تحميل رواية «الطبيب العاشق (2» PDF
بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس على الفراش يجذبها لتتوسد صدره مرددًا بحنان: _ ابكي ياحوراء. وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت في البكاء وهي تقبض على قميصه بقوة، زاد من احتضانه لها مع ازدياد بكائها لتمتلئ هو عينيه بالدموع وهو يحاول التماسك بكل قوته. ظلت تنتحب بشدة وأمور كثيرة تمر أمام عينيها لتفطر قلبها أكثر. أمها.. ابتسامتها.. صوتها.. حنانها.. دفئها.. خوفها عليهم.. اشتاقت لها وبشدة تتمنى فقط رؤيتها أو عناق واحد فقط يجمعها بأمها. أبيها.. قسوته.. جفاءه.. كرهه.. بغضه.. من كان من المفترض أن يكون سندها ويحميها من أي شر وأذى هو...
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة جبريل
- ارتاحوا من السفر دلوقتى وبعدها نشوف والد صبا.
تحدث بها ريان مقترحًا، أوماوا له جميعًا فهم حقًا يحتاجون للراحة.
ووجهتهم إحدى الخادمات لغرفة كل منهم، وذهبت معهم ليان التى شعرت أنها تريد النوم.
نظرت كيان إلى حوراء بنصف عين واقتربت منها وهتفت بتساؤل:
- عملتي إيه لبيجو وليان؟
ابتسمت حوراء ابتسامة خفيفة.
- لسه ما اتكلمتش معاهم.
وجدت صفعة على عنقها من الخلف وبعدها صوت أخيها وهو يهتف:
- إيه بت دي يا أستاذة كيان؟
وضعت كيان يدها مكان الصفعة وهتفت بغيظ:
- إيدك تقيلة يا أبيه.
ابتسم لها باستفزاز هاتفا:
- تحبي أوريكي تقل إيدي إزاي؟
ابتعدت من جانبه سريعًا وجلست بجانب ذلك الصامت منذ أن جلس معهم وهتفت:
- الحقني يا أبيه.
ضرب هشام على كف يدها التي تحيط بذراعه بدون أن يتحدث وهو ينظر أمامه بخواء.
استغربت حوراء حالة هذا الهشام، بينما ريان كان يطالع صديقه بغموض.
هتف ريان بجمود موجها حديثه إلى حوراء:
- روحي ع أوضتك وشوية وهحصلك.
أومأت له حوراء بدون أن تتحدث وذهبت إلى الأعلى لتلحق بها كيان متجهة نحو غرفتها بعدما أخبرها أخوها بذلك.
ليتبقى هشام وريان فقط.
جلس ريان أمام هشام واضعًا قدم فوق الأخرى وينظر إلى صديقه ببرود.
طالعه هشام ليزفر بقوة فهو يفهم نظراته هذه، ولكنه هتف متصنعًا عدم الفهم:
- عايز إيه؟ بتبصلي كدا لي؟
رفع ريان إحدى حاجبيه وظل يطالعه ببرود بدون أن يتحدث.
ليتنهد هشام بقوة مردفًا:
- خلاص اسأل وأنا هجاوب.
ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتي الذئب هاتفا:
- كدا تمام.. سبب السفر إيه؟
تنهد للمرة الثالثة على التوالي هاتفا:
- كنت محتاج أبعد شوية.
= ولما تبعد المفروض تبعد عشان تريح دماغك مش تروح تكسر في الشركة كل يوم والتاني.
- أعمل إيه يعني هما اللي بيعصبوني بالذات الزفتة سيمران دي.
= لا ياراجل هما اللي بيعصبوك برضه.
- عايز توصل لإيه في الآخر؟
اتكأ ريان إلى الخلف هاتفا بثقة:
- ولا حاجة غير إنك تعترف إنك حبيتها.
انهض هشام بغضب مردفًا:
- مفيش حاجة من الكلام الفارغ ده.. ومش وقته كمان دلوقتي لازم نركز على خطوبة بيجاد وبعدها أنا هسافر تاني.
ثم غادر بغضب تحت نظرات الذئب الثاقبة وهو يرى قسوة صديقه عادت مجددًا.
كان يرى من قبل أن تظهر تلك الهايدي نظرات الإعجاب في أعين صديقه لتلك الآية، ولكن الآن لا يوجد شيء سوى القسوة والجفاء ليعلم أنه عاد لنقطة الصفر من جديد.
تنهد بقوة ثم نهض متوجهًا نحو ملكته لعل وعسى ينسى همه بقربها.
***
ينظر إلى والدته بنظرات خبيثة بعدما أنهى حديثه معها ليستمع بعدها إلى صوتها الفرح وهي تهتف:
- بجد يا ابني.. يعني خلاص قررت تتجوز؟ الله يفرح قلبك زي ما فرحتني يا ابن بطني.
ثم أكملت بمرح:
_ بس اشمعنى هي ولا علشان هي الوحيدة اللي أدتك فوق دماغك وكسرت غرورك؟
هتف آسر بغضب مكتوم:
- محدش يقدر يكسر غروري يا أمي بس عجبتني شخصيتها وحاسس إني بدأت.. أحب.. أحب..
لم يستطع تكملة كلامه فهو حقًا لا يطيقها.
لتهتف سناء بضحك:
- مالك يا واد قول بتحبها وخلاص.. مبروك يا حبيبي قولي امتى نروح نتقدملها؟
انهض آسر هاتفا:
- مش دلوقتي يا أمي على ما أظبط شغلي وأخلص المهمة اللي معايا وهنبقى نروح نتقدملها.
دلوقتي انتي متقوليش لحد حتى خالي ومراته وخلي الموضوع ده بيني وبينك لحد ما أخلص اللي ورايا.
ربتت سناء على كتفه وهتفت بفرحة أم:
- حاضر يا ابني بس خلي بالك مفيش تواصل معاها اللي عرفته إنهم ملتزمين أوي ومبيختلطوش بالرجالة ودا اللي محببني فيهم ومخليني موافقة على طول وغير إنهم ماشاء الله كل واحدة أحلى من التانية.
ضحك آسر بخفة وقبل يدها هاتفا:
- عارف يا أمي ادعيلي انتي بس.
وأكمل بصوت منخفض:
.. ادعي لابنك إنه يمحي اللي فكر يقف قدامه.
هتفت سناء ولم تستمع لباقي حديثه:
- ربنا يكملك على خير يا حبيبي ويجمعك بيها قريب وتملوا البيت عليا ولاد صغيرة.
هتف آسر وهو يخرج من غرفتها:
- وحدة وحدة يا أمي مش لما أتقدملها الأول.
ثم خرج وابتسامة خبيثة مرتسمة على شفتيه وها هو قد اتخذ الخطوة الأولى ليبدأ في الخطوة الثانية.
***
تجلس أمام والدها وهي تفرك يديها بخجل وهي لا تعلم من أين تبدأ وحالة التوتر مرافقة لها منذ أن هاتفها ذلك ذو الأعين الزرقاء.
كان والدها يتابعها بهدوء منتظرًا حديثها وهو يشك بشيء ما بسبب هيئتها هذه، فهو كأي أب يعلم ما يدور بذهن أبنائه من تصرفاتهم فقط.
هتف الشرقاوي بحنان:
- قولي يا صبا في حاجة يا حبيبة بابا.
نظرت له صبا وهتفت بخجل:
- بصراحة يا بابي هو.. هو إن فيه واحد عايز ياخد موعد معاك.
ابتسم بمكر على ابنته هاتفا:
- مين ده اللي عايز ياخد معايا معاد أنا أعرفه؟
أومأت سريعًا مردفة:
- أكيد تعرفه ده من أكبر العائلات في الشرق الأوسط.. وعايز ياخد معاك معاد لأنه... لأنه.
هتف الشرقاوي بخبث وهو يحاول كبت ضحكته بعدما تأكد من شكه:
- أكيد عايز يعمل معايا صفقة في الشغل.
نظرت له صبا سريعًا وهتفت بغيظ:
- لا يا بابي شغل إيه بس.
أردف الشرقاوي مدعيًا البراءة:
- مدام مش شغل يبقى إيه؟
هتفت بشجاعة رغم خجلها:
- عايز يتقدملي.
أظهر ابتسامته أخيرًا مردفًا:
- وإنتي موافقة؟
أومأت له بخجل ليكمل بحنان:
- مين ده اللي من أكبر العائلات؟
هتفت سريعًا بحب:
- بيجاد الكيلاني.
ذهل الشرقاوي أن أحدًا من أحفاد الكيلاني يريد ابنته.. بالطبع هو يعرفهم فهو تعامل مع حسين من قبل وتعرف على عائلته وقتها.
هتفت صبا بتوجس من صمت والدها:
- إيه يا بابي أنت تعرفه ولا إيه؟
رسم الجمود على وجهه هاتفا:
- آه أعرفه كويس.
نظرت له ليكمل حديثه ولكنه لم يتحدث، ليدق الرعب باب قلبها خوفًا من أن يرفض والدها ليظهر الحزن سريعًا على وجهها مختلطًا بالخوف والتوتر.
هتف الشرقاوي بابتسامة واسعة بعدما أوقع قلب ابنته:
- موافق.. خليه يجي يقابلني الساعة 8 بالليل.
اتسعت عيناها فرحًا ولكنها هتفت بتوجس:
- بس هو قالي إنه هيجي الساعة 9.
لم يستغرب الشرقاوي أنهم هم الذين يريدون مقابلته وهم الذين يحددون الموعد أيضًا، فهذه العائلة تتميز بالتسلط والغرور ليبتسم بخفة مردفًا:
- مفيش مشكلة ييجي هو وأهله وأنا هبقى أشوف إذا كان يستاهل بنتي ولا لأ.
انهضت صبا وهي تحتضنه بقوة وهي تصرخ بسعادة مردفة:
- Thanks dad, I love you.
احتضنها الشرقاوي وهو يضحك بقوة سعيدًا لسعادة ابنته هاتفا:
- وأنا بحبك يا قلب بابي.. هاتي رقمه يلا.
ابتعدت عنه مردفة:
- ليه؟
ليرفع حاجبه مردفًا:
- هكلمه يلا يابت اخلصي.
ابتسمت باتساع وأعطت له الرقم ثم ركضت إلى غرفتها بسعادة بالغة ليهز الشرقاوي رأسه يمينًا ويسارًا على ابنته التي نضجت.
فهو لاحظ منذ أيام سعادتها والابتسامة لا تفارق وجهها وهذا على غير عادتها كانت دائمًا جدية متهجمة الوجه ليعلم أنه حدث شيء مع ابنته ليجعلها سعيدة هكذا وها قد علم السبب.
ليضع الهاتف على أذنه يقوم بالاتصال على ذلك الذي كان سببًا في سعادة ابنته.
يجلس في فيلته وبجانبه غيث وأيهم وأيان يتحدثون معًا ليقاطعهم صوت رنين هاتف بيجاد لينظر له ليضيق بين حاجبيه باستغراب.
هتف أيان بتساؤل:
- مين؟
أردف وهو ينهض من مكانه:
- معرفش مش مسجل عندي.
ثم ابتعد عنهم وقام بالرد مردفًا بصوت أجش:
- ألو.
هتف الشرقاوي من الناحية الأخرى بجدية:
- بيجاد الكيلاني.
أردف بيجاد باستغراب:
- أيوا مين إنت؟
هتف الشرقاوي بابتسامة:
- والد صبا.
اتسعت أعين بيجاد بعدم تصديق ليستفيق من صدمته سريعا وهتف بثقة:
- أهلاً وسهلاً بالشرقاوي.. أكيد عرفت طلبي ودلوقتي عايز أعرف ردك.
هتف الشرقاوي ليتأكد من أنه يحمل صفات عائلته أم لا:
- مستنيك انت وأهلك الساعة 8 وهعرفك ردي.
هتف بيجاد بغرور:
- بس إحنا قولنا الساعة 9.
تأكد الشرقاوي أنه مثل باقي أفراد عائلته ويتميز بالغرور أيضًا ليهتف بهدوء:
- مفيش مشكلة مستنيكم الساعة 9 سلام.
- سلام.
أغلق معه بيجاد وعاد إلى الشباب والسعادة ترتسم على ملامحه وجلس بجانبهم مجددًا.
هتف أيان بتساؤل:
- إيه عرفت مين؟
أردف بيجاد بسعادة بالغة:
- ده الشرقاوي مستنينا الساعة 9.
هتف أيان بمرح:
- يعني وافق.. مبارك.
ضحك بيجاد هاتفا بغرور:
- هو لسه مردش بس أكيد هيوافق مين يقدر يرفض بيجاد الكيلاني.
ضحك أيان مردفًا:
- الله ع التواضع.
هتف أيهم وغيث:
- مبارك يا بيجاد.
- الله يبارك فيكم.
أكمل غيث بمرح:
- وحياة أمك قوله كتب كتاب ع طول عشان نكون مع بعض ونخلص بقى.
أردف أيهم بتستفزاز:
- انشف ياض انت واقع كدا لي؟
أردف غيث ببرود:
- عاجبني يا أستاذ أيهم.
نظر له أيهم بلا مبالاة ليستمعوا إلى بيجاد وهو يهتف بخبث:
- هو دا اللي هيحصل يا غيث.
***
في المساء الساعة 8:45 تحديدًا.
يقف في غرفته ببذلته السوداء التي زادته وسامة وهو يقوم بفعل شيء يمقته جدًا وهو الانتظار.
ولكن لأجلها فعل هذا فهي ملكة قلبه.
وجدها تخرج وهي ترتدي ذلك الثوب الذي كان باللون النبيتي القاتم وبه لؤلؤ أبيض وحجاب أبيض زادها رقة وجمالاً.
وقفت وهي تهتف سريعًا:
- يلا بسرعة هنتأخر.
رفع حاجبه باستنكار ولكنه لم يتحدث وتملك كف يدها بكف يده وخرج بها من الغرفة ليجد الكيلاني ومصطفى وسميرة وبيجاد وهشام قد تجهزوا أما البقية فلن يذهبوا فهم وجدوا أنه ليس بالضرورة وجودهم هناك.
بعد وقت.
كان الكيلاني قد تحدث مع الشرقاوي وطلب ابنته لحفيده ليوافق الشرقاوي بدون تردد فمن يستطيع رفض رجل من رجال عائلة الكيلاني ليسعد بيجاد بشدة وهو يرى أنه لم يتبق سوى بضع خطوات للوصول إلى معشوقته.
هتف بيجاد سريعًا بدون تردد:
- مش هتنادي صبا ولا إيه يا حاجة؟
نظر له الكيلاني بحدة ليحمحم بيجاد بإحراج من تسرعه بينما قهقه الشرقاوي وهو يرى لمعة العشق في عينيه لابنته.
هتفت حوراء برقة:
- لو تسمحي أروح لها أنا.
أردف الشرقاوي سريعًا:
- أكيد هخلي واحدة من الخدم توصلك.
أومأت حوراء بهدوء وتركت يد زوجها وذهبت مع تلك الخادمة تحت نظرات الذئب لها.
وقفت حوراء أمام باب غرفتها وطلبت من الخادمة أن ترحل ثم طرقت الباب بخفة.
وبعد وقت وجدته يفتح وتطل من خلفه فتاة جميلة بعينيها التي تشبه القهوة وشعرها النحاسي الذي ينسدل بحرية على ظهرها وكلتا جانبي وجهها وجسدها النحيل بعض الشيء وهي ترتدي بنطال ثلجي وتيشيرت أسود ذو حمالات رفيعة أعلاه جاكيت باللون الأبيض.
أما الأخرى فقد توقفت وهي ترى فتاة لم تتعرف عليها.
هتفت حوراء برقة:
- إنتي صبا؟
أومأت صبا بهدوء لتحتضنها حوراء وهي تهتف:
- أنا حوراء زوجة ريان ابن عم بيجاد وجاية عشان آخدك وننزل الكل مستني يشوف عروسة حفيده.
ذهلت صبا عندما احتضنتها وذهلت أكثر عندما علمت أنها زوجة الذئب لتبادلها العناق ثم ابتعدت عنها وهتفت بابتسامة:
- أهلاً بيكي اتشرفت بمعرفتك.
نظرت لها حوراء هاتفة ببسمة:
- الشرف ليا، يلا ننزل.
أومات لها صبا وسارت بجانبها بخطوات واثقة قوية وصوت حذائها ذو الكعب المرتفع يرتفع بالمكان جاذبًا الأنظار لها.
استمعوا جميعًا إلى صوت خطوات تقترب نحوهم لينظروا جميعًا نحوهم لينهض ريان مقتربًا من ملكته وعيناه تبتسم لها بينما وجهه جامد.
ابتسمت له حوراء ولكن اصطبغ وجهها باللون الأحمر عندما تملك كف يدها ورفعها نحو فمه ليضع عليها قبلة رقيقة أمام الجميع.
نظر ريان إلى صبا وأومأ لها بدون أن يتحدث وبهذه الحركة يرحب بها لتومئ له صبا بابتسامة هادئة.
جلس ريان بعدما أجلس زوجته بينما ظل بيجاد يتطلع إلى التي سرقت لبه من أول نظرة.
ظل يطالعها بعشق جارف ظهر في زرقاوتيه لتطالعه هي بسعادة ممزوجة بالخجل.
ألقت السلام عليهم وجلست بجانب والدها تحت أنظار بيجاد اللامعة.
هتف مصطفى بحنان:
- ماشاء الله يا بنتي زي القمر، كويس إن ابني بيعرف يختار.
ابتسمت له صبا برقة وهي ترى الحنان في عينيه إلا تلك المرأة التي لم تعرف من هي فقد لاحظت أنها تطالعها باستحقار وغيظ.
أبعدت عينيها عنها بلا مبالاة حتى لا تنهض وتحطم رأسها فهي تكره أن ينظر لها أحد بهذه النظرات.
هتف الكيلاني بجدية:
- نقرا الفاتحة.
أومأ له الشرقاوي وبدأوا بقراءة الفاتحة وبينهما قلبين يحلقون في السماء من شدة السعادة.
بعدما انتهوا هتف الكيلاني مجددًا:
- هنعمل كتب كتاب ع طول أنا شايف إنه ملوش لازمة الخطوبة انت عارف حفيدنا كويس وعارف طباعه.
هتف الشرقاوي بهدوء:
- معنديش مانع بس الرأي رأي بنتي.
نظر الجميع نحو صبا لتشعر وكأنها ستنصهر من شدة الخجل واومات برقة.
ليهتف الشرقاوي بحنان:
- يبقي على بركة الله.
هتف بيجاد بجدية:
- كتب الكتاب بعد يومين.
- What??
كان هذا صوت صبا الحاد وهي تنظر إلى بيجاد بغيظ الذي طالعها ببرود.
هتف الشرقاوي بجدية:
- كتب الكتاب بعد أسبوع والفرح بعد شهر من كتب الكتاب.
- لا طبعًا.
هتفت بها بيجاد معترضًا وهو يراها مدة طويلة.
نظر الكيلاني إلى بيجاد بحدة ليصمت الآخر على مضض.
ليهتف مصطفى بجدية:
- نخلي كتب الكتاب بعد أسبوع وبعده بيومين الفرح.
ابتسم بيجاد هاتفا:
- آه كدا تمام إنما شهر لا كتير.
هتفت صبا باعتراض:
- لا طبعًا ده وقت مش كافي أنا لسه ناقصني حاجات كتير غير مامي وأهلها اللي لسه هييجوا من أمريكا.
تأفف ريان بضجر من حديثهم فهو لا يحب هذه المناقشات التي يراها مضيعة للوقت.
ليهتف بقوة ناهيًا الحديث:
- كتب الكتاب والفرح بعد أسبوعين.
نظر له الجميع بهدوء بينما نظر له بيجاد بابتسامة سعيدة.
كادت صبا أن تعترض ولكنه هتف بقوة:
- أهلك هيكونوا هنا بعد يومين ولو هتعترضي على الحاجات اللي ناقصاكي إحنا مش عايزين حاجة بيجاد هيكفيكي من كله ومش هتلاقي حاجة ناقصاكي وكدا النقاش خلص.
هتف الكيلاني بجدية:
- موافق يا شرقاوي بيه.
نظر الشرقاوي إلى ريان الذي كان يطالعه بأعين ذئب حادة ليهتف بهدوء:
- موافق.
بالطبع سيوافق من هو ليعترض على شيء قاله الذئب هو ليس بالأحمق ليفعل هذا.
ارتفع رأس ريان كالطاووس وعيناه تلمع بالثقة والغرور.
لينهض الكيلاني ومعه البقية هاتفا:
- نتقابل بعد أسبوعين.
نهض الشرقاوي وصافحه هاتفا:
- أكيد يا كيلاني باشا.
غادر الكيلاني بعائلته لتنظر صبا إلى والدها وهتفت بغيظ باللغة الإنجليزية:
- What is this, Dad? How did you agree to this short time? There are many things missing for me.
ربت الشرقاوي على شعرها هاتفا:
- ولا يهمك كل حاجة عايزاها خلال ساعات هتكون قدامك متقلقيش من حاجة انتي ارتاحي وبس وبابا هيتولى كل حاجة.
ثم أكمل بحنان وسعادة:
.. كبرتي يا صبا وهشوفك عروسة يا حبيبة بابا.
احتضنته صبا بقوة وهي تفكر بذلك الأحمق الذي لم يخبرها أنه لن يجعل فترة خطوبة بينهم.
***
وصلت عائلة الكيلاني إلى القصر وما إن دلفوا حتى وجدوا القصر مزين من الداخل بطريقة رقيقة وجميلة والجميع يقف بانتظارهم ليجد بيجاد من يركض نحوه وهم يصرخون بحماس ولم تكن سوى كيان وليان الذين قفزوا عليه بقوة ليلتقطهم سريعًا قبل أن يسقطوا وهو متفاجئ من فعلتهم هذه.
هتفت كيان وليان وهما تحتضناه بقوة:
- مبارك يا بيجو.
ابتسم بيجاد عليهم هاتفا:
- الله يبارك فيكم يا قمراتى. عقبالكم.
ابتعدت كيان وهي تردف:
- قصدك عقبالي أنا بس.. قولي امتى حددتوا كتب الكتاب؟
قرص وجنتها هاتفا:
- بعد أسبوعين.
ابتعدت ليان عنه سريعًا هاتفه بسرعة:
- أسبوعين بس؟
- امال عايزة إيه يا آنسة ليان؟
كان هذا صوت غيث الذي أتى من خلفها لتنظر له بابتسامة بلهاء هاتفه:
- أنا لا ولا حاجة أنا شايفاهم كتير الصراحة كان المفروض يخلّوه بكره.
ضحك الجميع عليها ثم عانقوا بيجاد وغيث مباركين لهم وهم سعداء لأجلهم ليأخذ ريان هشام إلى المكتب ليحادثه بأمر ما.
هتف مصطفى بضحك:
- إيه مناسبة دا كله بقى؟
أردفت كيان بحماس:
- على شرف بيجاد وغيث وليان.
- وفكرة مين دي؟
هتفت بها حوراء لتجيبها كيان بغرور مصطنع:
- أكيد أنا والأهطل ده.
أنهت حديثها وهي تشير نحو أيان الذي ركض خلفها تحت ضحكات الجميع.
وقفت حوراء بالقرب من بيجاد ولكن ليس كثيرًا وهتفت برقة:
- مبارك.. سعادتك مكتملة النهاردة.
نظر لها هاتفا بامتنان وشكر:
- كله بفضلـك شكرًا.
نظرت له بحزن مردفة:
- إنت مش بتعتبرني أختك لي؟
ابتسم لها هاتفا سريعًا بمرح:
- اضحكي بسرعة عشان لو ريان شافك زعلانة ها يجي يموتني وأنا عايز أتـجوز وبعدين حد يطول تبقى أخته.
ابتسمت له حوراء ليبتسم هو لها بحنان أخوي.
ليجدوا شخصًا يهتف بصوت منخفض:
- أنا طولت وبقيت أختك.
نظرت له حوراء سريعًا لتجده غيث الذي يبتسم لها بامتنان لتبادله بابتسامة رقيقة.
هتف بيجاد بتفكير:
- بعد إذنك عاوز البغل ده في كلمتين.
ضحكت حوراء بخفة وأومأت له ليسحب بيجاد غيث سريعًا من يده خارجًا له من القصر لينفذ ما جاء على خاطره.
هتفت كيان بحماس:
- اجهزوا بعد عشر دقايق الحفلة هتبتدي.
هتف الكيلاني بضحك:
- مجانين والله.
أردف أيان مبتسمًا:
- مفيش أحلى من الجنان يا كيلاني.
جلسوا جميعًا وهم يضحكون على مشاكسات الفتيان لبعضهم.
وانضم لهم ريان وهشام بعد دقائق.
نهضت كيان وركضت نحو المطبخ وبعد وقت خرجت وهي تمسك الطاولة المخصصة للطعام والتي كانت بها كعك بالشوكولاتة وتتجه بها نحوهم.
هتفت بتساؤل وهي تنظر نحوها:
- إيه ده فين بيجاد وغيث؟
وفي هذا الوقت دلفا وهما يهتفان معًا:
- إحنا هنا.
ابتسمت كيان بحماس شديد مردفة:
- يلا عشان نحتفل.
وقف غيث وبيجاد أمام حوراء وهتفا معًا:
- هو ينفع نحتفل من غير ما نشكر اللي كانت السبب في سعادتنا دي؟
أخرج غيث من خلف ظهره بوكيه شوكولاتات وقدمه لها وهتف غيث بمرح ممزوج بالحرج:
- احم.. مبعرفش أتكلم بس كل اللي هقوله شكرًا ليكي وياريت تقبلي مني الهدية دي.
