظلت تطالعه بصمت. ليتنهد ريان ونهض عن الأريكة متحركًا إلى الفراش بينما يردد:
_ شكلك فاضية وأنا معنديش وقت.
قاطعته بحزن قبل أن تتحرك لداخل المرحاض، ليزفر ريان بضيق. لا يحب أن يحزنها ولكن عليه أن يعلمها كيف تختاره على الجميع.
وقفت أمام المرآة تنظر إلى انعكاسها. لأول مرة يطالعها بتلك النظرة، ولأول مرة يحادثها بهذه النبرة، ولأول مرة يتجاهلها بهذه الطريقة. تشعر بألم في قلبها. شعرت أنها أحزنته بطريقة ما، بينما لطالما أراد هو إسعادها فقط. لكن ماذا فعلت هي له في المقابل؟ لا شيء. ندمت وبشدة على حديثها معه بتلك الطريقة. كان عليها أن تحادثه بهدوء وتفهم كيف كان يفكر وبماذا يشعر حتى يتصرف بتلك الطريقة.
خرجت بعد وقت من المرحاض لتراه كما هو على الفراش يركز على الحاسوب. نكست رأسها بحزن وتحركت نحوه تجلس أمامه. سحبت الحاسوب منه ببطء بينما هو رفع عينيه لها تاركًا لها الحاسوب. تابعها بينما تريح رأسها على قدميه قائلة بهمس مختنق بغصة بكاء:
_ آسفة.
رفع ريان رأسه يتنهد بقوة. هذه الغبية تجعله يتراجع عن الكثير مما يفكر به. حاول دفعها عن قدمها برفق مرددًا بجمود:
_ قومي يا حوراء، ورايا شغل.
رفعت عينيها له تقول بصوت أشبه بالبكاء:
_ آسفة، أنا آسفة والله متزعلش مني، أنا عارفة إني مش بعملك حاجة رغم إنك بتعمل كل حاجة عشاني، بس أنا والله بحبك ومستعدة أعمل أي شيء مهما كان عشانك.
انهمرت دموعها لتكون كالمطرقة من حديد على قلبه الجامد. ليتشقق ويتراجع عن كل ما توعد به لها. ضمها إليه بينما هي تشبثت به بسرعة تعتذر له. زفر بقوة ومسح على خصلاتها دون حديث. أراد أن يعلمها درسًا وقد أقسم على هذا. والآن هو يفكر في كفارة قسمه وقد ذهبت كل توعداته هباءً. فليذهب قلبه إلى الجحيم. الأهم هي. لا شيء أهم منها في حياته.
ومع اعتذاراتها المتكررة همس لها بجانب أذنها برفق بينما يده تمسح على رأسها:
_ خلاص مش زعلان منك، بالأساس حاولت أزعل بس مقدرتش. أنتِ من غير ما تعملي حاجة وبمجرد وجودك جنبي بيعجزني عن رد ده ليكي. بمجرد أنك حواليا أنتِ أدتيني الدنيا كلها. أنا مش عايز حاجة غير إنك تفضلي جنبي وفي حضني والأهم تبتسمي.
_ وأنا مقدرش أبعد عنك بعد ما ربنا كتب لي حياة جديدة على إيدك. أنا بحبك أوي.
_ وأنتِ عشق الذئب.
همس بها برفق مقبلًا رأسها ثم أراح رأسه إلى الخلف ويده تضمها إلى صدره بقوة. سخر في نفسه من حاله. ورغم ذلك لم يغضب من نفسه. بالأخير هو أحبها، ولن يبخل على من أحبها بكل حنانه.
الساعة الرابعة عصرًا. أخذها بيده إلى منزل أخاها وها هو يقف أمامها يقبل خديها قائلًا:
_ هخلص شغل وراجعلك على طول.
أومأت له مبتسمة وبأعين لامعة، بينما استدار ريان إلى إياد قائلًا بتحذير:
_ وأنت خليك بعيد عنها.
_ ريان، قولنا إيه؟
قالتها حوراء بتنهيدة. لقد تعبت حتى أقنعته بأن يستثني أخاها من حاجز احتكارها له. وبعد محاولات مستميتة وافق، ولكن ها هو من الثانية الأولى ينكر اتفاقهما ذاك بقوله:
_ أنتِ مش شايفة بيبتسم إزاي، هو اللي بيستفزني.
ضحكت بخفة قائلة:
_ ميقصدش، يلا روح لشغلك ومتتأخرش عليا.
_ أوامر الملكة مطاعة.
قالها بعبث وهو يغمزها بعينه لتضحك بخفة. بينما تحرك إلى الخارج ليجد الرجال بانتظاره ليتحرك برفقته إلى وجهته.
تحدثت ليان بضحك موجهة حديثها إلى إياد:
_ يا باين خاف على نفسك، ده مبيتهزرش معاه.
أجابها إياد دون النظر لها:
_ ومين قال إني بهزر!
اقتربت منه حوراء تداعب وجنته قائلة:
_ أوه، أميري الغيور.
رفع رأسه بعيدًا عن يدها قائلًا:
_ بعلمه الأدب مش أكتر.
ضحكت حوراء وعانقته عنوة، ليبتسم إياد وهو يمسح على رأسها بينما هي تردد:
_ هو بيحبك على فكرة.
أجابها ساخرًا:
_ واضح.
رفعت رأسها له بينما تستند بذقنها على صدره:
_ وأنا بحبكوا أنتوا الاتنين.
وفجأة تحدثت كيان وليان معًا:
_ ريان / أبيه…
انتفضت حوراء تنظر خلفها ولم تجده. لتنظر لهما بغيظ بينما هما ضحكا ومعهما آية وأريب التي قالت:
_ شكلك مضحك بجد.
عضت حوراء شفتيها تشكو إلى أخاها:
_ شوفت، بيضحكوا عليا.
_ واللي يرضي الأميرة...
_ عاقبهم، وأولهم القصيرة دي.
نهضت أريب قائلة بضحك:
_ إيه الغل ده يا أخت حوراء.
صرخت ضاحكة ما إن اقترب منها إياد لتركض مبتعدة عنه قائلة:
_ لا يا إياد والنبي هيبتي.
شهقت بينما تضع يدها على فمها بينما تنظر إلى أخاها الذي رفع حاجبه يطالعها بجدية مرددًا:
_ تعالي.
تحنحت حوراء قائلة بتوتر:
_ زلة لسان يا إياد و...
_ حوراء، لو سمحت.
تنهدت حوراء وجلست حواء آية. بينما قالت أريب باعتذار:
_ أنا مكنتش أقصد، طلعت بالغلط.
_ أريب أنا قولت تعالي، هتخليني أعيد كلامي كتير؟
أخفضت رأسها تقترب منه أسفل نظرات كيان وليان واللتان لا تفهما ما الخطأ الذي اقترفته دون أن تنتبها له.
ما إن وقفت أمامه حتى أمسك وجنتها بين إصبعيه قائلًا:
_ هفضل أفهم فيكِ لحد إمتى إنه مينفعش يا عاقلة إنك تحلفي بغير الله؟
تأوهت أريب قائلة:
_ أنت بتوجعني.
_ جاوبيني، مش ناوية تفهمي ليه؟
_ والله فاهمة بس طلعت غصب عني، أنا آسفة، ممكن تسيبني.
تركها ما إن لاحظ حزنها ليراضيها بقبلة على وجنتها قائلًا:
_ متزعليش مني يا أميرتي، أنتِ عارفة إني بحبك وبخاف عليكِ وعايزك من الناس اللي هيتباهى بيهم الرسول ﷺ يوم القيامة بإذن الله. يلا اقعدي مع البنات وأنا هحضرلكم الغدا قبل ما أمشي للشغل.
أومأت له وتحركت لتجلس بين شقيقتيها لتقول آية مبتسمة:
_ أنا لو منه كنت كسرت دماغك، بس نعمل إيه، هيفضل إياد الحنين مهما حصل. أنتِ عارفة إنه بيحبك وبيعمل كل حاجة لمصلحتنا إذا كان في الدنيا أو الآخرة.
أومأت لها أريب لتقول حوراء ضاحكة:
_ شوفوا المطيع، سبحان الله.
_ أنتوا حلوين قوي.
قالتها كيان مبتسمة ثم سألتهما ليان عما حدث، لتجيبها آية مبتسمة:
_ مينفعش نحلف أو نحلف حد بغير اللّٰه. مثلًا مينفعش نقول (والنبي متعملش كذا...) إنما نقول باللّٰه متعملش كذا. وفي ناس بتحلف بغير اللّٰه ودا مينفعش. مثلًا بيقولوا (والنبي أو والكعبة أو والمصحف الشريف أو وحياة سيدنا النبي إلخ) وكل ده مينفعش. الصح نقول (واللّٰه أو أقسم باللّٰه أو وربي...) المهم يكون باللّٰه وليس بغيره.
صمتت بينما أكملت أريب بتأنيب ضمير:
_ تحريم الحلف بغير اللّٰه، وقد جاء فيه قوله ﷺ : «إنَّ اللّٰه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف باللّٰه أو ليصمت».
وأن ابن عمر رضي الله عنهما سمع رجلًا يقول: "لا والكعبة"، فقال: "لا تحلفوا بغير اللّٰه، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف بغير اللّٰه فقد كفر أو أشرك»".
_ أنا أول مرة أعرف.
قالتها ليان بدهشة وأيدتها كيان، لتقول حوراء مبتسمة:
_ والحمد لله إنكم عرفتوا، على الله بقى أسمع واحدة منكم بتحلف بغير الله.
أنهت حديثها محذرة بمرح، ليضحكن معًا وقضين وقتًا ممتعًا رفقة بعضهن وقد ازداد ترابطهن.
توقفت سيارات الذئب أمام مخزن في مكان شبه نائي. لا تسمع له سوى صوت الرياح المخيفة وصوت صرخات مرعبة.
احتلت ابتسامة مرعبة على وجه الذئب وتوجهوا جميعًا إلى الداخل. كان يقف مكبلًا يديه فوق رأسه بسلاسل من حديد وكل جزء من جسده ينزف دمًا.
أصبح كالفريسة بين مجموعة من الأسود التي تحمل غضبًا تجاهه. تقدم أيان وغيث منه ولم يرحماه أبدًا. أفرغا له كامل طاقتهما وكلاهما ينتقم لنفس الفتاة، ولكن هذا تكون له شقيقة، وهذا تكون له العالم بأكمله.
_ كفاية، أنتوا هتاخدوه لوحدكم ولا إيه؟
قالها بيجاد متزمرًا، فقد وقع الاختيار عليه بأنه سيكون آخر من يضع بصمته عليه ويخشى أن تزهق روحه قبل أن يأتي دوره، بينما يجلس الذئب على مقعد يضع قدمًا فوق الأخرى.
ليصلهم صوت شاذلي الذي تحدث بوعيد بينما يطالع ريان من بين جفنيه المتورمين:
_ هتندم يا ذئب، هخليك تتعذب حياتك كلها زي اللي واقف جنبك ده.
كان يقصد أيهم في حديثه والذي اسودت ملامحه بغضب، قبل أن يبتسم بشكل مخيف وخلع عنه تيشيرته لتتسع أعين شاذلي بصعوبة ورعب، فهو قضى بالأمس أبشع لحظات حياته مع هذا الأيهم.
وها هو بسبب لسانه سيمر بذات اللحظات مجددًا. التقط أيهم سوطًا وبدأ وصلة ضرب عنيفة استمتع الجميع بصرخات الآخر وكأنهم يستمعون إلى معزوفتهم المفضلة. كان جمودهم مخيفًا، وبدا له واضحًا من أعينهم أنه لن يتدخل أحدهم راحمًا له.
_ لو قتلته هزعل وأنا زعلي وحش، خليني آخد دوري على الأقل وبعدها اعمل اللي تعمله.
قالها بيجاد يتذمر مجددًا وهو يرى أيهم الذي تزداد قوته لا تضمحل مع الوقت. كان غضبه تجاه هذا الشخص أكبر من أي شيء.
بعد وقت طويل خفت صوت شاذلي وبدا تنفسه ثقيلًا وذلك الأيهم لا يتوقف عن جلده ولكمه بكل قوته، ليهمس آسر إلى بيجاد:
_ روح يا بيجاد ابعد أيهم عنه.
هتف بيجاد بسخرية:
_ والله ما هيحصل، أنت مش شايف شكله إزاي، ده مش بعيد يجلدني معاه، روح أنت يا إتش.
صعد هشام بعينيه بكرف عينه بسخرية ثم تحرك إلى أيهم ليقول بيجاد وكأنه يودعه:
_ هتوحشني يا صاحبي، متقلقش هدعيلك كل يوم وهجيب لك ورد كمان، قولي بتحب لون الورد إيه عشان أزين بيه قبرك؟
_ لون دمك.
قالها هشام ساخرًا قبل أن يقف على بعد قريب من أيهم قائلًا:
_ كفاية يا أيهم.
لم يجد إجابة من الآخر الذي ازداد غضبه وهو يزيد من سرعته وقوته في ضرب ذلك الشبه فاقد الوعي. ليقوم هشام بإمساكه من الخلف وجذب منه ذلك السوط الذي امتلأ بدماء الآخر. ليسرع آسر وبيجاد في جذب أيهم بعيدًا ليصلهم صوت ريان المنزعج:
_ ليه وقفتوه، كنت مستمتع.
أجابه بيجاد بسخرية:
_ اعذرنا، بس قولنا إن ده دورك.
نظر له ريان نظرة فهمها بيجاد ليركض له هاتفًا بسرعة:
_ والله لتستنى لحد ما نعالجه ونلحقه قبل ما يموت وبعدين استلمه، الله يكرمك أنا هزعل لو غار في داهية من غير ما آخد دوري.
ابتسم ريان بغير مرح قائلًا:
_ ماشي، يلا بسرعة.
قال أيان بجمود وهو يغادر المكان:
_ لو خلصتوا ولسه فيه الروح اتصلوا عليا.
ما هذا الرعب الذي يحيط بك يا شاذلي؟ في أي مصيبة سوداء ألقيت بنفسك؟
رن هاتفها لتلتقطه بابتسامة ونهضت بعيدًا عن الفتيات قائلة بمرح:
_ قمري وليلي وكواكبي ومجرتي، وحشتيني.
ضحكت الأخرى قائلة:
_ وأنت وحشت سيف يا أختي.
ضحكت أريب وقالت بهمس:
_ بقولك يا قمر، أنا عندي خطة وعايزاكِ تساعديني فيها.
_ ربنا يستر، قولولي.
بدأت أريب في سرد ما تفكر به لصديقتها التي رحبت بتلك الفكرة وبشدة. لتغلق أريب وأسرعت في مهاتفة أخيها الذي ذهب للشركة تستأذنه في زيارة صديقتها، ليوافق بعد تحذيرات طويلة، لتسرع في تبديل ثيابها واستأذنت الفتيات ورحلت رفقة الحرس.
_ كفاية يا ريان هيموت في إيدك.
عانقته آسر وهو يقف بعيدًا عنه ولكن كان ذلك الذئب لا يسمع لشيء، فقط يفكر في ما فعله هذا الحقير بابنة عمه وكيف يتعذب أيهم بسببه. والأهم... كيف علم بطول شعر زوجته!
هتف بيجاد بقلق وصوت منخفض:
_ حد يبعده كده أنا مش هلحق بجد.
نظر بيجاد وآسر إلى هشام الذي نظر لهم ليفهم نظرتهم جيدًا ليهتف بجمود:
_ المرة دي لا.
قال آسر:
_ إيه يا إتش، ده حتى صاحبك!
_ وصاحب البغل اللي جنبك كمان.
قالها هشام مستنكرًا، ليقول بيجاد بسرعة:
_ أنا عرفت مين هيبعده.
ردف آسر وهشام معًا:
_ مين؟
_ الغالي..
هتف بها بيجاد وهو يشير على أيهم، ليقول هشام بسخرية:
_ على أساس إنك مش واخد بالك من الابتسامة اللي على وشه، ده مستمتع ولا كأنه بيتفرج على فيلم. أنا هروح وأمري على الله.
احتضنه بيجاد هاتفًا:
_ هتوحشني يا صاحبي، الصعب إنك هتموت على إيد صاحبي التاني.
أزاحه هشام ونظر له بسخرية ثم توجه نحو ذلك الذئب الشرس. وبعد عناء طويل استطاع هشام وبيجاد وآسر السيطرة على الذئب وتهدئته بعض الشيء.
ندم ريان ملابسه ونظر إلى شاذلي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة يهمس له بفحيح:
_ وربي ما هتشوف الرحمة.
ثم تحرك إلى الخارج بينما نظر له بيجاد بتقييم قبل أن يقول مبتسمًا بحماس وهو يشمر عن ساعديه:
_ وأخيرًا، تعالى في حضن أخوك.
_ عايز عرض ممتع.
قالها أيهم وهو يريح ظهره على المقعد ليقول بيجاد مبتسمًا:
_ إذا كان كده خلينا نستنى كمان شوية يعالجه الدكتور.
وبعد وقت طويل تعالت فيه ضحكات بيجاد المخيفة مع صرخات شاذلي الذي أقسم أن كل ما مر عليه لم يكن شيئًا مقابل هذا البيجاد وحده. لهذا تركوه هو الأخير. كان مخيفًا ومرعبًا وكان يضحك ويمزح وهو يتشكل في تعذيبه، ليهلل صراخه وكأن هناك من يقطع جسده جزءًا جزءًا. وكان ذلك مطربًا وشافيًا لقلب أيهم ولو قليلًا.
مرت ساعات حتى تركوه بين الحياة والموت أسفل يدي الطبيب الذي أخبرهم بها صراحة:
_ توقعوا مني اتصال في أي وقت، حالته مش مستقرة وأشك أنه هيعيش لأكتر من خمس ساعات.
اجتمعوا في فيلا بيجاد وأبدلوا ثيابهم. كان يقف أمام المرآة يحاول الهدوء حتى ترجع عيناه لطبيعتها. وفي الغرفة المقابلة كان يجلس أيهم بين يديه صورة لزوجته يقبلها هامسًا:
_ بتمنى تكون صرخاته وصلت لكِ يا بسمتي، وأوعدك لو لسه الروح فضلت في جسمه هيستمر عذابه.
دلفت أريب إلى الڤيلا ومعها قمر ووالدها سيف الدين. ما إن رأتهما حوراء حتى نهضت وتقدمت منهم بعدم تصديق هاتفه بفرحة:
_ سيف! قمر...
اسرعت تعانق سيف الدين الذي استقبلها بفرحة غامرة وهو يراها معافاة تسير على قدميها. قال سيف الدين بسعادة ظهرت في نبرته:
_ ما شاء الله يا بنتي، أنا مبسوط عشانك، ومبارك لزواجك.
_ الله يبارك فيك، وحشتني قوي.
_ وأنتوا كلكم وحشتوا قلبي يا حوريتي.
فزعت حوراء على صرخات قمر باسمها قبل أن تعانقها بقوة، لتضحك حوراء وهي تبادلها قائلة:
_ مجنونة وهتفضلي مجنونة.
هتف سيف الدين:
_ آيتي فين؟
أجابته أريب:
_ تعالي شوف آيتك.
وتوجهوا إلى آية والتي لم تصدق أنها تراهما الآن. فقد مر وقت طويل جدًا. امتلأت عينيها بالدموع هاتفة:
_ سيف الدين..
اقترب منها سيف قائلًا بحنان:
_ قلبه وروحه، وحشتيني يا حبيبتي.
_ وأنت وحشتني قوي يا سيف، أخبارك إيه!
_ الحمد لله بقيت أحسن بشوفتكم في أحسن حال.
ابتسمت له قائلة:
_ الحمد لله.
احتضنتها قمر بشدة ثم هتفت بمرح وهي تنظر إلى كيان وليان:
_ إيه ده إيه ده إيه ده، ده احنا اتعرفنا على حلويات.
ضحكت حوراء والجميع عليها وهتفت حوراء:
_ دي كيان أخت زوجي، ودي ليان بنت عمه.
وقفت قمر بعدم تصديق تطالع تلك النصف تركية والنصف روسية بانبهار ثم هتفت بصراخ:
_ يا حلاوة، مين كان يصدق إني هجتمع بيكم وأنا كنت بشوفكم على الشاشات بس.
ضحكت الفتاتان عليهما ويبدو أن هناك علاقة صداقة تطرق الأبواب، بينما قالت كيان بفرحة لتعرفها على فتاة جديدة:
_ أخبارك إيه يا قمر؟
هتفت قمر بمرح:
_ والله أنتِ اللي قمر، احم... أنا الحمد لله فل وعسل.
_ وأنا أقول صوت الصراصير دي ظهرت فجأة إزاي؟
اتسعت أعين قمر بعدم تصديق وهتفت كعادتها على أقل الأشياء بصوت مرتفع وهي تنظر إلى إياد الذي دلف للفيلا:
_ إيــــــاد …
_ بس بس ودني، إيه بالعة مايك.
قاطعته قمر قائلة باستعلاء:
_ تصدق أنا غلطانة، مش هرد عليك.
أتبعت حديثها تخرج له طرف لسانها ليقول إياد بينما يتجه إلى سيف الدين:
_ طفلة.
عانق سيف الدين مرحبًا به بحبور وسعادة. اشتاق حقًا لهذا الرجل الطيب:
_ أخبارك إيه؟
_ الحمد لله في نعم.
_ دامها عليك، وبعدين ربنا يكتب ليك الجنة لأنك مستحمل الصوت ده.
قصد بحديثه قمر التي زمت شفتيها مشيحة بوجهها عنه ليبتسم إياد قائلًا بحنان:
_ إيه ده، القمر زعل؟
هتفت قمر بحزن:
_ أيوا والقمر مخاصمك.
_ حتى بعد ده.
قالها إياد وهو يخرج من جيبه قطعة شوكولاتة التقطتها منه قمر هاتفه بسعادة:
_ مقدرش أزعل منك يا إيدو.
_ تصدقي أنا غلطان، هاتي الشوكولاتة.
قالتها متذمرًا بسبب ذلك اللقب المستفز، لتضحك قمر وهي تبتعد بسرعة بينما تتابعن الشقيقات الثلاث بضحك. لقد اشتاقوا حقًا لتجمعهم هذا، كانوا مبتسمين جميعًا عدا واحدة، تتابع ما يحدث بغيرة شديدة.
استأذن منهم إياد وتحرك بعيدًا يطلب رقمًا يطلب منه طعام للجميع. في هذه اللحظة دلف الذئب بطلته الخاطفة للأنفاس وجماله الساحر وخلفه أولئك الذين يأسرون قلوب الفتيات بدون رحمة.
نهضت حوراء وتقدمت منه بابتسامة جميلة أسرت قلبه للمرة الألف ليبادلها هو بابتسامة عاشقة وقبل رأسها لتهتف هي بخجل:
_ ريان تعالى عايزة أعرفك على حد.
أومأ لها ريان وتقدم معها للداخل وتبعه الجميع إلّا أيان الذي أتاه اتصال وبقي في الخارج.
رأى ريان رجلًا يظهر عليه كبر السن ولكنه وسيم يجلس بجانب آية. هتفت حوراء بابتسامة جميلة:
_ ريان ده سيفو، أقصد عمو سيف الدين. سيف ده ريان زوجي.
صافحه ريان بهدوء قائلًا:
_ أهلًا بحضرتك.
هتف سيف الدين بحنان:
_ أهلًا بيك أنت، ما شاء الله عليك سمعتك سبقاك، بس خلي بالك أنت واخد حتة من قلوبنا يعني تحافظ عليها زي عينيك.
أومأ له ريان قائلًا:
_ في قلبي مش عيوني بس.
ابتسمت حوراء بخجل، واقترب بيجاد وهشام وأيهم وغيث سيتقبلون هذا الرجل الذي تهتم له حوراء كونهم تعاهدوا على أن يعتبروها كشقيقتهم وهذا أقل فعل لأجلها.
بعد ذلك قالت حوراء:
_ دول أخواتي اللي كسبتهم مع الأيام.
ابتسموا لها بينما قال سيف الدين:
_ ما شاء الله، ربنا يسعدهم.
أمنت على دعائه ثم قالت:
_ ريان، دي قمر بنت سيف.
أومأ لها ريان بصمت. وما كادت تتحدث حوراء مجددًا حتى سبقتها قمر بتلقائية:
_ الذئب ومين ميعرفهوش، ده كل بنات العالم معجبة بيه.
شهقت واضعة كفها على فمها وشعرت بحرج شديد بينما نظر ريان إلى زوجته غامزًا بعبث، لتهمس له بينما تنظر أمامها مبتسمة:
_ لينا نقاش طويل في الموضوع ده.
مال ناحيتها قائلًا بحب:
_ عمري كله ليكي.
رمقته بطرف عينها تتحكم في ابتسامتها بصعوبة هامسة:
_ بتخرب الخناقات من قبل ما تبدأ.
ابتسمت له ريان ليبدو وسيمًا جدًا. لما على زوجها أن يكون بتلك الوسامة؟
لتجده يهمس لها مجددًا:
_ بس أنا مش هتنازل عن عقابك على سيفو دي.
ابتسمت له ببلاهة ولم تتحدث، ليس الآن على الأقل.
تحدثت قمر وعيناها تدور على الواقفين:
_ أضلاع المثلث بيجاد وهشام، الأستاذ أيهم والأستاذ غيث.
ابتسمت لها بيجاد مشيرًا لها بيده لتبتسم له بحماس. لا تصدق أنها تراهم أمامها مباشرة وجميعًا هكذا. بينما غيث كان منشغلًا بتلك ليان، وأيهم وهشام لم يبتسما أو يعيراها اهتمام. ولا أحد يستطيع لومهما فهذه طبيعتهما.
بينما كانوا يتحدثون دلف أيان بوسامته الشديدة لتقع عيناه على تلك الغريبة والجميلة أيضًا. تقدم منهم قائلًا:
_ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردوا السلام وتعرف على سيف الدين ثم نظر إلى تلك الفتاة مع قول حوراء:
_ ودي قمر بنته.
هتف أيان بصوت لم يسمعه سوى أخيه أيهم:
_ قمر وهي قمر.
وكز أيهم ونظر له بحدة، ليحمحم أيان قائلًا بجدية:
_ اتشرفت أنا يا... قمر.
أنهى حديثه بنبرة عابثة لم تلاحظها كون ذلك اسمها.
وطيلة الوقت كانت عيناه على تلك القمر والتي ينظر لها باعجاب شديد. بينما هي فلم تكن حالها أفضل منه، فهي لم تكن تتوقع بأن تلتقي بالذئب يومًا ما ولا حتى بأحلامها. لتلتقيه الآن هو وجزء من عائلته، وأصدقائه بيجاد وهشام الذين طالما أعجبت بوسامتهم وعلاقتهم التي يتحدث عنها الجميع. فهؤلاء الأصدقاء الثلاث رمزًا للوسامة والغرور.
وبعد وقت قضوه جميعًا بمرح شديد وبالطبع ما عدا ريان وأصدقائه فهم معتادون على الجدية وقلة الحديث باستثناء ذلك البيجاد المرح.
غادر سيف الدين وقمر بعدما وعدوهم بزيارة أخرى وغادر البقية وتوجه كل منهم إلى منزله أو بالمعنى الصحيح، إلى قصره أو فيلته.
عاد بيجاد وهشام إلى فيلتهما وبصحبتهم كل من أيهم وأيان وغيث، وعاد الذئب إلى القصر بملكته وشقيقته التي ما زالت الكثير من الأسئلة تدور برأسها حول أريحية إياد مع تلك القمر. ومعهم ليان التي تحسنت حالها الجسدية والنفسية بينهم.
ما إن دلفت كيان إلى القصر حتى قبلت ريان من وجنتها:
_ تصبح على خير يا أبيه، تصبح على خير يا حور.
قبلها ريان أعلى رأسها وذهبت إلى الأعلى ورافقتها ليان. وفور رحيلهما نظر إلى تلك التي أسرعت إلى الأعلى ليضحك بخفة وتبعها إلى الأعلى بسرعة.
دلف إلى الغرفة ليجدها تخفي جسدها أسفل الفراش مدعية النوم ليبتسم بخبث ثم توجه إلى المرحاض وأبدل ثيابه ثم عاد لها هامسًا:
_ لا يا روحي لسه ورانا نقاش على سيفو دي.
وبدأ يدغدغها لتترك تمثيلية نومها وعلت ضحكاتها بينما هو يستمتع بذلك. بعد وقت كانت مغمضة جفنيها براحة وهي تغط في نوم عميق.
بينما هو كانت يده تعبث بشعرها بحنان وينظر إلى ملامحها بشرود. ذلك الشعور الذي شعر به في بادئ الأمر كان شعورًا سيئًا جدًا. لا ينكر أنه ظن لوهلة أنها حورائه ولكن دموع تلك الفتاة كشفتها. وما يشغل تفكيره هو كيف علم بطول شعرها، فهو لم يستطع أن يفرق بين الاصطناعي وشعرها. فكانت نفس اللون الأسود الليلي، وطوله الساحر. ولكن مهلًا، فالذئب لن يترك هذا الأمر يمر مرور الكرام هكذا. سيعلم حقيقة هذا الأمر مهما كلفه من ثمن.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الخامس 5 - بقلم منة جبريل
البارت الخامس
"في جَوفي جرحٌ أيّ شيءٍ ينكأه، أيّ شيء... حتّى الهواء!".
والصلاة والسلام على نبينا المجاهد الشهيد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
استيقظت من النوم وهي تشعر بألم في رأسها وحرقة في عينيها من بكاء ليلة البارحة، لم تستطع أن تتحمل شعور أن من أعجبت به لا يشعر بها من الأساس.
انتهت من تبديل ملابسها إلى بنطال من خامة الجينز باللون الأزرق وتيشيرت أبيض ذو أكمام طويلة ملتفة حول إصبعها الإبهام، نظرت إلى هيأتها في المرآة وإلى زرقاويها اللتان اندمجت باللون الأحمر، لتتنهد بهدوء ووضعت بعض مساحيق التجميل تخفي به أرق الأمس، وما إن خرحت من الغرفة وجدت شقيقها مقابلًا لها، يبدو أنه كان على وشك طرق الباب.
ابتسمت له مستقبلة قبلته على جبينها مستمعة إلى صوته الحنون :
_ صباح الجمال على كياني، مع إني مستغرب النشاط دا
ضحكت بخفة بينما أكمل وهو يرتب خصلاتها :
_ روحي شوفي ليان علشان هنروح عند إياد
نبض قلبها عندما سمعت اسمه ولكنها هتفت بهدوء :
_ ماشي
ثم ذهبت إلى ليان وعادت بعد قليل بصحبتها وكانت ليان ترتدي فستانا باللون الأصفر قصيرًا وأنثويًا بشدة، وتحركتا رفقة ربان وحوراء إلى فيلا إياد بعد أن أصرت على أن تبقى عند شقيقها منذ الصباح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الترحيب بهم، اقاربت حوراء من كيان تسألها بقلق :
_ مالك؟
نظرت لها كيان بعدم فهم بينما حوراء فكانت لاحظت احمرار عينيها وإرهاقهما، وعندما أشارت عليهما قالت كيان بهدوء :
_ ممكن لإني اتأخرت في النوم
وقبل أن تتحدث انتبهت إلى ريان الذي يقترب منها يخبرها أنه متجه إلى عمله، وبعد رحيله طلبت حوراء من أخيها أن يرافقها قليلًا.
تحركت إلى الأعلى وتبعها إياد بسرعة وقلق، يخشى أن هناك سوءًا أصابها، ونا إن وقف أمامها سألها :
_ في حاجة يا أميرتي؟ حصل حاجة؟؟
أماءت نفيًا وقالت بهدوء :
_ أنا.. عايزة أكلمك في موضوع
عقد حاجببه ولكنه قال :
_ اتفضلي
تنهدت حوراء وهتفت مباشرة :
_ إياد، أنت بتحب؟ يعني في بنت عجباك وعايز تتجوزها؟؟
كان إياد ينظر إلى عينيها وهو يريد أن يعلم ما يدور في ذهن شقيقته، لم بتوقع هءا السؤال منها ولكنه أجابها بنبرة هادئة :
_ لا يا أميرتي، كل اللي بفكر فيه دلوقتي أميراتي وإني أسلمهم لرجال تستاهلهم
هتفت حوراء بسرعة :
_ بس يا إياد ....
قاطعها إياد بحزم :
_ من غير بس ... أنا مش هفكر في مستقبلي وأنا لسه مطمنتش على مستقبل اخواتي ... أنا مستعد متجوزش طول عمرى ولا إني اتجوز قبل ما أطمن على مستقبل واحدة منكم.
ثم نهض قائلًا برفق :
_ قومى يلا علشان تقعدى مع اخواتك قبل ما ييجي جوزك وياخدك مننا
علمت حوراء أنه لا يريد التحدث في هذا الأمر، لتنهض وتوجهت معه إلى الاسفل لترى أعين كيان التي تعلقت على شقيقها لتشعر بالحزن عليها ولكنها لن تستلم وسوف تحاول ان تتحدث مع اخيها مرة أخرى ...
ثم جلست رفقة اخوتها وتوجه إياد عمله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يسير في طريق فارغ يتنهد بقوة عقله شارد بتلك التى احتلت تفكيره وشغلته بها، عيناها التي تشبه العسل الصافي، تلك البراءة التي تظهر من عينيها رغم تلك القوة التي تكمن داخلها.
ظل شاردًا بها وهو يسير بدون إدراك لتلك التي تقترب منه ويرتسم على وجهها المليء بالمساحيق التجميلية ابتسامة خبيثة.
وقفت على مقربة منه قائلة بنبرة دلال :
_ هاي هشام ... وحشتني قوي
فاق من شروده على هذا الصوت، وللأسف إنه يعلم هذا الصوت جيدًا ويمقت صاحبه أيضًا، نظر بجانبه ليراها، هي... من كانت السبب في تحجر قلبه وانكساره أيضًا، هي ... من خدعته وهو انطالت عليه الحيلة بكل سهولة، ها هي الآن، تقف أمامه بكل وقاحة تبتسم له بطريقة اغاظته كثيرًا
تجهمت ملامحه، احمرت خضراوتيه بغضب شديد ومقت لهذه الواقفة أمامه، وفجأة قبض على يده بقوة حتى شعر بأظافره تغرس براحة كفة، ظهر فكه من قوة ضغطه عليه، أصبحت هيأته مخيفة جدًا ورغم ذلك لم تهز تلك الواقفة بل كانت تنظر له بابتسامة مستفزة وكأنها فخورة لما أوصلته إليه.
لتقول مجددًا بصوتها الذي بدا مقززًا لمسمعه :
_ وحشتني قوي على فكرة ... يا ترى أنا وحشتك كمان؟؟
جدحها بنظرة تذيب العظام والتف بعيدًة عنها واكمل سيره كأنه لم يرها ولم يسمعها فهو حقًا ليس فى المود الذي يسمح له بالتشاجر مع هذه الفتاة الآن وإلّا حقًا سيقتلها، مما تسبب في غيظها لتذهب خلفه بكعبها المرتفع هاتفه بدلال مصطنع بطريقة مستفزة لأعصابه :
_ أنت زعلان مني يا بيبي؟ خلاص حقك عليا، وأنا جيتلك تاني أهو نرجع زي ما كنا، حبايب و...
لم تكمل كلمتها بسبب ذلك الذي هتف بغضب أجفلها :
_ ابعدي عن طريقي يا هايدى احسنلك، أنتِ لو مش فاكرة آخر كلام قولتهولك فا أنا فاكره، أو فاكر جزء منه واللي هو إني قولتلك لو شوفتك قدامي تانى هقتلك ومش هتردد ثانية واحدة، حافظى على روحك وغورى من وشي
هتفت هايدى بحزن مصطنع :
_ بقى هي دي مقابلتك ليا بعد السنين دي يا حبيبي، معقولة مش وحشتك حبيبتك هايدي!
رمقها بنظرة استحقار قائلًا من بين أسنانه :
_ هايدي اتقي شري، مش هعيدها تاني
مدت يدها ناوية وضعها على وجنته ولكنه سبقها عندما ابتعد عنها وفجأة شعر بقشعريرة اشمئزاز في جسدت من فكرة لمسها فقط.
زمجر غاضبًا وعيناه أصبحت حمراء بشدة وهو يقبض على خصلات شعرها، أوردته نفرت وهو يشعر بكره شديد لها وغضب أشد :
_ أنا هعرفك قيمتك وهعرفك ازاي تقفي في وشي تاني.
تحرك وهو يقبض على خصلاتها بقوة غير عابئ بصراخها وترجيها له أن يتركها، أعماه غضبه،وألقاها داخل السيارة واحتل هو مقعد القيادة يقودها بسرعة شديدة.
أخرج هاتف وطلب بعض الارقام ليأتيه الرد سريعًا ليهتف بغضب :
_ جهزوا كل حاجة
وأكمل بصوت لا يبشر بالخير جعل الرعب يدب بأوصالها :
_ في حاجة لازم نمسحها من على الوجود
اتسعت عينيها برعب، وخفق قلبها بفزع، لتهتف بخوف وسرعة :
_ هشام، هشتم خلاص أبوس إيدك سيبني، أنا.. أنا آسفة، مش هطلع في طريقتك تاني، وقف العربية دي يا هشام
_ الندم دلوقتي مش هينفعك صدقيني، دا أنا لسه هندمك على اليوم اللي عرفتيني فيه
تحدثت بقوة ظاهرية بينما داخلها يرتجف كعصفور مبلل أمام الريح :
_ ولا تقدر تعمل حاجة يا ابن العامري، أنت آخرك كلام، وأنا مش هسكتلك لو فكرت المس شعرة مني، أنت ناسي نفسك ولا إيه، وقف الزفت دا
أوقف هشام السيارة لتبتسم بانتصار، وما كادت تتحدث حتى سقطت ابتسامتها وحل مكانها الرعب وهي تراه بوجه مخيف وهو يردد :
_ أنا هوريكِ أقدر أعمل إيه
ترجل من السيارة واتجه ناحيتها، أخرجها عنوة وبقوة بينما هي تتشبث بالمقعد ترفض النزول معه، ولكن هيهات، كانت بكل بساطة تسقط عند قدميه من شدة جذبه لها، وءلك الذي نسيَ مبادئه وقاده غضبه الذي أعمى بصيرته، قبض على خصلاتها بقبضة قوية وأوقفها أمامه وما كادت تتحدث حتى صرخت بقوة ما إن تلقت صفعة قوية على وجهها أسقطتها أرضًا مجددًا.
_ الله، من امتى واحنا بنمد إيدنا على بنات يا ابن العامري!
نظرت بسرعة واستنجاد إلى ذلك يتقدم منهم بملامح باردة وعيناه مسلطة على صديقه، تحدث هشام بعنف :
_ متدخلش يا بيجاد
وذلك البيجاد الذي قابل سيارة صديقه صدفة ولمح بها تلك الحقيرة، لم يتردد في تتبعه وهو يعلم أنه لا ينوي على خير، وقد كان، فها هو صديقه يخلع عنه كل شيء ولا يبقي بداخله إلّا غضبه الشديد.
أشار لها بأن تصعد سيارته، ووقف أمام هشام قائلًا ببرود :
_ متدخلش اواي وأنا شايف صاحبي بيضيع نفسه، المهم... متقلقش أنا هخفيها من وشك تمامًا بس أنت ارجع لطبيعتك واهدى كدا، دي حتى متستاهلش ذرة مشاعر والله
ربت على كتفه بقوة ثم رحل، ليزفر هشام بغضب وجلس في سيارته وأنفاسه ثائرة، كان سيقتلها حقًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
زفر بغضب وهو يعيد كرة الإتصال عليها للمرة الخامسة والتي انتهت كسابقيها بعدم الرد، جذب سترته ومفاتيح سيارته وتحرك نحو الوجهة التي هي بها.
توقف بعد وقت أمام فيلا إياد ترجل من السيارة وتحرك حتى وقف على بابها وهو يحاول تهدأة نفسه، التقط أنفاسه ثم نادى عليها ورغمًا عنه خرج غضبه في نبرته المرتفعة :
_ ليــــان …
اختض جسدها بين الفتيات ونهضت من مكانها مرددة بفزع بسبب نبرته :
_ دا غيث؟!!!
طمأنتها حوراء قائلة :
_ متقلقيش وروحي شوفيه عايز إيه، مش هينفع يدخل وإياد مش هنا
وليان التي توترت طالبتها برجاء :
_ تعالي معايا
طالعتها حوراء مستنكرة ولكن الأخرى لم تترك لها فرصة وهي تجذبها من يدها معها، لتردد حوراء بسرعة :
_ ماشي ماشي، خلاص، سيبي إيدي
_ آسفة
تركت يدها وسارت رفقتها حتى ظهرت لذلك الذي اشتد غضبه من فستانها القصير، قبض على يده حتى ابيضت مفاصله، ومن ملامحه التي حكت غضبه لها تقهقرت تقف خلف حوراء التي لا تعلم ما هو موقع إعرابها بينهما
تحدث غيث منفعلًا بغضب أعماه عن رؤية سواها :
_ وربي يا ليـان لـ...
ومع اندفاع جسده نحوهما تحدثت حوراء بجدية وهي تضع كفيها أمامها :
_ حيلك حيلك، رايح فين؟؟
انتبه لها غيث ونظؤ لها للحظات وود لسانه أن ينطق منفعلًا " من أنتِ؟ "ولكن ملامحها التي بدت ضبابية مع غضبه بدت تضح له حتى علم هويتها ليزفر بقوة قائلًا :
_ لو سمحتي يا مدام حوراء بس أنا محتاج ليان في كلمتين
ومع تلك النبرة التي بدت مخيفة لها رغم محاولته في إخراجها هادئة، تشبثت بكفيها في ملابس حوراء تهمس لها برجاء ألّا تتركها، لتقول حوراء متنهدة :
_ لو عايز تكلمها كلمها في وجودي، غير كدا مفيش كلام
مسح غيث على وجهه وشعره بعنف ودار حول نفسه للحظات ثم التفت لهما ووجه حديثه لليان قائلًا من بين أسنانه :
_ ليان... اخلصي وخلصيني علشان مكسرش دماغك، تعالي معايا
ارتفع حاجب حوراء بعدم رضا عن طريقة تحدثه قائلة :
_ والله؟؟ ودا بتاع إيه إن شاء الله؟؟؟
_ ماشي، ادينا مساحتنا بعد إذنك
تحدث غيث وبدأ حقًا بفقد صبره، لتنظر حوراء إلى ليان تطمئنها بنظراتها ثم ابتعدت عنهم بمسافة تجعلها ترى ولا تسمع، ولكن بالنسبة لصوت غيث المنفعل والعالي فهي تسمعه بوضوح، وما إن فعلت حتى نظرت ليان بتوتر إلى غيث الذي سألها بنبرة خطرة :
_ ممكن أفهم إيه اللي أنتِ لبساه دا!
نظرت ليان إلى نفسها وهتفت ببساطة مبتسمة ببلاهى ولم تفهم سبب سؤاله :
_ فستان!
هتف بغضب أجفلها :
_ ما أنا عارف أنه زفت، لبساه ليــه بالطول دا؟ مش لاقية قماش بروح أمك!!!
تحدثت ليان بانزعاج :
_ لو سمحت مسمحلكش، متقولش ظفت لأنه حلو على فكرا
حقًا، هل هذا ما لفت نظرك؟؟
ضغط غيث على أسنانه بغضب وهو يحاول بقدر ما يستطيع أن لا يقتل تلك الحمقاء التي تقف أمامه وهتف بنبرة أخافتها :
_ أنتِ هتاجي معايا دلوقتي، وهتغيري الزفت دا وبعدين هحاسبك على موضوع إني رنيت كتير ومردتيش
رمشت ليان عدة مرات قائلة بتفكير :
_ رنيت؟؟ بس أنا نسيت الفون في قصر أبيه ريان:
_ كمان!! وماله... تقلي من حسابك براحتك با بنت حسين
ا
أجفلت ما إن قبض على معصمها وما كاد يتحرك بها للخارج حتى وجد حوراء تقف أمامه عاقدة ذراعيها أمام صدرها رافعة حاجبها قائلة وعينيها تدور بينه وبين يده :
_ على فين العزم؟؟ إيدك عنها
_ لو سمحتي اتفضلي جوا، دا موضوع بيني وبين ليان
_ قولت إيدك عنها
زفر غيث بقوة وترك معصمها قائلًا ببسمة مقتضبة :
_ أهو.. ارتاحتي؟؟ هاخدها معايا بقى
رفعت حوراء حاجبها قائلة بسخرية :
_ بصفتك إيه إن شاء الله
أجابها غيث بنفاد صبر :
_ ابن عمها، حبيبها، خطيبها، وزوجها مستقبلًا
اردفت حوراء ببرود :
_ ولا حاجة من دول برضه تسمحلك تلمسها وتاخدها معاك، إلّا لو كنت أخوها، أبوها، أو جوزها فعليًا
_ مدام حوراء .. والله مش هاكلها ولا هقتلها
_ وأنا قولت لا ولو خلصت الكلام اللي عايز تقوله، اتفضل
رفع حاجبه ناظرًا لها بتهكم، بينما حوراء التي كانت تنفذ طلبات عيني الأخرى قالت موجهة حديثها لها بقوة :
_ ادخلي يا ليان
نظر غيث لها ليجدها تبتسم له ببلاهة ثم ركضت للداخل هاربة منه، زفر غيث بقوة وتحرك للخارج وما كاد يرحل حتى أوقفه صوتها، ليلتفت قائلًا بانفعال :
_ خير؟؟ تؤمري بحاجة؟؟
ابتسمت له حوراء قائلة بمرح :
_ ميؤمرش عليك ظالم .. أنا عايزة أتكلم معاك شوية دا بعد إذنك
تنهد غيث بفوة ثم تحدث بهدوء :
_ أكيد اتفضلي
_ومن غير زعل، أنا بعتبرك أخويا وهنصحك بس
ضيق حاجبيه قائلًا :
_ ودا يشرفني بس... هو في حاجة؟؟
تصنعت الغضب وهي تعقد حاجبيها قائلة :
_ آه في يا أستاذ غيث، لما تلمس ليان وهي مش حلالك كدا أنت بتأذيها وبتأذي نفسك بالذنوب، وبجد الموضوع مستفز يعني أنت مستحلل تلمسها وكأنه شيء عادي
_ والله! لمسي ليها ضايقك ورجليها اللي كلها باينة وإيديها دي إيه؟؟ عادي!
تغضنت ملامحها بضيق قائلة :
_ والله حاولت أتكلم معاها بس للأسف متقبلتش كلامي
تنهد غيث وقال بهدوء بينما في داخله يتوعد لتلك الشقراء :
_ ماشي، سيبي الموضوع دا عليا وأنا هتجنب أي تلامس ما بينا تاني
ابتسمت له حوراء قائلة :
_ يكون أفضل، وكمان خد المفاجأة دي... بعد أسبوع إن شاء الله هتكون حلالك
نظر لها بعدم فهم مرددًا :
_ قصدك إيه؟ مش فاهم!!!
_ اللي أقصده إني هساعدك تتجوزها وأنا هتولى أمر إقناعها في أسبوع واحد، ودي كلمة من أختك
ظهرت الدهشة على ملامحه قبل أن يسألها بلهفة :
_ تقدري؟؟
_ عيب عليك، بإذن الله بعد أسبوع هتعقد قرآنك عليها
لاحظت حوراء تلك اللمعة التي ظهرت في عينيه ولم تكن سوى لمعة عشق لتعلم أنها على صواب بينما يقول ببسمة ووجه مشرق بأمل :
_ بجد هكون ممتن ليكِ لآخر عمري لو عملتي كدا
ضحكت حوراء بخفة ثم قالت له :
_ طيب اتقل كدا واسمعني، عايزاك تنفذ اللي هقولك عليه بالحرف
_ اؤمري
قالها بلهفة مضحكة لتبدأ بقص عليه ما يجب أن يفعله، ليوافق هو سريعًا وبدون تردد والفرحة تغمر قلبه بأمل اقتراب حصوله عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان لا يزال في موقعه الذي أتى إليه بيجاد وأنجدها من بين يديه فيه، حاول كثيرًا تجاهل الأمر وتخطيه ولكنه فشل، كان ظهورها مفاجئًا لدرجة عدم قدرته على السيطرة على مشاعرة السلبية والعنيفة التي كان يحبسها طويلًا بداخله.
بدأت الشمس في الغروب واحمرت السماء وكأنها مرآة انعكس عليها ما يضمره صدر الآخر من غضب كنيران ملتهبة، تسارعت أنفاسه ونفدت محاولاته ليمسك هاتفه يتحدث إلى بيجاد بصوت لاهث من شدة انفعاله :
_ أنت فين؟؟
وأتاه الرد الغير متوقع من بيجاد بقوله :
_ وراك، أكيد مش هسيبك الوقت دا كله لوحدك!
أنهى هشام المكالمة وترجل من السيارة ونظر حوله ليجد سيارة بيجاد تقترب منه، وما إن ترجل منها حتى تحرك نحوه منفعلًا :
_ وديتها فين؟ أنا لازم أخلص منها وارتاح من قرف ظهورها كل شوية في حياتي
_ لا حيلك حيلك، ولا تخلص منها ولا حاجة، أنا هخلصلك منها ومش هتشوف وشها تاني بس بطريقتي
صرخ هشام بقوة في وجه بيجاد حتى نفرت أوردته :
_ بيجاد متطولش معايا في الكلام وقولي هي فين وطلع نفسك منها، الموضوع يخصني أنا لوحدي
ضربه بيجاد بظهر يده على كتفه قائلًا :
_ بلاش تخبط في الكلام وخلينا نمشي.
لاحظ بيجاد انفعال الآخر بشكل مريب وصدره الذي بدأ يعلو ويهبط بسرعة مخيفة، أصبحت ملامحه وعيناه أكثر وحشية وقتامة
وفجأة صرخ هشام صرخة مدوية بكل ما يحمل من طاقة غضب بداخله، صرخه خرجت بجميع جوارحه وآلامه، صرخة تعبر عن ما بداخله منذ سنوات، كان دائمًا يمنع هذه الصرخة من الخروج، لكن الآن .. لا يستطيع، فقد تخطت آلام روحه جميع الحدود حتى انهكت قواه ومقاومته.
ظل يصرخ بقوة حتى سقط على ركبتيه ولم يكف عن الصراخ، حتى شعر بضعف حنجرته وما زال بداخله الكثير.
كان بيجاد يتابع صديقه بحزن عميق، يعلم أنه تحمل فوق طاقته، كان دائمًا يعاند نفسه لرفضه للحظة من الضعف، ولكن كيف له أن لا يضعف، فهو بالنهاية ابن آدم، مخلوق لديه لحظة ضعف ولحظة قوة.
يتمنى لو كان هو يستطيع أن يفعل مثله، يتمنى لو يستطع الصراخ حتى يخرج كل ما يحمله بقلبه...
شعر بأن حصون صديقه بدأت في الانهيار ليقترب منه محاولًا تهدأته، لكن ما إن لامس كف يده صديقه حتى عاد للصراخ والوعيد بشكل أسوأ، ليحاول بيجاد أن يسيطر عليه من الخلف بذراعيه ولكن لم يستطع بسبب حركته العنيفه وفجأة جذبه هشام إلى الأمام ولكمه بقوة حتى ترنح جسد بيجاد إلى الخف، مسح جانب فمه وعلم أنه لن يستطيع عليه بمفرده :
_ وماله يا ابن العامري، تطلع من حالتك وهسففك التراب
وكون صديقه العزيز الآخر ريان لم يأتِ إلى الآن فهذا يعني أنه ليس متفرغًا ولم يرى رسالته بالأساس التي أرسلها له سابقًا يطلب حضوره فيها مع الموقع، ليخرج هاتفه وقام بالضغط على بعض الأرقام ثم قال بعدما أتاه الرد سريعًا :
- تعالى بسرعة على الموقع اللي هبعتهولك، متتأخرش يا غيث
ثم اغلق الهاتف وحاول مجددًا منع صديقه وللم يحصل سوى على اللكمات التي لم يحاول صدها.
على الجانب الآخر
كان غيث وإياد يتحدثان بمرح داخل مكتب الأخير بعد أن ذهب له غيث للبقاء معه قليلًا، رغم أنه مكان عمل ولكنه لم يهتم.
تعالى رنين هاتف غيث وما إن أجابه حتى تغيرت معالم وجهه إلى القلق ليهتف إياد بحذر :
- حصل إيه؟؟
نهض غيث بسرعة قائلًا :
- مش عارف بيجاد اتصل وبيقولى تعالى بسرعة.
هتف إياد هو الآخر سريعًا :
- طيب يلا بينا بسرعة
نظر له غيث ليهتف إياد بصوت مرتفع :
- متبصش كدا يلا بسرعة ليكون حصل حاجة
اومأ له غيث وانطلقا الاثنين بسرعة لخارج الشركة ولم يكلفا نفسهما حتى إخبار ريان بذلك.
بعد وقت كان قد وصل غيث وإياد إلى المكان ليرا بيجاد الذي يقف أمام صديقه الذي ينهال عليه باللكمات القوية والعجيب أن بيجاد لا يدافع عن نفسه بل ترك ذلك الغاضب ينهال عليه بالضرب بينما هو يردد من بين لكماته ببرود :
_ دي السبعة والعشرين اللي عدتها للمرة الثالثة لإني بغلط في العد، كله وليه حسابه على فكرا
ترجل الاثنان سريعًا من السيارة واقتربا منهما وقام غيث بإبعاد هشام بصعوبة أما إياد فاتجه إلى بيجاد يتأكد من سلامته
وبعد وقت طويل استطاع فيه ثلاثتهم السيطرة على ذلك الغاضب وجعلوه يصعد السيارة بالقوة وانطلق غيث بها
هتف إياد سريعًا :
- روح على الڤيلا هي أقرب مكان من هنا
وافقه غيث وانطلق إلى ڤيلا إياد.