ابتسمت له حوراء بخجل وتوردت وجنتيها وهي تلتقطها منه وهي تتمتم بالشكر له.
ليهتف بيجاد بمرح:
- أوعى يا عم دوري.
ابتعد غيث وهو يضحك ليقف بيجاد أمامها وأخرج من خلف ظهره سجادة صلاة وقرآن كريم وسبحة وجميعهم باللون الرمادي.
نظرت لهم حوراء بإعجاب ودهشة شديدة لتستمع إلى بيجاد وهو يهتف:
- شكرًا.. شكرًا على كل حاجة عملتيها معايا وشكرًا لإنك إنتِ السبب في الراحة اللي أنا حاسس بيها دلوقتي.. إنتي ونعم الأخت ياحوراء.. بتمنى تقبلي الهدية دي مني... مش عايزك تعتبريها مقابل اللي إنتي عملتيه معايا عايزك تعتبريها من أخ لأخته.
أنهى حديثه وهو يمد يده لها لتنظر له حوراء بإبتسامة واسعة منبهرة بما قدمه لها والتقطتها منه وهي تهتف بخجل:
- شكرًا.. أنا معملتش حاجة لـ دا كله.
كل هذا تحت نظرات الذئب الذي يطالعهم بهدوء وابتسامة تكاد تلاحظ وهو يرى سعادة صديقه بسبب ملكة قلبه وسعادتها هي لسعادتهم.
هتفت ليان بسعادة:
- إنتِ من وقت ما دخلتي حياتنا واحنا مبسوطين ياحوحو يا أحلى حوراء في الدنيا.
ابتسمت لها حوراء بخجل لتردف كيان:
- يلا بقى نحتفل.
وبدأوا بتقطيع الكعك وأطعم بيجاد الجميع ما عدا حوراء التي منع ريان أن يطعمها أحد غيره، وبالطبع عدا سميرة.
وقضوا وقتًا سعيدًا معًا حتى بعد منتصف الليل ليذهب كل منهم إلى غرفته وغادر بيجاد وهشام وأيهم وأيان وغيث إلى الفيلا مستعدين للنوم بسعادة والابتسامة مرسومة على وجه الجميع وقلوبهم تتراقص فرحًا لينهوا يومًا كان حافل بالفرح والضحك والسعادة.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منة جبريل
نقف ثواني كدا يا قمرات ونصلي على الحبيب المصطفى ﷺ.
اللهمَّ صلِّ على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِ سيِّدنا محمَّدٍ كما صلَّيتَ على سيِّدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيِّدنا إبراهيمَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ.
اللهمَّ بارِك على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آلِ سيِّدنا محمَّدٍ كما بارَكتَ على سيِّدنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيِّدنا إبراهيمَ في العالَمينَ إنَّك حميدٌ مجيدٌ.
"حابة نقضي اليوم عند الأطفال اللي في الملاجئ، إيه رأيكم؟"
تحدثت بها حوراء مبتسمة.
أيدوا جميعًا هذه الفكرة، لينهض الكيلاني هاتِفًا بسعادة:
"مستنيين إيه يلا، كلوا يجهز مش هنرجع غير ع الليل."
ضحك الجميع وتجهزوا للذهاب. وقد قام ريان بتبديل البذلة إلى ثياب كاجوال، تكونت من بنطال أسود وتيشيرت بنصف كُم باللون الأسود أيضًا، ليظهر وسيماً لدرجة تحبس الأنفاس وتسرق الأنظار. فهو قرر الذهاب بكونه ريان وليس الذئب.
بعدما انتهوا جميعًا، هتف مصطفى موجهاً حديثه لبيجاد:
"روح يا ابني هات خطيبتك معانا، ما هي من اللحظة دي من العيلة."
أردف بيجاد بمرح:
"والله أنت معاك حق يا والدي، هات بوسة علشان أفكارك العسل دي."
هتف مصطفى بحزم مصطنع:
"ولد، امشي من قدامي."
قهقه بيجاد وهو يخرج من القصر متجهاً نحو قصر صبا حياته.
ليقف أيهم بجانب ريان وهتف بخبث:
"على ما أعتقد كدا واللي فاكره يعني إن معاك شغل كتير النهاردة وصفقات كمان، إيه اللي مخليك هنا؟"
نظر له ريان بطرف عينه، ثم نظر نحو معشوقته التي تقف أمام أخوتها تتحدث معهم بسعادة بالغة تظهر في لؤلؤتيها السوداء اللامعة، وكأنها نجوم تضيء في عتمة الليل.
نظر أيهم لها هاتِفاً:
"فاكر لما كنت بتتريق عليا لما مبقدرش أبعد عن بسمتي دقايق وأخلص الشغل بسرعة علشان أرجع لها؟"
ابتسم ريان وهو يتذكر تلك الأيام وتلك البسمة التي تركت حزنًا في قلب كل فرد من العائلة بسبب طيبة قلبها ورقتها.
أكمل أيهم بنبرة احتلتها الألم:
"ياريت كانت موجودة معايا دلوقتي."
وبدون سابق إنذار، احتضنه ريان بقوة وهو يربت على ظهره هاتِفاً:
"هي عند الكريم في مكان أحسن بكتير من الدنيا دي، ادعيلها يا أيهم."
بادله أيهم الاحتضان وهو يخفي وجهه بكتف صديقه وابن عمه، وقد تمردت دمعة لتتبعها الكثير من الدموع الملتهبة حرقة على فراق من عشقها الروح وشغف بها القلب.
رآهم هشام وغيث ليتحركا نحوهم بسرعة بدون أن يجذبوا الأنظار لهم، ووقفوا أمامهم حتى لا يرى أحد من العائلة دموع وضعف أيهم.
طالع غيث بقلب منفطر على صديقه، لتدمع عيناه هو الآخر بسبب استماعه لصوت شهقاته المتألمة.
هتف ريان بصوت جاهدًا إخراجه جامدًا:
"اجمد يا أيهم.. تعالى."
أخذه ريان نحو المكتب، وكان هشام وغيث يسيران خلفهم ليخفوا أيهم أمامهم من أنظار العائلة.
نظرت حوراء حولها تبحث عن زوجها لتجده يذهب نحو المكتب، ولكنها لاحظت أيضًا أيهم الذي تتساقط من عينيه الدموع، آلمها قلبها بقوة وهي ترى.
وجد.. نعم.. وجد هذا الأيهم لزوجته المتوفاة، والتي هي آخر مرحلة من مراحل الحب الصادق، والتي تتغلغل في شرايين الشخص وتصبح تسري به وكأنها دماء لا تفارقه.
بعد وقت، خرج أيهم برفقة ريان بوجه جامد ولكن بعيون حمراء، ليتوجهوا بعدها جميعهم وبرفقتهم صبا التي وافقت على الفور عندما أخبرها بيجاد إلى ملاجئ الأطفال.
عندما دلفوا إلى الملجأ ليجدوا كثيرًا من الأطفال يركضون نحوهم ببراءة وسعادة، فقد أخبروهم أصحاب الملجأ بأن هناك عائلة سوف تأتي وتحضر لهم الكثير من الهدايا والألعاب.
استقبلهم الجميع بابتسامة واسعة وضحكات رنانة، وقدموا لهم الهدايا والألعاب.
شعر ريان بشيء يتسلق على قدمه لينظر إلى الأسفل ليراها طفلة جميلة وهي مازالت لا تستطيع السير، وكانت تنظر له وهي تصدر أصواتًا مضحكة. لينحني ريان وحملها مقبلاً وجنتيها المكتنزة بقوة، فهو يعشق الأطفال. لتصدر الطفلة ضحكات رقيقة وهي تضع إصبعًا داخل فمه.
رفعت الطفلة يدها الصغيرة لتمسك بخصلات شعره وتجذبها بقوة، ليقهقه ريان بقوة لتبدأ الطفلة بتمرير يدها ببراءة على ملامح وجهه، وما إن وصلت للحيته أصدرت ضحكات رنانة بطريقة تأسر القلب، لتمتزج ضحكاتها مع ضحكات ريان الذي يحملها بحنان.
بينما كانت حوراء وأريب وآية يجلسون أرضًا وحولهم أطفال كثيرون، منهم من يستطيع السير والتحدث ومنهم لا بسبب صغر سنهم، وهم يلهون ويمرحون معهم.
رفعت حوراء نظرها لتقع على زوجها وهو يلاعب تلك الطفلة بسعادة وحنان شديد، لتبتسم على الفور وهي تستمع إلى صوت ضحكاته، والتي ظهرت أنها من أعماق قلبه.
لتجول بعينيها لتجد أيهم يجلس بعيدًا عن الأطفال، فقد يطالعهم عن بعد ويظهر عليه الحزن، لتعلم أنه يفكر بطفله الذي قتل قبل أن يأتي على هذه الحياة.
لتحمل إحدى الأطفال الذين لا يستطيعون السير ونهضت بها وتوجهت نحو أيهم، الذي لم يلاحظها بسبب شروده. ولكن فجأة شعر بثقل يوضع على قدميه.
رفع نظره ليرى حوراء تطالعه بابتسامة مردفة:
"هتحس بالراحة معاه."
نظر إلى تلك الطفلة التي على قدمه والتي كانت تنظر له بعينيها، ويا للغرابة..!! فعينيها تشبه عينيه..!! كثيرًا..!!
كانت الطفلة تطالعه باستغراب، وما هي إلا ثوانٍ حتى أصبحت تضحك وهي ترفع يديها الصغيرين تريد الوصول لوجهه.
ابتسم هو لا إراديًا عندما رأى ابتسامتها والبراءة التي تشع من عينيها، ليحملها بين ذراعيه برفق وحذر وأصبح يلاعبها وهي تصدر أصواتًا مضحكة، ليتناسى هو حزنه ولو قليلاً مع هذه الطفلة الجميلة وهو يشعر بانجذاب نحوها.
وكانت هي تتابعه بابتسامة سعيدة وهي تراه يضحك، وحتى لو لوقت وسوف يعود لما كان، ولكن على الأقل هو يضحك الآن...
هتف أيهم بابتسامة باهتة:
"غريبة إن عيونها زي عيوني."
نظرت له باستغراب ونظرت للطفلة لتراها فعلاً ذات أعين ذهبية لامعة كـأعين هذا الأيهم تمامًا..!!
رددت بذهول وهي تطالعها بإنبهار:
"سبحان الله.. فعلاً شبهه أوي."
أومأ لها أيهم وأصبح يلاعب الطفلة مجدداً.
ابتسمت حوراء ثم نظرت للجميع لترى كل منهم مشغول ببعض الأطفال وأصوات ضحكهم تملأ المكان، ولكن تشعر وكأن هناك فردًا ليس بينهم. ظلت تفكر من هو؟!! وأين هو؟!!
لتقع عيناها عليه أخيرًا... نعم إنه ذلك الهشام الذي يجلس على إحدى المقاعد منفردًا مغمض العينين.
هزت رأسها بيأس من شباب هذه العائلة الذين دائمًا ما يستسلمون لأحزانهم ويأسهم.
ذهبت نحوه بعدما التقطت طفلاً آخر، فهي تعلم براءة الأطفال تجبر الجميع على نسيان أحزانهم ولو قليلاً.
جلست على المقعد الذي أمامه والذي يبعد عنه بمسافة جيدة، ووضعت الطفل على قدميها جاعلة وجهه مقابل وجه ذلك الذي لم يشعر بها بعد.
وهتفت بمرح وهي تمسك بأذرع الطفل تلوح بهم برفق:
"قول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته على عمو."
فتح هشام عينيه ونهض سريعا هاتِفاً:
"اعذريني محسيتش بيكي."
ابتسمت له وهتفت بمرح:
"ولا يهمك، واقعد لو سمحت."
أومأ لها بهدوء لتهتف هي بمرح مجددًا موجهة حديثها للطفل:
"قول ازيك يا عمو."
أصدر الطفل أصواتًا وهو يصفق بيديه بطريقة طفولية، ليبتسم هشام على الفور، ليضحك الطفل فور رؤيته لإبتسامته.
هتفت حوراء وهي تقدم الطفل له:
"تقدر تحكيلي."
التقط الطفل منها بحذر، ولأنه لا يعلم كيف يحمله كاد يسقط من يديه، لتلحقه حوراء على الفور ليبدأ الصغير بالبكاء.
ابتسم هشام ابتسامة حزينة مردفاً:
"حتى فـي الطفل مش نافع."
نظرت له بحزن وهي تهدهد الطفل لكي يهدأ، لتضعه على قدمها وهي تهتف:
"انت هتمسكه كدا، ولما تكون عايز ترفعه تمسكه كدا."
وظلت تشرح له كيفية التعامل معه. بعدما هدأ الطفل لتهتف أخيراً:
"اتفضل."
نظر لها هشام بمعنى "لا". لتنظر له بحزم ليتنهد بقوة والتقطه منها بحذر شديد، وفعل كما أخبرته ووضعه على قدمه وهو يهز به برفق شديد.
وما هي إلا ثوانٍ حتى ذهب الصغير في النوم. رفع هشام كف يده ووضعه على شعر الصغير يعبث به برفق ليهتف بهدوء:
"نفسي أحس بالسلام وأرجع هشام القديم اللي مهما كانت قوته مع الغريب بس بيكون أحن شخص على عيلته.. إنما دلوقتي أنا ولا حنين على الغريب ولا القريب.. بقيت قاسي على الكل باستثناء ريان وبيجاد لأنهم ببساطة عيلتي.. من ساعة ما عرفتيني مسألتش نفسك فين أهلي عايشين ولا لأ."
أنهى حديثه وهو يرمقها بنظرة خاطفة مكملاً:
"أهلي عايشين بس أنا بالنسبالهم ميت."
تنفست شهقة من بين شفتيها وهي تضع كف يدها الصغير على فمها، ليبتسم لها بحزن مردفاً:
"متستغربيش.. واحد عصى كلام جده وعارض أهله ووقف قصادهم عشان واحدة أكيد هيعتبروه ميت، وفـي الآخر الوحدة دي طلعت متستاهلش.. طلعت بتلعب بيا عشان فلوسي وأملاكي بس وإني الوريث الوحيد لعيلة العامري."
"وطبعًا لما طردوني رفضت آخد أي شيء منهم حتى هدومي رفضت أخدها وطلعت باللي عليا وبس وبقيت شخص لا يذكر بعد ما كنت من أكبر العائلات وأغناهم بقيت لا شيء بدون عيلة وبدون أملاك كمان.. مكنش فارق معايا وقلت مش هشام اللي يتهز أو يضعف لحد.. أنا مش ضعيف من غير أهلي، العكس هما اللي ضعاف من غيري... من غير الوريث اللي كان يشتغل ليل نهار يكبر في شركات العامري وعملت منها سلسلة شركات العامري."
"هي افتكرت إني خلاص بقيت فقير ومش معايا حق الأكل وسابتني وراحت للغني اللي معاه فلوس، ولما عرفت بخيانتها قالت لي بكل برود إنها كانت معايا عشان فلوسي بس."
ضحك ضحكة ألم مكملاً:
"طبعًا مش هتتخيلي أنا وقتها كنت إزاي.. كنت عامل زي الطفل الضايع اللي بيدور على أمه.. بعد ما سبت أهلي عشانها هي سابتني.. رجعت لأمي.. لأني كنت عارف إنها الوحيدة اللي هتبقى حنينة عليا غير بابا اللي دايما بيمشي على كلام والده من غير أي معارضة."
"وبالفعل لقيت من أمي حنان مقدرش أوصفه، وحاولت كتير مع والدي إنه يقنع جدي بإنه يدور عليا ويرجعني بس هو رفض وقالها لو جبتي سيرته تاني هتبقي طالق."
"أنا أول ما عرفت رفضت إنها تحاول تاني معاه وهي مقدرتش تشوف ابنها بالحالة دي، فأخذت فلوس وقالت لي أشوف شقة لحد ما هي تحاول معاهم تاني."
"رفضت وقلت لها مش هاخد أي جنيه من العيلة دي، ومع إصراري هي وافقت بس قالت لي جملة واحدة كانت كفيلة إنها تساندني طول عمري."
"قالت لي: «عايزاك ترجع أقوى بكتير، أقوى من أي حد، عايزة اسمك بس لما يتذكر يرعب اللي قدامه»."
"وبالفعل قررت أنفذ اللي أمي قالت لي عليه، وبعد أيام عرفت إنها اتوفت حزنًا عليا."
"كانت صدمة كبيرة إني أفقد أكتر شخص حنين عليا وأكتر شخص مهما غلطت ورجعت له بلاقيه مستنيني وكأني معملتش حاجة.. الشخص اللي كان دايما بيشجعني وبيدلني على الطريق الصح."
"من وقتها أقسمت إن أخلي عيلة العامري تندم لأنهم السبب فـي موت أمي."
"في يوم كنت ماشي في الشارع بدور على شغل، شوفت سيارات كثيرة بتعدي من جنبي، بس فجأة عربية وقفت ونزل منها شخصين.. كانوا ريان وبيجاد."
"طبعًا وقتها كانوا عارفينني، ومين ما يعرفش الوريث لعيلة العامري، وغير إني دخلت معاهم فـي صفقات كتير بشركاتي، واستغربوا وقتها حالتي وأخدوني معاهم، ولما عرفوا الموضوع قرروا يساعدوني من غير تردد."
"طبعًا دا كان أول يوم لنشأة الأصدقاء الثلاثة.. مثلث الصداقة الملون زي ما بيقولوا عننا، لأن شخصياتنا وألوان عيوننا مختلفة تمامًا."
"وكانت فكرة ريان إنه يشغلني عنده، ولما أقف تاني أرجع وآخد كل حاجة من حقي وأسيب لهم الشركتين بس اللي من حقهم."
"ريان داهية في الأمور دي، ودايمًا بيقول: أنا بستمتع وأنا بخلي الناس تندم، عشان كده أفكاره بتكون جهنمية."
"وببساطة لإني أنا استلمت الشغل في عيلة العامري لما كانت شركتين بس، وبعدها بقيت سلسلة شركات العامري بسببي وبمجهودي وتعبى، يعني هما ملهمش أي حاجة غير الشركتين دول."
"وبالفعل خلال أسبوع وبمساعدة الذئب قدرت آخد أملاكي وشركاتي اللي ضيعت عليهم سنين من عمري، سبتلهم الشركتين اللي من حقهم.. وفصلتهم عن الشركتين دول وبدأت أكبر أكتر وأكتر في الشركات اللي معايا وغيرت اسمها لشركات الهاشمية."
"وفي يوم ريان قالي بما إننا أصحاب ومنقدرش نفترق فهنخلي شركاتنا زينا وهندمجهم مع بعض ومستحيل يفترقوا."
"أنا وافقت من غير تردد ولو للحظة، بس الدمج كان في فروع الشركة فقط أما الشركة الأم بتاعت ريان وبتاعتي، لا."
"نظر لها ليجدها تنظر له بعدم فهم ليكمل بهدوء.."
"هبسطهالك أكتر.. يعني دلوقتي ريان معاه الشركة اللي هنا في القاهرة ودي هي أساس الشركة، يعني تقدري تقولي الشجرة، والشركات التانية اللي هي في ألمانيا – إيطاليا – فرنسا – وجميع أنحاء ودول العالم دول الفروع زي فروع الشجرة، فهمتي."
أومأت له بفهم ليبتسم ابتسامة خفيفة مردفاً:
"وبس من وقتها وأنا كده.. ومش عارف أرجع هشام القديم تاني لحد دلوقتي. أهلي بيعتبروني ميت وزاد كرههم ليا لما أخذت شركاتي ورجعتهم سنين لورا، ومفكرتش إن ده حقي وأنا مخدتش حاجة منهم ولا ظلمتهم."
ثم نظر إلى ريان وبيجاد مردفاً بجملة عميقة جعلتها تشرد بها:
"كل واحد فينا جواه قصة غيرته ومن ساعتها وهو مش عارف يرجع طبيعي زي الأول."
عادت من شرودها من تلك الجملة والتي قالها وهي تراها صحيحة مائة بالمائة، وأردفت حوراء بتساؤل:
"أهلك فين دلوقتي؟"
نظر لها ليرى في عينيها أنها لا تسأل مجرد فضول بل لأنها تريد مساعدته، ليهتف بهدوء:
"على فكرة انتي فيكي كتير من ريان."
ابتسمت له بخجل مردفة بمرح تداري به خجلها:
"من عاشر قوماً."
هز رأسه هاتِفاً:
"فعلاً.. عموماً أهلي هنا فـي القاهرة."
أومأت له وكادت أن تأخذ الطفل الذي على قدمه والذي كان نائمًا، ليردف هشام سريعا:
"لأ لأ سيبيه."
ابتسمت بخفة وهي تنهض من جواره وتركته شارداً في ملامح ذلك الطفل النائم بسلام.
تنهدت بحزن، فـكل شاب منهم يحمل همومًا لا تتحملها الجبال.
توجهت نحو زوجها والذي كان يراقبها، وما إن وصلت له لتلاحظ نظراته نحوها لتهتف بهدوء:
"أنا كنت..."
قاطعها مردفاً:
"عارف.. وأنا واثق فيكي يا ملكتي، يعني متبرريش ليا حاجة انتي عملتيها."
ابتسمت له وهي تنظر له بعشق، بادلها هو هذه النظرات وقبل جبينها بخفة، لتشهق حوراء بفزع وهي تشعر بأن شيئًا يجذب ملابسها للأسفل.
لينظروا ليروها نفس الطفلة التي كانت تلهو مع ريان، ليحملها مجددًا وبدأ باللعب معها برفقة حوراء.
وبعد وقت...
ظهر القمر مضيئًا في السماء واللمعت النجوم من حوله، ليصعدوا سياراتهم ويعودوا إلى منازلهم للراحة، فهو كان يومًا حافلًا.
وخلال سويعات كان الجميع قد ذهب في سبات عميق....
في الصباح...
استيقظت وهي تتثاءب بكسل، ثم تآوهت مردفة:
"آه.. رجلي هتموتني من امبارح."
قاطعها صوت رنين هاتفها لتلتقطه مردفة بحنق بعدما علمت هوية المتصل:
"إيه يا أخ، الساعة 5 دلوقتي بترن لي؟"
هتف بيجاد من الناحية الأخرى:
"صباح الخير الأول.. في واحدة تقول لجوزها المستقبلي يا أخ؟ وبترن لي، ماشي ياصبا يابنت أم صبا."
هتفت بتذكر:
"آه.. مامى وأهلها جايين النهاردة yes."
أردف هو بهدوء:
"ومايكل كمان، أنا مش عارف إزاي هينزل وهو بالحالة دي."
هزت كتفيها بلا مبالاة وهي تنهض من على الفراش:
"مش مشكلة، بس انت رجعتوا إزاي؟"
"خليت شوية رجالة يروحوا معاه ويفهموهم إنه كان في ملهى ولما ثمل عمل مشاكل مع شباب مش كويسة وهما علموا عليه، وعلشان هو كل ليلة والتانية فـملهى صدقوا."
أردفت بذهول:
"وانت عرفت إزاي إنه كل ليلة فـي ملهى؟"
هتف بيجاد بثقة:
"عيب عليكي لما تسألي بيجاد الكيلاني سؤال زي ده."
شردت صبا قليلاً ثم هتفت بغموض:
"عايزة أقابلك."
"عيوني، قولي لباباكي واجهزى وهاجي آخدك من قدام القصر."
"ماشي."
ثم أغلقت المكالمة وهي تنظر أمامها بشرود، لتتوجه للمرحاض وهي تستعد لمقابلته.
أردف ريان بتحذير لتلك الواقفة أمامه:
"وأنا قولت لأ يا حوراء، الموضوع ده انتهى."
كادت أن تتحدث ليرفع إصبعه هاتِفاً بعدما قتمت عيناه:
"إياكي، مش عايز أسمع صوتك."
ثم تركها ودلف إلى المرحاض لتتنهد هي مردفة بحنق:
"إيه ده، أنا عايزة أقص شعري، هو ماله؟ متسلط."
أتاها صوته من المرحاض:
"سامعك، ولما أطلع هوريكي أنا متسلط إزاي."
شهقت بلهفة وهي تهمس:
"إيه ده كمان سمعني إزاي ده؟"
بعد وقت خرج من المرحاض ورمقها بنظرة أرعبتها، ثم وقف أمام المرآة يصفف خصلات شعره ووضع برفانه.
أردفت حوراء بهدوء:
"عايزة أروح عند أخواتي."
نظر لها من المرآة مردفاً ببرود:
"كنتي معاهم اليوم كله امبارح."
أردفت لغيظ من بروده:
"إيه المشكلة؟ وعايزة أقعد معاهم النهاردا كمان."
تنهد بقوة ثم التفت لها، ثم قبل جبينها وكفيها مردفاً:
"يلا اجهزى، أنا هوصلك."
نظرت له بفرحة لتقبل وجنته سريعا وركضت نحو المرحاض. ليبتسم هو لها بعشق وهو يهز رأسه بيأس من نفسه، فهو لا يستطيع أن يبقى جامدًا أمامها لخمس دقائق فقط، فهذه الحورية تبدل حاله بنظراتها فقط.
بعد وقت خرجت حوراء من الغرفة وهبطت إلى الأسفل ثم خرجت من القصر لتراه يقف متكئ على السيارة السوداء التي تشبه ملابسه، لتتقدم نحوه بهدوء. ليستمع هو إلى صوت خطوات الحذاء ليرفع نظره ليطالعها بحب.
قبل يدها ثم صعدوا السيارة وانطلقوا نحو وجهتهم.
أوصلها أولاً لـ فيلا أخيه ليذهب هو بعدها إلى شركته.