كان أيهم يسير بهدوء برفقة آسر يتبادلان بعض الاحاديث، ليتوقفا وهما يشاهدان غيث وإياد وبيجاد يخرجان هشام الذي كان في حالة غضب عاصفة وهما يحاوللن السيطرة عليه ويدلفوا به إلى ڤيلا إياد ليركضوا بإتجاههم بقلق مما يحدث.
فزعت الفتيات بسبب ذلك الصوت المرتفع والذي كان يغلب عليهم صوت صرخات رجولية من ذلك الهشام الذي يتوعد لهم، نهضن جميعًا بتوجس وهن ينظرن ناحية الباب لتشهق كيان وليان وهما تنظران لحالة هشام، بينما اتسعت أعين حوراء وأريب بفزع بينما تلك الآية فقد شعرت بقلبها يخرج من مكانه وهي تراه بهذه الحالة المخيفة ولأول مرة.
دلف أيهم وآسر وساعدوهم في التحكم به لتنطلق حوراء نحو غرفة ما ثم خرجت سريعًا وهي تحمل بين يديها حقنة مخدرة ووقفت بالقرب من إياد هاتفه بصوت منخفض وهى تمدها له بأيد مرتجفة :
- إياد دي حقنة مهدأة ادهاله بسرعة
التقطها منها إياد وادخلها فى ذراع هشام بصعوبة بعدما طلب منهم تثبيته جيدًا.
وبعد وقت كان قد بدأ هشام بالهدوء والغرق في اللاوعي بأثر المخدر، وانغلقت عيناه التي كانت تشع قسوة وغضب وهدأ جسده ليلتقطه أصدقائه ثم حملوه وصعدوا به إلى غرفة تحت إرشادات إياد.
يبدو أن ريان سيتأخر حتى يعلم ما أصاب صديقه!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والسَّلام.
مِـنَّـــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السادس 6 - بقلم منة جبريل
تريح رأسها على صدره بينما هي شاردة تنظر للاشيء أمامها.
وهو كان يضع تركيزه على شاشة هاتفه ويده الأخرى تمسد على خصلاتها.
توقف لوهلة وهو ينظر لها، ظنًا أن سكونها ذاك بسبب نومها، لكن رآها تفتح عينيها.
"مالك؟"
خرجت تنهيدة قصيرة منها وهزت رأسها نافية دون حديث.
أغلق هاتفه وألقاه جانبًا، واعتدل بينما يحافظ عليها بجواره.
قبل فروة رأسها قائلًا بحنان:
"تحبي تخرجي؟"
رفعت رأسها تطالعه بتعجب قائلة:
"في الوقت دا؟ احنا عدينا الساعة ١٢!!"
حرك شفتيه مع رفع كتفيه قليلًا بمعنى وما المشكلة؟
"وإيه يعني؟"
أراحت رأسها مجددًا على رأسه تردد بهدوء:
"لا، مليش نفس دلوقتي"
"حاضر، وجودك في حضني أحلى، أنا عارف"
ابتسمت بخفة وهي تهمهم مؤكدة حديثه.
تنهد ريان ومسح على رأسها يسألها بجدية:
"مالك بقى؟ فيكِ إيه؟?"
"في الحقيقة... ماما أمينة وحشتني أوي، أيوا هي مش ماما بيولوجيًا، بس هي اللي اهتمت بينا زي ماما بالظبط، نفسي اشوفها"
صمتت قليلًا قبل أن ترفع مقلتيها السوداء تطالعه بتردد هامسة:
"هو ممكن..."
"ممكن أو مش ممكن نتكلم في الموضوع دا بكرا، حاليًا مش عايزك تفكري في حد غيري وخلينا نعمل حاجة نتسلى بيها"
كان حديثه صادمًا لها، لكنها في النهاية لم تعترض، بل أماءت برأسها بكا طاعة وصمتت، لكن عيناها لمعت بالحزن.
وبعد دقائق كانت مستلقية بجواره وقد نامت بينما هو يتحدث.
توقف ونظر لها للحظات قبل أن يبتسم وهو يبعد خصلاتها عن وجهها.
يكره رؤية حزنها، لكن جتى يرى تلك اللمعة التي يحبها يجب أن يكمل خطته في الوقت الحالي.
وفجأة تذكر الرسالة التي تلقاها على هاتفه من بيجاد.
أولئك الحمقى لم يخبروه إلا منذ وقت قريب.
سيتأكد من نومها ثم يتجه لصديقه ليرى ما أصابه.
***
"يا بنتي نامي مش شايفة ان الوقت اتأخر اوى"
"خلاص يا أريب قولتلك مش عايزة انام.. اتفضلي انتي نامي"
نظرت لها أريب قليلا هاتفه بهدوء:
"كل دا علشانه"
نظرت لها آية قليلا ولكنها هتفت بتوتر وهي تشيح بناظريها عنها:
"قـ.. قصدك.. مين"
"انتي فاهمه انا قصدي على مين.. اقصد هشام يا آية.. انتي بتحبيه"
"طبعًا لا.. اي الهبل اللي انتي بتقوليه دا.. بقولك اي يا أريب نامي وبطلي افكارك دي.. انتي عارفة اني مبفكرش بالطريقة دي.. نامي وانا كمان هنام.. تصبحي على خير"
أنهت حديثها وهي توليها ظهرها تخفي وجهها أسفل الغطاء.
تنهدت أريب وأغلقت الضوء وتسطحت هي الأخرى وهي تعلم بتهرب شقيقتها منها.
فهم الثلاثة لا يجيدون الكذب من الأساس ولكنها لم ترد الضغط عليها.
أغمضت عينيها في محاولة بائسة للنوم.
أما الأخرى فكانت تتطلع في الظلام الذي أسفل الغطاء وهي لا تعلم لماذا تفكر به بهذه الطريقة.. أو لنقل أنها تعلم.. ولكنها تحاول إنكار هذا.
فهي لا تريد خوض تجربة لم تستعد لها فهذا ليس من طبيعتها.
كانت وما زالت دائمًا تحسب كل خطوة تقوم بها وكل كلمة قبل أن تتفوه بها.
نفضت رأسها بشدة في محاولة يائسة منها على أن تزيله من أفكارها وأغمضت عينيها بقوة باحثة عن النوم.
وفي غرفة أخرى...
كان يجلس إياد وبيجاد يطالعون ذلك النائم بهدوء.
"روح نام انت يا إياد وأنا هفضل صاحيه"
"لا بقوولك اي.. اهدى كدا وبطل الكلمتين بتوعك اللي ماسكلي فيهم من ساعة ما قعدت دي"
ابتسم له بيجاد بإرهاق مربتًا على قدم إياد هاتفا:
"تعبناك معانا"
"لو ما بطلت كلامك دا لهكمل على وشك المتشلفط دا.. اي يا ابني كلامك الاهبل دا"
"يا عم انا غلطان اني بتكلم معاك بإحترام جتك القرفة"
هتف بها بيجاد بمرح وغضب مصطنع.
قهقه إياد عليه.
أما بيجاد فقد عاد بنظره مجددًا إلى ذلك النائم وعادت نظرة القلق إلى عينيه.
هتف إياد وهو يحاول إزالة قلقه ولو قليلاً:
"متقلقش هيبقي كويس بإذن الله"
"يارب"
هتف بها بيجاد تصحبها تنهيدة عميقة وهو يتذكر حالة صديقه وانهياره.
لا يعلم ما سيحدث عندما يستيقظ.
وكيف ستكون حاله.
وبعد وقت..
استمع بيجاد إلى صوت رنين باب الفيلا الرئيسي.
نظر بجانبه ليرى أن إياد قد نام ولم يشعر هو به بسبب شروده.
نهض سريعًا وتوجه إلى الأسفل وفتح الباب ليرى صديقه يقف أمامه ولم يتفاجأ من وجوده.
ابتعد عن الباب ليدلف ريان متجها إلى الأعلى ليلحقه بيجاد بعدما أغلق الباب مجددًا.
نظر ريان إلى ذلك النائم على المقعد لينظر إلى بيجاد ليهتف الآخر:
"حاولت كتير اخليه يروح ينام وهو كان بيرفض واهو نام من غير ما يحس"
أومأ له وتوجه نحوه وهزه برفق ليستيقظ الآخر سريعا هاتفا:
"في اي.. حصله حاجه"
وكان يقصد بحديثه هشام.
ليهتف ريان بهدوء:
"محصلش حاجه.. بس روح انت نام واحنا هنفضل هنا"
نظر له إياد ثم هتف بعدم استيعاب:
"انت بتعمل اي هنا.. وحوراء"
هتف ريان بجدية:
"متشغلش بالك وروح نام"
تنهد إياد وأومأ بهدوء وذهب بعدما ألقى عليهم السلام وتوجه إلى غرفته ليذهب في سبات عميق.
أما ريان فجلس مكان إياد يطالع صديقه الذي يفترش الفراش.
وهو يتذكر إصرار إياد على مكوثه هنا الليلة رغم أنه كان يريد أن يأخذه إلى قصره ولكن تحت إصراره الذي نبع من شهامته وافق أو بسبب تلك التي أسرت قلبه والتي لم يستطع رفض طلب لها بالتحديد.
جلس بيجاد مكانه مجددًا هاتفا ونظره معلق على هشام:
"مش شايف انه مكنش ينفع تسيبها وتيجي.. دا غير اني موجودة"
هتف ريان بحزم:
"بيجاد.. ملوش داعي الكلام دا وانت عارف وفاهم"
أومأ له بيجاد بهدوء فهو يعلم أنه لن ولن يتركهم أبدًا وبالأخص في أوقات كهذه.
فهو دائمًا بجانبهم ولم يترك أحد منهم أبدًا وهو متعب أو بحاجته.
فكانوا ولا زالوا يجدونه دائمًا معهم وخلفهم بدون أن يطلبوا منه.
ريان بالنسبة له ولهشام.. الجبل الذي يستندون عليه وهم يعلمون أنه لن يميل بهم أبدًا.
يستمدون ثقتهم بأنفسهم وقوته منه هو.
***
أشرقت الشمس تنشر أشعتها الذهبية في كل مكان.
تململت في نومها وهي تشعر بفراغ الفراش بجانبها لتستيقظ سريعًا تبحث عنه بعينيها ولكنها لم تجده.
نهضت متوجهة إلى المرحاض تقف بصمت تحاول سماع صوت من الداخل ولكنها لم تسمع شيئًا.
فتحت الباب لتراه خاليًا.
جذب انتباهها ثيابه التي كان يرتديها أمس لتتنهد بخفوت.
بعد وقت وضعت سجادة الصلاة أرضًا وبدأت في تأدية فرضها بخشوع.
وبعدما انتهت تلت بعض آيات الله من كتابه الكريم لتختتم السورة بآية جعلت الدموع تلتمع في عينيها.
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۖ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49) ﴾
﴿سورة الطور﴾
صدقت من الآية الكريمة وأغلقت كتاب الله الكريم لتتسابق دموعها على وجنتها وأجهشت في بكاء.
هي لا تبكي لأنها حزينة أو لسبب من أسباب هذه الدنيا الفانية.
بل تبكي بسبب تلك الآية خشوعًا منها.
تبكي وهي تبتسم فرحة بنعم الله عليها.
فرحة بنعمة الإسلام.
تحمد ربها كثيرًا وتشكر أكثر.
بعد وقت جفت فيه دموعها وهي تشعر براحة كبيرة داخل فؤادها أنستها حزنها الذي استيقظت به.
ابتسامة مشرقة ارتسمت فوق شفتيها.
نهضت تضع المصلاة مكانها وقبلت القرآن الكريم عدة مرات ضامة إياه إلى صدرها.
فهو شفاء للروح والقلب.
وراحة نفسية.
وسعادة داخلية لا يشعر بها إلا من كان القرآن نور قلبه.
ثم أمسكت بهاتفها وقامت بالاتصال عليه ولكنها وجدته مغلقًا.
خرجت من الغرفة وهبطت الدرج لتجد كيان تجلس تأكل برفقة ليان ويتحدثون بهدوء.
اقتربت منهما بإبتسامتها التي تبعث الراحة في كل من رآها وهتفت بصوت رقيق:
"صباحكم فرحة بنعم الله.. عاملين ايه"
نظرت لها كيان وهي تشعر بسعادة من حديثها هذا هاتفه بإبتسامة:
"صباح الخير يا حوحو.. بخير الحمد لله انتي اخبارك ايه"
بينما هتفت ليان:
"الحمد لله يا حلوة انتي"
ضحكت حوراء بخفة على حديث ليان ثم هتفت موجهة حديثها إلى كيان:
"الحمد لله بخير بفضله.. متعرفيش ريان فين انا رنيت عليه فونه مغلق"
هتفت كيان بهدوء:
"اكيد موجود عند هشام وبيجاد اصله مش متعود يبعد عنهم وواحد منهم تعبان"
أومأت لها حوراء لتكمل كيان:
"اقعدي افطري وبعدها نروح عند اخواتك وتشوفي ريان هناك"
هتفت حوراء بهدوء:
"مش جعانة انتوا لو خلصتوا نقدر نمشي دلوقتي"
أومأت لها كيان وليان ونادت على إحدى الخدم لكي تأخذ الطعام وخرجوا من القصر واستقلوا إحدى السيارات والتي كان يقودها سائق وبجانبه أحد الحرس واتجهوا إلى فيلا إياد وخلفهم سيارة حرس.
بعد وقت ترجلوا من السيارة ودلفوا إلى الداخل ليجدوا آية وأريب وإياد وآسر وأيهم وبيجاد وأيان وغيث، يجلسون يتحدثون بهدوء ويظهر على أعين بيجاد أنه لم ينم الليل.
نهض إياد وبيجاد وغيث بدورهم فور رؤيتهم لحوراء وكيان وليان.
توجه إياد إلى شقيقته وبيجاد إلى كيان.
وكاد غيث أن يتجه نحو ليان ولكنه توقف بسبب نظرة حوراء له ليجلس مكانه مجددًا مبعدًا نظره عنها بصعوبة فهو اشتاق لها لحد الجنون حتمًا.
استغربت ليان من تصرفه وشعرت بألم في قلبها ولكنها لم تظهر هذا.
ثم ألقوا السلام على الجالسين وجلسوا لجانب آية وأريب.
هتفت حوراء بتساؤل:
"ريان مش موجود ولا اي"
هتف بيجاد بهدوء بعدما سمع حديثها:
"لا خرج من نص ساعة ولسه مرجعش"
أومأت حوراء وهي تشعر بالحزن بداخلها.
هل هو يتجاهلها أم ماذا؟
ماذا فعلت لكي يفعل معها هذا؟
ظلت تراجع أفعالها لعلها تجد أنها أخطأت في شيء ما ولكنها لم تجد.
تتنهد بصمت تحاول تهدئة نفسها حتى يعود وعندها تستطيع أن تسأله عن سبب ما يفعله معها وهذا التجاهل من وجهة نظرها.
بعد وقت ليس بطويل...
سمعوا صوت خطوات من أعلى الدرج لتنتقل جميع الأنظار نحو الصوت ليروا هشام الذي يهبط الدرج وعلى وجهه علامات التجهم والغضب.
لينهض بيجاد سريعًا وكذلك باقي الشباب وركض إليه بيجاد بسرعة ولكنه توقف عندما أشار له هشام بأن يتوقف مكانه وطالعه بنظرة غاضبة.
ليتجاهل بيجاد نظرته وحركته وأكمل سيره اتجاهه وكاد أن يلمسه ولكنه ابتعد عنه وأكمل هبوط الدرج ليظل بيجاد يسير خلفه بهدوء وصمت.
طالع هشام الشباب بنظرة غضب شديدة وهو يبحث بينهم عن ريان لكنه لم يجده.
لتتلاقي عينيه بتلك الجالسة تطالعه بنظرة قلقة.
لم يتحرك شيء بداخله فقد عادت قسوته وأشد من قبل لدرجة أنه لم يتأثر بعينيها الساحرة وتلك النظرة التي بهما.
ألقى نظرة مجددًا على الجميع ثم غادر كإعصار وتبعه بيجاد بعدما أشار للباقين بأنه ليس عليهم المجيء ليتوقفوا بعدما كانوا سوف يلحقون به.
ليهتفوا جميعًا بنفس الوقت وقد حل الصمت بينهم وكل منهم شارد في حياته.
فكان غيث ينظر أرضًا يفكر في تلك الخطة التي اتفق عليها هو وحوراء ووعدها له أيضًا ليدعوا الله بداخله أن تنجح هذه الخطة وتستطيع هي الوفاء بوعدها له.
ينظر للسقف بملامح جامدة خالية من أي تعبير ولكن عيناه تلمع بالألم والاشتياق.
اشتاقها جدًا.
اشتاقها بدرجة لا يمكن وصفها.
قلبه يصرخ ككل يوم ألمًا لفقدانها بدون أن يشبع منها.
يتذكر كيف كان قلبه يتطاير فرحًا بابتسامة منها فقط وكان قلبه يغرد طربًا عندما يستمع إلى صوتها الرقيق.
نظرتها... ابتسامتها... ضحكتها...
طريقة حديثها... تصرفاتها الحكيمة وفي بعض الأحيان طفولية.
اشتاق لكل هذا.
شعر بغصة مؤلمة في قلبه وكذلك حلقه ليحاول الثبات بكل قوته.
أما ذلك الآسر...
فكان مشبك أصابعه مستندًا على قدميه ناظرًا إلى كف يده وأصابعه المترابطة وعقله يفكر في تلك القضية التي استلمها.
لا يعلم ما يفعل حيالها.
وحتى اتت على باله تلك الجنية القصيرة وصفعها له لتحمر عيناه الزيتونية غضبًا وبرزت عروق كتفه وازدادت وتيرة أنفاسه ليرمقها نظرة لاحظتها هي وكانت عيناه تشع غضبًا لتتجاهل هي نظراته بعدما رمقته نظرة قوية وكأنها ترسل له أنها لا تخشى شيئًا ليزداد غضبه أضعافًا مضاعفة ليتماسك بقوة حتى لا ينهض ويحطم رأس تلك المتمردة.
هتف أيان بمرح:
"الله.. مالكم عاملين زي اللي عليهم ديون... انتوا لي واخدين على خاطركم أوي كدا ومركزين مع الدنيا.. ماله لو ادتوها الطناش وعشتوها بطولها وعرضها.. اي هيحصلكم يعني.. ناس غريبة بجد.. ناوية نكد وغم على الفاضي"
رمقه أيهم وغيث وآسر نظرة نارية ولو كانت النظرات تقتل لوقع صريعًا في الحال.
ثم نهضوا وخرجوا هم الثلاثة كإعصار قوي مدمر.
ليهتف أيان بمرح:
"جتكم الفرح.. ناس نكدية صحيح"
قهقه إياد بقوة على حديث هذا الأيان الذي لا يبالي لشيء في هذه الدنيا وهذا أكثر شيء يعجبه به.
لتسرق ضحكته ما تبقي من عقل تلك النصف تركية لتطالعه بهيام ظاهر لتنكزها حوراء بخفة لتبعد ناظريها عنه بخجل شديد.
هتف إياد بصعوبة وبعض الضحك:
"يا ابني حرام عليك سيبهم ف حالهم... يعني هما كلهم زيك مديين الدنيا طناش"
هتف أيان وهو يرفع حاجبه بمرح:
"آه لو كلهم زيي كانت.."
"كانت خربته"
هتفت بها ليان بسخرية من توأمها.
ليهقهقه إياد بقوة فهو كاد أن يقولها ولكن سبقته توأمه بهذا.
ليهتف أيان بحنق مصطنع:
"لي ياختي هو في ف جمالي ولا خفة دمي"
"مدام قمر موجودة يبقي فيه"
هتفت بها قمر وهي تدلف إلى داخل الفيلا بمرحها المعتاد.
ثم ألقت السلام عليهم وجلست بجانب الفتيات.
هتفت أريب بضحك:
"فعلاً.. أهي الجمال وخفة الدم والاستفزاز وكله.. مكس من كل حاجة"
وكزتها قمر في ذراعها لتنظر لها أريب بغيظ لتجدها قمر لنظات متحدية.
ليستمعوا إلى صوت إياد الذي يهتف بإستفزاز:
"نسيتي الجنان يا أميرتي والهبل"
هتفت قمر بحنق مصطنع:
"انا هبلة ومجنونة يا إياد"
أومأ لها إياد مؤكدًا حديثه لتلقي قمر عليه وسادة صغيرة كانت خلفها ليتلقطها إياد بخفة ولاعبها بحاجبيه بإستفزاز.
لتققهقه أريب وآية وأيان وليان على وجهها الحانق والذي بدأ في الاحمرار من الغضب.
بينما كانت تلك النصف تركية تشتعل غيرة منها وكيف له أن يمازحها بهذه الطريقة.
ولما هي بالذات.
ولماذا ينظر لها ويحادثها بحرية هكذا.
بينما تلك الأخيرة فقد كانت شاردة في عالمها الخاص.
تفكر به وتتساءل أين هو وماذا يفعل الآن ولما لم يأتي كل هذا الوقت ولما هاتفه مغلق.
حتى بدأت تشعر بالقلق عليه فعليًا.
لاحظ شرودها شقيقها وكاد أن يتحدث موجها حديثه لها ولكن قاطعه دخول أحد لهم وكان آخر شخص توقع أن يراه هنا.
توجهت جميع الأنظار لتلك التي تقف تطالعهم بصدمة ولكن عيناها كانت معلقة بإياد كأنها لا ترى غيره.
ليباد لها إياد وأريب وآية حتى قمر نفس النظرة.
بينما لم تأخذ حوراء بالًا من كل هذا وكان أيان وليان وكيان يطالعونها بتساؤل واستغراب.
نهض إياد سريعًا متوجهًا لها متحدثًا بفرحة وعدم تصديق أيضًا:
"أمى"
جذبت هذه الكلمة انتباه حوراء لتتطلع نحوه بإستغراب وما هي إلا ثوان حتى تحولت نظرتها إلى أخرى غير مصدقة.
كانت نظرتها تحتوي على.. الصدمة.. الاشتياق.. الذهول.. عدم التصديق.. وأخيرًا.. الألم.
احتضنها إياد بإشتياق كبير وسعادة غامرة ظهرت من عينيه هاتفا:
"ازاي.. انا مش مصدق"
ضحكت أمينة بسعادة لرؤيتها له سليمًا ومعافيًا وليس به سوء وبادلته العناق تطمئن نفسها بأنه بخير وأدمعت عيناها عندما رأت أريب تقترب منها لتزداد صدمتها.
ولكنها قامت بفتح ذراعيها لها لترتمي الأخرى بين أحضانها تعانقها بشدة وهي تهتف بصوت مختنق:
"وحشتيني قوي يا أمي"
"وانتي كمان يا قلب أمي"
ابتعدت عنها أريب وقبلت يدها ورأسها لتبتسم لها أمينة.
ثم وجهت أنظارها إلى تلك التي لمعت عيناها بالدموع لتقترب منها واحتضنتها بقوة هاتفه:
"آية.. وحشتيني يا روح أمك.. وحشتيني يا غالية"
بادلته آية العناق وانهمرت دموعها هاتفه ببكاء:
"آآآه يا أمي... متصدقيش وحشانى قد إيه"
ربتت أمينة على ظهر آية مهدئة إياها حتى هدأت الأخرى لتبتعد عنها أمينة.
وقبل أن تتساءل عن سبب وجودهم هنا وكل الأسئلة التي خطرت ببالها وأيضًا عن ابنتها الأخيرة والتي اشتاقتها كثيرًا.
رأتها تجلس تنظر لها بشوق ظهر في عينيها.
اقتربت منها ظنًا منها أنها ما زالت لا تستطيع السير لتفاجئها عندما نهضت وركضت باتجاهها مرتمية بين أحضان تلك المرأة الحنون التي عوضتهم عن حنان والدتهم.
وقفت أمينة بصدمة وهي تراها تقف على أقدامها تحتضنها.
نظرت إلى إياد بعينيها لترآه يبتسم لها باتساع لتعلم أنها لا تحلم.
لتبعد حوراء عنها ونظرت لها بلهفة هاتفه:
"حوراء.. انتي.. انتي.. بتمـ.."
هتفت حوراء بإبتسامة واسعة:
"ايوا يا أمي.. انا بقيت كويسة"
احتضنتها هذه المرة أمينة بقوة وهي تحمد الله وتعبر لها عن مدى فرحتها حتى انهمرت دموعها مثل الشلال فرحة بشفاء ابنتها وتظل تدعي لابنتها الأخرى.
هتف إياد بإستغراب بعدما جلسوا جميعًا وتعرفت على كيان وليان وأيان وعانقت قمر بشدة:
"لكن إزاي يا أمي.. انا كنت كل يوم بطلب منك إنك تيجي معايا وكنتي بترفضى.. وكمان عرفتي مكان الفيلا من فين انا مش فاكر اني قلتلك العنوان"
نظرت له أمينة بصدمة أهذه فيلته حقًا التي كان يحادثها عنها.
ولكن سبقتها أريب التي هتفت بصدمة:
"يعني انت كل يوم بتشوفها وتروحلها"
أومأ إياد هاتفا بتوضيح حتى لا يحزنوا منه:
"كنت بحاول أقنعها إنها تيجي معايا ومكنتش أعرفكم عشان متزعلوش لو رفضت"
ابتسمت له آية وأريب بينما أمسكت أمينة بأذن إياد تلويها كعقاب له هاتفه:
"إزاي يا ولد متقوليش إن حبيبتي حوراء خفت هااه"
هتف إياد وهو ينحني قليلاً بسبب جذبها لأذنه:
"والله يا أمي كنت عايز أعملهالك مفاجأة"
تركت أذنه بعد وقت هاتفه بمرح متناسية كيف جاءت:
"خلاص أقنعتني"
قهقه الآخرون على هذه المرأة الحنونة والمرحة معًا.
بينما أكملت أمينة بجدية:
"أنا جيت تحت تأثير التهديد"
توقف الجميع عن الضحك ونظر لها إياد بقلق هاتفا:
"تهديد... مين.. وازاي يا أمي و ليه مقولتيش من أول ما جيتي"
هتفت أمينة بجدية:
"معرفش هو مين.. بس اللي حصل إنه..."
كانت تجلس تقرأ آيات الله عز وجل لتستمع إلى صوت طرقات الباب.
لتصدق من القرآن الكريم ووضعته جانبًا ثم نهضت ملتقطة حجابها ووضعته جيدًا أعلى رأسها ثم توجهت نحو الباب.
وما أن فتحته حتى تراجعت إلى الخلف خطوتين عندما رأت رجل يقف بطوله المهيب وبذلته الحالكة السواد واضعًا كفيه في جيب بنطاله رافعًا رأسه بغرور وعينيه المخيفة تختفي خلف تلك النظارة التي باللون الأسود كحال ملابسه.
وكان يقف خلفه الكثير من الرجال المسلحين ويرتدون الأسود أيضًا وجسدهم ضخم.