دلف إلى الفيلا ليرى أخاها يهبط الدرج وهو يحمل آية بين يديه وبجانبهم أريب وهم يضحكون بصخب.
أردفت حوراء بابتسامة جميلة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
نظروا لها بسعادة واشتياق وكأنها لم تكن معهم طيلة يوم البارحة، وردوا عليها السلام.
هتفت آية بضحك:
"خلي أخوكي ينزلني يا رب."
نزل.
أردفت حوراء بتساؤل:
"هو شايلك لي؟"
هتف أياد بتزمر:
"مزاجي يا أخت منك ليها."
ابتسمت حوراء ثم خلعت حجابها لينزلق شعرها الحريري ليصل إلى آخر ظهرها، مردفة:
"اقفلي الباب يا أريب."
وذهبت لأخيها تحتضنه ليحتضنها هو أيضًا بحنان، ثم أحاط خصرها جيداً واستقام بظهره لترتفع قدماها عن الأرض بسبب قصر قامتها، وأصبح يدور بها بقوة وشعرها يتطاير خلفها وأصوات ضحكاتهم تملأ المكان.
بعد وقت أنزلها أرضًا ومازال ممسكًا بها حتى لا تسقط حتى استعادت توازنها، ليجد من يقفز عليه متمسكًا برقبتها.
هتفت أريب بمرح:
"وأنا يا إيدو."
دار بها إياد كثيراً، ثم دار أيضاً بـ آية، وأتت أمينة على أصوات ضحكهم وشاركتهم الضحك.
وبعد وقت كان الوضع كالتالي:
يجلس إياد أرضًا يحتضن بذراعه اليمين آية ويحتضن بذراعه اليسار حوراء، وتجلس بين قدميه تلك القصيرة أريب وتستند بظهرها على صدره، وهم يتناولون الكثير من التسالي مندمجين مع ذلك الكارتون والذي كان المفضل لهم وهو (ربانزل).
كانت أمينة تنظر لهم بحنان تدعو لهم كثيرًا بداخلها. نهضت وأحضرت هاتف إياد وقامت بتصويرهم العديد من الصور وهم لم يلاحظوا هذا بسبب اندماجهم مع الكارتون.
عندما انتهى هتفت أريب سريعا:
"إيه رأيكم نسمع توم وجيري؟"
هتفوا جميعًا حتى إياد بحماس:
"آه يلا بسرعة."
نهضت أريب وقامت بوضع أقراص أخرى ليبدأ كارتون توم وجيري، وبدأوا بالأكل وأعينهم مسلطة على شاشة التلفاز، بين كل وقت وآخر تصدر أصوات ضحكاتهم المكان بسبب أفعال جيري بـتوم المسكين.
وبالفعل لم تضيع أمينة هذه اللحظات وكانت تقوم بتصويرهم ڤيديو وهم يظهرون به جيدًا وهم يستمعون للكارتون مثل الأطفال، ومعهم إياد الذي يصبح بالفعل طفلاً عندما يجلس مع إخوته الفتيات وليس كـ شاب قارب على سن الثلاثين.
تجمع أضلاع المثلث الثلاثة في مكتب الذئب.
هتف هشام بخبث:
"النهاردة بالليل."
أردف ريان وبيجاد:
"أكيد."
هتف بيجاد بتساؤل:
"بس أنا ليا يومين شايف إن في ناس جنب الڤيلا بتشتغل.. بيعملوا إيه دول؟ ولما سألتهم قالولي دا أمر من هشام."
هتف هشام بغيظ وصوت منخفض:
"ولاد الـ... فضحوني."
نظر له بيجاد مردفاً:
"عايز تعمل إيه ياهشام؟ اوعى تقول إنك هتعمل المكتب اللي ليك سنة بتقول عليه."
ابتسم له هشام مردفاً بإصفرار:
"هي المفروض كانت مفاجأة بس خلاص ضاعت.. دي ڤيلتك يا عريس، مبارك."
هتف بيجاد بعدم فهم:
"ڤيلتي إزاي؟ ما احنا قاعدين فـي ڤيلا."
"ما هو أكيد أنت مش هتبقى غبي وتتجوز فـي الڤيلا اللي إحنا.. حط خط تحت كلمة إحنا.. عايشين فيها، ولا إيه يا بغل؟"
ضحك بيجاد رأسه من الخلف، فهو حقًا لم يفكر بهذا الموضوع بهذه الطريقة.
أكمل هشام بهدوء:
"وبما إن المفاجأة اتكشفت فـاعتبرها هدية مسبقًا لجوازك وهبقى أسلمهالك كاملة يوم الفرح بإذن الله."
نهض بيجاد واحتضنه مردفاً:
"أبو الصحاب حبيبي يا آتش، والله تسلم لي."
عانقه هشام ولم يرد على حديثه التافه بالنسبة له، ليسمع بيجاد وهو يهتف:
"هات بوسة بقى عشان المفاجأة الحلوة دي."
وفي لمح البصر كان بيجاد واقفًا في آخر المكتب بسبب هشام الذي دفعه بقوة وهو يهتف بإشمئزاز:
"ابعد عني يا متخلف أنت."
صدحت صوت ضحكات الذئب الذي كان يتابع بصمت مردفاً بضحك:
"تستاهل يابيجاد، الكل."
أبعد بيجاد لهم وجلس مجددًا مردفاً بمرح:
"أنا غلطان، كنت عايز أعبر لك عن فرحتي."
نظر له هشام بغيظ مردفاً:
"محدش طلب منك."
قاطعهم صوت رنين هاتف ريان، والذي ما إن استمع إلى نغمته الخاصة التقط هاتفه وأجاب على الفور، وبدون إدراك منه ضغط على مكبر الصوت ليأتي صوتها الرقيق وهي تردف:
"رينو."
توسعت أعين الثلاثة.. كان ريان مصدومًا وكأن شخصًا ما شاهده عاريًا. أما بيجاد وهشام كانا هما الشخص الذي شاهده عاريًا.
هتف بيجاد وهو يحاول كبت ضحكته:
"أخبارك إيه يا أختي العزيزة؟"
"مين؟"
كان هذا ردها المصدوم والذي ظهر على صوتها.
لم يتحمل بيجاد أكثر لينفجر في الضحك، وتبعه هشام الذي ضحك بقوة وهو نادرًا ما يضحكه شيء بهذه الطريقة.
هتف ريان وهو يضحك بخفة:
"نعم يا فضيحاني."
لم يستمع لصوت سوى صفير الهاتف دلالة على نهاية المكالمة. نظر ريان إلى الهاتف وكأنه يرى تنين برأسين، ليزداد ضحك هشام وذلك البيجاد الذي سقط أرضًا من كثرة الضحك.
اندماجت ضحكاتهم بضحكات الذئب الرنانة.
بعد وقت ليس قليل أبدًا هدأ الثلاثتهم من الضحك، وقام بيجاد بمسح دموعه من كثرة الضحك.
نهض بيجاد من على الأرض بصعوبة وهو يجلس مكانه مردفاً بضحك هيستيري:
"آه مش...مش قادر، بجد تستاهل."
أردف هشام لعدم تصديق وضحك:
"بقيت رينو يا ذئب."
أردف بيجاد بشماتة:
"لا، وقَفلت فـ وشه كمان.. والله وجه اليوم اللي يترد لك فيه جزء من أعمالك."
أردف ريان بحنق مصطنع:
"خلاص، منك لله هي حدوته هي."
أومأوا له وحاولوا كبت ضحكاتهم التي اجتاحتهم مرة أخرى، ولكنهم لم يستطيعوا لينفجروا في الضحك وانضم لهم الذئب الذي لم يستطع ولأول مرة الحفاظ على جموده.
"ها ياحوراء كلمتيه؟"
كان هذا صوت إياد والذي كان جالسًا على نفس وضعيته يشاهدون شاشة التلفاز.
اقتربت منه حوراء ووجهها عبارة عن لون أحمر، ليحتضنها بذراعه الأيسر كما كان وأكملوا المشاهدة، وهي كان قلبها يقرع مثل الطبول، لا تستطيع التركيز في شيء سوى أنها وضعت نفسها في موقف محرج... محرج جدًا.
في ذلك المكان الذي شهد على أول مقابلة.. نظرة.. حديث.. بينهم، ها هم الآن يلتقون.. ولكن!! ليس كـ غرباء.. أو كـ أصدقاء.. بل كـ شخصين مقدمان على الزواج.. على حياة كاملة سيمكثها هذان الاثنان مع بعضهما البعض وإلـي الأبــــد‼..
جالسان أمام بعضهما دون حديث سوى نظرات الأعين.. هو يحاول أن يعلم سبب تلك الحيرة التي بعينيها.. وهي تحاول أن تعلم هل سيكذب عليها أم لا.
قاطع هذا الصمت سؤالها وهي تردف بتوجس:
"بيجاد أنا عايزك تجاوبني بصراحة ومباشرة لو سمحت."
بدون إدراك ارتسمت على محياه ابتسامة بسيطة مردفاً:
"أكيد، كل ما بينا صدق في صدق متقلقيش."
رمقته للحظات بشك ثم أردفت بهدوء:
"أنت بتشتغل إيه؟"
نظر لها للحظات ولكنه قرر مجارتها في الحديث وهتف بنفس الابتسامة:
"في شركة الذئب."
أردفت بغضب وصوت مرتفع:
"بيجاد أنا بتكلم بجد."
صفع بيجاد الطاولة التي تفصل بينهم بيده بقوة حتى اهتزت مردفاً بصوت مرتفع:
"صبا، وطّي صوتك."
انتفض جسدها ونظرت له بغضب ليردف هو ببرود وثبات:
"مالك فيه إيه؟ رجل أعمال هكون بشتغل إيه يعني، تاجر مخدرات؟"
نظرت له بتصديق تقريبًا:
"ما أنا بصراحة مش مقتنعة إن رجال الأعمال بيبقى عندهم المقدرة لدخول البيوت وبمهارة أكيد مش مولودة بيها، أنت تصرفاتك كلها تدل على كل حاجة إلا رجل أعمال."
عاد لبروده مرددًا:
"تدل على إيه إن شاء الله."
هزت كتفيها تقول بتخمين:
"مجرم، حرامي.. قتال قتلة، كدا يعني."
ابتسم بجانبية قائلاً بسخرية:
"ما شاء الله، هي سمعتي حلوة للدرجة دي، عمومًا عايزك تعرفي إن كل التصرفات اللي أنتِ بتشيري ليها دي أنا تدربت عليها فعلاً، وكذلك ريان وهشام، حبينا فكرة إننا نكون قادرين نحمي نفسنا بنفسنا، ندخل للمكان اللي عايزينه في أي وقت، حاجات بتنفعنا يعني."
صمت قليلاً وهو يرى شرودها ليقول مغيرًا مجرى الحديث:
"إيه رأيك ناخد اليوم فسحة بقى."
أومأت له لينهضا معًا وأصبحا يسيران وها يتحدثون بـأشياء عدة، وقد استطاع بمهارة أن يشوش أفكارها حول تلك النقطة.
يفكر ماذا ستفعل عندما تعلم هويته الحقيقية، لكن هو فعل هذا لأجلها، فهو في المخابرات السرية ولن يستطيع إخبارها إلا عندما تصبح زوجته...!!
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة جبريل
تسير برفقة صديقتها قمر يتبادلون الحديث وهم يتناولون الآيس كريم.
توقفوا فجأة عندما مرت من أمامهم سيارة بسرعة شديدة مما سبب في تلطخ حذاء أريب.
صرخت أريب بغضب وشرارات تخرج من عينيها:
- إلهي تتقلب بيك يابعيد.. لما مش بتعرفوا تسوقوا تركبوها ليه.. ولا هو طفاسة وخلاص.
ردفت قمر بتوتر وهي ترى أن السيارة قد توقفت:
- خلاص يا أريب يلا نمشي.. دا شكله هينزل.
هتفت أريب بغضب:
- خليه ياجي علشان أشوه وشه.
ترجل من السيارة ووجهه لا يبشر بالخير. اقترب منهم هاتفا بغضب:
- الزمي حدودك أيتها الوضيعة.
أريب فور انتهائه من حديثه تحرك صدغيها من شدة الغضب مزمجرة بوجهه:
- ألزمني حدودي ووضيعة يا بتاع سبيستون، وأنت اللي غلطان وجح كمان.. لا دي هبت أوي منك الصراحة.
ولم تنتظر كثيرا لترفع يدها الممسكة بالآيس كريم وقامت بوضعه في وجهه وهي ترمقه بنظرة حادة.
شهقت قمر بفزع بينما الشخص وضع يده على وجهه يزيل الآيس كريم الذي لطخ وجهه بأكمله. زمجر بغضب وكاد أن يتحدث ولكنه توقف عندما خرج صوتها الحاد كحال عينيها:
- مع إن الآيس كريم خسارة فيك بس دا علشان تتعلم الكلام بيكون إزاي يا إنسان يا محترم.
ثم استدارت وهي تمسك بكف قمر وهي تسير مبتعدة عنه، بينما هو فقد يقف مكانه يقسم بأنه سيعلم من هذه التي تجرأت وفعلت هكذا مع زيد الرباعي.
صعد سيارته وانطلق بها بسرعة البرق وكأنه ينفث غضبه بها وهو يتوعد لهذه القصيرة التي لم تكن تصل إلا لبطنه.
اردفت قمر بقلق:
- إيه اللي عملتيه دا يا أريب.
هتفت أريب بغضب:
- يستاهل.. دا إنسان قذر.. روحي أنتِ على البيت وأنا ماشية.
كادت قمر أن تعترض ولكن وجدتها بالفعل قد غادرت، لتتنهد بيأس وهي تتجه نحو بيتها الذي كان قريب من المكان الذي يتواجدون به.
صعدت سيارة أجرة وأعطته العنوان لينطلق الآخر سريعا وخلال وقت ترجلت من السيارة بعدما أعطت له النقود ودلفت إلى الفيلا بتوعد.
رأت شقيقتها تجلس وهي تعبث بالهاتف بملل لتردف أريب بهدوء:
- إياد فين؟
أجابتها الأخرى باستغراب:
- في الشركة.
أومأت لها وذهبت إلى الأعلى وهي تتمتم بغيظ:
- إنسان مستفز.. هي الرجالة كلهم كدا محتاجين اللي يعرفهم مقامهم كويس.. أنا كل اللي قاهرني الآيس كريم.. مش عارفة إزاي جالي قلب وحطيته في وشه القذر دا.. خسارة فيه والله.
***
تجلس بجانبها وهي تتابع شرودها الغريب لتقرر سؤالها إذا كان بها شيء ما:
- في حاجة تعباكي يا كيان؟
ردت الأخرى بدون وعي:
- أخوكي.
شهقت كيان وهي تستوعب ما تفوهت به لتنظر إلى حوراء بخجل لتراها تبتسم لها بهدوء لتردف بخجل:
- أنا أقصد.. إنه.. أنا..
قاطعتها حوراء بفهم:
- متعلقيش نفسك بيه يا كيان.. كل واحد وليه نصيبه اللي لازم يرضى بيه.. وهو لو كان من نصيبك صدقيني ولو بعد حين هتاخديه.
امتلأت عينيها بالدموع وهي تومئ لها ثم نهضت مردفة:
- بعد إذنك هطلع أرتاح.
أومأت لها حوراء بتفهم لحالتها لتصعد الأخرى إلى الأعلى ودلفت إلى غرفتها لتجلس على الفراش وهي تبكي بألم من حالها.
بعد وقت ليس بقليل.. نهضت ودلفت إلى المرحاض وأخذت حمام منعش وخرجت وهي ترتدي ثوب أزرق انسدل بأريحية على جسدها ذو أذرع عريضة على كتفيها.
وقفت أمام المرآة وهي تنظر إلى نفسها مردفة:
- كفاية بقى.. كفاية عياط وهبل.. أنتِ إيه اللي بتعمليه في نفسك دا.. دا كله علشان واحد.. من إمتى.. أنتِ كيان الكيلاني.. أخت ريان الكيلاني.. اللي عمرها ما التفتت لحد.. والكل بيتمنوا نظرة منها.. فوقي لنفسك وارجعي كيان بس على أقوى.. متبقيش ضعيفة على أي حاجة.
رفعت رأسها إلى الأعلى بكبرياء أنثى وهي تطالع نفسها برضا. ارتدت حذائها ذو الكعب المرتفع باللون الأبيض اللامع.
لتسير بخطوات قوية خارج غرفتها وهي تهبط الدرج ثم خرجت من القصر بأكمله.
صعدت إحدى السيارات لينطلق السائق بها نحو الشركة.
بعد وقت ترجلت من السيارة وهي تسير إلى داخل الشركة بقوة وصوت حذائها يصدح في المكان.
دلفت إلى المصعد قاصدة مكتب شقيقها ليغلق عليها باب المصعد.
فتح بعد وقت لتخرج منه ودلفت إلى مكتبه ولم توقفها السكرتيرة لأنها تعلم من هي.
نظر ريان لها لتبتسم عيناه مردفًا:
- كياني نورتي شركتك، تعالي.
نهض عن مقعده خلف المكتب وأجلسها عليه، لتبتسم هي له بحب كبير لهذا الأخ المراعي والحنون لأبعد حد.
***
غادرت أشعة الشمس وظهر القمر بطلته الرائعة وهو ينشر أشعته الفضية في كل مكان.
الساعة 10 مساءً بالتحديد.
دلف ريان إلى القصر بعد يوم شاق فهو بعدما انتهى من العمل بالشركة توجه نحو المستشفى ليقضي باقي اليوم فيها وهو يشرف على المرضى بنفسه.
وجد بهو القصر فارغ والمكان هادئ ليعلم أن كل منهم في غرفته.
توجه هو الآخر نحو غرفته التي في جناحه الخاص وهو مشتاق لها كثيرا.
أسرع بخطواته ثم دلف إلى الغرفة ليجدها تجلس على الفراش تحتضن قميص له. وكانت هي بانتظاره بالفعل، واستقبلته بعناق أودعت فيه مشاعر حبها هامسة:
- اتأخرت عليا أوي.
أجابها بعشق جارف وهو يغلق الباب بقدمه:
- حقك عليا.
نظرت له متسائلة:
- أكلت حاجة من الصبح؟
نظر لها قليلا ثم أومأ بالرفض قائلا:
- لا ومش جعان.
نظرت له بعبوس وكادت أن تبتعد عنه ليوقفها مردفًا:
- صدقيني مش جعان.
وأكمل مغيرا مجرى الحديث:
- قوليلي بقى أنتِ إيه اللي عملتيه دا.
نظرت له بعدم فهم ليكمل هو بمرح:
- بقر في وحدي.. أول كلمة بتقولها هي يا رينو.
تذكرت ذلك الموقف المحرج لتحمر وجنتيها بخجل شديد وهي تضع وجهها في صدره تخفيه عن نظراته الخبيثة لتصدح صوت ضحكاته الرجولية في أرجاء الغرفة.
لكزته بصدره بخجل لتزداد ضحكاته أكثر ثم قبل وجنتها مردفًا:
- خلاص هسكت.
ابتعدت عنه بوجهها المشتعل كشمعة وهتفت بإحراج:
- هما إزاي سمعوني؟
حمحم ريان وهو يحك ذقنه بإبهامه مردفًا:
- فتحت المايك بالغلط.
نظرت له بغيظ ليقهقه مردفًا:
- عارف عارف دا كله بسببي.
أومأت له ثم وفجأة طبقت على يده تعضه بقوة ليقهقه بقوة مردفًا:
- إيه الجنان دا، مالك؟
ابتعدت عنه مردفة بغيظ:
- جزاء للي عملته.
ثم نظرت إلى يده برضا وهي ترى علامات أسنانها به، ليهتف بخبث:
- آخد حقي بقى.
نظرت له بفزع وكادت أن تركض للخارج لكنه أسقطها على الفراش وبدأ يدغدغها لتتعالى صوت ضحكاتها وهي تترجاه أن يبتعد وهي تشعر بأن أنفاسها سلبت منها من كثرة الضحك.
ابتعد عنها بعد وقت ليس بقليل بعدما شعر بتعبها مردفًا:
- تعالي بقى علشان عايز أنام.
ابتسمت وهي تتوسد صدره ويده التي تخللت بين خصلاتها ساعدتها في الذهاب للنوم بسرعة، بينما هو أراح جسده وأغلق جفنيه مستعدًا للنوم.
لكن فجأة انتفض عقله وفتح عينيه متذكرًا أمرًا ما، ليهمس من بين أسنانه:
- يخربيتك يا بيجاد لازم النهاردة يعني.
نظر لها وجدها غرقت في النوم ليبعد يديه عنها برفق شديد وحذر أيضا لينهض متجها نحو المرحاض بعدما أخرج له ثياب كاجوال سوداء.
أخذ حمام سريع ينعش جسده ويزيل عنه إرهاق اليوم وأثر النوم، ثم خرج من الغرفة بعدما وضع قبلة رقيقة على جبهتها وأغلق الباب جيدا ثم سار خارجا من القصر بأكمله.
***
يتسطح على الفراش واضعا ذراعه الأيسر أسفل رأسه ناظرا إلى السقف بشرود في تلك الصبا وماذا ستفعل عندما ستعلم هويته ولكنه أقنع نفسه بأنه سيسيطر على الوضع بحكمة.
لتأتي ببـاله فجأة تلك الحوراء. بالفعل هي نعم الزوجة والأخت والصديقة. ساعدته بدون تردد أو بانتظار مقابل. كم هي نقية القلب وطيبة الروح. تساعد الجميع وتسعد لسعادتهم.
تذكر كيف ساعدته في تجاوز آلامه تلك المرة.
كان بيجاد يقف أمام قصر ريان وهو يتحدث بالهاتف وبعد وقت أغلق المكالمة ودلف إلى الداخل ليلتقي بحوراء أمامه.
ابتسمت له حوراء وهتفت برقة:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هز بيجاد رأسه هاتفا:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أخبارك إيه يا أختي العزيزة؟
= الحمد لله.
- هو ريان مش موجود؟
هزت رأسها بالنفي مردفة:
- لا هو من حوالي عشر دقايق خرجه.
هتف بغيظ وهمس وصل إلى مسامعها:
- ما هو لو بيرد على فونه كان عرف.
ابتسمت وهتفت:
- مش مشكلة.
لتنظر خلفها لترى كيان وليان يهبطون الدرج واللتي ما إن رأوا بيجاد ركضوا نحوه يعانقوه بقوة مرحبين به.
حمدت ربها بأنهم قد جاءوا حتى تستطيع التحدث معه في ذلك الموضوع الذي يشغل بالها.
جلست كيان وليان على طاولة الطعام لتهتف حوراء بهدوء:
- كنت عايزة اتكلم معاك في موضوع.
اردف بيجاد بقلق:
- في حاجة حصلت؟
هزت رأسها بالنفي لتذهب وتجلس على مقعد ليجلس هو على المقعد الذي يبتعد عنها بمسافة جيدة وكان المقعدين يبتعدون عن كيان بمسافة جيدة حيث أنهم يستطيعون رؤيتهم ولكن لا يستطيعون سماعهم.
اردف بيجاد بقلق:
- في حاجة يا حوراء؟
تنهدت وهتفت بهدوء:
- مفيش.. أنا عايزة اتكلم معاك في حاجة تخصك انت.
نظر لها باستغراب لتكمل هي:
- بيجاد مينفعش التعامل اللي بينك وبين أهلك دا.. لازم يكون فيه بر ورحمة ومودة بينكم.
احتل البرود نظرة ذلك البيجاد مردفا ببرود شديد:
- أنتِ متعرفيش هما عملوا فيا إيه.
= مهما كان اللي عملوه دا مش عذر إنه يخليك تعاملهم بالطريقة دي.. دا حتى ربنا سبحانه وتعالى قال:
«وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ»
صدق الله العظيم.
يعني الحاجة الوحيدة اللي ربنا اداك فيها إذن إنك متنفذش كلامهم لو طلبوا منك أو أمروك إنك تشرك بالله عز وجل غير كدا لا.. وحتى لما ترفض طلبهم دا برضو تفضل بار ليهم وتصاحبهم في الدنيا معروفًا.
أمك.. أنا شايفة إنك ممكن تتقبل والدك بس والدتك لا.. إزاي والجنة تحت أقدام الأمهات.
"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك"
صدق رسول الله ﷺ.
حتى لو هي مش أدتك الحنان اللي المفروض أي أم تديه لابنها.. أنت اديها الطاعة والبر اللي واجب على كل ابن وابنة.
أنت بتحب صح؟... فاجأته بهذا السؤال ولكنه أومأ بهدوء لتكمل:
- تمام أكيد مش هتفضل كدا وإنك هتتقدملها.
= أنا فعلا قولت لها إني هتقدملها بس كنت مستني هشام يرجع من لندن.
- وأهو رجع.. هتلكم أهلك وهتتعامل باباك بطريقة كويسة وام....
قاطعها وهو يردف:
- بصي ابويا وممكن.. لكن سميرة.
نظرت له وهتفت بهدوء:
- اسمها ماما برضاك أو غصب عنك.. دا شيء متقدرش تنكره حتى لو برضاك.. على الأقل مش تعبس في وشها.. اضحكلها أو حتى ابتسملها بس المهم تحسن معاملتك دي.. ياريت يا بيجاد بجد مش علشاني.. دا عشانك أولا وعلشانهم ثانيا.
صدقيني أنت في نعمة مش حاسس بيها.. أنت جنبك أمك وأبوك غيرك لأ.. أنت المفروض تشكر ربنا كل دقيقة وتصلي له شكر على النعمة دي.. حس بيها يا بيجاد بدل ما تحس بيها بعد ما تنحرم منها وتندم في وقت مينفعش فيه الندم.