لتستمع إلى صوت رجولي آتي من ذلك الواقف أمامها هاتفا بجدية:
"أنتي أمينة سعيد طه"
أومأت له أمينة هاتفه بتوتر:
"أيوا أنا يا ابني.. خير"
هتف ببرود وكأنه يخبرها بحالة الطقس:
"اتفضلي معايا حضرتك"
هتفت أمينة بتوتر ملحوظ:
"على فين.. وانت مين"
خلع النظارة لتظهر عينيه ذات اللون الغريب هاتفا بغرور وثقة ظهرت من نبرة صوته:
"هتعرفي بعد ما تيجي معايا"
نظرت له لبرهة تشعر وكأنها رأته من قبل ولكنها لم تتذكر لتهتف بغيظ:
"انت عايز إيه من الآخر"
"قلتلك انا عايز إيه ومبحبش أعيد كلامي"
"على فين بالظبط"
"اتفضلي الأول وفي الطريق هنتكلم"
"مش رايحة مكان وشرفت يا ابني"
استفزته نبرة حديثها هاتفا بغضب يحاول السيطرة عليه:
"مبحبش أعيد وازيد في الكلام.. ياريت بهدوء اتفضلي"
"في حاجة اسمها احترام الكبير وبعدين قولتلك مش رايحة مكان روح انت الله يسهلك وشوف اللي وراك وقصر الموضوع مدام مبتحبش تعيد كلامك"
حسنًا لقد طفح به الكيل فهو يتخطى كل شيء إلا الصوت الذي يرتفع بوجوده وأيضًا عدم الاحترام في الحديث معه.
ليسلك الطريق التي كانت وما زالت تنجح معه دائمًا.
ليهتف بتهديد ظاهر:
"يستحسن تسمعي الكلام.. علشان أنا مبحبش أأذي اللي أكبر مني.. ولو خايفة على عمرك اتفضلي معايا"
هتفت أمينة بحدة وغضب:
"الأعمار بيد الله ومبخافش لان دي سنة الحياة ولو خلصت كلامك اتفضل"
حقًا لم يكن يتوقع ردة الفعل هذه ولكنه ابتسم بداخله فهي حقًا طبعت طبعها العنفواني بأولئك الأربعة.
فاق من شروده عليها وهي تهم على أن تغلق الباب هاتفه:
"شرفت"
وقبل أن تغلقه هتف بخبث ومكر شديد:
"لو مش خايفة على عمرك خافي على عمر أولادك"
توقف قليلًا ثم هتفت بابتسامة مغتصبة:
"معنديش ولاد"
رفع حاجبه هاتفا بخبث:
"كنت فاكر إنك إنتي أم إياد وامممم مين تاني؟?"
لتظهر علامات الفزع على وجه أمينة وهتفت بقلق:
"إياد.. ماله.. هو.. كويس"
"هيبقى كويس لو اتفضليتي معايا"
هتفت سريعا وبدون تفكير:
"ماشي يلا أنا جاية معاكم بس اغير هدومي الأول"
أومأ لها لتدلف هي سريعًا لتغير ثيابها المنزلية.
بينما هو عندما اختفت في إحدى الغرف ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتيه.
لتختفي سريعًا عندما رآها تعرول نحوه وهي ترتدي عباءة سوداء وحجاب باللون نفسه.
ليفسح لها الطريق لتخرج سريعًا ليشير لها أحد الحرس على إحدى السيارات لتدلف بها بدون حديث.
بينما هو كان يتابعها بنظرة انتصار.
بعد وقت من انطلاق السيارات مع ازدياد ضربات قلب أمينة بها توقفت السيارات لتشعر بأن قلبها سقط في قدمها عندما فتح لها أحد الحرس هاتفا بجدية:
"اتفضلي يا هانم"
استغربت من طريقته المهذبة في الحديث ولكنها نفت هذه الأفكار سريعًا من رأسها فهي تريد الاطمئنان على إياد أولًا.
ولكنها وقفت تطالع هذا البيت الكبير بإنبهار والتي لم تكن سوى فيلا إياد.
لتنظر إلى ذلك الذي ترجل من سيارة أخرى والتي كانت باللون الأسود أيضًا لتهتف في نفسها:
"وماله دا مع اللون الأسود كدا"
لتنتبه له عندما هتف بجدية:
"اتفضلي جوا"
نظرت له بإستغراب ولكنه حثها على الدخول لتدلف هي بهدوء مع ضربات قلبها الخائفة.
ولكنها توقفت عندما دلفت وهي تتطلع إلى إياد بصدمة وأيضًا من أولئك الذين يجلسون بجانبه.
بينما لم تلاحظ أريب أو آية وقمر وحتى حوراء.
هتفت حوراء بشك:
"تقدري توصفيه يا أمي"
كادت أمينة أن تتحدث ولكنها نظرت باتجاه الباب لتشير نحو ذلك الذي دخل توا بعدما قام بالانتهاء من عدة مكالمات مردفة:
"دا.. دا اللي جابني"
نظر الجميع نحو الباب لتظهر الصدمة على الجميع ما عدا تلك التي ابتسمت بيأس من شقيقها الذي دائمًا يتبع أسلوب التهديد.
نظر الآخر لهم والذي لم يكن سوى ريان ببرود وهو يطالع تعبيراتهم المنصدمة ولم يهتم لأي منهم.
تقدم إلى تلك التي تطالعه بصدمة كغيرها وقبل رأسها هاتفا:
"مفيش حاجة هتكون نفسك تشوفيها ومتشوفيهاش"
نظرت له حوراء قليلاً لترى عينيه المبتسمة لها على عكس وجهه المتجهم.
وبغير إرادة منها ارتسمت ابتسامة واسعة أظهرت غمازتيها ليغرق هو عشقًا بها للمرة الألف.
قاطعهم صوت إياد الغاضب وهو يهتف:
"انت إزاي تهدد أمي"
نظر له بطرف عينه وهتف ببرود:
"أعتقد هي حكتلكم اللي حصل وعرفتلكم إني طلبت منها قبل ما أهدد ولا إيه"
أنهى حديثه وهو ينظر إلى أمينة والتي ما زالت تجهل هويته وهتفت بغضب:
"انت إزاي تلمسها وانت يا إياد إزاي تسمح له يقرب منها كدا بقى دي تربيتي ليك"
نظر لها الجميع بذهول وأخيرًا هتف أيان بمرح بعدما كان يأخذ دور المشاهد فقط:
"انتي متعرفيش إن اللي جابك دا يبقى جوز بنتك"
صدمة وقعت عليها بينما ألقت نظرة معاتبة وحادة لإياد الذي ابتسم خفية ولكنه شعر بأنها ستعاقبه عقابًا شديدًا.
هتفت حوراء وهي تتجه نحوها وقبلت يدها:
"انتي معرفتيش جوز بنتك يا أمي"
"لا"
قالتها بحدة وعيناها ما زالت معلقة بإياد.
ثم نظرت إلى ذلك الجالس واضعًا قدم فوق الأخرى غير عابئ بأحد وعيناه معلقة بحوراء، لتكمل بنبرة غير راضية:
"بقى دا جوزك.. وهو اللي عالجك.. وهو أكبر رجل أعمال في العالم"
أومأت لها حوراء بابتسامة واسعة ولم تلاحظ نبرتها على عكس ذلك الجالس والذي لم يهتم بها فهو كل ما يسعده الآن هي السعادة الظاهرة في أعين زوجته وملكتها.
نهضت أمينة ونظرت إلى إياد ليفهم هو نظرتها على الفور وامسك بيدها واتجه بها إلى أحد الغرف.
وعندما كانت تمر بجانب ريان رمقته بنظرة غير راضية فهي تراه متعجرف مغرور لا يناسب ابنتها البريئة.
لقد أخبرها إياد أشياء جميلة عنه ولكنه لم يخبرها باسمه أو من هو وها هي تراه الآن عكس ما وصفه لها إياد.
لاحظ هو نظرتها ليطالعها بأعين باردة غير مبالية ثم نظر إلى حورائه مجددًا لتكمل هي السير مع إياد بصمت.
هتفت ليان بعد صمت:
"هي مين دي.. انتوا مش قولتوا إن مامتكم اتوفت"
هتفت أريب بشرح:
"أيوا بس دي بالنسبة لينا زي أمنا بالظبط وهي اللي اهتمت بينا بعد ماما الله يرحمها"
أومأت كيان وليان وأيان بتفهم.
فهم كانوا داخل عقولهم نفس هذه السؤال.
نهض ريان وأمسك بكف زوجته وهتف بهدوء:
"تعالى معايا"
أومأت له واتجهت به إلى غرفة ما فهي أيضًا تريد التحدث معهن.
نظر أيان لقمر وهتف بغمزة مرحه:
"وانتي يا قمر مش ناوية تتجوزي"
هتفت قمر بمرح وضحك كعادتها:
"ياجي هو بس المز وأنا همسك فيه بإيدي وسناني"
قهقهوا على حديثها جميعًا.
بينما هتفت ليان بعدما رأت نظرات الإعجاب التي بأعين توأمها لها:
"طب اي رأيك نديكي الواد المز دا اهو عيون زرقا وأبيض وجسم رياضي ولا أمير الأحلام"
هتفت قمر بضحك:
"أنا عايزاه فارس مش أمير هاهاهاها"
صدحت ضحكة رنانة من ذلك الجالس فهي تناسب جنانه جدًا.
ليقرر بداخله أنه لن يتركها إلا عندما تصبح زوجته وملكه له وحده.
فماذا سيحدث ياترى...!!!!
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السابع 7 - بقلم منة جبريل
يا إيدوثم احتضنته ليبادلها هو العناق هاتفا بمرح:
- بتثبتيني علشان معاقبكيش.
أومأت أريب برأسها وهى بين احضانه ليقهقه عليها وقبل أعلى رأسها هاتفا بحنان:
- هتروحي لوحدك ولا أوصلك.
ابتعدت عنه هاتفه:
- لا هروح لوحدي وهعدي على قمر أخدها معايا.
- طيب روحي يا أميرتي وخلي بالك من نفسك.
نظرت أريب الى آية لتومئ لها الاخرى بصمت وعلى وجهها ابتسامة رقيقة لتهتف بحماس:
- حاضر.
ثم قبلت شقيقتها من وجنتيها وفعلت المثل مع إياد واكملت وهى تخرج:
- ادعولي.
وبالفعل دعت لها آية وإياد وهما مبتسمان على حيويتها.
كانت تجلس فى السيارة من الخلف تتحدث بتزمر:
- عارفه ياقمر الكلب لو جيت وانتي لسه مخلصتيش هشتكي لجوزي منك وانتي عارفه هيعملك إيه.
هتفت قمر من الناحية الاخرى:
- خلاص يامجنونة انا قربت اخلص اصلا سلام علشان اكمل بسرعة.
- سلام يا صديقتي.
ضحكت قمر على واغلقت الهاتف لتكمل ارتداء ثيابها سريعا.
نظر السائق والذى لم يكن سوى قائد الحرس من مرآة السيارة ليجد سيارة سوداء تتابعهم بصمت. كاد أن يخرج سلاحه تحسبا لهذا الموقف ولكن رأى صاحب السيارة من الخلف يشير له بأن يكمل بصمت. وما أن علم هوية هذا الشخص حتى هدأ وأكمل بصمت.
وبعد وقت ترجلت من السيارة أسفل العمارة التي تسكن بها قمر ووالدها واتجهت إلى الأعلى سريعًا. وطَرقت الباب من أن وصلت إليه لتفتح لها قمر بعد ثوان قليلة لتحتضنها أريب ثم دلفت وهى تهتف بمرح:
- سوووفي... فين جوزي يابت ياقمر.
ضحك سيف الدين هاتفا:
- أنا اهو ياقلب جوزك تعالي.
ركضت نحوه أريب هاتفه:
- حبيبي اللي وحشني.
- يبكاشة كنت عندكوا امبارح.
- انت بتوحشني كل ثانية ياسيفو ياجامد انت يا عسل.
- بس بس إيه دا كله.
- انت مش مصدقني ياسيفو، الله يسامحك.
أنهت حديثها ببكاء مصطنع ليقهقه عليها سيف الدين وهتفت قمر:
- بطلي محن يا أختي وابعدي من بابي علشان أنا بغير.
تعَلقت أريب برقبة سيف الدين الذي يضحك بقوة على هاتين الشقيتين وهتفت بتدلل:
- لا مش هبعد مفيش روح بتعد عن جسدها ولا إيه ياسيفو.
ربت سيف الدين على ظهرها بحنان هاتفا:
- صح ياقلب سيفو وانتوا الاتنين روحي اللي مقدرش ابعد عنهم... يلا علشان تلحقوا الامتحان وعايزكم تحلوا كويس.
ابتعدت عنه أريب ووقفت بجانب قمر وفعلوا هم الاثنين تحية العساكر هاتفين معًا:
- عُلم يافندم.
ضحك سيف الدين عليهم ليغادروا بعدما قاموا بتقبيل يديه كعادتهم وتصحبهم دعواته.
ما أن وصلوا إلى الأسفل وجدت أريب أن عثمان ليس موجودًا في السيارة لتنظر حولها باحثة عنه لتجده يقف بجوار سيارة ما ينحني على زجاجها ويتحدث مع الذي بداخل السيارة بصوت منخفض.
لاحظها عدنان ليعتدل في وقفته واستأذن من ذلك الشخص واتجه نحوهم.
هتفت قمر:
- في إيه يابنتي يلا هنتأخر.
كادت أريب أن تتحدث ولكن وجدته يتقدم نحوهم لتهتف بهدوء:
- آه يلا اركبي.
وصعدوا هم الاثنين وبعد ثوانٍ كان صعد عدنان وبدأ في القيادة ولاحظ نظرات الشك من أريب ليهتف بصوته الخشن:
- اعذريني ياهانم بس كان صاحبي وسلمت عليه.
نظرت له أريب قليلاً في عينيه التي تظهر من المرآة الأمامية للسيارة ثم هتفت بهدوء:
- مش مشكلة.
وبعدها ساد الصمت.
ليترجلوا بعد مرور بعض الوقت واتجهوا إلى الداخل لترحل تلك السيارة التي كانت تراقبهم بعدما رآهم الشخص يختفون عن أنظاره عائدًا إلى أدراجه.
وضع كف يده على كتفه ليلتف الآخر وما أن رأى صديقيه خلفه حتى احتضن كل منهم بقوة.
هتف بهدوء بعدما ابتعد عنهم:
- مش هأسألكم عرفتوا إزاي.
هتف بيجاد بدون مقدمات وهو يثبت نظره عليه ليلاحظ رد فعله:
- هتسافر لي ياهشام.
لم يظهر عليه أي رد فعل وهتف بثبات وهو يعلم جيدا ما يريد الوصول إليه صديقه، وقد أجل سفره البارحة إلى اليوم، وظن بأنه نجح في خداعهم جميعًا لكن ها هما يخيبان ظنه.
- محتاج أبعد شوية.
كاد بيجاد أن يتحدث معترضًا على سفره ولكن قاطعه ريان الذي تحدث بثبات:
- ماشي ياهشام والمسافات مش هي اللي تبعدنا عن بعض وأي وقت هتعوزنا فيه هتلاقينا جنبك.
نظر له هشام وأومأ بهدوء واحتضن صديقه مجددًا بقوة ليحتضنه ريان مربتًا على ظهره هامسًا له:
- متفكرش إني هعدي الموضوع ده كدا.
رد الآخر بهمس:
- عارف.
ثم ابتعد عنه وعانق الآخر ثم صعد في الطائرة الخاصة به والتي أقلعت به متجهة نحو لندن تحت أنظار صديقيه الذين كانا يتابعان الطائرة بعينيهم حتى ابتعدت عن مرمى بصرهم ليخرجوا من المطار وذهب ريان إلى شركته بينما الآخر ذهب إلى وجهة أخرى.
ترجل من السيارة دلفًا إلى الشركة بكامل أناقته وهيبته التي يخشاها الجميع.
استغرب العاملين من وجوده فهم علموا أنه لن يحضر اليوم ولكن كالعادة لا يعلم أحد ما يقدم عليه الذئب.
توقف فجأة عن السير وخلع نظارته السوداء لتظهر عينيه المخيفة لتدب الرعب داخل العاملين.
اتجه نحو تلك التي تعطيه ظهرها تتحدث في الهاتف وهى تضحك بمياعة ليقف خلفها واضعًا يديه في جيب بنطاله يطالعها بأعين لو تخرج نارا لكانت احترقت الآن.
شعرت هي بأن أحد يقف خلفها لتلتف وما أن وقعت عيناها عليه حتى سقط الهاتف من يدها وشهقة خوف فلتت من بين شفتيها.
طالعها بنظرة حارقة دبت الرعب داخل قلبها.
كادت أن تتحدث ولكن أشار لها بالصمت لتغلق فمها مجددًا بخوف من هيئته.
أشار إلى الحارسين الذين يقفان خلفه ليومئ الاثنان بفهم وامسكوا بذراعيها تحت صراخها وفزعها وسحبوها خارج الشركة تحت نظرات العاملين منهم المشفقة ومنهم الشامتة ومنهم اللامبالاة.
ألقوها خرجًا لتقع أرضًا ثم وجدت أغراضها تلقى بجانبها وما هي إلا ثوانٍ حتى شعرت بأموال تتطاير حولها.
نظرت إلى الأعلى وهي مازالت واقعة أرضًا لترى أحد الحراس الذين أخرجوها ولم يكن سوى سليمان يهتف بقوة:
- ما نشوفش وشك جنب الشركة تاني. خدي الفلوس وغوري وإلا هيكون ليا تصرف تاني معاكي. وشوفي لك نايت كلاب تتمايعي فيها مش شركة الذئب.
ثم رماها بنظرة مشمئزة والتف عائدًا إلى الداخل ليهتف بصوته الجهوري وهو يرى العاملين يقفون ينظرون إلى الموقف:
- كل واحد على شغله وإلا هتحصلوها.
التفوا عائدين جميعًا إلى الداخل ولكن توقف نظره عن تلك الفتاة التي تقف تطالعه بأعينها الزرقاء الدامعة.
لم تكن تنظر إلى الفتاة بل كانت تنظر له هو. نظرة خذلان. صدمة.
نظر لثوانٍ بعينيها الزرقاء اللامعة بالدموع ولكنه نظر بعيدًا عنها وأكمل سيره إلى الداخل ليمر من جانبها وتخطاها بكل برود وثبات.
بينما هي ارتجف جسدها دلالة على بكائها ثم عادت إلى الداخل تكفكف دموعها بظهر يديها وجلست بجانب صديقتها تعود للعمل مرة أخرى.
وقف بجانب أصدقائه وعقله مشغول بها.
نظرة الخذلان التي بعينيها لم يفهم مصدرها. فهي لا تعلم من هو. ولا هو يعلم من هي. إذا لماذا هذه النظرة؟ لماذا تطالعه بعينيها الدامعة بخذلان؟ وأيضًا على من تبكي؟ هل على الفتاة التي ألقاها خارج الشركة؟ أم هناك سبب آخر؟
فاق على صوت صديقه وهو يهتف به صارخًا:
- أنت يا.
رد بحنق:
- عايز إيه يازفت.
هتف صديقه بخبث:
- اللي واخد عقلك.
رماه بنظرة نارية بعينيه البنية القاتمة ليصمت الآخر وهو يحمحم بإحراج ثم هتف بهدوء:
- إنما البنت اللي رميتها بره دي إيه عملت.
نظر له مرة أخرى ولم يرد ليهتف صديقه بحنق:
- إيه يا عم انت أنا بكلمك.
صرخ به بحنق:
- ملهاش يا صالح، كل الحكاية إن الباشا شافها بتتكلم في الموبايل وسايبة شغله.
رفع صالح حاجبه باستنكار هاتفا:
- إيه ده طردها بالطريقة دي عشان كانت بتتكلم في الموبايل، ماهو كان قادر يقولها اخرجى وخلاص لازم البهدلة والفضايح دي ويهين البت بالطريقة المعفنة دي. بس اللوم مش عليه اللوم عليك انت اللي عاملتها بالطريقة دي حتى لو هو أمرك تعمل كدا مكنتش عملت لأنها في الأول والآخر بنته.
هتف سليمان وهو يستشيط غضبًا من صديقه الأحمق:
- فكك مني الكلام ده مبياكلش معايا، وبعدين انت عارف الباشا مبحبش التساهل في الشغل وهو لما شافها اكتفى بإشارة واحدة.
هتف صالح بحنق:
- كمان، يعني الباشا مقالش بهدلها كدا وانت اللي عملت من نفسك.
- استغفر الله.. مالك يا زفت انت في إيه مالك محموق عليها كدا، وربى اللي خلقتني لو ما سكت لأكون مفضي السلاح في دماغك.
زمجر بها سليمان وغضب الدنيا مرسوم على معالم وجهه.
هتف صالح بهدوء:
- خلاص يا عم براحة ليطقلك عرق، أنا مش محموق ولا حاجة أنا متضايق عشان عاملتها بالطريقة دي ما أنا برضه ليا أخت ومبحبش أشوف بنت بتتعامل بالطريقة دي، ماهو أكيد ليها أب أو أخ ومش هيرضوا إنها تتعامل بالطريقة دي.
ضرب سليمان كفيه ببعض وهتف بغضب:
- أنا سيبالك وماشي، مش عايز صداع.
ثم رحل ليزفر صالح بهدوء فهو لم يقصد مضايقته ولكن هو شعر بالحرج لتلك الفتاة.
جاء أحد زملائه بالعمل ووقف بجانبه وهتف بهدوء:
- مالك ياصالح.. فيك إيه.
هتف صالح بهدوء مختنق:
- مفيش بس مش عارف امتى سليمان هي stops همجيته دي مع البنات.
ربت زميله على كتفه هاتفا:
- أنت عارف اللي فيها ياصالح واللي حصل له مش سهل كمان.
- عارف والله عارف بس لامتى.
- لحد ما ربنا يبعت له بنت الحلال اللي تداوي جرحه وتجبر بخاطره وتنسيه اللي فات انت بس ادعيله وخليك جنبه.
- بدعيله والله بس الصاحب اللي يشوف صاحبه يعمل غلط ويسكت يبقى مش صاحب. الصاحب هو اللي يرجع صاحبه عن طريق الغلط ويعرفه الصح من الغلط. ولو رفض الرجوع يضربه فوق دماغه مش يسكت له عشان خايف على زعله. ده يزعله ولا يسكت وهو شايفه ماشي في طريق غلط.
- معاك حق انت ونعم الصديق ياصالح ربنا يديمكم لبعض.
- يارب، تشكر.
ربت على كتفه ثم رحل ليظل صالح واقفًا يدعي لصديقه بالهداية وصلاح الحال. لطالما يدعي له في صلاته أن يثبته على الطريق المستقيم. فهو مجرد أن يفكر أن صديقه من الممكن أن يكون الله غير راضٍ عنه يجهش باكيًا كالطفل الصغير. لا يريد أن يغضب الله على صديقه من أفعاله. يريد الله أن يهديه. لا يريد أن يصيبه مكروه بسبب غضب الله عليه. بل هو لا يريد أن يغضب الله عليه من الأساس.
دلف سليمان إلى الشركة ووجهه متجهم. هو يعلم ما يريد صديقه أن يوصله له. ويعلم خوفه عليه وليس على الفتاة. هو يحمد ربه دائمًا على وجود صديق صالح في حياته كصالح. هو بالفعل اسم على مسمى. صالح وهو صالح.
تخطى زوج أعين الذي يطالعانه واحدة تطالعه بحزن والأخرى تطالعه باستنكار. تخطاهم دون أن يكلف نفسه بالنظر. هو يعلم أن هناك من ينظر له ولكن لا يهتم. حتى ليس له الفضول أن يعلم من الذي يطالعه.
دلف إلى الأسانسير وضغط على بعض الأرقام لينغلق الأسانسير عليه وبدأ بالصعود لأعلى طابق. خرج بعد وقت منه وتوجه ناحية السكرتيرة وهتف بخشونة:
- في حد جوه عند الباشا.
هتفت هنا بهدوء:
- لا.
- طيب ادخلي وقولي إن سليمان برا.
أومأت هنا بهدوء وهي تشعر بالغيظ من طريقة تحدثه معها ودلفت إلى مكتب مديرها بعدما طرقت على الباب وسمعت صوت يأمرها بالدخول. كان ينظر إلى بعض الملفات ليستمع إلى صوت طرقات على الباب ليهتف بصوته الأجش:
- ادخل.
دلت هنا وهتفت باحترام:
- آسفه على الإزعاج يافندم بس سليمان عايز يشوف حضرتك.
قطب بين حاجبيه باستغراب لوجود حارسه الخاص هنا ليهتف بهدوء:
- دخله وهات لنا قهوة.
أومأت هنا وخرجت ليدلف بعدها سليمان وهو يقف أمامه بقوة هاتفا:
- السلام عليكم ياباشا.
هتف ريان بهدوء:
- وعليكم السلام.. خير ياسليمان.
- خير بإذن الله ياباشا بس أنا...
قاطعه ريان هاتفا وهو يشير نحو المقعد الذي أمامه:
- اقعد الأول ياسليمان.
كاد سليمان أن يعترض ولكن نظر له ريان ليتنهد بهدوء وجلس ليتكئ ريان بذراعيه على المكتب منحنياً إلى الأمام بجذعه العلوي وأصابع كفوفه متشابكة ببعضها البعض وهتف بهدوء وهو يطالع حارسه بهدوء:
- احكي ياسليمان.
تنهد سليمان للمرة الثانية على التوالي وهتف بعدها بهدوء:
- كنت طالب إنه...
قاطعه صوت طرقات على الباب ليهتف ريان بأمر:
- ادخل.
دلت هنا ووضعت كوبين من القهوة ورحلت بعدما أشار لها ريان لينظر سليمان إلى القهوة باستنكار، ليستمع بعدها إلى صوت رئيسه وهو يهتف:
- اتفضل ياسليمان.
- شكرا ياباشا بـ...
قاطعه ريان وهو يهتف:
- مأعدتش كلامي مرتين.
وها هو يزفر للمرة الثالثة على التوالي والتقط كوب القهوة وارتشف منها رشفة صغيرة ثم وضعها مكانها وهتف بهدوء ظاهري:
- أقدر أتكلم دلوقتي.
- اتفضل.
وللمرة الرابعة على التوالي زفر سليمان ولكن هذه المرة كانت عميقة وهتف بعدها:
- كنت طالب منك إني آخد إجازة لكام يوم.
ضيق بين حاجبيه هاتفا:
- والسبب.
نظر إلى رئيسه واستجمع قوته هاتفا:
- من غير.. محتاج شوية راحة.
اتكأ ريان إلى الخلف بأريحيه وهو يطالع حارسه بهدوء ليظن سليمان أن هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة كما هو معتاد من رئيسه عندما يصمت ولكنه صدم عندما هتف بأريحيه:
- وعايز كام يوم إجازة.