صدقيني الأهل دول الملجأ الأول والأخير للبني آدم حتى لو كانوا مش بيعاملوه كويس.
بيجاد أنا بعتبرك أخ ليا وأكيد مش هفضل واقفة أتفرج عليك وأنا شايفةك بتعاملهم بجفاء بس أنت بتتعذب.. متفتكرش إني مخدوعة في وش البرود أو الضحك اللي أنت دايما بيهم دول ومش شايفة اللي وراهم.. بالعكس أنا شايفة بيجاد اللي وراهم وبوضوح كمان.
وعلشان أنت أخويا أنا اتكلمت معاك علشان بتمنى راحت بالك.
مش هقولك إني أنسي لأن في حاجات مهما حاولنا مش بنقدر ننساها برضه بس هقولك اتناسَ وعيش حياتك باللي يرضي ربنا واعرف إن اللي يرضي ربنا ربنا بيرضيه وبيسخر له جنوده على الأرض وبيزقه بحاجات هو ما كانش متخيل إنه هيحصل عليها.
اتناسَ يا بيجاد وافرح ومتحبسش نفسك في أوضة ضلمة أنت مش مرتاح فيها بس نفسك بتكذب عليك وتقولك لأ.. مرتاح كدا أحسن.
أنهت حديثها وهي محافظة على تلك الابتسامة الرقيقة على وجهها ثم رمقته بنظرة أخيرة ونهضت وتوجهت نحو الفتاتين وجلست معهم.
بينما هو نهض ورحل بدون أن ينبس ببنت شفة تائه بين حديثها.
نفسه تبحث عن شيء خاطئ به ولكن لا يوجد.. فكل حديثها صحيح.
صحيح.. ولكن ليس بالنسبة لعائلته، لقد نسيت أن هناك عائلة تكون هي البلاء في حياة الإنسان، وهو منهم.
تنهد بقوة وهو يعود من شروده لينظر لتلك الساعة التي بيده ليراها 10:45 لينهض سريعا متمتمًا:
- يالهوي لو اتأخرت مش بعيد يقتلوني.
التقط هاتفه ومفتاح سيارته خارجا من الفيلا سريعا وهو يتمنى الوصول في الموعد.
***
توقفت سيارتين بنفس اللحظة أمام ذلك المكان الذي يتجمع فيه أضلاع المثلث الثلاثة دائما وهو ذلك المكان المرتفع والذي ينتهي بمنحدر كبير وخطير وترجل من كل سيارة هشام وريان.
نظروا حولهم وكادوا أن يتحدثوا ولكن توقفوا عندما توقفت سيارة بيجاد والتي كانت تسير بسرعة البرق وهو يترجل منها وهو يلهث.
أردف هشام بسخرية:
- كأنك أخدت المسافة جري.
أشار له بيجاد بأن يصمت ثم أردف بحماس:
- يلا بقى.
تنهدوا بقوة وهم يخرجون تلك الحبال من سياراتهم ليقوم ريان بربط طرف الحبل الخاص به بسيارته والطرف الآخر في الحزام الذي يتوسط خصره جيداً.
وفعل هشام وبيجاد المثلث.
ثم سار الثلاثة نحو المنحدر لينظروا لبعضهم بنظرات شيطانية ثم...
قفزوا ثلاثتهم في نفس الوقت ليصبحوا معلقين في الهواء بين الأرض والسماء بسبب ذلك الحبل.
هتف ريان:
- وبعدين أهو عملنا اللي كنت هتموت وتعمله وبعد كدا يا أستاذ بيجاد؟
أردف بيجاد ببساطة:
- هنقعد كدا ونشوف الشروق وكأننا عصافير.
خرج صوت ريان وهشام معا:
- شروق إيه دي لسه الساعة 11.
قهقه بيجاد مردفًا:
- وأي المشكلة؟
نظروا له بغيظ وظلوا يتحدثون وهم بالهواء ليردف بيجاد وهو يتسلق إلى الأعلى بواسطة الحبل:
- ثواني وراجعلكم يا بغل منك له.
لم يردوا عليه ليصعد بيجاد فوق المنحدر وتوجه نحو سيارته وأخرج منها ثلاث زجاجات ولم يظهر ما بها بسبب لونها الأزرق القاتم.
عاد لهم مجدداً ليعطي كل منهم زجاجة.
هتف ريان بتساؤل:
- إيه دا؟
أجاب وهو يراوغ حاجبيه بمرح:
- أنت وريان قهوة إنما أنا نسكافيه علشان تعرفوا إني مش حارمكم من حاجة.
هتف هشام بغيظ:
- أنت متخلف يا ابني دي كلها قهوة.. أنت عايز تموتنا.
= اشرب على مزاجك والباقي ارميه يا أستاذ هشام مش قصة هي.. دا بدل ما تشكروني.
هتف بها بيجاد ببساطة ليصمتوا قليلاً.
ولكن...!!!
شعر بيجاد فجأة بأنه يترنح بطريقة غير متوازنة ليعلم أن السيارة غير متوازنة بالأعلى.
نظر لهم مردفا بمرح قاطعا شرودهم:
- بقولكم إيه.. شكلي هطير.
نظروا له بعدم فهم ولكنهم رأوا حركته الغير متوازنة ليردف هشام بقلق:
- ما تهدى يا زفت ولا أنت عايز تنتحر؟
قهقه بيجاد مردفًا غير عابئ بشيء:
- والله هادي بس العربية لأ.
ضحك ريان مردفًا:
- ياه يا بيجاد أخيرا هنرتاح منك.
زمجر هشام بقلق وغضب:
- يابرودك منك له.. أنت لازم تعمل رجيم.. إزاي وزنك أتقل من وزن عربيتك يا متخلف أنت.
- العربية واقفة في مكان مش متزن.
= وأنت توقفها في مكان مش موزون ليه.. الله يخرب بيتك.
كان هذا صوت هشام الغاضب وأكمل:
- هطلع وهسحبك يا بيجاد وبعدها مش هسيبك غير وانت ميت في إيدي.
أردف بيجاد بمرح:
- طب والله دا أنا أموت من هنا أرحم منك ياخي.
لم يرد هشام عليه بل تسلق إلى الأعلى وهو يتمسك بالحبل وكان ريان ينظر لهم بهدوء وهو يتابع ذلك البيجاد حتى إذا حدث شيء مفاجئ.
هتف هشام بصوت مرتفع حتى يصل لهم:
- امسك في الحبل يا متخلف.
رد بيجاد ببرود ومرح:
- طب لا.. هتعمل إيه يعني؟
كز هشام على أسنانه بقوة وصعد سيارة بيجاد وقام بتشغيلها ثم سار بها إلى الخلف ببطء ولكن...!!!
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة جبريل
قام بتشغيل محرك السيارة وعاد بها إلى الخلف ببطء وحذر ولكن...!!
انقطع الحبل ليصرخ هشام باسم بيجاد وهو يترجل من السيارة بسرعة البرق وقلبه يكاد يتوقف من الخوف وهو يرى الحبل يتهاوى من فوق الهاوية ليقع على الأرض وهو يقترب من الهاوية.
لينظر إلى الأسفل ليرى أن ريان أمسك بـ بيجاد من ذراعه مانعاً إياه من السقوط.
رفع بيجاد رأسه بعدما كان ينظر إلى الأسفل ونظر إلى ريان وقهقه مردفاً:
- مكنتش اتوقع إنك بالقوة دي.
أردف ريان الآخر بضحك:
- وأنا مكنتش اعرف إنك تقيل كدا.
صرخ هشام بغضب:
- تحبوا أجبلكم اتنين لمون بالمرة؟
ازدادت قهقة بيجاد وهو يردف:
- يااه ياخي من زمان الواحد نفسه يطير.
- تحب أطيرك؟
أردف بها ريان ليومئ له بيجاد.
ليستمعوا إلى صراخ الآخر:
- امسكه كويس ياريان أنا هسحبك.
ولم ينتظر ردهم ليصعد سيارة ريان وقام بتشغيل محركها وسار بها إلى الخلف ببطء حتى لم يتبق سوى مسافة قصيرة ويصعدوا أعلى الهاوية.
ترجل من السيارة واقترب منهم ليردف:
- امسك إيدي ياريان.
- لا انت امسك بيجاد.
هتف بها ريان وهو يقوم برفع بيجاد بذراع واحدة وكان الآخر يساعده وهو يرفع جسده إلى الأعلى.
رفع بيجاد يده الأخرى ليقوم بإلتقاطها هشام وسحبه إلى الأعلى ليقفز ريان برشاقة ووقف بجانبهم أعلى الهاوية وهم ينظرون إلى الأسفل.
لم يكن يعلم ريان ماذا سوف يفعل لولا أنه أدرك الأمر سريعاً وقام بتحريك الحبل باتجاه بيجاد وهو يراه يتهاوى إلى الأسفل ليقوم بالإمساك به بآخر لحظة من ساعده.
سمع تآوه بيجاد لينظر إلى الخلف ليرى أن هشام قام بلكمه بقوة في وجهه وصدره يعلو ويهبط بقوة.
زمجر هشام بغضب:
- انت انسان مستهتر وأنانى وهتفضل أنانى طول عمرك مبتهتمش غير بنفسك وبس عمرك ما هتنضج ولا تعقل في يوم.
نظر له بيجاد واقترب منه ولكن عاد هشام إلى الخلف ناظراً له بغضب وحزن فهو لن يتحمل فقدان شخص آخر يكفي والدته لتتركه وحيداً ليقوموا هم باحتوائه وأصبحوا عائلته وأنسوه حزنه.
أردف بيجاد بهدوء وهو يعلم مدى خوف وقلق هشام عليهما:
- هشام أنا...
لم يسمعه هشام واستدار متجهاً إلى سيارته ليقوم ريان بإمساكه ناظراً بحزم مردفاً:
- بيجاد ميقصدش يا هشام هو اه مستهتر وغبي بس ميعملش كدا.
زمجر هشام بغضب وهو يشير نحو بيجاد ولكن عيناه ثابتة على أعين ريان:
- استهتاره كان ممكن يخسره حياته لحد امتى هيفضل كدا يا ريان لحد امتى هيفضل أناني.
اقترب منه بيجاد واحتضنه بقوة مردفاً بمرح يخفي خلفه الكثير من الحزن:
- حقك عليا مش هبقي مستهتر تاني هبقي متخلف بس.
أزاحه هشام عنه وهو يردف بغضب:
- انت كمان بتهزر.
لم يبتعد بيجاد وهو يقهقه بخفة على صديقه الذي لا يتحمل فقط فكرة إيذائهم أو حدوث شيء سيء لهم.
ابتعد عنه بعد وقت ليردف ريان بهدوء:
- هنقعد هنا نشوف الشروق مش لازم الجنان دا.
أومأوا له وجلسوا أرضاً ليشهق بيجاد فجأة لينظروا له بفزع ليردف وكأن هناك مصيبة حدثت:
- النسكافيه وقع مني.
ضربه ريان خلف رأسه ناظراً له بغيظ بينما أردف هشام:
- استغفرك ربي وأتوب إليك.
قهقه ثلاثتهم وظلوا يتبادلون الحديث بمرح وجنون واستفزاز بينهم ليلاحظوا أن بيجاد ضحكه يرتفع في كل مرة ليعلموا أنه حزين.
هتف هشام بحزن:
- بيجاد أنا مقصدش الكلام اللي قولته بـ...
قاطعه بيجاد بمرح:
- أيوا عارف وإنك بتقول أي كلام أهبل زيك ودا علشان بتخاف علينا وهتفضل تحاول تصالحني و...
قاطعه هشام بغيظ:
- لا على فكرة مفيش حاجة من دول هتحصل.
كنت هقول أنا مقصدش الكلام اللي قولته بس انت شخص مستفز ولو زعلان روح ارمي نفسك من هنا ومش همنعك.
قهقه ريان مردفاً:
- ما براحة عليه يا هشام.
أصدر بيجاد صوت يدل على ضحك ساخر مردفاً:
- اتفقوا عليا انتوا الاتنين.
ضحك هشام وقام بجذب بيجاد يحتضنه بقوة وهو يعتذر له في هذا العناق عما صدر منه من كلام جارح.
ليبادله بيجاد العناق وهو لم يحزن منه ولو لدقيقة حتى.
ظلوا معاً يتبادلون الحديث حتى أشرقت الشمس ليظلوا يشاهدون الشروق وبعدها غادروا.
عاد ريان إلى قصره ولم يكن استيقظ أحد بعد ودلف إلى غرفته وتسطح بجانب زوجته ينال وأخيراً قسط من الراحة.
وعاد هشام وبيجاد إلى الفيلا ودلف كل منهم إلى غرفتهم ليأخذوا قسطاً من الراحة بعض الوقت.
في قصر آسر الجارحي.
يجلس آسر مع والدته وخاله وزوجة خاله يتناولون الإفطار ليقاطعهم دلوف شاب وفتاة.
نهضت سناء فور رؤيتهم وهي تهتف بسعادة:
- حبايب خالتو وحشتوني.
احتضنتها الفتاة وعيناها على آسر مردفة باللغة الإيطالية كونهما يعلمان أنهم يتقنونها، وهي لا تتقن العربية كثيراً، فقط كلمات قليلة تساعدها على فهم المتحدث، لا أن تتحدث هي بها:
- ونحن اشتقنا لكِ كثيراً يا خالتي، فقررنا زيارك.
ثم احتضنها الشاب مردفاً باللغة العربية لكن بالفصحى كما تعلمها، اللهجة المصرية لا يجيدها:
- كيف حالك خالتي؟
- الحمد لله يا ابني تعالوا افطروا معانا.
احتضنهم عبدالرحيم مردفاً بسعادة:
- حبايب خالو.
وقامت دنيا بالترحيب بهم بحرارة أيضاً.
وقف الشاب أمام آسر ومد يده مردفاً بابتسامة:
- الوحش، كيف حالك؟
صافحه آسر مردفاً:
- أهلا بيك يا زيد نورتوا قصر الجارحي.
أردف زيد بجدية:
- شكراً لك.
- آسر.
هتفت بها تلك الفتاة وهي تركض نحوه ناوية احتضانه ليبتعد آسر مردفاً باقتضاب:
- أهلا.
هتفت سناء بسعادة:
- اقعدوا افطروا يا ولاد. قولي يا زيد أخبار أبوك إيه؟
جلس زيد على السفرة مردفاً:
- بخير، يرسل سلامه لكِ، منعه من القدوم الأشغال الكثيرة.
- ربنا معاه بجد هو ونعم زوج الأخت بس البركة فيك شلت حمل كبير من عليه لما اتوليت انت أمور الشركة.
هتفت بها سناء بصدق ليبتسم لها زيد ابتسامة صغيرة لتجلس رنا بجانبه مردفة:
- اشتقت لكِ كثيراً يا خالتي، وكذلك الخال عبد الرحيم ودنيا عزيزتي، وبالطبع آسر.
انتهت حديثها وهي تنظر إلى آسر الذي لم يعطها اهتمام مردفاً:
- أنا خارج يا أمي تعوزي حاجة؟
- سلامتك يا حبيبي بس مش تفطر الأول.
قَبَّل آسر رأسها مردفاً وهو يخرج:
- مش جعان يا أمي سلام.
أوقفه زيد وهو يردف:
- هل ستذهب لشركة الذئب؟
= آآه فيه حاجة.
نهض زيد سريعاً مردفاً:
- سآتي برفقتك.
تنهد آسر بقوة وهو يردف:
- اتفضلوا.
غادروا سوياً تحت نظرات رنا لآسر لتردف بعدما رحلوا:
- خالتي، ألا ينوي آسر الزواج؟
نظرت لها سناء وهي تعلم على ماذا تلمح وتعلم أن معجبة كثيراً بابنها ولكن أيضا تعلم أن ابنها لا يهتم لأمرها لتبتسم مردفة:
- لا يا حبيبتي.
- لمَ؟ هو بالتأكيد لن يقضي عمره أعزبًا!
أردف عبدالرحيم بهدوء:
- احنا معاه ولما يعوز يتجوز هنجوزه يا رنا.
صمتت رنا وهي تبتسم بخبث وهي تفكر في أشياء كثيرة لجعل آسر يعجب بها.
كانت حوراء تهبط الدرج تزامنًا مع دخول آسر وبرفقته زيد للقصر وهو يهتف:
- ياللى هنا.
- نعم.
كان هذا صوتها وهي تكمل هبوط الدرج وهي تنظر إلى الأسفل.
نظروا نحوها ليقف زيد بمكانه وهو يرى فتاة تمتلك جمالاً عربيًا ملفتاً.
بينما آسر هتف بابتسامة:
- أهلا يا مدام حوراء.
وقفت أمامهم بمسافة جيدة ولم تأخذ بالها بوجود شخص معه لأنها لم تنظر له وهتفت برقة فطرية خلقت بها:
- أهلا يا أستاذ آسر.
- أستاذ إيه بس.. المهم فين ريان؟
- خرج من شوية.
أجابته ببساطة ليومئ لها آسر مردفاً:
- طيب بعد إذنك.
أومأت له وكادت أن تلتفت ولكن توقفت عندما سمعت صوت شخص غريب وهو يردف:
- مرحبًا، أنا زيد الرباعي، من أنتِ؟
نظرت له لتجده يمد يده نحوها لترفع بصرها نحوه لتضيق عينيها بسبب نظراته المتفحصة لها، بينما هو كان يحاول أن يستنتج من هي وما علاقتها بالذئب.
وجهت نظرها نحو ذلك الذي يتطلع إلى زيد بصدمة فهو ليس من طبعه بدء الحديث مع أناس غرباء عنه.
أدرك الوضع ليجذب يد زيد وهو يردف:
- احم.. اعذرينا يا مدام حوراء بس هو من زمان مجاش هنا ومعرفش انتي مين لسه.
- ولا يهمك.
هتفت بها بخجل من نظرات هذا الزيد لها.
هتف زيد بتساؤل واعجاب:
- من هذه؟
نظرت له وهتفت سريعاً:
- أنا زوجة ريان.
- ماااذا؟؟
نظرت له بإستغراب ليردف آسر وهو يسحبه خلفه:
- بعد إذنك.. وانت تعالى يا فضحني.
سحبه من يده إلى خارج القصر وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة بغيظ بينما حوراء كانت تتابعهما بعدم فهم، لترفع كتفيها بعدم اهتمام لتذهب إلى كيان وليان للجلوس معهم قليلاً.
في الخارج.
سحب زيد يده من يد آسر مردفاً:
- انتظر آسر، هل هذه هي زوجته حقاً؟
تأفف آسر بضجر هاتفا:
- أيوا هي ولو ريان عرف باللي عملته دا مش بعيد يشيل عيونك من مكانهم انت إزاي تبصلها بالطريقة دي انت مجنون.
أردف زيد ببساطة:
- أنظر لها؟؟ لا، بماذا تفكر بربك، أنا فقط كنت أحاول أن أعلم من هي.
نظر له آسر بسخرية ليكمل زيد ببرود:
- ما اسمها على كل حال؟
- شكلك ناوي على موتنا النهاردة.. امشي يا زيد.
أنهى حديثه وهو يلتفت ليتوقف على صوت الآخر وهو يردف بإصرار:
- لا، أريد أن أعلم ما اسمها.
نظر له وهتف بغيظ:
- وهتعمل إيه باسمها؟
رفع كتفيه مردفاً:
- هكذا، دعني أخمن، أهو ملاك.. أم حورية؟
قاطعه آسر مردفاً بغضب:
- بقولك ابعد عني وبلاش هبلك دا صدقني هتندم.
تركه وصعد السيارة ليصعد زيد بجانبه وهو يردف بإصرار:
- ما المشكلة في معرفة اسمها، هل من عاداتكم هنا اخفاء أسماء النساء عن الرجال، أليس هذا تحكمًا غبيًا.
رمقه آسر بحنق كرددًا:
- مش كدا يا عم أنت، بس ريان مش هيحب أبداً فضولك عن مراته، وبما أنه صديقي فأنا مش هرضى بكده.
ثم قام بتشغيل محركه وانطلق نحو الشركة.
بعد وقت ترجل الاثنان ودلفوا إلى الداخل وصعدوا نحو مكتب ريان ثم طرقوا الباب ودلفوا ليروا تجمع أضلاع المثلث الثلاثة.
نهض بيجاد مردفاً:
- زيد الخماسي والسداسي والسباعي اخبارك يلا.
احتضنه زيد مردفاً بغيظ:
- لقد زاد مزاحك عن الحد بيجاد.
قهقه بيجاد ليبتعد عنه ليمد هشام يده ورحب به بهدوء ليمد زيد يده أولاً إلى ريان ليصافحه الآخر بقوة.
جلس آسر وزيد ليهتف بيجاد بمرح:
- امتى جيت والسبب مااهو أكيد زيد الخماسي ماجاش من فراغ او زيارة لا متقنعنيش.
أجابه زيد مردفاً:
- أولاً زيد الرباعي، ثانياً أتيت البارحة لأتناقش حول عمل بيني وبين الذئب.
هتف بيجاد باستفزاز:
- رباعي خماسي كلها أرقام.. ولي مجتش من امبارح؟
- كنا نشعر بالتعب، فارتحنا بفندق حتى اليوم.
- كنتواهتف بها بيجاد باستغراب ليردف زيد:
- أجل، معي المديرة التنفيذية للشركة، شقيقتي رنا.
امتعض وجه بيجاد لا إرادياً وحاول رسم ابتسامة على وجهه مردفاً:
- آه رنا.
نظر زيد إلى ريان وهتف بجدية:
- نتحدث في العمل.
نظر له ريان وهتف بغرور:
- تعالى بكرة الساعة 10 حالياً مش فاضي.
تنهد زيد بقوة فهو استعد لمقابلته بعدما عرف أنه مغرور حد اللعنة لهذا قرر أن يهدأ وابتسم باقتضاب مردفاً:
- لا يوجد مشكلة، إلى اللقاء.
ثم نهض وكاد أن يرحل ولكنه التفت إليه مجدداً وهو يردف:
- آه كدت أنسى، مبارك على زواجك، لكن ما اسمها بالمناسبة.
نهض ريان بعدما قتمت عيناه مزمجراً بغضب:
- وانت مال أمك.
نهض بيجاد وهشام سريعاً وهتف هشام بغضب:
- اتفضل يازيد وبلاش حركاتك دي.
زحزح زيد كتفيه بعدم مبالاة وخرج بكل برود ليردف آسر بهدوء:
- ماذا فعلت؟
أنا فقط أنتابني فضول حول اسمها، وبالمناسبة لقد ذهبنا للقصر أولاً ظناً منا أنك هنا.
نظر له ريان بعينين تشع غضباً، فإن كانوا ذهبوا إلى القصر فهذا يعني أنه رآها.
في المساء.
أردف ريان بجدية:
- أنا عزمت اخوات حوراء النهاردة وهنقضي الليل مع بعض.
نظرت له حوراء بسعادة بينما نظر له هشام بغموض.
وبالفعل بعد دقائق حضر إياد وكان يقبض على كف آية بيده اليسرى وباليد اليمنى يقبض على كف تلك القصيرة.
ركضت حوراء نحوهم وعانقت إياد باشتياق وكذلك شقيقتيها ورحبوا بهم جميعاً وجلسوا معاً.
أردف أيان بمرح:
- بدل ما نقعد كدا ما يلا نخرج كلنا مع بعض.
هتفت حسين بتأييد:
- فعلاً فكرة حلوة.
رفع أيان ياقة قميصه الوهمية مردفاً بغرور مصطنع:
- زي صاحبه.
نظروا له شزراً لتردف كيان سريعاً وهي تنهض:
- طيب استنوني هروح اجهز.
نهضت ليان هي الأخرى مردفة:
- استنى هجهز معاكي.
وركضوا إلى الأعلى ليردف بيجاد بمرح:
- هنخرج بكرة الصبح على الحال دا.
قهقه جميعهم لينهض ريان ساحباً حوراء خلفه مردفاً:
- ونجهز احنا كمان.
وذهب بها إلى الأعلى ليردف أيهم وهو ينهض:
- يعني جات عليا مااهو مكناش نعرف اننا خارجين.
وذهب هو الآخر ليجهز بينما الآخرين جلسوا بإنتظارهم.
وبعد وقت انتهوا من استعدادهم للخروج، ليتجهوا نحو إحدى المطاعم والتي كانت من مطاعم الذئب.
وبعدها ساروا الشباب بالطرقات بينما ظل الكيلاني وعامر وحسين وليلى ومصطفى وسميرة بالمطعم.
كان إياد ممسكاً بكفوف شقيقتيه وكان ريان يتملك كف حورائه بيد وبالأخرى كف شقيقته وأيان ممسك بكف شقيقته، وأيهم وهشام وبيجاد وغيث يسيرون بجانب بعضهم.
توقفت حوراء وهي تردف بحماس:
- الله ذرة مشوية.
قهقه إياد مردفاً:
- تعالي، كنت متأكد من رد الفعل دا.
توجه إياد والجميع خلفه إلى ذلك البائع وطلبوا منه الكثير من الذرة المشوية وبعدها ساروا بالطرقات وهم يأكلون منها غير مهتمين بأحد.
أردف بيجاد بضجر:
- هي الشوارع هادية لى أى رأيكم نحط شوية شطة ونحلى الجو.
نظروا له بترقب ليروه يدلف إلى إحدى المحلات والتي كانت تبتاع سماعات بجميع الأحجام.
ليخرج بعد وقت وهو يحمل بيده سماعة متوسطة الحجم وقام بوضعها بجانب الطريق وأوصل هاتفه بها ثم نظر لهم وهو يغمزهم بشقاوة.