نظر له بذهول وصدمة ولكن سرعان ما استدرك الأمر وهتف وهو مازال على هدوئه:
- اللي تحدده إن شاء الله يوم بس المهم إني محتاج راحته.
أومأ ريان بتفهم هاتفا:
- تمام ياسليمان.. ليك إجازة مفتوحة وأول ما تحس إنك أحسن تعالى.
نظر إلى رئيسه بريبة من حالته تلك ليفهم ريان نظرته على الفور ليبتسم بداخله فهذا متوقع أن يستغرب من هدوئه ولكن سرعان ما استدرك سليمان الأمر ونهض هاتفا:
- شكرا ياباشا.
أومأ له ريان بهدوء ثم هتف ببرود:
- تقدر تاخد الإجازة من النهارده.
هتف سليمان بهدوء:
- تشكر ياباشا بس أنا حابب إني أبدأها من بكرة.
أومأ له ريان بهدوء ليستأذن بعدها وخرج من مكتب رئيسه ليعود ريان إلى عمله بينما دلف سليمان إلى الأسانسير ليهبط به إلى الأسفل وخرج منه بعد دقائق وخرج كما دلف دون أن يعير اهتمامًا لتلك الأعين التي شعر بها تطالعه للمرة الثانية على التوالي وعاد إلى صديقه ووقف بجانبه وأخبره عن إجازته ليقلق صالح وسأله إذا كان به شيئًا ما لينفي سليمان الأمر ناهيًا الموضوع بأنه يحتاج إلى بعض الراحة لا أكثر ليصمت صالح وهو يدعو بصلاح الحال لصديقه.
بينما داخل الشركة.
- يابنتي بطلي عياط.. أنا مش عارفة انتي حباه على إيه يابنتي ده ميعرفش إنك عايشة أصلاً.
هتفت الفتاة وهي تجهش في البكاء:
- غصب عني والله يا سمر.. مش عارفه أنا ليه بكنله مشاعر وعلى رأيك ده ميعرفش إني عايشة من الأساس.
ربتت سمر على كتفها ثم احتضنتها هاتفه:
- مكنش قصدي ياقلب سمر بس انتي لازم تنسيه.. وربنا يكرمك باللي يحبك واللي تحبيه.
هتفت بغضب وهي تبتعد عن أحضانها:
- بعد الشر.. أنا مستحيل أحب غيره وهو لو فكر يحب غيري أقتله. أنتي قولي ربنا يجمعنا بقدرته معانا في الحلال.
ضحكت سمر على جنون صديقتها بذلك السليمان واحتضنتها مرة أخرى هاتفه:
- والله يا شيماء انتي هبلة.. ربنا يرحم قلبك ياحبيبتي.
- يارب يا سمر يارب.
هتفت بها شيماء وهي تطلق تنهيدة عميقة ثم ابتعدت عن صديقتها هاتفه:
- يلا ياختي خلينا نشتغل أحسن يحصلنا زي اللي حصل للبنت من شوية.
أنهت حديثها بنبرة حزينة وقد لمعت الدموع في عينيها مجددًا.
هتفت سمر بحنق:
- بقولك إيه؟؟.. مش كل شوية هتقعدي تعيطي والله أروح أقتله دلوقتي مدام هو السبب في بكاكي ده.
هتفت شيماء ببكاء:
- بس يابت.. أنا بس مش مصدقة اللي عمله.. دي مهما كان بنت ومينفعش يستقوى عليها عشان هو راجلها.
هتفت سمر بحنق:
- يبقى هو مش راجل.
- لا كله إلا الغلط، أحسن أقتلك.
صرخت بها شيماء بغضب طفولي لتضحك سمر على صديقتها المجنونة التي تتقبل أي شيء سوى الحديث عن ذلك السليمان وهتفت وهي تنهض:
- أنا لو فضلت معاكي دقيقة زيادة هتجن.. اشتغلي يابت وربنا يسهلها من عنده.
- يارب.
ثم بدأوا الاثنتين في العمل من جديد.
شيماء نصر: فتاة في 25 من عمرها.. ذات أعين زرقاء رائعة بشرتها قمحاوية وشعر بني ساحر.. تعيش مع والديها.. وحيدة ليس لها إخوة.. وليس لها صديقة سوى سمر.. متهورة مجنونة.. عاشقة سليمان.
سمر موسي فاروقي: في عمر شيماء وهي أيضًا صديقتها الوحيدة.. عصبية عندما تغضب تتفوه بكلام جارح.. تعيش مع والدها بعد وفاة والدتها.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثامن 8 - بقلم منة جبريل
تجلس بجانب شقيقتيها وتلك التي تعتبرها كوالدتها شاردة الذهن بمن سرق لبها وقلبها. تشعر بتقصيرها اتجاهه هذه الأيام رغم أنه لم يشتكي، بل اهتمامه يزداد بها كل يوم عن سابقه مع ازدياد حبه لها مع مرور الساعات والأيام، وهذا ما يجعلها تشعر بالغضب من نفسها. هو يفعل لها كل ما تريد، ويأتي لها بكل ما تطلب، والذي لا تطلبه أيضًا. لقبها بالملكة، ليجعلها تعيش فعلاً كالملكة، لا بل كالسلطانة. ولكن ماذا فعلت هي له؟ لا شيء.
نهضت هاتفه بهدوء.
"أنا همشي."
هتفت آية بتساؤل.
"لي يا ربانزل؟ خليكي."
هتفت أريب التي ليس لها وقت كثير، آتية من الامتحان.
"خليكي شوية."
ابتسمت لهم بحنان.
"مرة تانية، أنا كل يوم معاكم، وإن شاء الله هبقى آجي بكرة."
لم يريدوا الضغط عليها وأومأوا بصمت. لتودعهم وتخرج متجهة نحو قصر زوجهما.
ما إن خرجت من الڤيلا حتى وجدت الحراس المكلفون بحمايتها يلتفون حولها مشكلين حائط بشري. لتتنهد بهدوء وهي ترى أن كل هذا ليس له داعي. لتسير برقتها نحو السيارة ثم صعدت بها ليبدأ السائق بالعودة بها إلى القصر وتلحق بهم سيارات الحرس.
بعد وقت كانت تدلف إلى القصر لتراه خاليًا من كيان وليان. لتتوقع أنهم في غرفة كيان، لتتوجه نحو جناحها الخاص دالفة إلى غرفتها حتى تبدل ثيابها.
ارتدت فستانًا أنيقًا وبسيطًا، لتكمل لوحتها الجميلة بكحل أبيض زينت به مقدمة عينيها لينعكس ببريق رائع على لؤلؤتيها السوداء المضيئة. ألقت نظرة خاطفة على هيأتها من المرآة لتبتسم بهدوء.
لتخرج بعدها من الغرفة بخطواتها الأنثوية الواثقة وهي تهبط الدرج ببطء. رغم هذا فقد أصدر الكعب صوت طرقاته، لتلتفت كل من كيان وليان إلى الدرج لتتوسع أعينهم بإنبهار من جمالها. استغربت حوراء وجودهم وأيضًا ملابسهم التي كانت توحي بأنهم ذاهبين إلى مكان ما.
اقتربت منهم وهتفت بابتسامة.
"انتوا خارجين؟"
هتفت كيان بمرح.
"يا بت يا لي لي انتي شايفة اللي أنا شيفاه؟"
هتفت ليان وهي تطالع حوراء بإنبهار من جمالها.
"شايفاه يا أختي، والله دي هي الروسية والتركية.. أي الجمال ده يا بت، بجد مغلطش لما لقبك بالملكة."
بدون إدراك لكلماتها جعلت الواقفة أمامها تشتعل خجلًا. ظهر على وجنتيها التي تلطخت بالحمرة.
لتهتف كيان بضحك.
"بس بس أي الفراولة دي.. عموما أيوا خارجين، رايحين الشركة.. بس قولي يا حلوة انتي رايحة فين؟"
هتفت بخجل وهي تشيح بناظريها بعيدًا عنهم.
"وأنا كمان كنت رايحة لريان."
"اشطا يبقى نمشي إحنا التلاتة مع بعض."
هتفت بها ليان لتومئ لها حوراء. ليخرجوا معًا وصعدوا بنفس السيارة ثلاثتهم وانطلق بهم السائق وخلفهم خمس سيارات حراسة.
بعد مدة من الزمن. توقفت السيارات خلف بعضها بانتظام. ليخرج الحرس أولاً وتقدم اثنين منهم وتوجهوا نحو الجهتين من السيارة وفتحوا الباب لتخرج من باب السيارة الأيمن كيان، بطلتها الجميلة بجمالها التركي. ومن الباب الأيسر خرجت تلك النصف روسية بشعرها الأشقر وجمالها الخاطف للأنظار. وأخيرًا ترجلت الملكة. رغم أن الفتاتين شديدتي الجمال، ولكن جمال هذه الحوراء كان مميزًا تمامًا. حتى الحارس الذي كان يقف عند الباب الأيمن تعلق نظره بها بدون أن يدرك وهو يقسم بداخله أنه لم ير أجمل منها في حياته. ليُبعد ناظريه عنها بصعوبة شديدة وإلا فقد حياته إن انتبه له أحد.
توجهوا الثلاث فتيات بل الأميرتين والملكة إلى داخل الشركة.
ليتوقف جميع العاملين، فتيات وشباب، يطالعونهم بإعجاب شديد ظهر في أعينهم.
هتفت كيان بهدوء.
"اطلعوا انتوا وأنا ورايا شغل هخلصه وجاية."
أومأوا لها بهدوء لتذهب كيان إلى وجهتها.
لتهتف ليان بعدها.
"بصي يا حوري انتي روحي للمصعد ده لإنه مخصص لأبو ريان أصلًا وأنا هروح في المصعد التاني علشان وجهتي غير وجهتك."
كادت حوراء أن تعترض لتتركها ليان واتجهت نحو المصعد وضغطت على بعض الأزرار ثم نظرت إلى حوراء وابتسمت لها لينغلق بعدها باب الأسانسير.
تنهدت حوراء بخفوت لتخطو خطوتين إلى الأمام ولكن لاحظت أعين الجميع التي تتطلع لها لتشعر وكأنها سوف تنصهر من شدة خجلها. شعرت بثقل قدميها ولا تستطيع السير بسبب أنظارهم.
انتفض جسدها عندما استمعت إلى صوت أجش يهتف بحدة.
"كل واحد على شغله."
انتفض جميع العاملين وذهبوا سريعا لتلتفت حوراء إلى الخلف تتطلع إلى ذلك الرجل والذي لم تتعرف عليه ولكنها علمت أنه حارس من رجال زوجها. والذي لم يكن سوى صالح الذي ما إن رأى تطلعهم بزوجة رئيسة بهذه الطريقة شعر بالغضب منهم.
هتف باحترام وهو يعلم وجهتها.
"اتفضلي يا هانم."
أومأت له حوراء وتوجهت نحو الأسانسير لتراه يضغط على بعض الأزرار ثم ابتعد من أمام باب الأسانسير يقف باحترام حتى انغلق الباب عليها ليعود أدراجه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقفت أمام باب المكتب لتأخذ نفس عميق ثم رفعت يدها اليمنى تطرق على الباب طرقات خافتة لتسمع صوته الذي أطرب أذنيها يسمح لها بالدلوف. لتفتح الباب ببطء لتطل هي بعده لتتلاقي عينيها الزرقاء بعينيه المترقبة لمعرفة هوية الطارق.
وما إن رآها حتى أخفض بصره ناهضًا من كرسيه هاتفا باحترام.
"أهلاً يا آنسة... اتفضلي."
تقدمت بخطواتها الواثقة إلى الداخل وهتفت بخجل.
"شكرًا.. اقعد."
أشار لها بأن تجلس هي أولاً لتومئ بخفة وجلست على المقعد المقابل لمقعده. لتراه بعدها يتوجه نحو الباب. قبضت بين حاجبيها ظنًا منها أنه سيخرج. ولكنه صدمها عندما وجدته يفتح الباب على آخره ثم عاد لها وجلس على مقعده.
فاقت من صدمتها على صوته الرجولي وهو يهتف ونظره مازال بعيدًا عنها.
"تشربي حاجة يا آنسة؟"
فكرت قليلاً ثم هتفت بمرح.
"لو مشروب شوكولاتة تمام."
ابتسامة بسيطة ظهرت على شفتيه خطفت قلب تلك المسكينة. تبعه صوته الهادئ.
"حاضر."
رفع سماعة هاتفه لتهتف هي سريعًا.
"كنت بهزر."
رد عليها بهدوء وجدية.
"وأنا ماكنتش بهزر لما سألتك تشربي إيه."
ثم أكمل موجهًا حديثه إلى ذلك الذي يحادثه بالهاتف.
"هات كوب قهوة وكوب Chocolate (شوكولاتة)."
ثم أغلق الهاتف ليعم بعدها الصمت في المكان. فهو يريد أن يعلم سبب مجيئها ولكنه لا يستطيع أن يسألها خوفًا من إحراجها. وهي لا تعلم ماذا تخبره أو بماذا تتحدث معه.
قطع هذا الصمت صوت شاب يقف أمام باب المكتب المفتوح يحمل بين يديه كوبين هاتفا باحترام.
"اللي طلبته يا أستاذ إياد."
"اتفضل."
هتفت بها إياد وهو ينهض ملتقطًا منه الكوبين هاتفا بعدها بشكر.
"شكر الله سعيكم يا أخي."
ابتسم له الشاب وغادر ليجلس إياد على المقعد مجددًا واضعًا كوب الشوكولاتة الساخنة أمام كيان التي كانت تتابعهم بصمت.
التقطت كيان كوب الشوكولاتة وارتشفت منه رشفة صغيرة لتتأوه بعدها بألم بسبب سخونته. ليهتف إياد بقلق.
"انتي كويسة؟"
أومأت له ومعالم الألم ترتسم على وجهها. ليلتقط هو كوب الشوكولاتة من بين يديها ووضعه على المكتب أمامه وهتف بهدوء.
"كان لازم تاخدي بالك، مينفعش تشربيها سخنة كده."
هتفت بخجل وابتسامة بسيطة.
"أنا متعودة أشربها سخنة بس دي شكلها مش راضية إني أشربها."
ابتسم بهدوء على حديثها ليتسمع بعدها إلى حمحمتها الخجلة وهي تهتف.
"أنا جيت الشركة وكنت هطلع لفوق بس قولت أعدي عليك الأول وأشوف إذا كنت محتاج حاجة أو مساعدة في الشغل."
قد ارتاح الآن لعلمه سبب مجيئها. هو لا يريد المساعدة ولكنه فكر أنه إذا رفض سوف تشعر بأنه يطردها. ليهتف بهدوء.
"شكرًا.. وفعلاً كنت محتاج مساعدة في كام ملف كده."
هتفت هي بلهفة.
"هاتهم وأنا هساعدك فيهم."
أومأ لها ثم فتح أحد الأدراج التي بالمكتب وأخرج منها بضع ملفات كثيرة نسبيًا ووضعهم على المكتب. لتشهق هي هاتفة بطفولة وعيناها معلقة عليهم.
"أي ده كله."
خرجت ضحكة خافتة منه هاتفا.
"والله انتي اللي طلبتي إنك تساعديني."
"آه كان قصدي أساعدك في الكام ملف مش في دستة ملفات."
بدون إدراك لما تتفوه به جعلت ضحكة رجولية خافتة تنطلق من بين شفتيه. لتشرد هي بملامحه التي ازدادت وسامة. ولكن ما أدهشها تلك الغمازات التي بوجنتيه. لتهتف بعدم وعي.
"هو أنت عندك غمازات؟"
توقف عن الضحك وابتسامة خجولة ارتسمت على محياه هاتفا بحرج.
"سبحان الله."
عادت إلى وعيها لتدرك ما تفوهت به من حماقة جعلته يشعر بالحرج. لتتورّد وجنتيها. لتسمعه يهتف بعدها.
"احم.. طب أي قررتي تساعديني ولا غيرتي رأيك؟"
"على عيني أوافق بس نعمل إيه.. مش كيان الكيلاني اللي تقول كلمة وترجع فيها."
هتفت بها ببلاهة وهي تنظر إلى تلك الملفات الكثيرة. ليضحك هو بخفة هاتفا.
"لما نشوف."
ثم أعطى لها ملفين قائلاً.
"شوفي دول وأنا هشوف دول."
هتفت باستنكار.
"على عيني أرفض الطلب المغري ده بس كده مش عدل، إحنا هنقسمهم بالتساوي."
هتف بضحك من حديثها.
"وماله نقسمها بالتساوي."
ثم وضع لها بعض المفات فوق الملفين ليصبحوا متساويين ليبدأوا بفحص المفات بتدقيق شديد. بينما هي استغلت ذلك للبقاء معه لفترة أكبر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
خرجت من المصعد وتوجهت نحو المكتب لتتوقف على صوت هنا تهتف سريعًا.
"آسفة يا هانم بس الباشا معاه اجتماع دلوقتي."
هتفت بحدة بعدما وصل إلى مسامعها صوت أنثوي.
"اتفضلي على شغلك."
كاد أن يعترض ولكنها أشارت له بأن يذهب. لتخفض رأسها باحترام فهي لا تستطيع أن تتجادل معها وهي زوجة الذئب.
توجهت نحو باب المكتب لتفتحه فجأة لتراه يجلس على مقعده وينظر إلى بعض الأوراق في يده وتلك الفتاة تتقرب منه متحججة بأنها تشير إلى الأوراق.
توجهت أنظاره وأنظار تلك الفتاة إلى الباب لينهض هو سريعًا فور رؤيتها ولمعة العشق ظهرت في عينيه وأبتسامة جميلة زينت ثغره وهو يتجه نحوها هاتفا.
"ملكتي."
نظرت له نظرة لو كانت تقتل لوقع صريعًا من حدتها. ليقطب بين حاجبيه باستغراب ولكنه سريعا علم سبب غضبها عندما وجهت نظرها إلى تلك التي كانت تقف بجانبه.
ابتسامة عاشقة ارتسمت على شفتيه عندما علم أنها تشعر بالغيرة. ولكنه لن يتركها فهو لن يجعلها تشعر بأي ألم حتى لو كان ألم الغيرة. وكاد أن يتحدث ولكنه صمت عندما وجدها تتقدم نحو تلك الفتاة وصوت حذائها يعلو في المكان.
نظرت حوراء إلى تلك الفتاة التي كانت تطالعها ببرود. تشعر أنها رأتها من قبل. توسعت عيناها عندما علمت أنها نفس تلك الفتاة التي تدعى.. إيزابيلا.. والتي كانت تتقرب من زوجها. اشتعلت نار الغيرة داخل صدرها كبركان على وشك الانفجار، لا بل هو انفجر بالفعل عندما رفعت يدها عاليًا وهوت بها على وجه إيزابيلا التي صرخت بألم والتف وجهها للناحية الأخرى من قوة الصفعة.
ذهل ريان من فعلتها واقترب منها سريعًا عندما وجدها على وشك الانقضاض على تلك الفتاة التي ما زالت تستوعب أن أحدًا صفعها الآن. أمسكها من خصرها مبعدًا إياها عنها هاتفا بابتسامة يحاول إخفائها.
"اهدئي يا حبيبتي.. مينفعش كده."
أزاحته حوراء واتجهت نحو تلك إيزابيلا وهي تهتف.
"أنت إزاي تسمحلها تقرب منك بالشكل ده، هقتلها وبعدين أشوف هعمل إيه معاك."
سريعًا ما أمسكت بخصلات شعر إيزابيلا الأشقر لتصرخ الأخرى بألم هاتفه.
"ماذا تفعلين؟؟.. ابتعدي عني... أنقذيني ريان."
"ريان... بتقولي ريان حاف يا صفرة وربي لربيكي يا خلة السنان انتي."
صرخت بها حوراء وهي تحاول الوصول لأيزابيلا التي تراجعت للخلف بخوف منها، لتقول بغضب قبل خروجها:
"سأجعلكِ تندمين، أقسم."
وفور خروجها تراجع ربان عنها، لتلتفت له بأعين حادة جعلته يرفع كتفيه يسألها ببراءة.
"إيه؟ كنا بنشتغل والله."
"بنشتغل ها؟ بتشتغل وهي لازقة فيك بالشكل ده، عاجباك؟؟ أجوزهالك؟"
كبت ضحكته بصعوبة واقترب منها يضمها رغم رفضها قائلًا بنبرة ضاحكة.
"والله بنشتغل، وقبل دخولك هي كانت على كرسيها متحركتش منه، بس سبحان الله كأنكم كنساء بتحسوا، المهم.. علشان أرضيكِ هلغي عنلي مع شركتهم، أيوا هدفع مبلغ جزائي بس الخسارة مش ليا."
"أحسن برضه."
ابتسم باتساع ثم همس بحب لها.
"تصدقي أحلى مفاجأة بتحصلي لما بتجيلي الشركة.. أنا لو عليا أجيبك كل يوم معايا هجيبك."
نظرت له وتذكرت أنها أتت كـ مفاجأة له ولكنها تناست كل هذا بسبب تلك الصفراء كما لقبتها. لتهتف برقة.
"وحشتني وقولت آجي أشوفك ومنها أعملك مفاجأة."
تعالت ضربات قلبه بسبب كلماتها البسيطة ولكن كانت بالنسبة له ليست بسيطة أبدًا. ليهتف بعشق.
"وانتي بتوحشيني حتى وانتي معايا."
تورّدت وجنتيها هاتفه بحنق تخفي خلفه خجلها.
"احم.. الله يبارك فيكي."
تشنجت ملامحه مرددًا خلفها باستنكار.
"يبارك فيك؟؟ ماشي، ابعدي، خليني أشوف شغلي."
أزاحها بهفة لتضحك عليه قائلة.
"ينفع يتأجل؟"
"لو مينفعش ينفع، اؤمريني."
"كنت عايزة نخرج مع بعض."
"بس.. وماله.. ده إحنا ناخد الأيام كلها خروجات ويولع الشغل بالشركة باللي فيه.. يلا يا ملكة قلبي."
ضحكة خفيفة صدرت منها بسبب حديثه وهو يلتقط مفاتيح سيارته وهاتفه على عجالة. نظر لها هاتفا بغموض.
"شوفي خطي في الملف ده حلو ولا لأ."
حسنًا هذا عذر سخيف ولكن لم يخطر على باله شيء سوى هذا. مد يده نحوها بملف ما لتلتقطه هي باستغراب من طلبه ولكنها نفذته لتنظر نحو الملف بتدقيق. ليستغل هو انشغالها في التدقيق بالخط وسحب سلاحه ووضعه أسفل جاكيت البذلة من الخلف. ثم نظر لها منتظرًا إجابتها التي يعلمها جيدًا. لتنظر هي له بابتسامة ونبرة صادقة.
"خطك جميل قوي ما شاء الله."
ابتسم لها ثم أخذ الملف ووضعه داخل درج مكتبه وأمسك بيدها وسار بها إلى خارج الشركة تحت نظرات العاملين لهم.
فتح باب السيارة لتدلف هي ثم أغلق خلفها الباب والتف هو محتلًا مقعد القيادة وانطلق بها إلى وجهة مجهولة بالنسبة لها. مقررين سرقة يوم من الأيام ليجعلوه ذكرى جميلة تنحفر داخل ذاكرتهم إلى الأبد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تسير في الشركة بعقل شارد وعيناها تجول هنا وهناك وكأنها تبحث عن شيء. توقفت عندما وصل إلى مسامعها صوت فتاتين يتهامسون بخفوت ولكنها استمعت إلى حديثهم جيدًا.
"يا بنتي ارحمي نفسك.. انتي ليه مصرة تعلقي قلبك بيه وانتي عارفة إنه مش شايفك."
"= هو كان مش شايفني بس النهاردة بعد اللي حصل عينه جت في عيني يعني أهو شافني."
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. يا بنتي انسيه يا إما تروحي تعترفي ليه إنك بتحبيه وخلصينا بقى."
"= لا طبعًا.. أعترف إيه مش حلوة إن البنت هي اللي تبدأ الأول.. افترضي لقدر الله اتجوزها وحصلت ما بينهم مشكلة.. أبسط كلمة هيقولهالها انتي اللي جيتيني وقولتي إنك بتحبيني ومش أنا اللي اترميت عليك."
شهقت الفتاة الأخرى باستنكار من تفكير صديقتها الأحمق هاتفه بحنق.
"يخربيتك على بيت تفكيرك الغبي.. مين اللي حط في دماغك الفكرة الغبية دي.. يا حبيبتي الفكرة دي غلط.. ما دام انتي بتحبيه وهو بيحبك مش هتفرق معاكم مين اللي ابتدا.. المهم إنكم بقيتوا جنب بعض بسبب إن في واحد منكم انتوا الاتنين هو اللي أخد الخطوة الأولى.. الصح.. إنك لما تشوفي الطرف التاني مش واخد الخطوة الأولى انتي تاخديها.. الغلط.. إنك تقولي لا لازم الراجل هو اللي يبدأ وكبريائك يمنعك من إنك تاخدي الخطوة الأولى وتقربي. النتيجة.. هتخسروا بعض وهتفضل روحكم معلقة لا عارفة تقرب ولا عارفة تبعد وتنسي. الحل.. إنك تسيبى نفسك وروحك ومتفكريش في اللي هيحصل وسيبيها على الله يدبرها من عنده أحسن وأجمل تدبير.. وتعملي اللي قلبك عايزه وانتي متوكلة على الله."
هتفت شيماء والتي كان هذا الحديث يدور بينها وبين صديقتها سمر.
"ونعم بالله يا سمر.. أنا مش مقتنعة باللي بتقوليه بس نقاشًا فيه انتي قولتي اللي بتحبيه وبيحبك مش هتفرق معاه اللي ابتدا بس ده."
قاطعتها سمر هاتفه.
"سبحان مغير الأحوال ومقلب القلوب يا حبيبتي.. ممكن بعد اعترافك يبدأ قلبه يكن لك مشاعر ويحبك أضعاف ما انتي بتحبيه."
هتفت شيماء والدموع بدأت تتجمع في عينيها.
"طب واللي حصل ده يا سمر.. إزاي هآمن على نفسي مع واحد مباحترمش الأنثى وبيستعمل رجولته وقوته عليها.. إزاي بعد ما شفت إهانته ليها هآمن إنه مش هيهيني زي ما عمل معاها.. حتى لو هي غلطانة.. ومهما وصل غلط الأنثى لـ فين بيفضل التعامل معاها تعامل خاص.. مينفعش تتعامل بعجرفة وقسوة.. مينفعش تتعامل بإهانة وذل.. لأنها بالأول وبالأخير أنثى.. وزي ما قال حبيبنا ورسولنا محمد ﷺ ﴿ رفقاً بالقوارير ﴾ صدق رسول الله ﷺ."
هتفت سمر بهدوء.