هتف ريان بتحذير بعدما علم على ماذا ينوي:
- إياك يا بيجاد بطل جنان.
ولم ينتظر بيجاد ليقوم بتشغيل هاتفه على إحدى الدبكات الفلسطينية التي يعشقها ليخرج صوتها من السماعة بارتفاع.
ليقف في منتصف الطريق ورقص عليها بحرافية وهو يقهقه بعلو صوته وقد رفع ياقة تيشيرته لتكون كلثام على وجهه.
انضم له أيان بدون تردد وبعدها غيث الذي سحب أيهم معه.
اقترب بيجاد من هشام وقام بجذبه وهو يردف بمرح:
- خلينا نسرق يوم من الأيام افرح يا اتش.
ثم امسك بكف ريان وهو يردف بمرح:
- يلا يا ريان مش هيحصل حاجة لو فرحنا هو احنا مش مكتوب لنا الفرح يعني ولا إيه.
تركت حوراء يده وهي تنظر له بحماس ليتنهد بقوة وانضم لهم في الرقص بعد أن أخفى ملامحه رفقة الشباب، فهم لا يريدون أن يتصدروا الصحف غداً كون رجال الأعمال الشهيرين أقاموا حفلًا راقصًا بين الطرقات!
اقتربت حوراء من إياد لينظر الثلاث فتيات إلى شقيقهم الأكبر الذي هتف محذراً:
- مش تبصولي كدا أنا مش هر قص.
لينتهي به المطاف وهو يقف بجانب أيهم وغيث يرقص معهم وكانت الفتيات يصفقون بمرح وسعادة والضحكة تزين وجوههم.
التف حولهم الكثير من الفتيان والفتيات منهم من انضم لهم في الرقص ومنهم من كان يصورهم.
انتهى اليوم بشكل أكثر من رائع وذهب كل منهم إلى غرفته وهم يشعرون بإرهاق من كثرة السير ليناموا بعمق.
مرت الأيام بشكل متسلسل لم تخلو من دلال ذلك الطبيب العاشق لحورائه وغيرته عليها أيضاً، ومن التقاء بيجاد بصباه.
وقام زيد الرباعي بعمل صفقة مع الذئب وإلى الآن لم يلتق بتلك القصيرة التي توعد لها بالكثير إن رآها مجدداً.
وهناك ذلك الهشام الذي كان يراقب آيته من بعيد وهو يخاف أن يقع بالحب من جديد ولم يكن يعلم بأن ما يخاف من حدوثه قد حدث بالفعل وقد تخطى مرحلة الحب أيضاً.
وذلك الأيهم ذو القلب المتألم كان يذهب كل يوم إلى مكان مجهول لم يعلمه أحد إلى الآن حتى صديقه غيث.
ذلك الغيث الذي أصبح متيماً بليانه والذي دللها كثيراً وهو يحضر لها الهدايا ويفعل لها المفاجآت لتقع هي في حبه للمرة الألف وهي تشعر بأن آلامها تتداوى بقربها منه.
وذلك الإياد الأخ الصالح لم ولن يمل من مراضاة أشقائه وإسعادهم دائما فسعادته تتمكن في سعادة أميراته الثلاث.
أما عن آسر فهو إلى الآن يسير في مخططه وهو يتمنى نجاح ما يخطط له ولكن لا أحد يعلم ما يخبئه له القدر.
وتلك الرنا مازالت تفكر في طرق للإيقاع بآسر وكل هذا حباً به ولوسامته فهو من تتهافت عليه جميع الفتيات ولم تكن تعلم بأنه يعلم بكل ما تفعله فهو وحش المخابرات ولكنه لا يهتم بها ويعلم متى يوقفها عند حدها.
...ها قد أتى يوم سيجمع فيه شخصين وإلى الأبد.
سيجتمع قلبان جمعتهما الصدفة ليتمنيا أن يجتمعا إلى الأبد، لتتحقق أمنيتهما وهذا اليوم الذي سيجتمعان فيه بحلال الله.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة جبريل
ها قد أتى يوم سيجمع فيه شخصان وإلى الأبد.
سيجتمع قلبان جمعتهما الصدفة ليتمنيا أن يجتمعا إلى الأبد، لتتحقق أمنيتهما وهذا اليوم الذي سيجتمعان فيه بحلال الله.
لم ينم طيلة الليل وهو يشعر أن قلبه سيصاب بسوء بسبب نبضه العنيف.
أشرقت الشمس لتقع أشعتها على عينيه الزرقاء الساهرة، لينهض من فوق الفراش وهو يخرج سريعا من غرفته ويصيح بأعلى صوته باسم صديقه.
خرج الآخر ذو الأعين الخضراء الناعسة من غرفته وهو يهتف:
- في إيه يا ابني؟
وقف أمامه وهو يردف بسعادة وعدم تصديق:
- فيه إن النهاردة فرحي.
نظر له الآخر بدهشة مصطنعة مردفاً:
- لا يا راجل احلف كده.
أجاب الآخر ببلاهة:
- آه والله.
وجد يد صديقه تصفعه بقوة على رأسه من الخلف مردفاً:
- ما إحنا عارفين يا زفت. وبعدين دلوقتي لسه الساعة 7، هنعمل إيه دلوقتي يا بيجاد؟ حرام عليك روح نام يا حبيبي الله يهديك.
أردف بيجاد:
- أنام؟ إيه دا أنا النوم مقربش مني من امبارح.
نظر له هشام بصدمة ثم هتف وكأنه يتحدث مع طفل:
- طيب يا حبيبي إنت النهاردة فرحك ولازم تكون مرتاح وصاحي وجسمك آخد كفايته من النوم. صحى.
أومأ له بيجاد ليكمل هشام:
- طيب روح نام علشان تقدر تكمل اليوم بنشاط. يلا وإحنا هنتولى أمور الفرح.
اقتنع بيجاد من حديثه وذهب إلى غرفته لكي يأخذ قسطاً من الراحة.
ليخرج بعده أيهم وغيث وهم يهتفون:
- ماله دا؟ إيه مصحيه دلوقتي؟
هز كتفيه وهو يردف بنعاس:
- أبداً يا سيدي، قال إيه النهارده فرحه ومنامش من امبارح.
أومأ أيهم مردفاً:
- حقه أي شخص بيحصل معاه كدا وأكتر لو كان هياخد اللي قلبه بيتمناها.
خرج صوت غيث الأجش من أثر النوم:
- طيب يلا هصحي أيان كمان، ما هو يادوب فعلاً نلحق من دلوقتي نخلص كل حاجة. وانت يا هشام شوف إذا كانت الفيلا جهزت ولا لأ.
نظر له هشام مردفاً بغرور:
- أكيد مش مستنيك تقولي.
- أكيد.
أجاب بها غيث وهو يهز رأسه بيأس من هذا المغرور الذي لا يرضى بأن يملي أحد عليه شيئاً.
***
كان هشام يجول بالفيلا التي جعل ألوانها مبهجة وجعل ألوان غرفة بيجاد ما بين الأزرق والأبيض والقليل من الأسود، فهو يعلم عشق صديقه للون الأزرق والألوان المبهجة على عكسه هو وريان.
غير تلك الغرفة التي كانت بالزهري والأبيض والتي كانت للأطفال.
وكانت ردهة الفيلا جميعها بالأبيض والرمادي الفاتح وتنسيقها راقٍ ورائع.
وهو واثق بشدة بأنها ستنال إعجاب صديقه.
شعر بأن أحد يقف خلفه ليلتف سريعا ليراه آسر الذي ينظر للفيلا بإعجاب.
هتف آسر ببعض المرح:
- هخليك انت اللي تشرف على بيتي.
يجابه هشام باستفزاز:
- متعشمش.
قهقه آسر ثم أردف بجدية:
- طيب بما إنك خلصت هنا فـ إحنا محتاجينك في جنينة قصر الذئب.
ضرب هشام جبهته بكف يده مردفاً:
- متعرفوش تعملوا حاجة من غيري أبداً. يلا بينا.
أنهى حديثه وهو يخرج ليتبعه آسر مردفاً:
- معلش استحملنا انت الكبير.
أغلق هشام باب الفيلا وغادر هو وآسر إلى حديقة القصر.
بعد وقت دلفوا من بوابة القصر وتوجهوا نحو الحديقة ليجد الجميع يعمل على قدم وساق تحت إشراف أيهم وغيث.
لينضم هو لهم وهو يشرف أيضاً على التجهيزات التي يريدها أن تصبح من أجمل وأرقى زينة على العالم.
***
استيقظ من النوم لتكون أول ما تراه عيناه هو وجهها الغارق في النوم.
نظر إلى الساعة بجواره ليراها مازالت السابعة صباحاً.
لينهض سريعا وقام بروتينه الصباحي قبل أن يجهز وغادر الغرفة.
قبل ذلك قام بكتب بعض الكلمات في ورقة ما ووضعها جانب الفراش وقبل رأس حوراء وهبط إلى الأسفل متجها نحو حديقة قصره.
وجد هشام وأيهم وغيث يتحدثون بجدية وهم يشيرون للعمال على بعض الأشياء، بينما آسر وأيان يساعدون بعض العاملين.
تقدم منهم ليردف:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ردوا عليه جميعاً:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هتف ريان بجدية:
- بيجاد فين؟
جابه هشام بغيظ:
- العريس نام الصبح قال إيه معرفش ينام الليل.
أومأ ريان وهتف بجدية:
- تمام. على الساعة 2 غيث يروح يجيب صبا هتجهز في القصر هنا.
أومأ له غيث ليكمل ريان:
- هروح الشركة أخلص شوية ورق وهرجع بعد ساعتين. وتعالى معايا يا أيهم.
هتف أيهم باستغراب:
- هتروح كده؟
نظر له ريان إلى نفسه ليردف بهدوء:
- أيوا.
نظر له أيهم إلى نفسه مردفاً:
- وأنا هروح كده؟
نظر له ريان مردفاً بسخرية:
- هتفضل تسأل كتير.
رفع أيهم حاجبيه بدهشة وهو يومئ بـ لا ليردف ريان:
- هشام.
ثم أشار له بمعنى "تعالى معي قليلاً".
ليسير ريان مبتعداً وخلفه هشام ووقفوا على مسافة لا بأس بها وهتف ريان بجدية:
- زي ما انت شايف الحديقة كلها عاملين. متخليش وحدة من البنات تطلع من الشرفة حتى.
- أكيد من غير ما تقولي.
هتف بها هشام بتفهم ليربت ريان على كتفه بثقة وغادر ومعه أيهم.
وظل هشام وغيث وأيان وآسر مع العاملين.
***
انحنى عليها وما كاد يهمس بأذنها حتى تستيقظ.
التفتت هي ولطمته على وجهه أثناء نومها.
ليهمس بغيظ:
- إيه النوم الغريب دا؟ قومي يابت.
فزعت أريب من صوته قبل أن تتنهد قائلة:
- في إيه يا إياد؟ خضيتني.
- عفوًا يا أميرتي، صباح الخير أولاً.
ابتسمت بحب وهي تستقبل قبلته على جبينها لترد عليه بصوت ناعس:
- صباح الجمال.
- قومي يلا علشان ورانا تجهيزات الفرح، نسيتي ولا إيه؟
انتفضت قائلة:
- آه صحيح، خلاص هجهز والحقك.
أماء لها ثم خرج متجهًا لغرفة شقيقته الأخرى.
طرق الباب ليسمح صوتها ليفتح الباب مبتسماً:
- صباح النشاط والجمال.
- صباح الخير يا حبيبي، تعالى.
- لا خلاص كنت جاي اصحيكي، اجهزي وتعالي علشان تفطري.
- حاضر.
تقدم منها وقبل جبينها لتبتسم هي له ثم تركها وخرج.
كاد أن يتجه للمطبخ لتفاجئه أمينة بأنها أعدت الفطار مسبقاً.
ليقول معاتباً:
- لي تتعبي نفسك يا أمي أنا كنت هحضر الفطار.
ربتت على كتفه مردفة:
- كتر خيرك يا ابني بس قولت أعملك حاجة بدل ما انت قايم بكل شغل البيت ودا غير شغلك اللي في الشركة أكيد بتتعب وبتحتاج ترتاح.
قبل يدها مردفاً:
- متقوليش كده يا أمي راحتي معاكم وفـي خدمتك انتي وأميراتي الثلاثة.
وجد فجأة شقيقتاه تحتضنانه بقوة مردفتان بأعين لامعة بالدموع:
- إحنا بنحبك أوي يا إياد ربنا يديمك لينا يا أحلى أخ وأب وأم في الدنيا.
عانقهم بحنان وقلبه يرقص طرباً عشقاً لإخوته مردفاً بحب:
- ويديمكم ليا يا أحلى وأجمل أميرات في الدنيا.
أدمعت عيني أمينة من هذا الحب الصادق وهي تدعوا لهم بكل خير من أعماق قلبها.
ثم تناولوا الفطور وجلسوا يتحدثون بمرح.
ثم نهض إياد وقبل رأس أميراته ويد أمه الروحية وغادر إلى الشركة تلحقه دعواتهم التي بها يسعد ويرزق.
***
في قصر الشرقاوي.
كان القصر في حالة هرج وجميع الخدم يصعدون إلى غرفة صبا ويهبطون مجدداً.
وفي غرفة صبا.
كانت تقف وهي تتحرك بتوتر تحت نظرات والدتها وخالتها المنزعجين من حركتها التي أصابتهم بالتوتر.
هتفت أمها باللغة الإنجليزية لأنها لا تجيد العربية جيداً:
- صبا أرجوكي اجلسي ولا تصيبينا بالتوتر.
هتفت صبا:
- آسفة أمي، ولكن لا أستطيع.
ما إن أنهت حديثها حتى دلفت إحدى الخدم وهي تردف:
- صبا هانم ريان باشا أمر إنك هتجهزي في قصره وهو المسؤول عن كل شئ يخصك.
- ماذا؟
هتفت بها صبا باستنكار بينما والدتها هتفت بتعجب:
- وااو هل حقاً ستجهزين في قصر الذئب؟ إنه أمر رائع.
هتفت صبا بحنق:
- أمي أرجوكي توقفي أنا لا يمكن أن أسمح بهذا.
وخرجت من الغرفة متجهة نحو بهو القصر.
كان يقف الشرقاوي وبجانبه ذلك مايكل الذي مازالت يده ملفوفة بشاش أبيض ووجهه بها علامات كدمات.
هتف مايكل بحقد:
- لمَ لم تزوجها لي؟ فأنا طلبتها منك من قبل وأكثر من مرة.
هتف الشرقاوي بلا مبالاة به:
- كل شئ نصيب يا مايكل كل شئ نصيب.
رمقه مايكل بحنق وكاد أن يجيبه ولكن أتت تلك صبا ووقفت أمامهم وهتفت بغضب لـ مايكل:
- اغرب عن وجهي مايكل أريد التحدث مع والدي على انفراد.
رمقه مايكل بتوعد وغادر ليردف الشرقاوي بحنان:
- مالك يا صبايا في حاجة ناقصاكي؟
هتفت صبا بغضب تحاول السيطرة عليه أمام والدها:
- أبي كيف تسمح بأن يكون تجهيزي في قصر الذئب؟
- اهدئي الأول يا حبيبتي.
هتف بها الشرقاوي بهدوء فهو يعلم أن صبا عندما تتحدث باللغة الإنجليزية وهي تستطيع التحدث باللغة العربية هذا يعني أنها غاضبة.
زفرت صبا عدة مرات وهي تعيد خصلات شعرها النحاسية إلى الخلف بعدما سقطت على عينيها.
وأردف الشرقاوي:
- الذئب كلمني وقالي إن الفرح مش هيكون في قاعة وهيكون في حديقة قصره علشان صاحبه والأحسن إنك تكوني في قصره علشان كل حاجة تبقى سهلة ومتيسرة وأنا ملقتش مشكلة في الموضوع.
تنهدت صبا وهتفت بهدوء:
- حسنًا أبي، كما تريد. أراك لاحقاً.
قبلت وجنته ثم ذهبت إلى الأعلى تجلس مع والدتها وخالتها.
***
استيقظت من النوم وهي تتثاءب وتبعد خصلات شعرها الفحمية عن وجهها لترى أن الفراش بجانبها فارغ.
لتنهض واتجهت للمرحاض لتجده فارغاً لتعلم أنه خرج لتقوم هي بالتجهيز.
وما كادت تخرج من الغرفة حتى لمحت تلك الورقة.
لتضيق حاجبيها واقتربت منها تمسكها بـ أناملها تقرأها:
"صباح الجمال على لؤلؤي الأسود.. متخرجيش برا القصر لإن العاملين في الحديقة ولا تخرجي في الشرفة والكلام يتسمع يا لؤلؤي الأسود.. هتوحشيني."
ابتسمت بعشق لهذا اللقب الجديد الذي نال إعجابها بلا شك.
دائماً لا يخلو حديثه عن أسلوب الأمر فهو زوجها المتسلط المغرور.
وأيضاً من وقت لآخر يخرج لها لقباً يجعل قلبها يتراقص فرحاً فهو زوجها العاشق المتيم بها.
تنهدت بيما سقط بصرها على القرآن الكريم، لتجلس على الفراش وتذكرت وردها، لتبدأ بقراءته، وبين ذلك ابتسمت وهي تقرأ:
"بسم الله الرحمن الرحيم. { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين َ} ( الأعراف 128 )."
"صدق الله العظيم."
ظلت تتأمل في هذه الآية الكريمة التي أثلجت صدرها وجعلت نبضات قلبها متسارعة.
ثم أغلقت، وقبلته، ووضعته بمكانه وخرجت من الغرفة.
وجدت كيان تتحدث مع هشام مردفة:
- يا اتش هطلع أشوف النظام وأدخل تاني.
هتف هشام بجدية:
- كيان الموضوع انتهى ومفيش خروج. الحديقة مليانة عاملين وأنتي عايزاني أسمحلك تخرجي؟ انتي مجنونة.
تنهدت كيان بغيظ لتتقدم منهم حوراء وهتفت برقة:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد هشام وكيان السلام لتردف كيان بعدها:
- اتكلمي معاه انتي يا حوراء وخليه يسمح لي أشوف النظام بس وهدخل تاني مش هتأخر.
هتفت حوراء بعقلانية:
- مينفعش يا كيان هو معاك حق.
ضربت كيان قدميها في الأرض والتفتت تذهب إلى الأعلى وهي تردف:
- هشوفها مش شرفة أوضتي.
خرج صوت هشام المحذر هاتفا:
- وربي يا كيان لو عرفت إنك خرجتي في الشرفة هيخرج رد فعل مني مش هيعجبك.
لم ترد كيان ودلفت إلى غرفتها بغيظ لتهتف حوراء بابتسامة:
- هما البنات كده. انتي لو معرفتهاش إنه مينفعش تخرج مكنتش هتخرج من نفسها. بس لما تعرف إن ده أمر التمرد اللي داخل الأنثى بيشتغل وبتكون عايزة تخرج لأي سبب.
هز هشام رأسه موافقاً مردفاً:
- فعلاً والله.. انتوا صنف غريب مبيتفهمش.
رفعت حاجبها ليردف سريعا:
- انتي غيرهم طبعاً.
ضحكت حوراء بخفة ثم هتفت:
- طيب بعد إذنك.
- اتفضلي.
توجهت حوراء إلى المطبخ وطلبت منهم إعداد فطور لها ثم خرجت وتوجهت إلى الأعلى لغرفة كيان.
وخرج هشام إلى الحديقة ليكمل عمله.
دلفت حوراء إلى غرفة كيان لتجدها جالسة بجانب ليان يتحدثون لتردف بمرح:
- العروسة اللي اتكتب كتابها.
ضحكت ليان بخجل وهي إلى الآن لا تصدق أنها زوجة من عشقته منذ الطفولة.
نظرت لها كيان وهتفت ببعض الجرأة:
- حوراء بما إننا بنات مع بعض فـ عايزة أسألك حاجة.
- اتفضلي.
- هو يعني أخوكي بيحب.. يعني مثلاً واحدة عاجباه ومقرر يتجوزها؟
ابتسمت حوراء مردفة:
- لا.
نظرت لها بأعين لامعة:
- متأكدة؟
أومأت لها لتكمل بسؤال:
- طيب في سؤال هيموتني الصراحة.. هو اشمعنا بيرفع عينه لـ قمر إنما حد تاني؟
نظرت لها حوراء قليلاً وخافت أن تجيبها فتجرح مشاعرها لتردف بتلعثم:
- بصراحة هو.. يعني..
هتفت ليان:
- إيه يا حوراء هو ناوي يتجوزها ولا إيه؟
نظرت كيان إلى ليان بفزع وامتلأت عينيها بالدموع لا إرادياً وهي تنظر نحو حوراء تنتظر إجابة تبرد نار قلبها.
وكأن حوراء علمت ما تريده لتردف بهدوء:
- لا طبعاً هو بيقدر يرفع عينه فيها علشان.. علشان حجابها وكده.. ولما بيرفع عينه مبيخدش ثواني وبيغض بصره تاني.
تنهدت كيان بالراحة وقد شعرت براحة عندما علمت إجابة سؤالها وأيضاً أنه لا يفكر الزواج بها.
ولكن هتفت بتوجس:
- هو يعني أخوكِ ممكن يتجوز وحدة مش محجبة وكده؟
علمت حوراء أنها إن أجابتها فسوف تجرحها لذا هتفت مغيرة مجرى الحديث:
- سيبكم من الموضوع ده.. وركزوا إن النهاردة في فرح ولازم تجهزوا.
ما إن أنهت حديثها حتى صدح صوت رنين هاتف كيان لتجده أخيها لتجيب عليه على الفور لتردف بعدما استمعت له:
- متقلقش يا أبيه هي جنبـي.
لتصمت قليلاً ثم أعطت الهاتف لحوراء وهي تردف:
- عايز يكلمك.
ضيقت بين حاجبيها وأجابت برقة:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد عليها السلام ثم هتف بغضب:
- فونك فين يا حوراء؟ أنا رنيت كتير ومردتيش.
هتفت بهدوء:
- هو في الأوضة.
- وأنا جايبه لي ياهانم.
هتف بها بغضب.
لتردف بحزن استشعره هو:
- أنا نسيته.
تنهد بقوة من الناحية الأخرى ثم هتف بهدوء:
- طيب يا لؤلؤي الأسود البنات اللي هيجوا يساعدوكم إنكم تجهزوا نص ساعة ويكونوا عندكوا.
ابتسمت لهذا اللقب واردفت برقة وخجل:
- حاضر سلام.
- استنى.
هتف بها سريعاً.
لتجيبه برقة:
- نعم.
أجاب بابتسامة ظهرت في نبرة صوته:
- بحبك.
اتسعت عينيها وهي تنظر إلى كيان وليان وقد تلون وجهها بالحمرة من شدة الخجل ليقهقه هو من الناحية الأخرى وهو يتهيأ منظرها الآن وهتف بحب:
- سلام.
أغلقت الهاتف بدون أن تجيبه وأعادته إلى كيان التي أردفت بخبث:
- إيه الفراولة دي؟
ضحكت ليان مردفة:
- أكيد أخوكي.
أجابت كيان بخبث لها:
- اسكتي انتي بتبقي زيها لما تكلمي سي غيث.
نظرت لها بأعين متسعة وخجل فهي تنادي غيث حقاً بهذا اللقب لتقهقه كيان على هيئتهما هما الاثنان.
لتردف ليان بغيظ:
- ماشي هيجيلك يوم.
أيدتها حوراء مردفة:
- فعلاً هيجيلك يوم.
ضحكت كيان وضحكت معها حوراء وليان ثم هتفت حوراء:
- قال إن البنات اللي هيساعدونا في إننا نجهز نص ساعة ويكونوا هنا.
أومأوا لها وظلوا يتبادلون الحديث والمرح.
***
كان الجميع يعمل على قدم وساق ما عدا هو.
فقط متسطح على الفراش ينام بعمق غير عابئ بما يدور حوله.
***
أسدل الليل ستائره وظهر قمرنا الجميل.
كان القصر مزيناً بطريقة تخطف الأنظار وتبهر العقول بأضوائه الهادئة والجميلة.
وبسبب الزهور التي في الحديقة من الأساس أعطت رونقاً خلاباً للمكان وهي تعكس روائحها الرائعة في كل مكان والأضواء تضيء من حولها.
في غرفة الذئب.
كان يعدل من جاكيت بدلته أمام المرآة وهو يرفع رأسه كالطاووس ناظراً إلى نفسه بثقة كبيرة.
استمع إلى صوت باب المرحاض يفتح ليلتفت ناظراً لها ليتصنم بمكانه وعيناه الرمادية الممزوجة بالأخضر لمعت بالعشق.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يراها بهذا الشكل الملائكي بذلك الثوب الذي أحضره لها بعدما صممه أشهر مصممين العرب والذي كان باللون الأزرق القاتم والذي كان يضيق من الصدر ويهبط باتساع كبير وجميل وبـه ذيل طويل.
ولكن لم تكن هديته هنا.!!
بل كانت هديته عندما زين صدر الثوب وذيله بـ الألماس الحر.
وجهها المتذمر من ثقل الثوب جعله يريد أن يضحك بشدة عليها.
اقترب منها ولثم وجنتيها بحب مردفاً بصوت أجش:
- إيه رأيك مننزلش ولما يخلص الفرح يبقى ننزل وتشوفيـه؟
نظرت له بتذمر مردفة:
- يعني بعد ما اتبهدلت في لبس البتاع التقيل ده وفـ الآخر تقول لي مننزلش؟ أنا مش عارفة إيه لازمة الألماس ده غالي أوي يا ريان.