"عليه أفضل الصلاة والسلام.. انتي متعرفيش اللي مر بيه فـ حياته علشان يبقى قاسي كده.. أو علشان يعامل الأنثى كده.. مفيش حد بيتولد قاسي كلنا بنتولد بريئين وطيبين.. بس الأيام والظروف اللي بنمر بيها هي اللي بتغيرنا.. الدنيا بتجرحنا بكل قوتها وكأننا ظلمانها.. واحنا علشان اتجرحنا بنلبس قناع القسوة.. مش قوة مننا.. العكس ده ضعف.. وخوف.. خوف من إن الدنيا تجرحنا تاني والجرح الأول لسه ماخفش.. خوف من إننا نتخدع فـ أقرب الناس لينا ونحس بالألم اللي بينهك روحنا وبيفضل مرافقنا طول عمرنا.. تلاقي الناس اللي زي دي مابتخافش من أعدائها بس بتخاف من أهلها وأصحابها والناس القريبين منها."
"وببساطة لأنهم بيكونوا متوقعين أي شيء من أعدائهم لأنهم أعدائهم.. بس بيبقوا مش متوقعين حاجة من أهلهم وحبايبهم علشان كده لما بييجي الغدر من العدو مبنتوجعش.. بس لما ييجي الغدر من قريب.. بنتمنى إننا كنا متنا قبل ما نحس بالألم ده.. علشان كده يا حبيبتي متحكميش على حد من فعل عمله.. انتي متعرفيش هو مر بإيه فـ حياته ولا إيه الضغوطات اللي عليه وخلته يعمل كده.. ولا الدنيا قست عليه بإيه علشان يبقى قاسي قوي. واعرفي كل ما الواحد يظهر أقسى.. يبقى الدنيا قست عليه أضعاف مضاعفة من القسوة اللي هو ظاهر عليها."
نظرت لها شيماء باقتناع تام بحديثها والدموع ملأت وجهها الجميل لترتمي في حضن صديقتها لتتلقاها الأخرى برحابة صدر. أما الأخرى التي كانت تستمع إلى حديثهم.. فحديث تلك الفتاة التي كانت تنصح صديقتها (سمر) غير تفكيرها.. وجعلها تنظر إلى أشياء كثيرة حدثت معها من قبل من اتجاه آخر.. اتجاه هي لم تفكر أن تنظر منه من الأساس. لقد اختلفت في عينيها الكثير من الأشياء وحديث تلك الفتاة يتردد داخل عقلها.. وياللصدفة.. فـ عقلها.. وقلبها.. يتفقان على هذا الحديث معًا ولأول مرة.
كفكفت دموعها التي هبطت دون أن تشعر بها وذهبت للبحث عن كيان وبداخلها حرب مشتعلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهوا أخيرًا من مراجعة الملفات وتصحيح ما بها من خطأ. لتجلس على المقعد تتنهد بتعب وفعل هو المثل.
هتفت بإرهاق.
"آه يا أمي.. مش حاسة برقبتي."
هتف الأخير بنفس الإرهاق.
"أنا ماكنتش ناوي أعمل ده كله فـ يوم واحد.. بس علشان جيتي وقولتي أساعدك استغليت الوضع وقولت اهو أخلص منها وارتاح."
هتفت الأخرى بحنق وهي تعتدل في جلستها تطالعه بنظرة حانقة.
"يعني حضرتك استغليت الفرصة اللي جاتك وقولت أخلصهم كلهم بالمرة."
هز كتفيه بهدوء.
"بالظبط.. اللي متعرفيهوش عني.. إني مبضيعش أي فرصة تجيني.. وده سبب فـ نجاحي فـ حاجات كتير."
كادت أن تسأله عن تلك الأشياء التي نجح بها ولكنها صمتت عندما أتاها صوت صديقتها وابنة عمها وهي تهتف.
"كيان انتي هنا."
نهض إياد بهدوء هاتفا.
"اتفضلي يا آنسة."
شكرته ليان بخجل فهو من تدينه وأخلاقه السامية يجعل أي فتاة تخجل منه. نهضت كيان هاتفه.
"آه.. كنت بساعد الأستاذ فـ شوية شغل."
هتفت ليان بإحراج.
"وأنا قاطعتكم صح.. طيب بعد ما تخلصي."
قاطعتها كيان.
"لا أنا دلوقتي على طول مخلصة.. بعد ما خلص عليا وعذبني بسبب إنه بيستغل الفرص."
أنهت حديثها بصوت منخفض ولكنه وصل إلى مسامعه ليبتسم على حديثها ومنع نفسه بصعوبة أن لا يضحك على تذمرها الواضح.
لتهتف ليان بهدوء.
"طيب إذا كان خلصتوا نقدر نمشي."
هتف إياد بهدوء وكل هذا الحديث وهو يشيح نظره عنهم بالطبع.
"اتفضلي الأول يا آنسة أجيبلك حاجة تشربيها."
هتفت ليان بخجل.
"شكرًا لحضرتك ملوش لزوم."
هتفت كيان مكملة بمرح.
"آه.. ولو احتجت مساعدة كمان اتكسف ومتقوليش.. أقصد متتكسفش وقولي."
وأنهتها بضحكة صغيرة.
هتف إياد بشكر.
"شكرًا على مساعدتك.. وفعلاً انتي شاطرة أوي بصراحة كنت متوقع إنك تتعبيني مش تساعديني بس فاجأتيني بذكائك وشطارتك."
تورّدت وجنتيها خجلًا وهتفت بغرور مصطنع تخفي خجله خلفها.
"ده أبسط ما عندي."
ضحكت ليان على وجه صديقتها الخجول الذي يعاكس حديثها تمامًا وهتفت بمرح.
"طيب يا ست متواضعة.. نستأذنك يا أستاذ إياد."
"اتفضل."
هتفت بها بهدوء وهو يومئ لهم بخفة لترحل الفتاتين ليتنهد بخفة بعد رحيلهم.
هتفت ليان بمكر.
"من امتى الطماطم دي بتظهر يا كيان هانم."
هتفت كيان بخجل وحنق.
"ما انتي عارفة اللي فيها ارتاحي بقى."
ضحكت ليان وهي تصعد إلى السيارة ولحقها كيان وانطلق لهم السائق عائدًا إلى القصر.
هتفت ليان بضحك.
"خلاص يا ستي براحة.. بس قوليلي أي حصل.. في حاجة حصلت كده ولا كده."
صرخت كيان بخجل.
"يخربيتك... انتي بتقولي إيه.. ده إياد يا ليان إياد اللي مبيبصش فـ وشي حتى.. يخربيت عقلك."
ضحكت ليان بصخب هاتفه.
"بهزر مش قصدي حاجة.. أقصد أي اللي خلاكي تروحي وإزاي ساعدتيه في الشغل وكده."
هتفت كيان بشرود.
"كل الموضوع إن إني لقيت نفسي لا إرادي رايحة ناحية مكتبه وبطرق على الباب.. محستش بنفسي غير وأنا بسمع صوته وهو بيقول اتفضل.. معرفتش أنا بعمل إيه وجاية ليه وهقوله إيه لو سألني.. بس قولت هكمل وخلاص ودخلت وهو أول ما شافني قام ورحب بيا وزي العادة من غير ما يبصلي و...."
وقصت عليها كل شيء حدث والذي كان عاديًا تمامًا ولكن بالنسبة لها كان أكثر من ذلك. واسترسلت حديثها بعدما انتهت هاتفه بنبرة شاردة.
"مع إن مفيش حاجة حصلت وكل ده عادي.. بس صدقيني الساعة اللي أخدتها معاه دي.. أقدر أقول فيها إن هي دي الساعة الوحيدة اللي عشتها وحسيت بكل ثانية بتمر فيها.. كنت بحاول بكل قوتي إني ما أظهرش توتري وكسوفي منه.. بس أول ما يتكلم صوته بدل ما يوصل لودني الأول بيوصل لقلبي.. بحس إنه سامع صوت نبضات قلبي اللي كانت عالية لدرجة أنا مش بسمع أنا بقول إيه... آه يا رب."
أنهت حديثها بتنهيدة عميقة تدعو الله بأن يشعر بها ويحبها ويجمعها به في الحلال. أما الأخرى فكانت تنصت لها جيدًا وهي تعلم بمعاناة صديقتها. لتربت على كف يدها بدون أن تتحدث. فخلف هذا الصمت حديث طويل.. لا يحكى ولكن الأخرى فهمت كل هذا الحديث من لمسة اليد هذه لتنظر إلى ليان وتبتسم لها واومأت لها بخفة بمعنى أن. ."حديثك قد وصل". ليخيم بعدها عليهم الصمت منتظرين وصولهم إلى القصر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى اليوم وزين القمر السماء تلتف حوله النجوم بأمر الخالق مشكلة أجمل ما ترى الأعين. دلفت إلى غرفتها بإرهاق وألقت حقيبتها على الفراش ثم توجهت ناحية المرحاض بدون أن تشعل إضاءة الغرفة. دلفت إلى المرحاض وأخذت شاور سريع وخرجت بعد وقت وهي ترتدي بيجامة مريحة باللون الوردي. فتحت إضاءة الغرفة وقبل أن تتوجه ناحية المرآة لمحت طيف أحدهم يجلس على الفراش لتدير رأسها ببطء ناحية الفراش لتشهق بفزع وهي تراه يجلس على فراشها متكئًا على ظهر الفراش يطالعها ببرود وهو يرتدي طقم كامل حالك السواد لتعلم أنه يرتدي هذا اللون قاصدًا حتى لا يراه أحد.
استوعبت الموقف سريعًا لتضم حاجبيها هاتفه بغضب.
"انت بتعمل إيه هنا.. ومن امتى وانت هنا أصلاً."
رفع حاجبه ببرود ثم نهض عن الفراش هاتفا.
"ليا نص ساعة مستني حضرة جنابك.. وأنا بعمل إيه هنا فـ هتعرف."
ربعت ساعديها أمام صدرها ونظرت له بترقب لتجده يفتح هاتفه ويديره نحوها لتقترب منه ببطء لتشهق بفزع وهي ترى أكثر شخص تكرهه أمامها ملقى أرضًا وجهه ملئ بالكدمات والدماء التي قاربت إخفاء ملامحه وكذلك جسده.
اللمعت عيناها بغضب جحيمي ورفعت نظرها نحو ذلك الممسك بالهاتف الذي تفاجأ من كمية الغضب والكره التي بعينيها ليتأكد أنه لم يفعل شيئًا خطأ.
هتفت بقوة وغضب ظهر في حديثها.
"هو فين."
نظر لها قليلاً ثم هتف بهدوء وهو يعيد هاتفه إلى جيب بنطاله.
"مشرفني.. وأنا اللي عملت فيه كده."
"عايزة أروح عنده.. وديني ليه."
لم يتفاجأ من طلبها فهو علم لا بل تأكد أنها ستطلب هذا منه ليهتف بهدوء.
"وده السبب اللي جيت عشانه."
هتفت بقوة وهي تشير نحو الفراش.
"اقعد لحد ما أغير هدومي."
ثم أخرجت لها ثيابًا ودلفت إلى المرحاض ليجلس هو على الفراش ينظر إلى أنحاء الغرفة والتي كانت ألوانها زاهية لطيفة تعاكس شخصية الماكثة بها فشخصية هذه الفتاة قوية ذات كبرياء، شامخ. استنشق كمية كبيرة من الهواء إلى رئتيه والتي كانت ممتلئة برائحة عطر غرفتها.
وما هي إلا دقائق حتى عادت له لينظر نحوها ليجدها ترتدي بنطالًا أسود أعلاه تيشيرت أسود ذو حمالات عريضة نسبيًا أظهر طول ذراعيها وبشرتها السمراء المحببة إلى قلبه وعقصت شعرها النحاسي على هيئة ذيل حصان ليصل إلى منتصف ظهرها وحذاء ذو كعب عالٍ نسبيًا أسود اللون أيضًا. لتخطف قلبه بهذا اللون الذي تماشى مع الغضب والقوة والشراسة التي بها.
نظرت نحوه وهتفت بقوة.
"يلاح."
"حم.. بخشونة وهو ينهض هاتفا."
"يلاح."
توجه ناحية الشرفة لتهتف هي.
"أكيد مش هنط أنا كمان من هنا.. المسافة طويلة."
نظر لها بطرف عينه ليستدير بعدها بجسده نحوها هاتفا بسخرية.
"إيه ياقطة.. المسافة مش طويلة لدرجة إني بطلعها زي السلم."
هتفت بهدوء.
"خلينا نشوف حل تاني."
نظر لها قليلاً ثم هتف.
"تمام انزلي انتي وبما إنك صاحبة القصر محدش هيسأل وأنا هنزل زي ما جيت."
هتفت بضجر.
"ومين سمعك.. ده بابي مخلي خمس تيران ماشيين ورايا زي ضلي قال خوفًا عليا مش مقتنع إني أقدر أحمي نفسي."
أومأ بتفهم هاتفا.
"حقه أي أب بيخاف على بنته.. طيب تعالي معايا وأنا هتصرف."
ثم سار ناحية الشرفة لتتبعه هي بهدوء بعدما أغلقت باب غرفتها جيدًا. نظر لها بطرف عينه ثم وبحركة سريعة منه جذبها نحوه يحكم ذراعيه حولها، وقبل أن تصيح به همس لها.
"هش.. اعملي اللي هقولك عليه وانتِ ساكتة، امسكي فيا كويس."
ورغم ترددها إلا أنها تمسكت به، وما إن رأته يرفع جسده فوق حاجز شرفتها حتى علمت ما سيقوم به، لتغمض عينيها بقوة وأحاطت به بقوة أكبر، وعو الذي شعر بخوفها أمسكها بإحكام بذراع بينما استعمل يده الأخرى في الإمساك بغصن الشجرة بعد أن قفز برشاقة، ثم أفلت يده وقفز بخفة ليصل إلى الأرض بدون إصدار صوت.
شعرت بوصولهم لتهم أن تبتعد ولكنه أوقفها عندما همس لها.
"لسه.. فاضل السور."
أعادت رأسها مرة أخرى لتسمعه يهتف مجددًا بهمس.
"امسكي كويس واوعي تفلتي إيدك."
شدت من ذراعيها على عنقه وكذلك قدميها على خصره دافنة وجهها أكثر في صدره.
أغمض عينيه بقوة قائلًا لنفسه بغيظ.
"أنا كده مش هقدر أخطى خطوة واحدة."
استعاد ربطة جأشه وسار من خلف الحرس ببطء وحذر معتاد عليه ليصل بعدها إلى السور. أفلت خصرها لأنه سيحتاج ذراعيه الاثنين في تسلقه ليشعر بها وهي تتمسك به بقوة أكبر.
وبخفة ورشاقة من ذلك البيجاد كان قد تخطى السور ببراعة شديدة وهو يعتدل في وقفته.
شعرت بتخطيهم للسور لتبتعد عنه بسرعة البرق وهي ترتب ثيابها وهتفت بعدها بقوة.
"يلا بسرعة معندناش وقت."
وجدتها سارت نحو سيارته وفتحتها وجلست على المقعد المجاور لمقعد القيادة ليبتسم بخفة وهو يومئ برأسه واتجه نحوها واحتل مقعد القيادة هاتفا.
"أي عرفك إنها عربيتي."
هزت حاجبيها بلا مبالاة.
"شوفتك بيها قبل كده."
دفع حاجبيه بدهشة فهو نادرًا ما يخرج بهذه السيارة ولكنه تذكر عندما ذهب بها إلى ذلك المكان الذي كان يلتقيها به ليومئ بخفة هاتفا بخبث.
"ذاكرتك قوية كده دائمًا.. ولا انتي مركزة معايا."
أشاحت نظرها عنه وهتفت بغضب تخفي خلفه توترها.
"اخلص بقى وديني عند الزفت ده.. ليا حساب تقيل معاه."
أنهت حديثها بنبرة متوعدة. نظر لها جيدًا ليقرأ ما في عينيها جيدًا ويعلم ما تنوي على فعله ولكنه بالطبع لن يتركها تفعل هذا.
هتف ببرود وهو يخرج شريط أسود مردفًا.
"هنحط ده على عيونك الجميلة الأول."
نظرت له باستنكار ليكمل.
"ده لو عايزاني أوديكي للمكان اللي هو فيه."
زفرت بغضب وسحبت منه الشريط الأسود وعقصتها على عينيها لتمنعها من الرؤية. نظر هو لها جيدًا ليعلم أنها لا ترى شيئًا.
ليقوم بتشغيل محرك القيادة وانطلق بها بسرعة البرق. ومن كثرة سرعتها لا تعلم أن هناك سيارة مرت من أمامك. فنوع هذه السيارة يتميز بالسرعة الشديدة والخفة. وهو يستخدمها في الأوقات الضرورية فقط أو في عملية تخص عمله السري.
هتفت بتساؤل.
"بتشتغل إيه."
هتف بثبات تدرب عليه جيدًا.
"ليه."
"طريقتك في التسلل والخطف والتخفي مش طبيعية.. تكونش حرامي."
رفع حاجبيه باستنكار هاتفا.
"خطف.. وحرامي.."
أجابت ببساطة.
"أيوا.. أنت تعتبر خطفتني."
"هو فيه خطف بإرادة المخطوف."
"كفاية رغي وقولي بتشتغل إيه."
نظر لها بطرف عينه ليعيد بصره سريعًا هاتفا.
"في شركة.. انتي ناسيه إن إني من عيلة الكيلاني."
أومأت باقتناع مردفة.
"آه نسيت اعذرني... هي المسافة طويلة."
"ممكن تبطلي أسئلة وتقعدي ساكتة."
هوف بها بضجر من أسئلتها اللامتناهية لتنفخ وجنتيها بغيظ منه وصمت.
تبتسم بخفة ليجدها تتساءل مجددًا هاتفه.
"إنما قولي.. هو الذئب متجوز."
نظر لها بطرف عينه متسائلا.
"ليه."
"متجاوبش سؤالى بسؤال."
هتفت بها بحنق ليهز كتفيه ببرود هاتفا.
"آه متجوز."
مطت شفتيها هاتفه.
"يا خسارة."
هتف ببرود احتله فجأة.
"خسارة.. هو لا سمح الله في حاجة."
هتفت بضحك.
"بنت خالتي مهووسة بيه وأوضتها مليانة بصوره وبتقول ذئب هو ذئب عجباها شخصيته القوية وخوف الكل منه.. وأختها مهووسة بيك وبتموت في عيونك الزرقا لدرجة إنها بتجيب لانسز أزرق وتلبسه وشخصيتك المرحة.. واختهم التالتة مهووسة بصاحبكم التالت اللي اسمه هشام وعيونه الخضرا وبشخصيته الجدية وعصبيته المفرطة.. بعيد عنك مجانين."
ضحك بقوة هاتفا.
"عاملين عصابة بقى."
ثم أكمل وهو يطالعها بخبث.
"وانتي مهووسة بـ حد."
لم ترى نظرته الخبيثة الموجهة نحوها بسبب ذلك الشريط الذي على عينيها ولكنها توترت من سؤاله وهي تشعر لا بل متأكدة بأنه يطالعها الآن. لتومئ بالرفض لترتسم ابتسامة ماكرة على شفتيه لينظر أمامه مرة أخرى مكملاً طريقه بصمت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل التاسع 9 - بقلم منة جبريل
توقفت السيارة في مكان مهجور تماماً من المباني إلا ذلك المخزن الذي كان يحيطه الكثير من الرجال، والصمت الموحش يحيط بالمكان.
"وصلنا."
"يعني أشيل البتاعة دي؟ أنا حاسة إني اتعميت."
ضحك بخفة هاتفا: "لا لسه.. خمس دقايق وهخليكي تشيليه."
تنفست بغضب تحاول السيطرة على انفعالاتها. ليترجل من السيارة ويتوجه ناحيتها، فتح الباب وأمسك بيدها لتسحبها هي سريعاً.
هتف ببرود: "هاتي إيدك هساعدك."
زفرت بهدوء ومدت يدها ليلتقطها وهو يساعدها على الترجل من السيارة. أغلق الباب خلفها هاتفا: "امشي معايا."
تشبثت بكف يده بقوة وسارت معه بحذر. عندما وصلا إلى المخزن، دفعها بخفة لتدلف إلى الداخل بخطوات قليلة، ودلف هو بعدها وأغلق الباب جيداً.
هتفت بملل: "إيه أشيلها؟"
"يابت اصبري، خلي عندك صبر. وكمان لما ندخل مش عايزك تعملي أي صوت، اتفقنا؟"
أومأت بضجر ليسير بها إلى الداخل.
أشار للرجال الذين كانوا يقفون حراسة على ذلك المجثي أرضاً بأن يخرجوا بدون أن يصدروا صوت. ليخرجوا بالفعل بصمت تام.
شعرت به يزيل الشريط من على عينيها. فتحت عينيها وأغمضتها عدة مرات لتضح لها الرؤية شيئاً فشيئاً. وجدته ملقى أرضاً والدماء تخرج من أنفه وفمه، غير تلك الجروح التي تزين وجهه الأبيض المحمر وكذلك جسده الملئ بالجروح. ولكن ما استغربته هو ذلك الشريط الذي على عينيه. نظرت إلى بيجاد لتجده يطالع ذلك الجاثي أرضاً ببرود.
كادت أن تتحدث ليشير لها بأن تصمت. لتبتلع كلماتها إلى جوفها. ليشير لها عدة إشارات لتفهمها، وكان يخبرها بأنه لا يجب عليه بأن يسمع صوت أي منهما.
أومأت بإستغراب ثم نظرت إلى مايكل بغضب وشر ظهر بعينيها لتتوجه نحوه بخطواتها الثابتة لتصبح واقفة فوقه. وبقوة ركلته في معدته جعلته يصدر صراخاً قوياً. لتظل تسدد له اللكمات والركلات بدون رحمة. فهي لا ترى ابن خالتها الآن. بل ترى الشخص الذي دائماً ما يحاول الاعتداء عليها. ترى الشخص الذي كان يتعدى عليها بالضرب دائماً. ترى الشخص الذي كان سبباً من أسباب وجودها بمصر وليس بجانب والدتها في أمريكا. ترى الشخص الذي كان يتهمها بشرفها وعفتها ويقارن بينها وبين فتيات أمريكا الذين لا يملكون حياءً أو خجل. ترى الشخص الذي كان دائماً ما يشبهها بفتيات الليل. ترى الشخص الذي كان يتعدى على والدتها بالألفاظ الشنيعة. ترى الشخص الذي خرب عليها حياتها جاعلها لا تعيش بسلام كباقي الفتيات. والذي سلب منها النوم في الليل. والذي جعلها تموت خوفاً كلما تسمع صوته أو تشم رائحته المشمئزة.
ولكن ليس بعد اليوم. فهي سوف تأخذ حقها كاملاً من هذا الذي دمر حياتها. لن ترحمه ولن تجعله يعيش يوماً آخر.
فكفى خوف، توتر، قلق.
كانت تضربه بهيستيريا وعنف وقوة شديدة. تضربه بكل ما أوتيت من قوة. لتتوقف عن ضربه وهي تتنهد بقوة وجسدها تصبب عرقاً وتمردت خصلات من شعرها لتسقط على وجهها ملتصقاً بجبينها بسبب ذلك العرق الذي به. بينما ذلك الذي كان يتعرض للضرب، كان يصرخ بقوة بسبب الألم الذي يشعر به في جميع أنحاء جسده. لا يوجد مكان به سليم أو لا يشعر به بالألم.
سحبت مسدس من بنطالها من الخلف ووجهته نحو رأسه. كان ذلك الواقف يطالعهم ببرود. يرى قوتها وغضبها التي تفرغها بذلك الجاثي أرضاً والذي كان هو سبباً بكل هذا الكره والغضب الذي بداخل عينيها. ولكن تحرك سريعاً عندما وجدها تخرج سلاحها موجهة إياه إلى رأسه. كان يعلم أنها تريد قتله لذا كان متحفزاً للتدخل بأي وقت. ليركض نحوها سريعاً وسحب السلاح من يدها بحركة سريعة.
نظرت له بغضب وكادت أن تصرخ به ليضع يده على فمها مانعاً صراخها، ناظراً لها بتحذير أن لا تخرج صوتاً. لتبتعد عنه بغضب وهي تحاول سحب السلاح من يده ولكنه رفض.
ابتعدت عنه ونظرت له بشر وابتسامة مخيفة ارتسمت على شفتيها لينظر هو لها بتوجس من هذه النظرة والابتسامة.
وبحركة سريعة منها، رفعت قدمها لتخرج تلك السكين الصغيرة التي كانت بحذائها وركضت نحو ذلك الجاثي أرضاً يئن بألم. ليلقي الأخير السلاح بعيداً وركض نحوها بسرعة البرق، ولكن كان قد فات الأوان ووضعت السكين وسط كف يده.
صرخة مدوية صدرت من ذلك الذي تنزف يداه والمثبتة أرضاً بسبب تلك السكين التي بها. جذبها نحوه وكتفها بقوة بسبب حركتها العنيفة ليجدها لا تريد أن تهدأ بل تريد الوصول إليه لتقتله. رفع يده ووضعها على عنقها وضغط بمكان معين لتقع مغشياً عليها بين ذراعيه.
حملها وتوجه بها إلى الخارج سريعاً. وهتف إلى رجاله بقوة: "عالجوه بسرعة."
وأكمل طريقه وهو يحمل تلك المغشي عليها نحو السيارة ليضعها بها وربط حولها حزام الأمان. ثم التف هو وجلس على مقعد القيادة وربط الشريط على عينيها تحسباً لاستيقاظها وهم بالطريق. وانطلق بالسيارة بسرعة البرق إلى منزلها.
في لندن.
يجلس على المكتب يطالع الأوراق التي بين يديه بغضب شديد ليكورها بين قبضته القوية تزامناً مع صراخه الغاضب: "سيمرا!"
انفزعت تلك الفتاة التي تدعى سيمران، وهي فتاة غير عربية، وهي تستمع إلى صراخ مديرها بهذا الشكل المرعب، والتي هي سكرتيرته الخاصة.
ركضت نحو المكتب ودلفت وجسدها ينتفض خوفاً بسبب ملامحه الغاضبة. لتفزع عندما نهض وتقدم نحوها هاتفا بغضب: "ما هذا الهراء؟ هل نحن نلعب هنا؟ ما كل هذه الأخطاء؟"
أصبح صدرها يعلو ويهبط بسرعة شديدة وهي تهتف بصوت متقطع: "أي.. أي أخـ.. أخطاء سيدي؟"
فتح لها الورقة أمام وجهها هاتفا: "هذه... لولا أني أعلم اجتهادك في العمل لكنتِ خارج الشركة الآن. اسمعيني جيداً، أنا لا أعطي فرص ولكن من أجل أني أعرفك جيداً سوف أسامحكِ وأيضاً لأن هذا أول خطأ لكِ منذ أول يوم عملتي به بهذه الشركة. لذا ستأخذي هذه الأوراق وتراجعيها جيداً وتصححي كل ما بها من أخطاء وتعيديها لي. هل فهمتي؟"
أومأت له بخوف مردفة: "فـ..فـ..فهمت.. سـ..سيدي."
أعطاها الأوراق مردفاً بغضب: "انصرفي."
غادرت بسرعة وجسدها ينتفض خوفاً وهي تتنفس بسرعة. بينما في الداخل، جلس على مقعده ينفث بغضب وهو يمسح على وجهه. ثم فتح عينيه لتظهر خضراوتيه التي تلمعان بالقسوة والغضب. تذكر كيف أخفى صديقته تلك الهايدي منه وسفرها خارج مصر بلا عودة حتى لا يقتلها. ولم يخبره مكانها بل اكتفى بقوله أنها لن تعود إلى مصر مجدداً وأنها تحت رحمته.
توقف تفكيره عندما احتل ذلك الوجه البريء أفكاره. نظرتها القوية، ضحكتها، طريقة حديثها الهادئة، صوتها الرقيق والذي يخفي خلفه قوة.
أمسك رأسه صارخاً بغضب: "اخرجي من راسي بقى... اخرجي!"
أنهى حديثه وهو يلقي بكل ما على المكتب أرضاً. ولم يكفه هذا بل أمسك المكتب وقلبه رأساً على عقب وتوجه نحو تلك الطاولة الصغيرة والتي كانت من الزجاج وضربها بقبضة يده بقوة لتتهشم إلى أجزاء صغيرة وتتناثر دمه على الأرض. ولكن كل هذا لم يهدئ من الغضب الذي بداخله. ليتوجه إلى طاولة الاجتماعات وقلبها رغم ثقل وزنها وكبر حجمها، ولكن أمام غضبه لا تسوى شيئاً. ثم ألقى بكل المقاعد التي كانت تحيط بالطاولة أرضاً ليتهشم بعضها.
كان جميع العاملين يستمعون إلى صوت الصراخ والتحطيم الذي اعتادوا عليه من أول يوم أتى به إلى هنا.
دلت سيمران سريعاً، فهي الوحيدة التي تقدر على الوقوف أمامه وهتفت بخوف: "سيدي. اهدأ قليلاً سوف تؤذي نفسك... اهدأ رجاءً."
صرخ بها بغضب: "غوري من وشي، اخرجى من هنا الآن."
لم تفهم ما تفوه به أولاً ولكنها فهمت حديثه الأخير لتهتف بغضب: "لا لن أخرج وأنت سوف تهدأ وتجلس حتى أستطيع أن أداوي نزيف يدك. هيا."
أشار نحوها بسبابته مردفاً بتحذير: "سيمران، إن كنتِ باقية على حياتك فأخرجي الآن."
رغم الخوف الذي يجتاحها، ولكنها هتفت برجاء وصوت هادئ: "أرجوك سيدي هشام، اجلس الآن ودعني أداوي نزيف يدك. ليس من الجيد أن تظل تنزف بهذه القوة. وأيضاً العصبية المفرطة خطر على صحتك. وأيضاً كل العاملين بالخارج قلقين عليك. أرجوك سيدي اجلس.... أرجوك."
هتفت آخر كلماتها برجاء. ليتنهد بقوة هاتفا: "حسنا."
تنهدت بخفوت وكادت أن تمسك يده لتجده يبتعد عنها وجلس على مقعده وسط هذه الفوضى العارمة والتي تسبب هو بها وحالة غضبه المخيفة.
لتدلف هي إلى المرحاض الملحق بالمكتب وخرجت وهي تمسك بين يديها علبة الإسعافات الأولية. ثم عدلت إحدى المقاعد ووضعته أمامه مباشرة لتجلس عليه وأسندت العلبة على قدميها وبدأت بتعقيم جرحه بخفة وحذر حتى لا تؤلمه. ولكنها عندما كانت تنظر له لترى رد فعله، تراه جامداً غير مبالٍ، لا يشعر بأي ألم.
تنهدت بخفوت وبعدما انتهت من ربط الشاش الأبيض حول كف يده نهضت وهتفت بهدوء: "بالشفاء سيد هشام."
أومأ لها ثم هتف بجمود: "اذهبي وأخبري العاملين المتخصصين بأن يأتوا ليصلحوا المكتب بأسرع وقت."
"حسنا سيدي."
نهض مكملاً: "أنا سأذهب الآن ألغي باقي الاجتماعات وأن جادلوكي ألغي الصفقة من الأساس واهتمي بشؤون الشركة بغيابي، فهمتي؟"
"فهمت سيدي."
ليتركها ويرحل لتزفر هي بقوة وذهبت لتنفذ ما قاله لها هذا الهشام. بينما هو عندما خرج، ذهب الجميع إلى عمله خوفاً من بطشه ليتخطاهم بجمود وصعد سيارته وانطلق بها بعيداً من الشركة. ليوقفها بعد مدة من الزمن وهو يتنفس بقوة. هو يعلم أن هذه السيمران تخشاه حد الموت ولكنها تقف في وجهه بغير إرادة منها بسبب أوامر صديقه الذئب لها. ويعلم جيداً أنه اتبع أسلوب التهديد معها لهذا هي تخاطر بحياتها وتقف أمامه وقت غضبه. يحمد الله أنه يستطيع التحكم بغضبه أمامها حتى لا يقتلها وهي ليس لها أي ذنب. هو يمنع نفسه بصعوبة شديدة لكي لا يؤذيها.
أدار محرك السيارة مجدداً وتوجه نحو فيلته لينال قسطاً من الراحة. ما هذا الهراء، فهو منذ أن أتى إلى هنا وهو لم يشعر بطعم الراحة أبداً. دائماً غاضب، وتلك القسوة تزداد يوماً بعد يوم بداخله. وهو حقاً يخشى عواقب قسوته والتي ستكون وخيمة لا محالة.
"l am not okay, xan you love me extra today"
أفرجت عن عينيها لتنظر لسقف غرفتها. تذكرت أنها كانت في ذلك المكان وكانت تحاول قتل ذلك الحقير ولكن بعدما حاصرها ذلك البيجاد لم تشعر بأي شيء بعدها.
شعرت بأن يدها ممسكة بشيء ما. نظرت نحوها لتراه يجلس أرضاً سانداً رأسه على الفراش مغمضاً عينيه وكف يده بين كف يدها. لتستغرب سبب وجوده هنا وتناست غضبها منه تماماً. تركت يده لترى يفتح عينيه سريعاً ناظراً لها. تنهد بهدوء وهو يراها بخير.
استغربت رد فعله وخفة نومه ولم تعلم أنه لا ينام بعمق أبداً بسبب طبيعة عمله. فهو ينام مغمض الأعين ولكن جميع حواسه تعمل. هتفت برقة: "بتعمل إيه هنا؟"
نهض عن الأرض وهو يتأوه بألم ثم أمال رأسه للجهتين لتصدر صوت طرقعه قوية.
نظر لها نظرة غريبة ولكنها جعلتها تشعر بالخجل والتوتر ثم هتف بصوته الأجش بسبب استيقاظه من النوم: "أحلى صباح وربي إني أصحى على وشك يا سمرتي."
توسعت عيناها من مغازلته الصريحة. رمشت بأهدابها عدة مرات وهي لا تعلم بماذا تجيبه. هي تشعر بقلبها الذي بدأ ينبض بقوة.
سمعت سؤاله بنبرة خافتة: "انتي أحسن دلوقتي؟"
وقبل أن تجيبه وصل إلى مسامعها صوت الخادمة من الخارج وهي تهتف: "ياهانم.. الشرقاوي باشا قالنا قبل ما يروح الشغل إننا نجبلك الفطار هنا."
نظرت بفزع إلى بيجاد الذي كان يجلس بكل برود غير مهتماً، لتنتفض على صوت الخادمة الذي عاد بشكل أقوى: "ياهانم."
هتفت بصوت حاولت إخراجه ثابتاً: "آ.. أيوا.. ثواني."
ثم نظرت إلى بيجاد وهمست بغضب: "أنا مش عارفة أنت بتفضل في أوضتي بالشكل ده بأي حق؟"
قرب وجهه منها هاتفا بعشق: "حبيبك.. يا صبا هانم."
شخصت عينيها مما يتفوه به وقبل أن تصرخ به بغيظ أوقفها بقوله: "افتحيلها الأصلي جعان قوي. واه قوليلها تعملي قهوة سادة."
نظرت له بغيظ وتوجهت نحو الباب وفتحتة فتحة صغيرة والتقطت صينية الطعام من الخادمة ثم هتفت: "احم.. معلش هتعبك معايا.. اعملي قهوة سادة وهاتيها بسرعة."
هتفت الخادمة بإستغراب: "بس ياهانم انتي مبتشربيش قهوة سادة."
هتفت بهدوء: "عارفة بس علشان حاسة بصداع هيموتني علشان كدا."
أومأت الخادمة مردفة: "حاضر ياهانم الف سلامة."
ابتسمت لها واردفت: "الله يسلمك."
ثم أغلقت الباب مجدداً ووضعت صينية الطعام على الفراش لتراه يقفز فوق الفراش مردفاً: "تصدقي قاعد على فطارى من امبارح.. يلا اقعدي كلى معايا."
نظرت له بغيظ من تصرفاته والتي كانت غريبة عليها، فهو دائماً ينظر لها نظرة غريبة ولكن لم يفعل معها مثلما فعل الآن. ترى ما سبب هذا التغيير الذي حدث به؟
نظر لها ببرود هاتفا: "متفكريش كتير ولما تيجي القهوة هجاوبك سبب تغيري. اقعدي."
نظرت له بصدمة كيف استطاع معرفة ما تسأله داخل ذهنها لتسمعه يهتف مجدداً: "هتعرفي بعدين أنا إزاي قادر أعرف بتفكري في إيه، مش ببرا أفكار أنا مش مصاص دماء، يلا بطلي تفكير واقعدي."
أمسكت رأسها سوف تجن من هذا المجنون لا محالة لتجلس أمامه والفاصل بينهم صينية الطعام. لتظل تلعب بالطعام بدون أن تأكل، ولاحظ هو ذلك.
بينما راقبها بيجاد بصمت حتى سمعا طرقاً على الباب، لتنهض صبا وفتحت للخادمة تلتقط منها كوب القهوة وهي تشكرها ثم عادت لغلق الباب وناولته القهوة.
أردف وهو يلتقطه من يدها: "شكراً يا سمرتي."
نظرت له وهتفت بغضب: "إيه سمرتي دي؟"
ارتشف قليلاً من القهوة ثم وضعها على الصينية ونهض عن الفراش ليصبح أمامها لتبتعد هي خطوتين إلى الخلف وهي تستمع إلى وهو يردف بصوت أجش: "علشان إنتي سمرتي.. السمرة اللي خطفت قلبي من أول يوم شوفتها فيه.. السمرة اللي قلبي بقى كل دقة يدقها ينادي بإسمك.. أول ما عيني اتقابلت مع قهوة عيونك وأنا بقيت بعشق القهوة ووقعت أسير ليكي."
اقترب منها ووضع كف يده على وجنتها هاتفا بعشق وهو يعلق عيناه بخاصتها: "بحبك يا صبا.. يا بنت الشرقاوي."
مال نحوها ولثم وجنتها برقة ثم همس بأذنها: "قريب قوي هكون واخد معاد مع والدك وهخليكي على اسمي يا سمرتي وهتبقي ملكي لوحدي.. أوعدك."
ابتعد عنها ببطء ليرى عينيها متسعة بشكل مخيف، ثم نظرت له فجأة بأعين مشتعلة جعلت ضحكة قصيرة تفر من بين شفتيه ثم غمزها بعينه وتحرك بسرعة نحو الشرفة يغادر منها بحرص أكبر حيث الآن الصباح ويمكن كشفه بسهولة عكس المساء.
بينما هي كانت مازالت تستوعب ما قاله ذلك البيجاد. هل اعترف بحبه لها حقاً؟ هل هو يحبها لهذه الدرجة؟ ولكن.. شهقت بعدم تصديق وفرحة وبدأت الدموع تلمع بعينيها. وضعت كف يدها على فمها بعدم تصديق، أحقاً سوف يفعل ما قاله؟ هل يريد أن يجعلها زوجته وعلى اسمه حقاً؟ هل يريدها أن تصبح ملكه وشريكة حياته إلى الأبد؟
يا إلهي.. ذلك العضو الصغير الذي بجانبها الأيسر يخفق بشدة. تشعر وكأنه سيخرج من مكانه من شدة فرحته.
وبدون وعي منها بدأت تقفز وتصرخ بسعادة شديدة وهي لا تستوعب ما حدث حقاً. توقفت عن الصراخ وابتسامة واسعة زينت ثغرها ولمعت عيناها بالسعادة بعد وقت طويل. لترتمي على الفراش وهي تنظر إلى سقف غرفتها بأحلام وردية. ولم تعلم أنه إذا كنت تريد شيئاً تحبه فـ يجب عليك الشقاء أولاً.
وقفت أمام باب القصر تنظر له وهو يأمر الحرس بأن يخلوا الحديقة بعدما أخذت تترجاه ليوافق. ليوافق أخيراً عندما حزنت منه ولكنه ليراضيها فعل ما تريد. وأيضاً أقنعته بأنها لا تستطيع أخذ راحتها بسبب وجودهم.
وجدته يقترب منها ناظراً لها بغيظ بينما هي تطالعه بأعين سعيدة عاشقة. وقف أمامها بطوله المهيب هاتفا: "حلو كدا يا سمو الملكة؟"
أومأت بقوة وهي تبتسم باتساع ثم وضعت كفيها على كتفيه ورفعت نفسها لتقف على أطراف أصابعها ولكنها أيضاً لم تصل إليه.
ليبتسم هو باتساع وعشق لقامتها القصيرة ليميل نحوها يسمح لها بتقبيله من وجنته.
نظر لها بأعين لامعة هاتفا بصوت أجش: "إنني متيم بكِ فاتنتي."
ابتسمت بعشق لحديثه ولذلك اللقب الذي تعشقه منه. ابتعدت عنه وهتفت بخجل: "يلا علشان تحصل شغلك."
قبلها على جبينها ووجنتيها ثم هتف بعشق: "عايزة حاجة أجبهالك معايا؟"
هتفت بخجل: "عايزة سلامتك.. خلي بالك من نفسك."
"كما تؤمرين مولاتي."
"لا إله إلا الله."
ابتسم بعشق لها هاتفا: "محمد رسول الله... سلام."
ثم رحل صاعداً سيارته ليلقي نحوها نظرة أخيرة ثم انطلق بالسيارة متجهاً نحو الشركة. ظلت هي واقفة تتابع السيارة بعينيها حتى اختفت عن مرمى بصرها لتدلف راكضة متوجهة إلى غرفة شقيقة زوجها.
فتحت الباب وهي تصرخ بحماس: "كيان!"
انفزعت ليان من النوم وهتفت بفزع: "إيه؟ القصر غرق؟"
ضحكت بخفة هاتفة: "صباح الخير يا روسية.. لا لسة القصر مغرقش بس شكله هيغرق دلوقتي."
هتفت بها وهي تتوجه نحو كيان ذات النوم الثقيل وأمسكت بكوب الماء الموجود على الطاولة التي بجانب الفراش وسكبتها فوق كيان.
نهضت الأخرى وهي تشهق بفزع مردفة باللغة التركية: "Batan orta... Batan orta."
"غرق الوسط.. غرق الوسط."
ضحكت حوراء بقوة وهي تفهم ما تتفوه به لأنها تعلمت اللغة التركية على يد زوجها النصف تركي لتتقنها بطلاقة. بينما ليان فقط وقعت من كثرة الضحك على هيئة صديقتها وابنة عمها وحديثها.
نظرت لهم كيان بغيظ لتكمل باللغة التركية بدون أن تدرك: "Tövbe... Bir şakadan Yalha... Allah Allah."
"توبة.. ما هذه المزحة.. الله الله."
لتهتف حوراء بضحك: "إنتي المياه بوظت السلك المصري اللي عندك ولا إيه؟ اتكلمي عربي يا حبيبتي."
أدركت كيان أنها تتحدث بالتركية لتهتف بغيظ: "هو في حد يصحى حد كده؟ كنتي هتموتيني غرقانة."
ثم نظرت إلى تلك التي تكاد تموت من كثرة الضحك: "اضحكي اضحكي.. عجبتك أوي دي يا أختي."
واسترسلت وهي تعيد نظرها إلى حوراء: "قوليلي إيه سبب اللي صحتيني عشانه؟"
صفقت حوراء بيديها بمرح مردفة بسعادة: "ريان مشي كل الحرس اللي في الجنينة وهنقعد فيها براحتنا."
نهضت كيان مردفة بأعين متسعة: "بجد.. يعني نقدر نقعد فيها براحتنا؟"
أومأت لها بقوة لتحتضنها بسعادة وهم الاثنان يصرخون بحماس.
هتفت كيان سريعاً: "طيب أنا هاخد شاور وأنزل، وانتي يا بت يا ليان خدي هدوم وروحي على أوضة تانية علشان نجهز بسرعة."
أكملت حوراء بحماس: "وأنا هروح أقول للعاملين يعملولنا حلويات وتسالى."
أيدوا فكرتها لتذهب كل منهم لفعل ما قالته. وبعد وقت كان ثلاثتهم يجلسون في الحديقة على الأرض والأعشاب الخضراء من تحتهم والزهور بأنواعها تحيط بهم وكان النوع الذي يغلب هو الورد البنفسجي.
وظلوا يتبادلون الحديث في أشياء عدة.
"اصبر يا اتش هي كام ثانية وأقولكم مع بعض."
هتف بها بسعادة شديدة وهو يدلف إلى المصعد.
سمع صوت صديقه الذي يصدر من السماعة الصغيرة التي بأذنه: "ماشي أهو مستني."
بعد دقيقة كان يخرج من الأسانسير ويدلف إلى المكتب على الفور. نظر ريان إلى صديقه ليرى السعادة تلمع في عينيه بعد زمن طويل جداً. هتف ريان بابتسامة بسيطة: "ربنا يديم الفرحة.. خير؟"
جلس بيجاد على المقعد الذي أمام ريان مباشرة وفتح سماعة الهاتف ليستمع ريان وبيجاد إلى صوت هشام الغاضب وهو يردف: "انطق يلا في إيه؟"
هتف بيجاد بسعادة شديدة: "هقولكم.. كل اللي حصل.. إنه.. إنه..."
صرخ هشام بغضب: "يا مصبر الوحش.. انطق يا."
بينما كان ريان ينظر بإستغراب لسعادة صديقه الذي لم يراها منذ سنوات ليهتف بيجاد بصوت مرتفع: "أنا هتجوز."
صمت.. فقد صمت حل على المكان بعد جملته هذه ليكسر هذا الصمت صوت ريان: "هتتجوز إزاي يعني؟"
قص بيجاد عليهم ما حدث وكيف اعترف إلى سمرته بعشقه لها وأخبرها أنه قريباً سيقابل والدها لكي يطلب يدها منه.
ابتسم ريان باتساع ونهض معانقاً صديقه وهو يشعر بسعادة احتلت قلبه بقوة وهو يرى السعادة في أعين بيجاد بعدما كانت غير متواجدة تماماً طوال سنوات عديدة.
هتف بسعادة: "مبارك.. ربنا يكملك على خير."
بادله العناق هاتفا: "الله يبارك فيك يا صاحبي."
ثم وجه حديثه إلى ذلك الهشام: "إيه يا اتش مش هتباركلي؟"
سمع صوت هشام الذي صدر من الهاتف: "مبارك يا صاحبي.. كان نفسي أكون قدامك علشان أكسر رأسك لأنك عصبتني وبعدها أحضنك وأباركلك."
صمت قليلاً متنهداً ثم أكمل بصوت حزين استشعره صديقيه: "امتى هتروح تقابل والدها؟"
هتف بيجاد سريعاً بدون تفكير: "لما ترجع لنا."
أردف هشام بعدم فهم: "إزاي دا؟"
رد بيجاد ببساطة: "يعني لما ترجع من لندن يا اتش."
صاح هشام به غضباً: "لا طبعاً انت هتروح وتتكلم مع أبوها وتحددوا الخطوبة وأنا هرجع على الخطوبة."
"أروح أتقدملها إزاي وانت مش موجود.. انت عارف انت وريان أهلي.. ومفيش واحد بيروح يتقدم من غير ما يكون أهله معاه."
هتف بها بيجاد بهدوء ولكن كان يخفي خلف حديثه مشاعر كثيرة.
هتف ريان وهو يضع كف يده على كتف صديقه: "فعلاً يا هشام.. بيجاد معاه حق."
ابتسم له بيجاد ابتسامة بسيطة ليستمعوا إلى صوت هشام الحزين: "أنا ممكن أتأخر و..."
"والله لو قعدت عشر سنين مستني برضه."
ثم أكمل بمرح: "متتكيش أوي ها بكرة الاقيك هنا أصل بعيد عنك صاحبك هيموت ويتجوز."
ضحكة خفيفة صدرت من هشام هاتفا: "ماشي يا صاحبي.. مبروك مرة تانية."
ابتسم بيجاد بسعادة هاتفا بمرح: "عقبالك يا اتش."
لم يلق رد منه ليهتف ريان: "خلص الشغل اللي عندك وانزل."
"إن شاء الله.. يلا سلام."
"سلام."
هتف بها ريان وبيجاد ليغلق هشام الهاتف والقاه بجانبه وهو يزفر بقوة. يشعر أنه خرب سعادة صديقه. يتمنى حقاً وجوده معه في هذه اللحظة ومشاركته فرحته ويفعل ما اتفقوا عليه عندما يقوم بيجاد بحب فتاة ما. لينتهد بإرهاق متجهاً نحو المرحاض لأخذ حمام بارد لعله يطفئ تلك النيران التي بداخله وهو يقرر فعل شئ ما.
هتف بيجاد بهدوء وعيناه تلمع فرحاً: "مش مصدق أخيراً."
ربت ريان على كتفه وهتف بابتسامة بسيطة: "روح اتقدملها وحدد الخطوبة زي ما قال هشام وهو هينزل على الخطوبة."
هتف بيجاد بإصرار: "مستحيل.. غير إني مستحيل أروح أتقدملها من غير حد فيكم.. مستحيل علشان الاتفاق اللي حصل بينا وقولتوا هتعملوه لما أحب واحدة بجد أو أتقدملها."
ابتسم ريان بتذكر مردفاً: "طبعاً فاكر."
ثم أكمل وهو يعطيه بعض الملفات: "خد بقى راجع الملفات دي."
نظر له بيجاد هاتفا بغيظ: "انت مخرب اللحظات السعيدة على فكرة."
ابتسم له بإصفرار هاتفا: "عارف... امسك يلا."
التقطه منه بيجاد بتذمر وارتمى بجسده على الأريكة التي متواجدة بالمكتب وهو يفحص أوراق الملفات بتدقيق شديد.
بينما ريان فقد انهمك على عمل ما في حاسوبه.
انتهى اليوم لتشرق شمس جديدة. يقف بقوته المعتادة في مكتب اللواء الذي كان ينظر له هاتفا بجمود: "آسر.. إنت عارف إن المهمة اللي أدهالك اتأجلت.. وعرفنا إنها اتأجلت لشهرين كمان."
هتف آسر بقوة: "تمام."
ثم خرج من مكتب اللواء وهو يتنهد براحة فـ في هذه المدة يمكنه أن يجد حلاً لهذه المهمة التي ولأول مرة تجعله حائراً في عمله.
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل العاشر 10 - بقلم منة جبريل
دلف آسر إلى المكتب بدون إنذار وهتف بجمود:
- ريان في موضوع محتاج مساعدتك فيه.
نظر له ريان باستغراب هاتفا:
- اقعد الأول يا آسر وقول.
أغلق آسر باب المكتب وجلس على المقعد ثم نظر إلى ريان وتنهد بقوة وبدأ يقص عليه كل شيء.
كان ريان يستمع له بصمت وهدوء على عكس نيران الغضب التي اشتعلت بداخله وقتما رماديته.
تنهد مجدداً بعدما انتهى من السرد وهتف بهدوء:
- ودي كل الحكاية وأنا مش عارف أعمل إيه، أنا أول مرة أحس نفسي عاجز كدا.
صمت ريان يفكر بعمق في هذه المصيبة ليرفع عينيه التي تشع بالمكر وابتسامة خبيثة شقت شفتيه.
هتف آسر بتوجس من نظرته:
- مش مرتاح للنظرة دي ولا الابتسامة، مالك؟
هتف ريان بخبث:
- هقولك الحل.
بدأ بسرد ما عليهم فعله تحت ذهول آسر من دهائه وأيقن أنه لم يخطئ عندما قرر أخذ مساعدة هذا الذئب الماكر.
عاد ريان بظهره إلى الخلف هاتفا بثقة:
- ودا كل اللي هيحصل وشهرين مدة كافية قوي وزيادة كمان.
هتف آسر بذهول وإعجاب:
- دماغ شغالة مبتنامش.
هتف بغرور معتاد عليه:
- متنساش أنا مين.
أردف آسر بمرح:
- حقك يا عم تتغر، امتى هنبدأ؟
أمسك ريان هاتفه هاتفا بخبث:
- دلوقتي.
أيده آسر فهم يحتاجون لكل ثانية تمر عليهم.
وضع ريان الهاتف على أذنه وبعد وقت أتاه الرد ليهتف بخبث:
- أهلا بالكيلاني.
أتاه الرد من الناحية الأخرى ليهتف بمكر:
- ليا طلب صغير يا كيلاني ويا ريت تنفذه.
ابتسم بغموض وبدأ بإخباره بما يريد ثم أغلق الهاتف ونظر إلى آسر وهتف براحة:
- وأول خطوة تمت.
نهض آسر وهتف بمرح:
- هروح أعمل اللي عليا.
ثم غادر وهو يشعر بهم قد انزلق من عليه وابتسامة راحة تشق وجهه ولم يدرك أنه وضع همه على الذئب بدون أن يشعر.
---
هتفت بحكمة ورقة:
- ليان أنا واثقة إنك لسة بتحبيه بس بتعاندي وعنادك ده هو اللي هيجيبك لورا، صدقيني أنتِ كده مش بتعذبي نفسك وبس، أنتِ بتعذبي روحه معاكي، حرام اللي بتعمليه في قلبك وقلبه، هو حاول يصالحك بكل الطرق، متخليش قلبك قاسي.
هتفت ليان بصوت متحشرج مهدد بالبكاء:
- أنتِ مش حاسة بيا يا حوراء، أنا قلبي مش قاسي، أنا قلبي خايف، خايف يحس بالوجع تاني بعد ما قدر يتأقلم معاه، هو سبب ألم كبير في قلبي بحجة إني لسة صغيرة ودي مراهقة مش أكتر ومحسش بحبي ليه اللي عمره ما كان مراهقة ولا هيكون.
وضعت حوراء كف يدها على شعرها مردفة بحنان:
- صدقيني حاسة بيكي، وعارفة اللي عمله غيث ده دليل على عشقه ليكي، برغم إنه عارف هيموت في اليوم 100 مرة في بعدك بس برضه بعد خوفاً عليكي، كان خايف إنه لو وافق تندمي بعدين لما تعرفي إن مشاعرك مكانتش حب بجد وكان فعلاً مراهقة ووقتها كنتي هتحطي كل الغلط عليه لإنه وافق وإنتي لسة صغيرة.