قبل يديها وجبينها مردفاً بحب:
- التراب اللي بتمشي عليه بالألماس ده كله يا لؤلؤي الأسود.
ابتسمت بعشق لهذا العاشق وقبلت وجنته برقة مردفة:
- بحبك يا روح لؤلؤك الأسود.
غمزها بعينه هامساً بمرح:
- عارف.
ضحكت برقة ليبتعد من أمامها ودلف إلى غرفة الثياب وخرج بعد وقت وهو يحمل بين يديه تاج لامع زين بنفس الألماس الذي بثوبها.
وضعه فوق حجابها جيداً وقبل رأسها مردفاً:
- أحلى وأجمل ملكة في الكون.
احتضنته بحب:
- لإنك إنت ملكي.
احتضنها وهو يسب بيجاد في سره فـ بسببه لن ينفرد بزوجته.
ابتعد عنها وهتف بحنان:
- روحي عند كيان وأنا هشوف بيجاد.
أومأت له ليمسك بكف يدها وقبل باطنها بحب ثم سار بها خارج الغرفة وهي تشعر بأنها تحمل أوزاناً على جسدها.
وقف على بعد من الغرفة التي توجد بها الفتيات وقبل يدها مجدداً ثم تركها تسير أمامه حتى اطمأن أنها دلفت إلى الداخل ليتوجه هو إلى صديقه.
***
فتح باب الغرفة ليجد ثياباً تتطاير هنا وهناك وصوت بيجاد الذي يهتف بغيظ:
- فين الشراب يا حرامية؟ مش لاقيين غير الشراب اللي تسرقوه يا حرامية معفنة.
هتف هشام الذي يجلس على الفراش بغيظ:
- يا ابني ما هو في إيدك انت هتجنني.
نظر بيجاد إلى يده ليجده نفسه ممسكاً بالشراب ليبتسم ببلاهة.
ليدلف ريان مردفاً:
- إيه يا عريس انت اتجننت قبل ما تتجوز حتى؟
هتف بيجاد بخبث:
- لـي؟ هو الجواز بيجنن؟
أردف ريان وهو يفهم إلى ما يريد أن يصل إليه:
- العكس الجواز فل.
لضحك بيجاد وعلم أنه أدرك أن يوقعه بالحديث ويخبر حوراء.
اقترب منه ريان واحتضنه مربتاً على كتفه مردفاً:
- مبارك يا بيجاد.
بادله العناق بقوة هاتفا:
- الله يبارك فيك.
خرج صوت هشام مردفاً:
- نخلص من جو العشق الممنوع ده.. الناس بدأت تيجي.
يقهقه ريان مردفاً:
- هيجيلك يوم يا صديقي.
- بعيد الشر.
هتف بها هشام وهو ينهض مقترباً من بيجاد وهتف بحنان:
- يلا يا عريس البس البدلة.
وبدأ ريان وهشام في مساعدة بيجاد الذي كانت عيناه تدمع من الحين للآخر ويخفيها سريعاً وهو يشكر ربه على نعمة هذان الصديقان.
***
هتف مصطفى باعتراض:
- إزاي يعني مساعدش ابني يا بابا؟
هتف الكيلاني بهدوء:
- ريان وهشام معاه وانت عارف بيجاد لو كنا كلنا جنبه وريان وهشام لأ هيحس إنه لوحده.. وكمان دول أضلاع المثلث الثلاثة اللي مبيفترقوش أبداً.
راعي ده.
زفر مصطفى بغيظ فهو كان يريد أن يساعد ابنه في تجهيز نفسه ليخرج صوت عامر مردفاً:
- عقبال ما نفرح بالضلع الثالث.. وأيهم وأيان والبت ليان خلاص أخدها غيث فاضل كيان.
هتف حسين سريعا وكأنه تذكر شيئاً ما:
- بصراحة أنا فكرت في موضوع أيهم وكنت عايز أكلمكم فيه بس الظروف مكنتش مناسبة.
- إيه ماله أيهم؟
هتف بها عامر بهدوء.
ليجيبه حسين بتفكير:
- أنا شوفته بيكون قاسي مع الكل إلا مع كيان دايماً بيبقى حنين معاها.. فـ فكرت إنه ممكن يكون فيه أمل إن أيهم يحب ويتجوز تاني.
هتف مصطفى باعتراض:
- مين دا اللي يتجوز كيان؟ دي بت رقيقة عايزة واحد هادي مش زي أيهم همجي.
أجاب حسين بجدية نادراً ما يظهر بها:
- ممكن تخليه يرجع حنين تاني ياخويا وتكون هي دوائه.
هتف عامر بتفكير:
- بصراحة هو ممكن بس الأمر كله في إيد كيان.
كان الكيلاني يتابع حديثهم بصمت ثم هتف بهدوء:
- متشغلوش تفكيركم دلوقتي فكروا بـ بيجاد وبس.
***
في غرفة الفتيات.
خرج صوت والدة صبا وهي تردف بانبهار:
- إنه ألماس حر بالفعل تستحقين لقب الملكة.
- شكراً.
اهتفت بها حوراء بخجل لتردف كيان بمرح:
- صبا لقد تم التغطية عليكي بنجاح.. حوراء دايماً بتغطي على الكل في حضورها.
ضحكت صبا مردفة:
- بصراحة تستاهل دا أنا أعجبت بيها أمال حال الذئب إيه؟
خرج صوت ليان وهي تردف:
- كفاية البنت هتنصهر.
ضحكت صبا وكيان لتهتف خالة صبا:
- صبا يجب أن تضعي اللمسات الأخيرة من المساحيق التجميلية فقد اقترب الوقت.
ثم نظرت إلى حوراء مردفة:
- أنتِ لستِ بحاجة لتعديل الماكياج الخاص بكِ فهو جميل جداً.
نظرت لها حوراء باستغراب فهي لا تضع أي شيء في وجهها سوى ذلك الكحل الأبيض لتزداد حمرة وجنتيها خجلاً وهي لا تعلم بما تجيبها.
هتفت كيان بضحك:
- إنها لا تضع أي مكياج إنها طبيعية تماماً.
نظرت لها خالة ووالدة صبا بصدمة لتقترب خالة صبا تحت أنظارهم منها ووضعت يديها على بشرتها وهي تحرك أناملها عليها لتتأكد بأن وجهها خالـي تماماً من مستحضرات التجميل.
لتنظر لها بصدمة وانبهار وهتفت وهي تبتعد عنها:
- لكن...
ضحكت ليان مردفة:
- الحقي يا صبا خالتك ممكن تروح فيها وتبوظ فرحك.
ضحكت صبا بقوة على معالم خالتها.
قاطعهم صوت طرق على الباب لتعتدل حوراء سريعاً في جلستها وهي تظن أنه أحد رجال العائلة ولكن دلفت أريب وآية وهما يبتسمان باتساع.
نهض سريعا وعانقتهم باشتياق لتهتف حوراء باشتياق:
- إياد جه صح؟
هتفت أريب بمرح وانبهار:
- أيوا جه بس قوليلي إيه دا.. دا ألماس حقيقية يا بت.
كانت أريب تتحدث بمزاح ولكن فاجأتها عندما هتفت حوراء بضحك:
- وانتي إيه عرفك؟
نظرت لها بصدمة مضحكة مردفة:
- يعني دا ألماس حقيقي ولا بجد؟
ضحكت حوراء عليها مردفة:
- حقيقي وبجد.
أردفت أريب بمرح:
- يبقى فكريني قبل ما أمشي آخد اتنين ولا تلاتة مش هكتر علشان أنا مش طماعة.
أبعدتها آية وهي تضحك على شقيقتها المجنونة واحتضنت حوراء ثم احتضنوا كيان وليان وصبا التي استقبلتهم بسعادة فهي قد تعرفت عليهم يوم كتب كتابها.
قاطعهم مجدداً صوت طرقات على الباب لتنهض كيان وفتحت الباب لتجده الشرقاوي لتعلم أنه أتى لكي يأخذ صبا.
دلف الشرقاوي وغادرت آية وأريب.
وكان هو ينظر إلى ابنته بأعين لامعة بدموع السعادة لتدمع أعين صبا على الفور وهي ترمي بنفسها في أحضانه.
عانقها الشرقاوي بقوة وهو يحاول كبت دموعه ثم قبل رأسها مردفاً:
- ماشاء الله يا صبايا ربنا يحميكي.
ابتسمت له صبا من بين دموعها ثم تعلقت بذراع والدها وخرج بها.
وتبعتهما والدة وخالة صبا.
وتبعتهما كيان وليان وحوراء بحذر من هذا الثوب الثقيل.
في أسفل الدرج الذي كان مزيناً بطريقة رائعة.
يقف بيجاد على أحر من الجمر وهو يرتدي بدلة سوداء أسفلها قميص أبيض بوسامته الطاغية وعيناه التي تشبه المحيط في عمقها.
نظره معلق أعلى الدرج ينتظر رؤيتها.
وكان بجانبه ريان وهشام وإياد وأيهم وغيث وأيان وآسر.
رأى إياد شقيقتيه ليتجه نحوهم سريعا وأمسك بكفوفهما وهبط بهم وهو يسألهم عن حوراء ليجيبوه بأنها ستنزل بعد صبا برفقة كيان وليان.
ليخرج بهم إلى حديقة القصر حيث الاحتفال بزواج حفيد عائلة الكيلاني.
تعلقت أعين هشام بتلك الآية التي كانت تبدو مثل الفراشة بثوبها الوردي الرقيق ووجهها ذو الملامح الهادئة.
وكان آسر يتابع أريب بعينيه والتي كانت ترتدي بنطال جينز وأعلاه ثوب يصل إلى ركبتها باللون الأبيض المتسع وحذاء بكعب باللون الجملي وحجاب بنفس لون الحذاء.
ليبتسم بخفة فهي رغم أنها ترتدي حذاء ذو كعب إلا أنها مازالت قصيرة.
توقفت أنفاس ذلك المنتظر وازدادت ضربات قلبه وهو يراها تتمسك بذراع والدها وتهبط الدرج بحذر وبطء بفستانها الأبيض اللامع الذي يهبط باتساع بسيط وجميل به زخرفة جميلة.
"وكأنها قمر مضيء في ليلي المعتم!".
لم يشعر بشيء إلا عندما وقف الشرقاوي أمامه وهو يهتف بجدية:
- أنت مأخذتش بنتي بس.. أنت أخذت السبب اللي مخليني عايش.. خلي بالك من صبايا.. عاملها كـ بنتك قبل مراتك.
هتف بيجاد وعيناه معلقة على وجهها الجميل المحمر بحمرة الخجل التي أعجب بها كثيراً:
- مفيش حد بيأمل في روحه.. وصبا روحي يا حمايا.
ربت الشرقاوي على كتفه وناوله كف صبا ليلتقطه بيجاد برفق.
ثم اقترب منها وقبلها من رأسها بهدوء شديد.
ابتعد عنها وعيناه معلقة بها.
لم يتحدث بل اكتفى بالنظرات فقط.
جذبها أخيراً من يده إلى حديقة القصر حيث ينتظرهم الكثير من كبار رجال الأعمال والسيدات أيضاً.
ومن كان ينتظرهم على أحر من الجمر.. هي تلك الكاميرات التي تنتظر التقاط صوراً لهذا الحفل الأسطوري.
في الداخل هبطت حوراء الدرج برفق لتجد من يمسك بكف يدها بحنان ولقد علمت هويته.
ابتسامة هادئة ارتسمت على شفتيها وهي تنظر له بأعين لامعة تخصه هو فقط.
ابتسم لها ابتسامة زادته وسامة وساعدها في هبوط الدرج بحذر بهذا الثوب المثقل بالألماس.
هبطت بعدها كيان الدرج وهي ترتدي ثوب باللون الأخضر به نقوش جميلة ويزين بذلك الذيل الطويل نسبياً من الخلف.
وبه فتحة بسيطة أظهرت ساقها.
سارع هشام إليها وهو يمد يده لها بطريقة كلاسيكية لتبتسم له ووضعت كفها بكفه وهبطت معه.
تليها هبوط من كان ينتظرها قلباً عاشقاً لها منذ زمن بعيد.
تلك ليان والتي كانت ترتدي ثوب بسيط وهادئ باللون الأسود وكان به فتحة في الساق أيضاً.
لم يتحرك ذلك العاشق من مكانه فقط يتابعها بعينيه وهي تنظر له بحب.
وقفت أمامه وعيناه معلقة بعينيها.
ابتسم ببلاهة وهتف يقبل رأسها بحنان هاتفا:
- وحشتيني يا مراتي.
تلذذ بشدة وهو يهتف بهذا اللقب الذي حلم دائماً بأن يهتف به لها هي ولا لغيرها.
لا يصدق أنها زوجته الآن على سنة الله ورسوله.
أمسك بمعصم يدها وخرج بها وقلبه يكاد يخرج من بين ضلوعه وهو الآن يستشعر وجودها بجانبه ولكن.. ليست كـ حبيبته.. بل زوجته.
ابتدأت أضواء الكاميرات في السطوع عند ظهور بيجاد وصبا وهما يسيران إلى مكانهما المخصص.
وازدادت أضواء الكاميرات عندما خرج الذئب وملكته التي خطفت الأنظار.
التقطوا لها صوراً كثيرة وهي بهذا الفستان الذي صدمهم جميعاً عندما علموا أن ما به لم تكن نقوش عادية بل ألماس.
وبعدها خرج ذلك الهشام وهو يمسك بكف كيان التي أبهرت عقول الناظرين لها بجمالها التركي الأخاذ.
وأخيراً ظهر غيث وزوجته الذي كان يحيط خصرها بتملك ظهر للجميع.
بدأ الاحتفال وبدأ الجميع بتهنئة حفيد عائلة الكيلاني وابنة الشرقاوي بحفاوة كبيرة.
دلفت من باب القصر وهي تنظر حولها تبحث عن تلك أريب.
انتفضت بفزع عنها همس لها أحدهم:
- بتدوري عليا صح؟
نظرت إلى الصوت سريعاً ولم يكن سوى ذلك الأيان المعتوه لتبتسم بسماجة مردفة:
- لا وابعد عني.
هتف الأخير بمرح:
- طيب خليني أساعدك أصل هنا بيخطفوا البنات الحلوة.
تركته قمر ودلفت تبحث بعينيها عن أي من الفتيات وشقيقهم.
وجدته خلفها يهتف بضحك شديد:
- طيب قوليلي عايزة مين وهوديكي له بدل ما أنتِ عاملة زي التايهة كده.
كادت أن تسير من أمامه ولكنه قاطعها بـ جسده.
حاولت مراراً وتكراراً الابتعاد من أمامه ولكن كان دائماً يقاطعها بـ جسده.
ولحسن حظها.. أو لنقول من سوء حظه هو.. رآهم ذلك الإياد الذي لمع الغضب في عينيه عندما رآه وهو يعترض لها طريقها بهذه الطريقة.
ترك شقيقتيه وتوجه نحوهما بسرعة.
هتف أيان:
- على فكرة أنا عايز أساعدك.
توجهت قمر نحو اليسار لتسير مبتعدة عنه ولكنه قاطعها ككل مرة ولكن هذه المرة وجدت ظهر أحدهم يقف أمامها.
أما أيان فقد تفاجأ من دخول إياد بينهم وهو ينظر له بقوة.
هتف إياد بغضب وهو يقف أمام قمر يخفيها خلفه بغضب:
- فيه إيه يا أيان؟
حك إيان رأسه بحرج وكاد أن يتحدث.
ولكن هتفت قمر سريعاً عندما علمت أن هذا الذي وقف بينها وبين أيان هو إياد:
- كان بيعترض طريقي وحاولت أبعد منه وكان بيمنعني.
ابتعد أيان خطوة إلى الخلف وهو يرى نظرات الغضب من إياد وهتف ببلاهة:
- صدقني كنت عايز أساعدها لما لقيتها تايهة وهي مش أدتني فرصة.
وجد لكمة قوية توجهت لوجهه من ذلك الإياد وتبعه صوته وهو يردف:
- إبعد عنها يا أيان.. وقبل ما تكذب أنا كنت شايفك بتعترضها.
ثم نظر خلفه بغضب هاتفا:
- وانتي امشي قدامي.
أومأت له قمر بتوتر وسارت أمامه بخطوات سريعة وألقى إياد نظرة غاضبة لأيان وسار خلفها وهو ينظر إلى شقيقتيه والتي يظهر من ملامحهما أنهما شاهدا ما حدث.
وقفت قمر بجانب أريب وآية وكأنها مذنبـة لتفرك بيديها بتوتر عندما اقترب منهم ذلك الإياد.
هتف إياد بهدوء على عكس ما كان منذ دقائق قليلة:
- هتفضلوا مع بعض وأي حد يدايقهم أو يعترض طريقكم أنا موجود عند الشباب بس عيوني هتكون عليكم فاهمين يا أميراتى.
ثم نظر إلى قمر مكملاً:
- فاهمة؟
أومأن له ليذهب نحو الشباب لكي يترك لهم راحة الحديث ولكن كانت عيونه معلقة عليهم.
بينما أيان فقد توجه له أيهم عندما شاهد ما حدث ووقف بجانبه هاتفا بجدية:
- عمل كدا ليه؟
هز كتفيه وهو يتحسس مكان لكمة إياد بألم مردفاً بمرح:
- عنيف أوي وأنا كنت عايز أساعد البنت بس.
ابتسم أيهم بسخرية عليه هاتفا:
- تستاهل وكويس إنه اكتفى بضربة واحدة بس.
- إيه يا عم انت معايا ولا معاه؟
- مش مع حد يلا تعالى واتلم شوية.
أنهى حديثه وهو يسير أمامه وتبعه أيان.
وكان بيجاد يجلس بملل بجانب صبا وهو يتطلع إلى هؤلاء رجال الأعمال الذين يتحدثون مع بعضهم البعض وكأنهم في منازلهم.
هتف ببعض من الغيظ والملل:
- إيه دا بقى؟ دا أنا كدا هنام على نفسي.
ضحكت صبا وهتفت بهدوء:
- هي كده أفراح الأغنياء يا بيجاد.
نظر لها وهو يغمزها بعينه بشقاوة مردفاً:
- طيب ما ننسا إننا أغنياء اليوم ده.
ولم يترك لها فرصة لفهم ما تفوه به وسار نحو المتخصص للأغاني وطلب منه شيئاً ثم توجه نحو الشباب حيث كان يتابعه ريان وهشام بتوجس.
وفجأة صدحت أغاني عالية في المكان ليمسك بيجاد الشباب من أيديهم وهو يهتف بمرح:
- عيب عليكم.. مش فرح بيجاد اللي يبقى ملل كده.
وبدأ يضحك وهو يرقص بسعادة وانضم له أيان وغيث كالعادة بدون تردد.
وبعد وقت انضم لهم أيهم وريان وهشام.
ولم تترك الكاميرات هذه اللحظات بالطبع وهو يقومون بتصوير كل حركة منهم.
مرت سويعات طويلة بين الفرح والضحك والسعادة والحب يغمر فؤادهم.
هنا نظرات، وهنا لمسات، وهنا حنان، وهنا حب، وهنا ابتسامات، وهنا ضحكات.
امتزجت هذه السويعات بكل معاني الحب، والسعادة، والصداقة الحقيقية.
سويعات ستنحفر داخل مكتبة ذكرياتهم لا تمحى مهما مر عليها الزمن.
انتهت هذه السويعات سريعة عليهم.
فهذه هي السويعات الجميلة دائماً ما تمر مر النسيم في فصل الصيف.
أخذ بيجاد زوجته ورفيقة دربه الأبدية إلى مكان خاص جعله مفاجأة لها.
وكان هذا المكان مفاجأة له هو من قبل صديقه ريان.
رحل المدعوين وهم يعترفون أن هذه سويعات سُرقت من هذا اليوم.
تجمعوا في بهو القصر بعدما ودعوا بيجاد وصبا وجلسوا جميعاً يتحدثون بسعادة.
ولكن... هل رأيتم يوماً يمر بدون لحظة حزن.. أو غضب.. أو ألم؟!!
***
والسلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة جبريل
في بنوته أدتني فكرة جميلة قوي وأنا قررت أنفذها، جزاها الله خيرًا.
وهي إني أخصص يوم من أيام الأسبوع وأقول فيه معلومات دينية ونصايح وإرشادات في الدين.
وأنا رحبت بالفكرة جدًا وعجبتني قوي كمان، وقررت أسبلكم إنتوا تحددوا يوم من أيام الأسبوع، وأنا اليوم اللي هلاقيه اتذكر أكتر هخليه هو اليوم ده اللي هنزل فيه معلومات.
***
"كل الموضوع إننا عايزينك تتجوز كيان."
كان هذا صوت حسين الذي وقع كصاعقة عليهم جميعًا.
نهض أيهم كمن لدغته عقرب وهو يصيح بحدة:
"مستحيل!"
أما هي، فقد استمعت لما تفوه به عمها منذ قليل، ليشحب وجهها ويصبح كالموتى، وارتجف قلبها خوفًا. نظرت إلى ذلك الذي يجلس بين إخوته وهو يظهر عليه عدم الاهتمام، لتهتز عيناها وهي تمتلئ بالدموع، وهي تشعر بأن هناك خنجرًا حادًا يغرس في قلبها بدون رحمة.
هتف حسين بهدوء:
"افهم يا ابني، إحنا عايزين مصلحتك."
أردف أيهم بغضب:
"انتوا كده عايزين تخسروني."
"والصراحة أنا جاهز."
نهض حسين مردفًا:
"يعني إيه؟"
أوضع أيهم كفيه في جيوب بنطاله هاتقًا:
"يعني أنا عمري ما كنت ولا هكون غير لـ بسمة. ولو فكرتوا تتكلموا في الموضوع ده تاني، هيخرج رد فعل مني، واللي متأكد إنه مش هيعجب حد فيكم يا... والدي."
هتف عامر بحدة:
"افهم يا أيهم، إحنا عارفين إيه اللي هينفعك وإيه اللي هيضرك، ومهما عملنا بيبقى لمصلحتك."
ابتسم أيهم بسخرية وهو يحاول السيطرة على الوحش الذي يريد أن يفتك بالجميع بداخله:
"لـ حضرتك شايفني، لا مؤاخذة، بريء ولا مراهق طايش؟ مصلحة إيه دي اللي انتوا عايزينها ليا؟ طب مفكرتش في بنتك؟ إزاي تسلمها لواحد قلبه مش ملكه وعمره ما هيريحها ولا هيحبها، وهي هتقعد تتعذب لما تشوف جوزها لسه بيحب مراته وعمره ما هيحبها هي؟"
"واللي أنا متأكد منه إنكم عملتوا حساب لغضبي ورفضي وشيلتوا الهم، خايفين من اللي ممكن أعمله، ومعملتوش حساب ليها هي... إيه الأنانية اللي انتوا فيها دي؟ عايزين تدمرها بسهولة كده؟ بدل ما تاخد واحد هي الأولى في حياته وقلبه، عايزين تدوها لواحد عمره ما هيخليها الأولى في أي حاجة؟ مفكرتوش ليه إنها ممكن تكون بتحب شخص تاني، وإنتوا ببساطة كده بسبب أنانيتكم تكسروا قلبها وتحطمها؟"
نهض عامر هاتفا:
"أيهم، أنا عارف مصلحة بنتي فين بالظبط، وأنا عمري ما غصبتها على حاجة، وهي مستحيل ترفضلي طلب، لإنها متأكدة إني عمري ما هأذيها بأي شكل من الأشكال. وأنت فكر كويس في الموضوع بدل ما يبقى غصب عنك."
كان ريان يأخذ دور المشاهد فقط، وهو يراهم يتجادلون في أمر يخص شقيقته. لينقل نظره إليها ليراها تنظر إلى أبيها بوجع شعر به جيدًا.
لينهض بهدوء وهو يعدل من بدلته ببرود، ووقف أمامها. لتنهض هي الأخرى تنظر له برجاء. ليبتسم لها بإطمئنان، وقبل رأسها مردفًا:
"روحي أوضتك يا كيان."
ابتسمت بشفاه مرتجفة وذهبت إلى الأعلى بخطى بطيئة. وتوقفت أعلى الدرج في مكان ترى فيه ولا أحد يراها، لتسمع ما سيحدث.
وقف ريان أمامهم مردفًا:
"أنا سكت وأنا شايفكم بتقرروا عن أختي اللي هي مش أختي وبس، دي بنتي. وسكت وقلت يمكن يحسوا على نفسهم ويبصولها حتى بصة علشان يعرفوا رأيها، بس للأسف انتوا معملتوش كده، ومهتمتوش برأيها، وكل اللي همكم رأي أيهم. فـ أحب أنهي الموضوع بهدوء وبدون مشاكل وأقولكم إن طلبكم مرفوض، وأختي مش هتتجوز غير اللي هي تشاور عليه. غير كده محدش يفكر إنه يقترح عليها أو يجبرها بشخص هي مش عايزاه."
وقبل أن يتحدث عامر وحسين، هتف بحدة ولـهجة علموا أنه لن يكرر كلامه مرتين، وأن تحدثوا سيحدث ما لن يسرهم أبدًا:
"النقاش انتهى."
ثم نظر إلى حوراء ليجدها تنظر له وهي تبتسم بخفة. ليبتسم لها بعشق.
نهض إياد وهتف بهدوء:
"تصبحوا على خير."
هتف ريان بجدية:
"الأوضة الرابعة يمين، والأوضة اللي جنبها ليك."
نظر له بعدم فهم. ليكمل:
"انتوا هتباتوا هنا النهارده."
كاد أن يعترض أيهم، ولكن تعلقت حوراء بيده تنظر له بسعادة كبيرة. ليتنهد بهدوء وهو يومئ بخفة مستسلمًا للأمر.
"تصبحوا على خير."
وصعد الدرج وخلفه أريب وآية. لتركض كيان إلى غرفتها قبل أن يراها أحد.
كادت حوراء أن تذهب خلف أخوتها، ولكن أمسك ريان بيدها هاتفا:
"وقت النوم يا حبيبتي، الساعة 2 دلوقتي."
نظرت له برجاء. ليهتف بجدية:
"اطلعي على الأوضة يلا بدون نقاش."
نفخت وجنتيها بغيظ مردفة وهي تغادر:
"تصبحوا على خير."
ابتسم بخفة، ليخرج صوت غيث العابث:
"ممكن تدلوني على أوضتي أنا ومراتي؟"
نظرت له ليان بخجل، لتجد من يسحبها من ذراعها ولم يكن سوى توأمها، الذي هتف بحنق:
"شوفلك أوضة تنام فيها يا روح أمك. وإنتي امشي قدامي."
ضحكت ليان وكادت أن تذهب، ولكن أمسك غيث بيدها ناظرًا إلى أيان بغيظ مردفًا:
"مراتي."
سحبها أيان من يده مردفًا:
"توأمي ونصي التاني قبل ما تكون مراتك."
ولم يترك له فرصة، وأخذ ليان معه وهو يتوجه إلى الأعلى، تحت نظرات غيث المغتاظة، بينما ليان كانت تضحك بصخب على شقيقها.
وغادر أيهم وهشام بدون أن يتحدثوا، وتبعهم غيث الذي يتمتم بكلمات غير مفهومة.
نظر ريان إلى الكيلاني وعامر وحسين هاتفا:
"تصبحوا على خير."
وذهب إلى الأعلى حيث زوجته الغاضبة. ليردف عامر بمعاتبة لوالده:
"ليه يا كيلاني متكلمتش واقتنعتهم؟"
هتف الكيلاني بحكمة:
"أنا من الأول معترض. كيان مبتحبش أيهم، وأنا مش هجوز حفيدتي لشخص هي مش بتحبه. تصبحوا على خير."
وتركهم وذهب نحو غرفته، ليتبعه عامر وحسين.
***
قبل أن يدلف لجناحه الخاص، توجه إلى غرفة شقيقته.
فتح الباب بهدوء، ليجدها تجلس أرضًا مستندة على حافة الفراش، وهي تضع وجهها بين كفوفها وتبكي بصمت، وهي تحاول كبت صوت شهقاتها.
آلمه قلبه بقوة، ليغلق الباب وحملها برفق، لتشهق هي، ولكنها اطمأنت عندما وجدت أخاها. لتحتضنه وهي تعود لبكائها بشكل أقوى.
جلس على الفراش وهو يضمها إليه بحنان، وهو يربت على خصلات شعرها ويحاول تهدئتها. فمع كل دمعة تهبط من عينيها على تيشيرته، يشعر وكأنها نار تحرق فؤاده قبل جسده.
هتف بحزن من بكائها بهذه الطريقة:
"خلاص يا كياني، عشان خاطري اهدى يا روحي، طول ما أنا عايش محدش يقدر يغصبك على حاجة."
هتفت من بين شهقاتها:
"أنا بحبك قوي يا بيبي."
ابتسم بحنان لصغيرته هاتفا وهو يقبل رأسها:
"وأنا بموت فيكي يا قلب بيبي. كفاية عياط بقى."
أبعدت وجهها عن صدره لتظهر عينيها الحمراء والمنتفخة، وأنفها ووجنتيها الحمراء من أثر البكاء. ورفعت كفيها الصغيرين وهي تزيل دموعها مردفة:
"خلاص مش بعيط اه."
ابتسم لها بحب وحنان وقبل وجنتيها الحمراء هاتفا بمرح:
"هو أيهم وحش للدرجة دي؟"
هزت رأسها بالرفض وهي تردف:
"لا، هو حلو."
هتف بمكر وهو ينظر لها:
"وأحلى من إياد كمان؟"
هتفت تلقائيًا بدون وعي:
"لا، إياد أحلى."
شهقت بقوة وهي تضع كفها الصغير على فمها، وعيناها متسعة بصدمة. بينما هو فقهقه بقوة وهو يراها تكاد تنصهر خجلًا.
هتف بإبتسامة:
"أنا عارف من الأول إنتي بنتي يا كيان قبل ما تكوني أختي، وأفهم عليكي من نظرة وأعرف كل اللي بيدور هنا."
وأشار على عقلها وأكمل:
"بس اللي زعلني منك إنك مجتيش وقولتيلي. كنت فاكر إنك بتعتبريني أبوكي وصاحبك وأختك لو تطلب الأمر، وفي الآخر أخوكي. ولما تحصل معاكي حاجة تيجي تقوليلي، بس إنتي معملتيش كده."
نظرت له بحزن لحزنه منها مردفة:
"أنا آسفة، أنا بس معرفتش أقولك إيه، وكمان معرفش إذا هو بيحبني ولا لا."
"إنتي أي حد يحبك، بس أنا لسه زعلان منك. وأه مش هسامحك بسهولة زي كل مرة. نامي يلا."
أنهى حديثه وهو يضعها على الفراش وينهض متجها نحو الباب. ليشعر بها تمسكه من يده. لينظر لها ليجدها تطالعه بأعين حزينة.
تطالعه بتلك الأعين التي كانت دائمًا تستعملها وهي صغيرة معه عندما تقوم بفعل خاطئ، وكان هو دائمًا يسامحها على الفور. ولكن هذه المرة هو حقًا يشعر بالحزن منها.
هتفت كيان بحزن وهي تتعلق بذراع أخيها:
"متزعلش مني."
سحب يده بهدوء وقبل رأسها مردفًا:
"تصبحى على خير يا كيان."
"طب مش هتنامني في حضنك؟"
تفت بها بحزن واضح على ملامحها وعينيها التي بدأت تتجمع بها الدموع. ليتنهد بقوة وحملها برفق ووضعها على الفراش محتضنًا إياها.
لتردف هي بصوت مهدد بالبكاء:
"زعلان مني؟"
"لا، إنتي بس وضحتلي مكانتي عندك وإني مليش لازمة، فهزعل ليه؟"
كادت أن تتحدث، ولكنه هتف بجدية مصطنعة:
"نامي من غير ولا كلمة، أو همشي."
ابتلعت تلك الغصة المريرة التي تشعر بها في حلقها، وهي تنظر له بندم حقيقي. فهي اعتادت على إخباره بكل شيء تشعر به وتريده بدون خجل أو تردد، وهو لم يحزنها أو يخجلها ولو لمرة واحدة حتى.
ولكن لأول مرة تتردد في إخباره عن شعور تشعر به. ولكن هذه المرة هي شعرت بالخجل. وأيضًا هي تعلم غيرته عليها، وهذا ما جعل الأمر أكثر صعوبة.
دفنت رأسها أكثر في صدره، وهي تغمض عينيها بحزن. لتنهمر دموعها وهي تحرق روحها قبل عينيها ووجنتيها، وهي تلوم نفسها بشدة على هذا التصرف الأحمق منها.
شعر بدموعها على صدره، ليهتف بصوت حاول إخراجه ثابتًا ولكنه خرج مهتزًا:
"متعيطيش يا كيان، أو مش هتكلم معاكي تاني. واعرفي إن موضوع إياد ده لازم ينتهي. متشيليش ليه جواكي أي مشاعر. نصيحة من أخوكي."
كفكت دموعها ولم تخرج رأسها من صدره، ولفت ذراعيه حوله بقوة، وكأنها تعتذر له في هذا العناق، وهي كذلك بالفعل. تهمهم أه تعده أنها ستحاول. أحزنها حديثه، ولكن تعلم أنه لمصلحتها بالأخير. ستحاول أن تتجاهله وتنسى مشاعرها.
انتظرت حتى يحتضنها، ولكنه لم يفعل. لتتنهد بحزن وهي تقسم بداخلها أنها لن تجعل هذا الحزن يطول.
بعد وقت، شعر بانتظام أنفاسها، ليبتسم بخفة وقبل رأسها بخفة. ليغمض هو عينيه بهدوء وهو يقرر الذهاب لزوجته. ولكنه لم يشعر بنفسه وهو يغط في سبات عميق. ليعود هو إلى غرفته.
***
في الصباح، اجتمعوا في ردهة القصر، وما زال ذلك إياد برفقة شقيقتيه متواجدًا، مطمئنًا أن أمينة معها بعض العاملين يهتمون بها منذ البارحة بعد أن رفضت حضور الزفاف.
هتف إياد بهدوء:
"أنا ليا طلب عندك يا ريان."
نظر له ريان، ليكمل الآخر بنفس الهدوء:
"عايز حوراء تيجي تقعد معايا بالقليل يومين."
نهض ريان هاتفا بغضب:
"نعـــــــــم! عايزها تروح فين؟"
هتف إياد بهدوء وهو يتوعد له بداخله:
" معايا. مع أخوها وأمانها وسندها... الأول."
شدد على آخر كلمة. لتهتف حوراء سريعًا:
"الله! أنا موافقة."
نظر لها ريان، ليجد عينيها تلمع بالسعادة والحماس، وهي تنظر له منتظرة موافقته. وعلم أنه إن رفض سيكون هو السبب في انطفاء تلك السعادة التي بعينيها.
تنهد بقوة مردفًا:
"موافق."
صفقت حوراء بيديها كالأطفال. ليكمل ريان بتحذير:
"بس..."
نظروا له منتظرين أن يكمل. ليردف هو:
"آخرها يومين."
كاد إياد أن يعترض، ولكن هتفت حوراء سريعًا:
"موافقة."
نظر إلى شقيقته بابتسامة بسيطة. ثم نهض وهو يردف:
"طيب يبقى مع السلامة بقي عشان منتأخرش أكتر من كده على أمي أمينة."
ليأخذها إياد تحت نظراته وخرج بها من القصر متجها نحو الڤيلا.
***
في الداخل...
همس هشام إلى ريان هاتفا بإستغراب:
"غريبة إنك وافقت يعني."
تنهد ريان وهتف بهمس:
"مقدرش أزعلها."
هتف هشام بإستفزاز:
"يا حنين."
نظر له ريان بغيظ، ليبتسم هشام بخفة وهو يعتدل في جلسته. لتهتف كيان بهدوء:
"يا أبيه عايزة أنا وكيان نخرج للمول النهاردة."
هتف بدون أن ينظر لها:
"ماشي، والحرس معاكم."
ثم أشار لهشام وخرجوا من القصر تحت نظراتها الحزينة. لتهض وهي تهتف بصوت متحشرج:
"خليها يوم تاني يا ليان."
وتوجهت نحو الأعلى وهي تخفي دموعها بصعوبة. ليهتف غيث بمكر:
"بما إن كيان لغت الخروجة، فآخد أنا مراتي ونخرج مع بعض بقى."
احمر وجه ليان. ليردف أيان ببرود:
"مفيش خروجة."
هتف غيث بغيظ:
"لـي بقى يا نن عين خالتك؟"
أردف أيان باستفزاز:
"لإن أنا قولت كده."
كاد غيث أن يصبح بغضب، لولا أيهم الذي هتف بهدوء:
"خلاص اخرجوا إنتوا التلاتة."
هتف حسين مؤيدًا:
"فعلاً زي ما قال أيهم."
نظر غيث إلى أيهم بغيظ. ليبتسم له الآخر ببرود وهتف وهو ينهض:
"أشوفكوا بالليل."
ولم ينتظر ردهم وخرج. ليهتف الكيلاني بمرح:
"مش مرتاح لأيهم اليومين دول بقي كل شوية يخرج ومحدش يعرف هو فين، ولما يرجع بيبان عليه الانبساطة."
هتف حسين بتمني:
"يارب يكون قلبه مال."
هتف غيث وهو ينهض فجأة:
"على جثتي! يلا يا ليان."
نهضت ليان لتجد يد توأمها تحيط بكفها وخرج بها تحت أنظار غيث الذي يحاول السيطرة على غضبه. وخرج خلفهم تحت ضحكات الجميع عليه.
هتفت عبير بضحك:
"ابني هيتجنن من عمايل ابنك يا حسين."
ضحك حسين مردفًا:
"أحسن."
***
في إسبانيا... في مدريد تحديداً...
تنهدت بملل وهي تنظر إلى هذا الذي بجانبها وهو غارق في النوم. انتظرت كثيرًا ليستيقظ بمفرده حتى لا ينزعج، ولكنه تأخر كثيرًا.
نظرت له بغيظ وقررت أن توقظه أخيرًا. لتردف وهي تهزه برفق:
"بيجاد.. قوم يا بيجاد بقى كفاية نوم."
همهم الآخر بإعتراض وأولاها ظهره. لتظل في محاولة لإيقاظه ولكن دون جدوى. لتتنفس بغضب وهى تنظر حولها. ليقع بصرها على ذلك السلاح الذي فوق الطاولة الصغيرة المجاورة للفراش. لتغاظ منه كثيرًا وهي لا تعلم لما يحمل معه سلاح دائمًا هكذا؟ هل يظن نفسه رئيسًا أم وزيرًا؟!!
هذا ما دار في خلدها وهي تنظر إلى السلاح. ولكن ابتسمت فجأة بخبث وهي تلتقطه وتمسكه بطريقة صحيحة، فهي تدربت عليه كثيرًا.
وجهته نحو رأس النائم عندما تأكدت من إخراج جميع الرصاص الذي به. وقامت بسحبه ليصدر صوتًا عاليًا سبب في تفعيل الإنذار في عقل ذلك النائم الذي لم يفتح عينه. ولكن في لمح البصر...
كانت صبا تصرخ بألم عندما وجدت يدها تدفع بقوة جعل السلاح يقع في آخر الغرفة. ثم وجدت أرجل تحيط برقبتها لتصرخ بفزع وألم، فقد حدث كل شيء في لمح البصر.
أفاق بيجاد على صوت صراخ أنثى وهو يشعر بأنه استمع له من قبل. نظر إليها ليجدها تحاول الفكاك من بين قدميه اللاتي تلتفان على عنقها وتحبس الأنفاس عنها.
ابتعد سريعًا بعدما تذكر وهتف بقلق:
"إنتي كويسة؟"
أخذت تتنفس بقوة وهي تنظر له بغضب مردفة:
"كنت هتموتني. وبعدين إيه الحركات دي؟ ولا حركات أفلام؟ ليه دا كله إن شاء الله؟"
حك رأسه هاتفا:
"ما هو أصلي سمعت صوت سلاح وكده."
"ولما تسمع صوت سلاح تعمل كده؟"
هتف بغيظ:
"أما إيه عايزاني أعمل إيه؟ وبعدين إنتي كنتِ عايزة تقتليني وأنا نايم؟"
خصرت في وقفتها مردفة:
"ليه شايفني قاتلة ولا سفاحة؟ أنا كنت عايزة أصحيك وحاولت كتير ومعرفتش. ولما شفت السلاح قلت يمكن تصحى وطلعت الرصاص منه الأول. ما هو أنا مش متهورة زيك ولا بعمل الحركات الغريبة بتاعتك دي. دا أنا في لحظة والتانية لقيت نفسي بموت إزاي معرفش."
ضحك بيجاد وسحبها لحضنه، فهي إلى الآن لا تعلم أنه أسد المخابرات وهذه عادته عند شعوره بالخطر.
ابتعد عنها مردفًا بابتسامة بسيطة:
"طيب معلش متزعليش نفسك. يلا قومي عشان نصلي ونفطر."
أومأت له بحماس، فهي أحبت شعور الراحة والطمأنينة التي في الصلاة، والتي استشعرتها عندما فاجأها عندما وصلوا إلى هذه البلد وهذا الفندق وأخبرها أنهم يجب أن يبدأوا حياتهما بالصلاة حتى يبارك الله في زواجهما.
ابتسم هو وعلم بماذا شردت. ليتذكر ردة فعلها عندما أخبرها بأمر الصلاة....
دلف بها إلى الغرفة وهو يحملها مردفًا بمرح:
"استحمل وزنك ولا وزن الفستان بس."
ضحكت عليه مردفة:
"مع إننى مش تقيلة وزي الفراشة، بس تستاهل."
أنزلها برفق وقبل رأسها مردفًا:
"وأحلى فراشة.. يلا نصلي ونبدأ حياتنا بالصلاة."
نظرت له كأنه كائن فضائي. مكررة كلامه:
"نصلي؟"
أومأ لها مردفًا بمرح:
"أما إيه؟ إنتي فاكراني مش بصلي والعياذ بالله؟ أه أنا تافه وكده، بس في الدين مبقصرش. قومي يلا."
نظرت له بحرج. ليفهم نظرتها. ليمسك بكف يدها وهو يردف:
"وماله، ننول أنا الشرف وآخد ثواب فيكي وأعلمك كل حاجة."
ابتسمت بحب له. وبالفعل قام بتعليمها كيفية الوضوء بطريقة ثم الصلاة بطريقة يسيرة، جعلتها تحب الصلاة.
هتف بيجاد بضحك عليها:
"الحجاب مش بيتلبس كده، استنى."
فهي وضعت الحجاب على رأسها بطريقة خاطئة. ليصححه هو لها. لتردف وهي تنظر إلى هيئتها بالمرآة، وهي ترتدي هذا الحجاب وإسدال الصلاة:
"إنت عامل حسابك عليهم ولا إيه؟"
هز بيجاد كتفيه مردفًا:
"حاجة زي كده.. يلا تعالي، هكون إمامك."
لتقف هي خلفه. ليخرج صوته الأجش وهو يردف:
"الله أكبر."
لتتذكر ذلك الشعور الذي لأول مرة تشعر به.. وهو شعور بالراحة.. الطمأنينة.. الأمان.. وكل شيء لطيف يدغدغ قلبها.
انتهوا من الصلاة ووضع يده فوق رأسها وقرأ دعاء الصلاة مردفًا:
"حرمًا."
نظرت له بمعنى "ماذا". ليبتسم مجيبًا:
"قولي جمعًا إن شاء الله."
لتقولها. ليردد هو بهدوء:
"إن شاء الله."
نظر إلى الأرض بحزن وتجمعت الدموع بعينيها مجددًا. ليهتف بقلق:
"مالك يا صبا؟"
هتفت بفرحة حقيقية:
"أنا فرحانة قوي يا بيجاد. مكنتش أتخيل إني هحس بالراحة كده طول حياتي."
قبل رأسها مردفًا:
"يديم راحتك يا صبا."
نظرت له واحتضنته وهي تشكر ربها على هذا الزوج الذي لم تتوقع أبدًا هذه المعاملة منه بعد الزواج.
ضحك بخفة وهو يعود من شؤوده وهو يراها ما زالت شارده تبتسم بخفة. ليمسك بيدها مردفًا:
"يلا."
نظرت له ونهضت بحماس وطلبت منه أن يتركها تتوضأ بمفردها، وإذا فعلت شيئًا خطأ يصححه لها. لينفذ لها طلبها. وعندما كانت تخطئ كان يصححه لها بطريقة مرحه وبسيطة.
ثم توضأ هو وارتدت هي الإسدال وارتدت الحجاب بمفردها هذه المرة تحت نظرات الحب منه. وصلى بها للمرة الثانية. أطال في سجوده عندما استمع إلى صوت شهقاتها. وظل يدعو لها من صميم قلبه، فهي حبيبته وزوجته وأم أولاده مع مرور الأيام بإذن الله.
بعد وقت، هدأت فيها شهقاتها. نهض وأنهى الصلاة ونظر لها ليجد أنفها محمر وعينيها أيضًا. وتبتسم له مردفة بصوت مبحوح:
"حرمًا."
قبل رأسها وكفيها مردفًا بحنان:
"جمعًا إن شاء الله."
ارتمت في حضنه وهي تردف:
"إن شاء الله. شكرًا ليك قوي يا بيجاد. أنا أول مرة أحس بالراحة دي وأكتر بعد ما بكيت بين إيديه. ربنا يديمك ليا زوج وحبيب صالح."
"ويديمك ليا يا صبايا. إنتي عارفة إن شكلك بالحجاب أحلى."
نظرت له ورأت لمعة عينيه وهو ينظر لها وهي ترتدي الحجاب. لتردف بتفكير:
"هحاول أستعد للخطوة دي."
قبل رأسها وهو ينهض بها من على الأرض مردفًا:
"وأنا معاكي في كل خطوة."
ثم عاد لشخصية بيجاد المرحة وحملها ودار بها كثيرًا مردفًا:
"جععاااان يا بت مأكلتش حاجة من امبارح بسببك."
قهقهت بقوة وهي ترى حبيبها المجنون قد عاد. مردفة:
"لـيه بسببي بقى؟"
أنزلها أرضًا برفق مردفًا بغيظ مصطنع:
"الله مش إنتي أكلتي أكلي كله امبارح؟"
تفت بصدمة أضحكته:
"أنا؟ ده إنت اللي أكلت الأكل وصدقت ما قلتلك إني مش جعانة."
ضحك بقوة وهو يجلسها على الفراش:
"المسامح كريم بقى.. استنى أتصل عليهم يجيبولنا الفطار. وبعدها أطلع أوريكي جمال مدريد وحلويات مدريد."
ألقت عليه الوسادة ليتخطاها وهو يضحك باستفزاز لها.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السابع عشر 17 - بقلم منة جبريل
دلفت حوراء وأخواتها إلى الفيلا وهي تضحك بسعادة مع أخواتها.
هتفت أريب بضحك:
- شوفتي شكله إزاي خوف على أخويا.
ضحكت حوراء.
ليهتف إياد:
- ولا يقدر يعمل حاجة.
- خلاص كفاية.
كان هذا صوت آية التي تضحك بقوة.
جلسوا معًا يتحدثون بمرح ومعهم أمينة.
وبعدها ذهبت الفتيات إلى غرفتهم، وإياد إلى الشركة، وأمينة إلى غرفتها.
هتفت حوراء بجدية:
- أريب لحد امتى هنستنى عليكي.
نظرت لها أريب بمعنى "ماذا؟".
لتكمل حوراء:
- البناطيل هتتمنع يا أريب. إحنا سكتنا وقلنا هتبطليها لوحدك، بس شكلك مش هتبطليها.
هتفت أريب بهدوء:
- إيه يا حوراء محسساني إني بلبس قصير، أنا هدومي كلها بتوصل لتحت ركبتي.
هتفت حوراء بجدية شديدة:
- قصير طويل هتفضل بناطيل يا أريب. ومن النهاردة هتلبسي دريسات وفساتين بس. وكل هدومك دي هتتصدقي بيها.
هتفت آية بحكمة:
- استني ياحوراء. يا أريب أختك معاها حق. أنتي عارفة إنه مينفعش تقعدي بالبناطيل كدا. خلاص إحنا فعلاً قولنا لوحدك هتبطليها، بس أنتي مُصرة عليها. ودا كله علشان الدريسات بتبين قصرك. متنسيش إنك لسه صغيرة وطولك لسه مثبتش، يعني إن شاء الله هتطولي زي ما انتي عايزة، بس كفاية بناطيل لحد كدا. واه إياد كمان كان هيتكلم معاكي، بس انشغل اليومين دول. فـ يااه بقى لو انتي عملتيها مفاجأة لأخوكي هتبقي أحلى مفاجأة لـه، لإنـه دايما بيتمنالنا الأفضل والأحسن.
تنهدت أريب وعلمت أنه لا مفر منهما، وأن حدث فـ أخوها لن يتركها أيضًا.
لذا هتفت بهدوء:
- تمام، بكرة إن شاء الله تتعدل.
نهضت حوراء وهي تتوجه لخزانة شقيقتها:
- وبكرة ليه؟ أنتي ضامنة تعيشي لحد بالليل ولا لأ؟
- لأ.
أجابتها أريب ببساطة.
لتهتف حوراء بنفس البساطة:
- خلاص يبقى من دلوقتي. إحنا لسه فـ أول النهاردة، ولو متي بالليل يبقى عـ الأقل توبتي من البناطيل.
هتفت آية بحنق:
- إيه يا حوراء اللي بتقوليه دا؟ بعد الشر عليها.
هتفت حوراء وهي تخرج ثياب شقيقتها:
- من امتى والموت شر يا آية؟ دا كفاية إنه فيه مقابلة الكريم. هو حد يطول؟ وبعدين محدش بيموت ناقص عمر ولا بطريقة مش مكتوباله. كل حاجة محسومة وبتدبير من اللّٰه عز وجل.
هزت آية رأسها بهدوء.
لتنهض أريب بصمت وبدأت بإخراج الثياب معها، مردفة:
- فعلاً عمره ما كان الموت شر. العكس دا راحة.
- بالظبط.
هتفت بها حوراء ببساطة تحت نظرات آية المستنكرة من طريقة تعامل حوراء مع أريب، لتقرر التحدث معها عندما يصبحوا بمفردهم.
بعد ساعة تقريبًا...
وضعت أريب وحوراء ملابس أريب في حقيبة ما، ثم أسندتها جانبًا، مردفة:
- لما يجي إياد قوليلوا اتصدقي بيها.
أومأت لها أريب، ثم هتفت بهدوء:
- هروح الأوضة التانية أصلي.
أومأوا لها وغادرت.
لتنظر آية إلى حوراء بعتاب، لتتنهد حوراء وجلست بجانبها، مردفة:
- كان لازم أعمل كدا. أنا اتكلمت معاها ولا مليون مرة يا آية، وتقولي حاضر إن شاء الله، وبعدها بتطنش. وأنا جبت آخري الصراحة. كذا مرة أجبهالها بلطف وبكلام حلو، وبتاخدني على قد عقلي وتقولي حاضر وتخلف فـ الآخر. فـ خلاص مكنش قدامي غير الطريقة دي، وأهو فعلاً نجحت.