بس بعد ما عديتي المرحلة دي واتأكدت إنك فعلاً بتحبيه مستناش لحظة ورجعلك ع طول وهو لحد دلوقتي بيحاول يصالحك ويراضيكي رغم إنه مغلطش بس عشان حاسس بيكي وزي ما انتي اتعذبتي في بعده صدقيني هو كان بيتعذب أضعاف عذابك، متنسيش إن هو اللي كان بيقاوم مشاعره إنه ميرجعلكيش، إنما انتي كنتي بتتلهي عنه لحظات لما تتجمعي بعيلتك، متنسيش إن هو لحد دلوقتي بيتعذب ونار قلبه بتزيد، إنما انتي قاعدة مبسوطة باللي بيعمله عشان يراضيكي ومش حاسة بوجع قلبه لما بترفضيه كل مرة وبتسمعيه نفس الكلام اللي متغيرش بقاله سنين ورغم ده كله مملش منك ولا خلى الموضوع موضوع كرامة ولا كبرياء لأنه لو خلاها كده أقسم لك إنه مش هيبص في وشك حتى.
صدقيني يا ليان لو جيتي مرة على رجولته وكبريائه والله ما هيولى عليكي تاني وهيدوس على قلبه ومش هيهمه أي حاجة حتى انتي وانتِ اللي هتندمي في الآخر في وقت مينفعكيش فيه الندم.
الحقي يا نفسك وعرفيه إنك مسمحاه قبل ما قلبه يقسي عليكي.
أنهت حوراء حديثها وغادرت من الغرفة متوجهة إلى غرفتها تاركة الأخرى تفكر في حديثها جيداً لتتذكر حديث تلك الفتاتين عندما سمعتهما في الشركة لتعلم أن حوراء محقة.
لذلك قررت أن تفعل شيئاً قبل أن تندم بسبب تأخرها.
---
دلفت إلى غرفتها وهي حزينة على حال هذين الاثنين فهما يحبان بعضهما، إذا لم العناد وتصنع الغضب والكره؟ لم لا يستغلون الوقت ويتناسوا ما حدث معهم ويجتمعوا قبل أن يفوت عمرهم؟ تتمنى أن تسمع إلى نصيحتها هذه المرة فهذه المرة التي فاقت العاشرة في عدتها وهي تحاول أن تجعلها تتناسى ما حدث وتعيش حياتها.
جلست على الفراش وهي تتنهد بخفة تدعو لهذين القلبين أن يجتمعا في حلال الله.
أخذت هاتفها وهي تقرر الاتصال على زوجها الذي كان يجلس داخل مكتبه في الشركة شاردًا فيما قصه عليه آسر.
---
- يا إياد والله ما هتأخر هي كلها نص ساعة أو ساعة وهرجع.
هتفت بها أريب وهي تتحدث مع أخيها عبر الهاتف.
جاءها صوته الجاد من الناحية الأخرى وهو يهتف:
- طب استنى لحد ما أرجع يا أميرتي وبعدها اخرجى.
هتفت أريب بصوت شبه باكي:
- يا إياد أنا ملانة وأنت مطول على ما ترجع آية وماما أمينة ناموا وأنا قاعدة لوحدي، فكلمت قمر واتفقت معايا إننا نخرج شوية نغير جو.
تنهد الآخر وهو يشعر بتقصيره تجاه إخوته فهو منذ أن اشترى لهم هذه الفيلا ولم يخرجهم منها إلا إلى قصر ريان.
أردف بهدوء وحنان:
- طيب يا أميرتي بس بشرط.
- موافقة.
- مش مهم المهم أخرج.
- طيب شرطي إنك هتاخدى الحرس وعدنان معاكي، لو اعترضتي مفيش خروج.
كادت أن تتذمر ولكنها خشيت أن يمنعها حقاً من الخروج لتردف بغيظ:
- ماشي.
- طيب يا أميرتي خلي بالك من نفسك وهبقى كل شوية أتصل بيكي، على الله يا أريب ألاقي فونك مقفول، وآه سلميلي على قمر.
- حاضر سلام.
- سلام.
أغلقت الهاتف مع شقيقها وهي تقفز فرحاً لتذهب لكي تجهز نفسها سريعاً وبعد وقت خرجت وهي ترتدي فستاناً باللون الرمادي وحجاب أسود.
هي نادراً ما ترتدي فستانًا لأنه يظهر قصر قامتها وبالفعل رغم أنها ارتدت حذاء أسود مرتفع نسبياً إلا أنها مازالت قصيرة، لذلك تحب ارتدائها للبنطال أعلى ثوب يصل لأسفل ركبتيها.
صعدت السيارة وانطلق بها عدنان إلى وجهتها وبعد وقت توقف لتصعد قمر بجانب صديقتها.
هتفت قمر بمرح:
- إيه يا أريب غيرتي البنطلون؟
هتفت أريب بهدوء:
- مجرد تغيير، بقولك يا أستاذ عدنان متعرفش مطعم حلو هنا؟
هتف عدنان بصوته الخشن:
- أعرف يا هانم.
- طيب ودينا على مطعم من ذوقك.
انطلق بهم عدنان إلى إحدى المطاعم وبعد وقت هبط عدنان وفتح باب السيارة لتترجل أريب وبعدها قمر لينبهروا بمظهر المطعم من الخارج.
هتفت قمر بانبهار:
- بت يا أريب لما ده شكله من برا، إنما من جوا إيه.. وكمان شكله غالي أوي خلينا نغيره.
هتفت أريب بثقة:
- لا هندخل ده أصله عجبني.
هتف عدنان بهدوء:
- ده مطعم من سلسلة مطاعم ريان باشا.
نظروا له بصدمة بالأخص أريب التي هتفت بصدمة:
- أنت بتتكلم بجد؟
أومأ لها عدنان مردفاً:
- أيوا ياهانم ما هو اسمه الذئب.
نظرت أريب وقمر نحو اسم المطعم ليجدوه بالفعل على لقب ريان لتهتف أريب بذهول ومرح:
- ما شاء الله بقا طلع معاه مطعم كمان.. كدا أنا هصمم أكتر إني أدخل فيه.
ثم أمسكت بكف صديقتها وكادت أن تخطو إلى الداخل ولكنها توقفت ملتفتة إلى عدنان هاتفه:
- تقدر تدخل يا عدنان وتجيب الباقي معاك مفيش مشكلة.
هتف عدنان بجدية:
- شكراً ياهانم بس إحنا هنفضل هنا.
أومأت له ثم دلفت هي وصديقتها ليزداد انبهارهم بهذا المطعم الفخم والتي كانت توجد في زاوية من زوايا المطعم تمثال لذئب أسود تظهر أنيابه الطويلة وعيناه التي يظهر عليها القسوة والشر.
جلسوا على إحدى الطاولات والتي كان لونها أسود مما أعطى لها رونقاً جذاباً.
ليتقدم منهم أحد الشباب ليأخذ طلباتهم لتهتف أريب بهدوء:
- كوب تشوكليت ووجبة سريعة.
وطلبت قمر مثلها ليغادر الشاب لكي يحضر لهم ما طلبوه.
أردفت قمر بإنبهار:
- مكنتش أعرف إن جوز اختك معاه مطاعم غير المستشفى والشركات.
هتفت أريب بمرح:
- ولا أنا بس ما شاء الله جميل أوي.
أومأت لها قمر مؤيدة حديثها وعيناها تجول في المكان وعلى الأناس الذين يظهرون عليهم بأنهم ذو طبقة رفيعة.
بينما في طاولة أخرى كان يجلس آسر وهو يتحدث في الهاتف وهو يرتشف من قهوته ومعه أيان الذي يعبث في هاتفه وهو يرتشف من عصير الليمون الذي بيده.
رفع أيان عينه لثوان من على الهاتف ثم نظر له مرة أخرى ولكن رفعها سريعاً مرة أخرى وهو لا يصدق ما يراه.
هتف أيان سريعاً:
- بص يا ابني مش دي أريب؟
نظر له آسر سريعاً ثم نظر نحو ما يشير إليه ليراها هي فعلاً ليغلق الهاتف وهتف بجمود:
- أيوا هي.
نظر أيان لهم جيداً ليهتف مجدداً:
- واللي معاها دي مش قمر.. أنت شايف اللي أنا شايفه يا آسر ولا لأ؟
هتف آسر بلا مبالاة:
- أيوا يا ابني فيها إيه يعني.
نهض أيان هاتفا:
- يلا نروحله.
نظر له آسر باستنكار ليهتف مكملاً:
- وحياة عيالك اللي لسة مجوش ولا هما ولا أمهم، تيجي معايا أنت عارف صاحبك معجب بالبت قمر دي.
تأفف آسر بحنق منه ووافق على مضض ونهض متوجهاً معه إلى طاولة الفتاتين.
كانت أريب ترتشف من كوب الشوكولاتة الساخنة بعدما أحضرها لها النادل.
لاحظت وقوف جسدين أمام الطاولة لتلتف برأسها لتتلاقى عينيها الحادة مع عينيه الغاضبة فهو لم ينس ما فعلته معه أبداً ومازال مُصِر على أن يجعلها تندم.
كانت الأخرى منشغلة بالعبث في هاتفها لتهتف سرياً وهي تعطي هاتفها لأريب:
- بصي يا أريب الطقم ده.
توقفت عن الحديث وهي ترى شخصين يقفان بجانبهم لتلتف برأسها لتقع عيناها البنية على عينيه الزرقاء التي تطالعها بإعجاب.
رفعت أريب حاجبها باستنكار مردفة وهي تبعد عينيها من عليه بلا مبالاة:
- نعم حضراتكوا في حاجة؟
هتف أيان بمرح:
- والله يا أريب أنا مصدقتش إن انتوا هنا وقولت آجي أشوفكم.
هتفت قمر باستنكار:
- ده على أساس مش بتشوفها في البيت يعني.
نظر لها أيان هاتفا:
- عادي مفهاش مشكلة لو شفتها بره البيت وقولت أسلم عليها ولا إيه يا أريب؟
هتفت أريب بإبتسامة هادئة:
- أيوا طبعاً.
نظرت قمر إلى صديقتها لترمقها أريب بهدوء ليهتف أيان بمرح:
- إنما قوليلي يا أريب انتوا إزاي جيتوا هنا؟
هتفت بهدوء:
- مع عدنان هو جابنا هنا.
أومأ أيان بتفهم ليصدر صوت آسر أخيراً هاتفا بملل:
- ما يلا يا ابني خلينا نمشي.
هتفت أريب باستفزاز:
- ما تمشي لوحدك يا أخ، افترض هو عايز يقعد.
نظر لها آسر من أعلى لأسفل ثم عاد بنظره مجدداً نحو أيان وكأنه لم يسمع شيئاً هاتفا وهو ينظر إلى ساعة يده:
- يلا أهو نفذت رغبتك وجيت معاك بس أنا مستعجل ومفيش حاجة تستاهل أتأخر عليها.
اغتاظت بشدة من هذا التصرف ليلاحظ أيان أنه إن لم يرحل سيحدث ما لا يحمد عقباه ليهتف بابتسامة هادئة:
- اتشرفت بشوفتك يا قمر... سلام يا أريب.
هتفت أريب بهدوء تخفي خلفه غيظها:
- سلام.
غادر آسر وهو يشعر وكأنه يريد العودة لسليطة اللسان تلك وكسر يدها التي تجرأت ورفعتها عليه من قبل وتحطيم رأسها الصغير الذي يجعلها تعتقد أنها تستطيع أن تقف بوجهه.
ولكن مهلاً فهو يخطط لشيء ما وسينفذه قريباً جداً.
بينما كان يسير بجانبه أيان الذي يقسم أنه سيجعل تلك القمر قمره هو وليس لأحد غيره.
في الداخل:
هتفت قمر بتساؤل:
- ليه مش طايقة الواد ده؟
هتفت أريب بغيظ:
- ده شخص مستفز لو أطوله أقطعه بسناني.
أردفت قمر بسخرية:
- تطولي إيه يا ما أنتِ مش شايفة نفسك واصلاله لفين.. ده انتي يا دوب لحد بطنه.. قال تطولي قال.
نظر لها أريب بحدة لتقابلها الأخرى ببرود ثم جلسوا قليلاً وبعدها رحلوا.
---
انتهى اليوم وبدأ يوم جديد مع شمس منيرة.
في منزل العائلة، عائلة الكيلاني:
يهتف الكيلاني بأمر:
- قول للحرس يجهزوا العربيات.
أومأ له الشاب باحترام وخرج لينفذ ما أمره به الكيلاني.
هتف الكيلاني بصوت مسموع تقريباً:
- أول مرة يطلب إننا نجيله كلنا حتى مصطفى وسميرة.. يا ترى إيه وراك يا ابن عمي؟
جاء صوت ابنه من جابه وهو يهتف بألم:
- تفاءل خيراً يا كيلاني.. أنا مش عارف إزاي هرجع القصر تاني من بعدها.. ده من يوم ما سبتني وأنا رجلي مدخلتش فيه.. مش عارف إزاي هروح وهي مش معايا.
شعر الكيلاني بألم ابنه مهما مر الزمان ليربت على كتفه هاتفا:
- ادعيلها بالرحمة.. نيسليهان مكنتش مراتك بس دي كانت بنتي كمان وربنا يعلم هي وحشاني قد إيه بس ده نصيب ولا مفر منه.
وضع عامر كف يده على كف أبيه وقبلها هاتفا بابتسامة حزينة:
- ربنا يرحمها يا والدي ويديمك ليا.. كانت دايما تقولي أنا إزاي غلطت واتجوزتك أنت ومتجوزتش أبوك أبو عيون زرقا.
ضحك الكيلاني وهو يتذكر مشاغبة تلك نيسليهان التي أسرت قلبهم بطيبة قلبها ومرحها وضحكتها التي دائما تزين وجهها وهتف بمرح ليخفف عن ابنه:
- ده على أساس أنت عيونك مش زرقا.
ابتسم له عامر لينتبهوا إلى صوت مصطفى وحسين اللذين يتقدمون منهم وبجانبهم زوجاتهم والذين هتفوا معاً:
- إحنا جهزنا.
هتف الكيلاني بتساؤل:
- عبير فين؟
هتف حسين بضحك:
- الدلوعة بقى لسة لحد دلوقتي بتتأخر في تجهيز نفسها.
جاء صوت من خلفهم يهتف بمرح:
- على رأيك الدلوعة بقى.
ابتسمت له الجميع ثم انطلقوا متوجهين إلى قصر الريان.
---
خرجت من غرفتها وهي تنوي فعل ما قررته الآن ولتهبط الدرج سريعاً وشعرها الأصفر يتطاير خلفها ثم خرجت من القصر وصعدت السيارة وطلبت منه أن يتوجه إلى العنوان التي أملته له.
في مطعم الذئب:
لم يكن به أحد بسبب ذلك الغيث الذي حجزه اليوم كله بسبب هذا اللقاء والذي يعلم أنه لن يدوم سوى لسويعات قليلة ولكن لا بأس فعلى الأقل سيأخذ راحته بالحديث معه.
لم ينكر أنه استغرب عندما طلبت رؤيته ولكنه سعد بشدة وعلم أن الملكة أوفى بوعدها ليظل منتظراً معشوقته على أحر من الجمر.
بعد وقت كانت تدلف برقتها وجمالها الحابس للأنفاس لتجول بزرقاويتيها على أنحاء المكان والتي لاحظت أنه فارغ لتقع عيناها أخيراً على آسر قلبها لتتنهد بقوة تستجمع شجاعتها وتوجهت نحوه بخطوات بطيئة.
ما أن لاحظها حتى نهض سريعاً وهو يطالعها بأعين تلمع بالعشق وساعدها بالجلوس على المقعد ثم جلس مكانه مجدداً وكانت عيناه تطالعها بعشق جارف.
أما هي فقد احمرت وجنتيها من نظراته لتستجمع شجاعتها وهتفت بهدوء ولكن بدون أن تنظر له:
- غيث..
صمتت قليلاً متنهدة قبل أن تكمل:
- أنا آسفة.
تحولت ملامحه إلى الهدوء لتتابع هي بصوت مختنق:
- أنا آسفة على كل لحظة جرحتك فيها إذا كان قولاً أو فعلاً من غير ما أحس إنك بتتعذب بسببى.. أنا مكنتش شايفة حاجة غير إنك سبتني واستهزأت بحبي ليك ومشفتش نظرة الألم اللي كانت في عيونك لما قولتلي كده.. مقدرتش خوفك عليا من إني أندم بعدين حتى لو كان على حساب نفسك ومهتمتش بإنك هتتعذب واهتميت بيا.
مسحت على وجهها متنهدة بقوة ثم أكملت بحزن:
- وبعدها بقيت تحاول تراضيني وأنا كنت كل مرة أنهي محاولتك بإني أفكرك باللي عملته فيا رغم إنه لمصلحتي وكنت دايماً بجرحك وأنت رغم ده مملتش مني ولا كرهتني.
أنا مش عارفة أنا كنت أنانية كده إزاي ومشوفتش تضحياتك ليا مع إنها كانت واضحة وضوح الشمس.
أنا آسفة يا غيث بجد آسفة أوي.. أنا عارفة إني مش أستاهلك بس صدقني أنا كنت بتعذب في كل لحظة كنت فيها بعيدة عنك.
وفجأة بدأت بالبكاء ووضعت كفيها على وجهها وهي تبكي بقوة وهي تعلم أنانيتها وأنها لم تكن ترى عذابه وكانت ترى ما فعله بها فقط.
رغم أنه أحزنها مرة واحدة وكان هذا لأجلها ولكنها ظلت تحزنه وتجرحه بحديثها وأفعالها لأجل نفسها لسنين.
نهض غيث وتوجه نحوها وجلس أمامها على قدميه وهتف بعشق:
- تتجوزيني؟
نظرت له من بين دموعها وأنفها الذي أصبح لونه أحمر أثر بكائها لتتقابل عينيها الدامعة بعينيه التي تطالعانها بعشق جارف.
هتفت بحزن من بين دموعها:
- مكرهتنيش؟
ابتسم لها وهتف بمرح:
- أنا بكره غبائك بس، المهم تتجوزيني.
اخفضت رأسها مبتسمة بخجل ليقول مبتسماً وهو يشعر بشعور السعادة العارمة:
- السكوت علامة الرضا، والحمد لله إن ريان عزم العيلة كلها وخلاص فاضل على وصولهم قليل، وبكده هطلب من حسين إني أكتب كتابي عليكِ على طول ما أنا مش هستنى خطوبة وأنا طلبتها منه قبل كده وهو وافق.
ضحكت بخفة ثم تركته فجأة وهي تسرع لخارج المطعم مغادرة، ليقهقه بسعادة شديدة وتحرك هو الآخر مغادراً إلى فيلا بيجاد التي يتواجد بها صديقه أيهم، يريد مشاركته فرحته.
---
وصلت عائلة الكيلاني وقام الجميع بالترحيب بهم في قصر الذئب الذي انبهروا به فهم سمعوا الكثير من الأقوال التي تدل على جمال قصر حفيدهم ولكنهم لم يتخيلوه بهذا الجمال.
هتف عامر بابتسامة حزينة:
- أخبارك إيه يا حوراء؟
- الحمد لله في نعمة.
هتفت بها حوراء بابتسامة ليومئ لها عامر ثم نهض هاتفا:
- أنا هروح أرتاح شوية.
لاحظ ريان نظرة الحزن التي في عيني والده وعلم سببها لينهض ذاهباً مع والده إلى الأعلى لكي يدله على الغرفة التي سيمكث بها.
دلفا إلى الغرفة وهتف ريان بمرح:
- إيه رأيك في القصر، محافظ جدًا أنا على فكرة.
كان ريان يدرك حب أبيه لهذا القصر حتى وإن لم يكن يعيش به، فهذا هو المكان الذي جمع بينه وبين زوجته الراحلة وحبيبته لسنوات، ليقرر الحفاظ عليه والبقاء فيه هو تحديدًا من بين كل ممتلكاته مع شقيقته.
ابتسم له عامر بحزن ولم يتحدث.
وضع ريان كف يده على كتف أبيه هاتفا:
- هي دلوقتي في مكان أحسن يا والدي.
علم عامر أن ابنه يشعر به ليومئ له بخفة هاتفا:
- ربنا يرحمها.. انزلهم وأنا هرتاح شوية.
علم ريان أن أبيه يريد أن يقضي وقتاً بمفرده ليومئ له ثم غادر.
في الأسفل:
هتف الكيلاني بحنان:
- وحشتيني يا حوراء يا بنتي، أخبارك إيه؟
ابتسمت له حوراء وهتفت بمشاكسة:
- بقيت كويسة لما شوفتك.
ضحك الجميع على حديثها لتهتف كيان بحزن مصطنع:
- بقى حوراء بس اللي وحشتك؟
أمسكها الكيلاني من وجنتها هاتفا:
- كلكم وحشتوني حتى ليان سبحان الله.
احتضنته كيان وليان التي تعالت ضحكاتها، ليقول حسين:
- إيه ده هو بابا أخد الحب كله وإحنا لأ، يا مصطفى إحنا لازم ناخد موقف مينفعش كده.
هتف مصطفى بضحك:
- ناخد مواقف مش موقف واحد.
ركضت ليان وكيان وعانقوهما بقوة هاتفتين معاً:
- انتوا اللي في القلب.
هتف حسين بمرح:
- إحنا عرفنا إن فيه مفاجأة، فين المفاجأة دي؟
- مستعد للمفاجأة يعني؟
هتف بها بيجاد وهو يدلف بابتسامة واسعة.
نهضوا جميعاً وركضت نحوه ليلي تحتضنه باشتياق ليستقبلها هو بحب ليسمعها وهي تردف:
- وحشتيني يا بيجاد، كدا متسألش عليا المدة دي كلها.
قبلها بيجاد أعلى رأسها هاتفا:
- آسف يا أمي حقك عليا.
وجدت من يسحبها من أحضان بيجاد تليها صوت زوجها حسين المغتاظ:
- سلمي من بعيد يا حبيبتي وانت ابعد عن مراتي.
ضحك بيجاد واحتضنه بقوة ثم احتضن عامر والكيلاني ثم وقف أمام مصطفى الذي أنزل نظره بخجل من ابنه.
ابتسم له بيجاد واحتضنه هاتفا:
- وحشتني يا والدي.
صدمة وقعت على الجميع ما عدا حوراء التي ابتسمت بسعادة لأنه أخذ بنصيحتها وقد تحدث إليه في وقت سابق ما إن علمت بقدوم العائلة إلى هنا.
احتضنه مصطفى بقوة وهو غير مستوعب أن ابنه يحتضنه الآن ويناديه بوالده، أدمعت عيناه ليخفي وجهه بكتف ابنه وبدأ بالبكاء لتدمع أعين بيجاد وهو يشعر أخيراً بدفء حضن والده الذي اشتاق له كثيراً.
ازدادت قوة بيجاد في احتضان والده وهو يخفي عينيه فهو لا يريد أن تظهر دموعه.
كانوا ينظرون لهم بذهول، صدمة، فرحة، سعادة، وأخيراً عدم رضا من تلك سميرة.
ابتعد بيجاد عنه بعدما أزال دموعه قبل أن يراها أحد وازال دموع والده هاتفا بابتسامة ساحرة:
- إيه يا والدي ينفع الدموع دي في اليوم اللي هقولكم فيه إني هتجوز.
نظر له الجميع بصدمة مما يتفوه به هذا بيجاد ليستمعوا إلى صوت سميرة وهي تهتف بغيظ:
- وإيه يعني سلمت عليهم وأنا لأ يا ابن مصطفى؟
ظن الجميع أن بيجاد سوف يتجاهلها وعندما تقدم منها بيجاد بوجه متهجم وأعين باردة ليتأكدوا أنه سيقول لها كلاماً جارحاً.
ولكن صدمهم بيجاد للمرة الثانية ولكن هذه المرة صدمة أكبر عندما ابتسم لها.
هل حقاً ابتسم لها أم أنهم يتخيلون؟
بينما سميرة طالعت ابتسامته ببرود رغم تعجبها فهو لأول مرة يبتسم في وجهها منذ زمن.
هتف بيجاد بابتسامة هادئة:
- حمد الله على السلامة نورتوا.
كانت أفواه الجميع تكاد تسقط من شدة الصدمة ما عدا تلك حوراء التي اتسعت بسمتها بشكل أكبر أكبر، كانت تتوقع أن يتقبل حديثها عن مصطفى ولكن أن ينفذ طلبها مع سميرة لهو شيء تمنت له حقاً.
وقف ريان بجانبها وهو يطالع صديقه هاتفا بهدوء:
- أنتِ ورا الحالة اللي بيجاد فيها صح؟
نظرت له حوراء بابتسامة واسعة هاتفه:
- أنا معملتش حاجة.
نظر له ريان هاتفا:
- هصدق يا ملكتي مع إنّي واثق إنك إنتِ السبب.
ثم نظر إلى صديقه مجدداً بملامح هادئة.
هتف حسين بصدمة:
- هو أنتوا شايفين اللي أنا شايفه؟
أومأت له ليلي وكيان وليان بصدمة ليضحك الكيلاني مردفا بسعادة:
- ربنا يديم المحبة مابينكم.. قول يابيجاد إيه حكاية إنك هتتجوز دي.
نظر له بيجاد وهتف بإبتسامة واسعة:
- آه والله هتجوز، قولولي مبارك.
أردف مصطفى بحب وسعادة:
- مبروك يا ولدي بس مين هي؟
هتف بيجاد بسعادة:
- صبا الشرقاوي.. بنت الشرقاوي صاحب شركات الصلب والتعدين.
هتف حسين بتساؤل:
- بس اللي أعرفه إنه مش معاه بنات ولا شباب حتى.
أردف بيجاد بهدوء:
- كانت عايشة في أمريكا وبتيجي مصر زيارات.
أومأ له حسين ليهتف الكيلاني بجدية:
- كلم والدها عشان نروحله ونطلبها منه.
ابتسم بيجاد باتساع عندما لم يجد أي اعتراض من أهله.
ليهتف غيث سريعاً:
- طب وأنا عايز اتجوز.
ضحكت كيان مردفة:
- ما تتجوز حد ماسكك.
هتف غيث بجدية:
- خالي حسين إحنا هنحدد معاد كتب كتابي على ليان دلوقتي.
نظر له الجميع كأنه تنين برأسين بينما هو ينظر لليان بعشق بينما أشاحت الأخرى بوجهها في خجل.
هتف الكيلاني بتفكير:
- ماشي هنبقى نحدد بس مش دلوقتي.
قاطعه غيث بصوت يشبه الصراخ:
- ليه أمال إمتى؟ حرام الظلم ده.
هتف الكيلاني بيأس من أحفاده:
- سيبني أكمل كلامي.. مش هنحدد دلوقتي عشان هنخليها مع بيجاد.
أومأ له الجميع مؤيداً هذه الفكرة ليشعر غيث بأن الدنيا صغيرة أمام سعادته بأنه أخيراً سيمتلك من أرهقت فؤاده عشقاً بها.
بينما بيجاد خرج ليهاتف تلك السمراء التي خطفت لبه من أول نظرة.