هتفت آية بحكمة:
- أنتي كدا غصبتيها ياحوراء.
هتفت حوراء بحدة:
- فـ مفيش مشكلة. ومنقولش براحتها. دي لسه صغيرة وقدامها الحياة طويلة. في الأصغر منها بيموت، واللي فـ سنها بيموت، هي تفرق إيه عنهم؟ ما هي بنت آدم وفانية زيها زي أي حد. محدش ضامن عمره يا آية.
وبعدين اشمعنى فـ الدين نقول براحتها ولازم يبقى عن اقتناع، وفـ المدرسة نوديها غصب عنها؟ ومفيش فـ المدرسة حاجة اسمها اقتناع. ولما تقوللي ليه يقولولي علشان مصلحتها. مصلحتها إيه؟ الدين هو اللي هينفعها.
"بـسـم اللّٰهِ الـرحمـٰن الـرحـيـم"
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصـَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِىء مِنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37)
سورة: (عبس)
"صـَـدَقَ اللّٰـهِ العَـظِـيـم"
اشمعنى بقى فـ الدين يقولوا براحتها ولازم تكون مقتنعة. لا دا أغصبها ولو حصل الأمر لبطش الإيد هعمل كدا. أنا بعمل دا كله ليه يا آية؟ مش علشانها، مش علشان خايفة عليها وعايزاها متقلش عننا درجة فـ الجنة ونكون كلنا مع بعض. مش كل اللي بعمله دا لمصلحتها وأحسن من مليون مدرسة تدخلها وتطلعها حاجة عالية فـ الدنيا الفانية.
هي لازم تشتغل لآخرتها وتحلم إنها تبقى حاجة عالية، بس مش فـ الدنيا. تبقى حاجة عالية فـ الآخرة. تحلم بالوسيلة علشان تشوف سيدنا وشفيعنا وحبيبنا محمد ﷺ، علشان تشوف ربنا دايماً. هي لازم تعمل للي يستاهل واللي دايم مش للفاني.
كانت آية تستمع لها ولحدتها التي لأول مرة تظهر، لتعلم أنها بالفعل غاضبة. وأيضًا لم تخفي نبرة الحزن التي في صوتها عليها، وهي تراها حزينة من أجل شقيقتها.
بينما الأخرى كانت تقف خلف باب الغرفة واستمعت لكل شيء من البداية للنهاية. ودموعها تنهمر على وجهها ذو الملامح الصغيرة.
لتفتح الباب فجأة.
نظروا لها، لتنهض حوراء وآية هلعًا من بكائها.
بينما هي ركضت إلى حوراء وارتمت في حضنها، تضمها بقوة وحب صادق.
هتفت من بين بكائها:
- الحمد لله إن معايا أخوات زيكم. أنا دايماً بحمد ربنا على نعمة الأخوات الصالحة وبدعي دايماً إنه يديمكم ليا. شكراً يا حوراء بجد. أنا مغفلة معرفش إزاي كنت أطنش كلامك اللي كنتي تقوليلي هو، وكان لمصلحتي.
ربتت حوراء على ظهرها بحنان وهي تهتف بحنان:
- أنا ليا مين غيركم يا حبيبتي علشان أخاف عليه؟ انتوا كل حياتي ودايماً بتمنالكم الخير.
ابتعدت أريب عنها وكففت دموعها، وهتفت بمرح:
- ليكي غيرنا يا أختي. ليكي حبيب القلب اللي كان هيقتل أخويا النهاردة علشان ياخدك مني.
احمرت وجنتيها خجلًا وهي تلكزها في كتفها، لتقهقه أريب وآية، وظلوا يتحدثون معًا بمرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في شركة الذئب.
كان الجميع كالعادة يعملون كـ الآليين، ولكن اليوم ازدادت سرعتهم وحرصهم في العمل. فرئيس عملهم يبدو عليه الغضب الشديد. وبالتأكيد إن أمسك بأحد منهم يتهاون في العمل، فهو لن يتردد في قتله وليس رفده فقط.
بينما في مكتب إياد.
كان يتابع بعض الأوراق بجدية وتركيز.
قطعه دخول غيث الذي هتف بغيظ:
- حرام عليكم والله. يعني انت تاخد مراته منه وهو يتعصب عليك، إحنا مالنا بقى؟ اه يا بختك يا بيجاد الكلب قاعد هايص ولا على بالك. ياريت كنت اتجوزت معاك، على الأقل مكنتش هتمرمط كدا.
قهقه إياد هاتفا بتسلية:
- إنشف يا غيث، لسه اللي جاي أتقل.
نهض غيث صارخًا:
- لا بقى. كدا حرام بجد. دا عمال يزعق في اللي رايح واللي جاي. ودلوقتي بيتخانق مع هشام اللي هو أصلًا قنبلة موقوتة. ولو انفجر دا كمان هتبقى دي نهايتنا.
وتركه وغادر تحت قهقه إياد المستمتع بسبب غيظ ريان من أخذه لحواء.
بينما في مكتب الذئب.
كان ريان يهتف بعصبية:
- شايفه بيضحك إزاي؟ أنا هنزل وأكسر راسه، وبعدها يوريني هيقدر يضحك تاني إزاي.
وهم متجها نحو الباب ليوقفه هشام الذي أردف وهو يمسكه:
- يخربيتك يا شيخ اتهد بقى. أنت محدش هيقدر عليك ولا إيه؟ بقولك إيه، أنت تخلص الشغل اللي وراك دا، وبعدها تروح على قصرك من سكات، أو تيجي للفيلا بتاعتي.
هتف ريان وهو يرفع حاجبيه ويشير على نفسه:
- أنت بتأمرني؟
استغفر هشام في سره وهو ينظر إلى ريان بغيظ، هاتفا بابتسامة متكلفة:
- لا أنا بطلب منك بس، ويا ريت تنفذ طلبي.
ألقى ريان عليه كوب الماء الذي كان أمامه، ليتخطاه هشام سريعًا، هاتفا باستنكار:
- لا دا أنت زودتها بقى. فينك يا بيجاد تحرق دمه ببرود.
نظر له ريان بغيظ وجلس وهو يغلق شاشة حاسوبه، متنهدًا بغضب وهو يتوعد لذلك الإياد.
ليجلس هشام متنهدًا وهو يردف بتعب:
- وأخيرًا. يلا نبدأ في الشغل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مر يومان وكل شيء على حاله. فقط ذلك الذئب الذي أصبح أكثر عصبية وعينيه في لونها القاتم. فقط إلا عندما يراها تتحول للاشتياق.
مر يومان تلقى فيهما إياد العديد من اللكمات من ذلك ريان، وكان يستقبلها بضحكات صاخبة. لا يصدق أن يومان تحكما بمزاجه لهذه الدرجة.
وأيهم.. ما زال كما هو، يختفي فجأة أول النهار ولا يظهر إلا عند غروب الشمس.
وتلك الكيان التي نجحت في مصالحة أخيها سريعًا.
أما ذلك البيجاد فهو يستمتع كثيرًا برفقة تلك الصبا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جاء اليوم الذي سيسترد فيه حبيبته من ذلك الإياد. وكأنه سلبها منه من قبل!
ذلك الأحمق ألا يعلم أنها مجرد زيارة وستنتهي!
وقف الجميع في فيلا إياد كالعادة، فهم أصبحوا يجتمعون في فيلته من أجل حوراء.
وجدها تهبط الدرج وهو ممسك بكف يدها، يتطلع لها بابتسامة استفزت ريان.
ضحكت حوراء بخفة وهي تنظر إلى إياد الذي يهمس لها بشيء ما.
وقف بها إياد أمامه وهو ينظر له بهدوء، ثم اقترب منه قائلًا بمرح:
- إنسان غريب. كنت محسسني إني خاطفها.
ثم نظر للجميع مردفًا بصدق:
- منورين والله.
هتف أيان بمرح:
- كـ العادة.
ضحكوا عليه، ثم قبل ريان رأس حوراء وغادر بصمت إلى الشركة، وتبعه هشام وغيث.
أما البقية فظلوا يتبادلون الحديث بمرح فيما بينهم، وانضمت لهم قمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلفت حوراء إلى القصر وهي تشعر بدوار وألم في رأسها، ولكنها استعادت توازنها سريعًا وهي تبتسم لشقيقها حتى لا يقلق عليها.
ثم جلست مع العائلة وذهب إياد إلى الشركة.
هتفت ليلي بقلق وهي ترى اصفرار وجه حوراء:
- حوراء انتي كويسة؟ فيكِ حاجة؟
ابتسمت لها حوراء مردفة:
- كويسة يا أمي، متقلقيش.
نهضت ليان مردفة:
- شكلك بيقول مش كويسة. هخليهم يعملولك عصير وبعدها ترتاحي.
وبالفعل توجهت إلى المطبخ وطلبت منهم إعداد كوب من العصير، وخرجت تجلس بجانبها.
جاءت بعد وقت خادمة تحمل بين يديها كوب عصير وأعطته لها، وعادت مرة أخرى لترتشفه حوراء لتشعر بعدها بتحسن كبير في رأسها وعاد لون وجهها متوردًا، ليطمئنوا عليها.
وبعدها أخذتها كيان وصعدت بها إلى الأعلى.
في المساء...
عاد ريان إلى القصر، ليجدهم جميعًا في ردهة القصر ومعهم حقائب سفرهم.
هتف بهدوء وهو يتوجه نحوهم:
- هتمشوا دلوقتي؟
أومأوا له وهتف الكيلاني:
- أيوا. معانا شغل كتير.
أومأ لهم ريان، ثم هتف بتساؤل:
- حوراء فين؟
- كانت معانا من شوية بس إحنا طلعناها لإن باين عليها التعب. يبقي طمنا عليها يا ولدي.
هتفت بها عامر ليظهر على وجه ريان القلق.
ليجد ليان تعانقه بقوة مردفة:
- هتوحشني أوي.
عانقها بحنان:
- تقدري تقعدي معايا هنا.
نظرت إلى والدها بحماس، ليوافق حسين مردفًا:
- مفيش مشكلة، كدا كدا غيث هيفضل هنا.
هتف أيان:
- أنا هفضل مع توأمى.
نظروا له، وضحك حسين ووافق.
بعدها ليردف بتساؤل:
- فين أيهم؟
دلف أيهم في هذا الوقت وعلى وجهه ابتسامة، مردفًا:
- أنا أهو يا والدي.
- هتمشي معانا؟
- لا. هفضل هنا. في شغل لازم أخلصه الأول.
نظر له ريان بشك ووافق الجميع وغادروا، وتبقي أيهم وأيان وليان وغيث.
ليتركهم ريان وصعد إلى الأعلى سريعًا وقلبه ينبض بالقلق والخوف.
فتح الباب وجدها ممددة على الفراش.
اقترب منها وأزاح شعرها عن وجهها، ليراها تنام بسلام.
ليضع كف يده على جبينها، ليرى حرارتها جيدة.
ليمسك يدها يتحسس النبض، ليجده منتظمًا، ليتنهد بارتياح.
وتمدد بجانبها وهو يغلق عينيه ذاهبًا في نوم عميق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الصباح...
استيقظ أولًا وهو ينظر بجواره، ليراها ما زالت نائمة.
شعر بارتياح عندما وجدها توقظه من أجل صلاة الفجر، وكانت جيدة.
ليمُسك بكف يدها وقبله بحنان.
نهض من جوارها ودلف إلى المرحاض.
وبعد وقت خرج، ليجدها تتملل بالفراش وأفرجت عن عينيها لتظهر لؤلؤتيها السوداء.
ليبتسم لها وقبل جبينها هاتفا:
- صباح الخير على لؤلؤتي السوداء.
ابتسمت لحبه مردفة:
- صباح النور. هو أنا اتأخرت في النوم؟
هز رأسه نافيًا، لتنهض هي لتجهز هي الأخرى للنزول إلى الأسفل.
وجدوا كيان وليان يقفان يكتمان ضحكتهما بصعوبة، وأيان وغيث كالعادة يتشاجران على ليان.
ليتوقفوا عن الشجار عندما رأوهم.
لتبتسم حوراء مردفة:
- فيه إيه المرة دي؟
هتف غيث بغيظ:
- شوفي انتي. أنا عايز آخد مراتي مشوار مع بعض، والاستاذ كالعادة رافض ده.
ضحكت حوراء بخفة وهي ترى غيرة أيان على شقيقته، وهتفت بهدوء:
- طب ما تخرجوا كلكم مع بعض، واهو تتسلوا شوية.
هتف غيث:
- هو أنا خلفته ونسيته؟ أنا عايز أخرج مع مراتي لوحدي.
هتف أيان وهو يمسك بكف توأمه:
- مش هيحصل.
أردف ريان منهيًا هذه المشاجرة:
- مفيش خروج لمكان. وأنت تعالِ معايا على الشركة.
وقبل رأس حوراء وكيان وغادر، وتبعه غيث الذي يتمتم بكلام غير مفهوم وهو يشتعل غيظًا من هذا أيان.
ضحكت حوراء بخفة، ثم نظرت إلى أيان بعتاب، ليردف الآخر:
- إيه بتبصيلي كدا ليه؟ أختي وأنا حرة.
هتفت بهدوء:
- وهو كمان جوزها وليه حق. ولو عايز ياخدها غصب عنك كان أخدها، بس هو محترم غيرتك عليها، بس مش معنى إنه محترم غيرتك تخنقه بيها يا أيان. راعي إنه استنى كتير عشانها، بعد ما أختك طلعت عينه، وفـ الآخر رضيت عليه. تيجي انت تطلعله زي عفريت البخت كدا؟ مش هينفع.
زي ما بيقولوا الصبر ليه حدود، وهو استنفذ صبره مع أختك، فـ متجيش انت تاخد الشوية اللي فاضلين من صبره، ولما يطلع منه رد فعل مش كويس تغلطه، وأنت مش شايف غلطك. مش معترضين إنك بتغير عليها ودا حقك لإنها أختك وتوأمك، بس برضه لازم تتحكم في نفسك، وإنه خلاص غيث بقى جوزها مش ابن عمتها بس، ولازم تحترم رغبته في إنه يقعد مع مراته شوية لوحدهم. يا ريت تتفهم دا كويس.
تنهد أيان بقوة وهو يومئ بخفة تحت نظرات ليان التي تحاول بكل استطاعتها أن تكتم ضحكتها على هيئة شقيقها.
شعرت حوراء بأن ألم رأسها بدأ في العودة، لتتوجه إلى المطبخ وطلبت منهم إعداد فطور وكوب عصير.
وبالفعل بعدما انتهت من فطورها وارتشفت العصير حتى بدأت تهدأ، وهي تستغرب حالتها هذه، فهي لأول مرة تشعر بهذا الألم الكبير في رأسها، وأيضًا رغبتها الكبيرة في النوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- وأخيرًا يا أميرتي. أنا كنت هتكلم معاكي، بس انتي فاجأتيني وأخدتي الخطوة دي لوحدك.
هتف بها إياد وهو يحتضن شقيقته.
لتهتف أريب بابتسامة:
- بصراحة ما أخدتهاش لوحدي، حوراء كان ليها إيد في دا.
ابتعد عنها إياد مردفًا:
- هشتريلك هدوم كتير غير دول، وهاخدك معايا عشان تختارى براحتك.
كادت أن ترفض، ولكن قاطعه مردفًا:
- يلا روحي وقولي لـ آية كمان، هنروح مع بعض.
أومأت له أريب وصعدت إلى الأعلى وأخبرت شقيقتها، ثم غيروا ثيابهم وتوجهوا ثلاثتهم إلى مول اختاره لهم إياد.
وبدأ يختار لها الكثير والكثير من الملابس، وكذلك لـ آية التي رفضت في بادئ الأمر، ولكن مع إصرار إياد وافقت.
وقام أيضًا بشراء بعض الأشياء لحوراء.
بعد وقت ليس بقليل..
تنهدت آية بتعب:
- يا الله، رجلي مش حاسة بيها. هو المول ده كبير ليه كدا؟ دا إحنا مدخلناهوش غيره وخرجنا بكل حاجة منه.
ضحك إياد على شقيقته هاتفا بحنان:
- طيب استنوني هودي الحاجات دي العربية، وبعدها نروح مطعم نتغدى فيه.
وذهب، وبعد دقائق عاد لهم وأخذهم إلى مطعم قريب من هذا المول، وظلوا يتحدثون معًا بمرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- بيجاد بطل برود. أنت شوفتها كانت بتبص عليك إزاي وقربت منك بطريقة قذرة.
همس بيجاد على وجهه هاتفا في نفسه:
- هو في حد بيقر عليا أصلا؟
ثم أكمل مبتسمًا بصعوبة لها:
- يا صبايا ما أنا وقفتها عند حدها خلاص يا حبيبتي، وابقي فريش كدا.
أمسكت الوسادة وهي تلقيها عليه مردفة:
- تقصد إيه؟ إني نكدية؟
أردف بيجاد بإنفعال، فهو له أكثر من ساعة يحاول تهدأتها:
- فيه إيه يا صبا؟ ما قولنا خلاص، ولا عشان ساكت من الصبح هتزودي؟ واقفلي على الموضوع ده عشان أنا جبت آخري.
هتفت صبا بحزن:
- جبت آخري مني بالسرعة دي.. طلقني.
نظر لها باستنكار لما تتفوه به، ثم هتف ببرود:
- استغفر الله. بقولك إيه اتخمدي كدا وابعدي عني. حريم نكدية بصحيح.
أنهى حديثه وهو يبعدها من وجهه من أمامه وأسقطها على الفراش وخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه بقوة.
لتشتعل هي غضبًا من فعلته هذه وهي تتوعد له، بينما هو جلس أمام البحر ينظر له وهو يتنهد بقوة ولا يعلم ما بها.
فقد لشعورها بالغيرة طلبت الانفصال عنه، وليس له سوى يومان متزوج منها.
هل هذه حمقاء أم ماذا؟
ظل هكذا ناظرًا للبحر بشرود حتى غربت الشمس، لينهض متوجهًا إلى الغرفة.
وما إن فتح الباب حتى وجدها تنظر له بغضب، ليستعيذ من الشيطان بداخله.
اقترب منها مبتسمًا هاتفا بحب:
- صبايا زعلانة مني؟
ابتعدت عنه مردفة بحدة وصوت مرتفع:
- كنت فين ده كله؟ أكيد معاها، ما هو مش هتقعد لوحدها الوقت ده كله كدا.
نهض وقبض على ذراعها قائلًا بحدة:
- والله يا صبا لو فكرتي مجرد تفكير بس إنك ترفعي صوتك تاني هيخرج رد فعل مني مش كويس. ولا أنت فاكرة إني زي عيال أمريكا يسكتوا على قدرة حريمهم؟ لا يا حبيبتي أنت فاهمة الموضوع غلط خالص. اتعدلي وصلي على النبي في قلبك كدا واهدي ها... اهدي عشان أنا خلقي ضيق.
مسح على خصلاتها مبتسمًا ببرود:
- اقفلي النور ومش عايز أسمع صوت.
أغلقت الإضاءة وتوجهت للأريكة، بينما هو انتظر أن تنام بجواره، ولكنها لم تأتِ.
ليفتح عينيه ليراها تنام على الأريكة وهي تكتم شهقاتها، ليتنهد بقوة ونهض واتجه لها وحملها برفق، لتتحرك بعنف بين يديه، ولكنه أمسكها جيدًا.
وضعها على الفراش ساحبًا إياها إلى حضنه وهو يحاصرها بذراعيه بقوة، وهي تتحرك بعنف بين يديه، وهي تصرخ به ببكاء:
- ابعد عني متلمسنيش.. ابعد بقولك.
هتف بهدوء وهو يقبل رأسها:
- خلاص يا صبايا، بس انتي غلطتي. مكنش ينفع ترفعي صوتك عليا، وأنا أكتر حاجة بتفقدني أعصابي الصوت العالي.
هدأت بين يديه وهي تبكي بشهقات متقطعة، ليربت على ظهرها بحنان مردفًا بمرح ليهدأها:
- وبعدين مش عارف انتي إزاي تغيري من البنت دي. دا انتي بطل عليها، وهي عاملة زي عود القصب كدا.
وبدون إرادتها خرجت ضحكة خافتة من بين شهقاتها، مردفة بصوت مبحوح:
- أنا مش غيرة منها، أنا بغير عليك.
أبعد رأسها عن حضنه مردفًا بخبث:
- والغيرة بتيجي من الحب؟
أومأت له مردفة:
- أنا بحبك.
نظر لها بحب مقبلًا عينيها هاتفا:
- وأنا بعشقك. إزاي جالك قلب تنطقيها يا صبا؟
هتفت بندم:
- أنا آسفة. معرفش إزاي قولتها.
تنهد بقوة وقبل رأسها مردفًا:
- نامي يا صبايا نامي.
دثرت رأسها في صدره وأغلقت عينيها وذهبت في النوم سريعًا، بينما هو ظل مستيقظًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دلف إلى القصر ليجد حوراء وريان، كيان وليان، غيث وأيان وهشام، يجلسون معًا.
ليتقدم منهم وعلى وجهه ابتسامة جذابة.
نظر له الجميع، لتتحول نظراتهم إلى الاستغراب والاستفهام.
نهض غيث متجهًا نحوه وهو ينظر إلى ما بيده، مردفًا:
- مـيـن دي؟!!!!!
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منة جبريل
- مين دي؟!!
هتف بها غيث بإستغراب موجها حديثه لذلك الواقف أمامه يبتسم بخفة.
تقدم بها نحو الجميع هاتفا بثبات:
- نـقــاء .. نـقــاء التي تكفل بها أيهم حسين الكيلاني.
شهقت كيان وليان بدهشة، وكان هشام وريان يتابعان في صمت، بينما حوراء تقدمت منه وهي تنظر إلى هذه الطفلة التي بين يديه لتجدها نفس الطفلة التي وضعتها بين يديه يوم ذهابهم إلى الملجأ.
نظرت إلى أيهم مردفة بدهشة:
- دي هي؟
أومأ لها أيهم، لتهتف بهدوء:
- ممكن أشيلها؟
- طبعاً.
هتف بها أيهم وهو يعطي لها الفتاة التي كانت تضع إصبعها الصغير في فمها بطريقة طفولية وهي تنظر لها بعينيها التي تشبه عيون أيهم تماماً.
هتفت حوراء وهي تنظر لها بحنان:
- أنت اتبنيتها ولا اتكفلت بيها؟
- تكفلت بيها.
أومأت براحة مردفة:
- الحمدلله لإن التبني مينفعش.
أومأ مؤيداً حديثها:
- عارف.
أكملت حوراء بتساؤل وهي تداعب وجنة الطفلة:
- هي اسمها نقاء؟
- أيوا سميتها نقاء لإن مكنش ليها اسم.
نظرت له بإستغراب.. فـ أي طفل في الملجأ يكون له اسم حتى لو لم يكن حقيقي.
ليهتف أيهم بهدوء:
- اليوم اللي روحنا فيه الملجأ كان أول يوم ليها هناك وكانوا لسه معملوش ليها ورق بإسم وهكذا وأنا اليوم التاني روحت وسميتها نقاء وتكفلت بيها بس سبتها هناك وكل يوم كنت بروحلها.
أومأت حوراء بتفهم، ثم التفتت إلى ريان تهتف بأعين لامعة:
- بص حلوة إزاي يا ريان.
كان ريان ينظر إلى أيهم بغموض وصمت.
لاحظه أيهم، ثم نظر إلى الطفلة وإلى طفلته هو الكبرى ليرى لمعة عينيها ليبتسم لها بهدوء.
ثم نظر إلى أيهم وأشار له بمعنى "اتبعني" وسار نحو المكتب.
ليهتف أيهم بهدوء:
- خلي بالك منها مش هتأخر.
جلست حوراء مردفة:
- في عيوني.
ليذهب أيهم وخلفه غيث التي كانت ملامحه متهجمة من فعلة صديقه الحمقاء في وجهة نظرها.
اقتربت ليان وكيان أخيراً بعدما كانوا لا يتحركون من أثر الصدمة كحال أيان.
هتفت كيان بإعجاب:
- الله دي جميلة أوي.
داعبت ليان وجنتها مردفة:
- فعلاً وبشرتها ناعمة أوي.
ثم ما لبثت أن خرجت شهقة من كيان وليان عندما نظرت لهم الطفلة، ليتفوا معاً بصدمة:
- إزاي.. دي عيونها زي عيون أيهم بالظبط.
اقترب أيان سريعاً وهو ينظر إلى الطفلة ليصدم هو الآخر هاتفا:
- فعلاً نفس لون العيون.
تفت حوراء وهو تضع إصبعها بين كفة الصغيرة التي تقبض عليه بطفولة:
- وممكن يكون دا السبب اللي خلى أيهم ينجذب ليها لإن نادراً العيون دي.. سبحان الله اليوم اللي جات فيه الملجأ هو اليوم اللي شافها فيه عشان يأويها ويتكفل بيها.. إنه تدبير من الله الحكيم.
في المكتب..
هتف غيث بإنفعال:
- أي اللي عملته دا يا أيهم؟ انت إزاي تتكفل بطفلة؟
هتف أيهم بثبات:
- زي الناس يا غيث. أي السؤال ده.
مسح غيث على وجهه وهو يتنهد بقوة مردفا:
- أيهم دي مسؤولية انت مش قدها.. ممكن تشوفها بسيطة ظاهرياً بس لما تكون انت المسؤول مش هتلاقي أصعب منها. انت فاهم يعني إيه تربية؟
هتف أيهم ببرود:
- أكيد فاهم يا غيث. انت مش بتكلم طفل.
كاد غيث أن يتحدث ولكن منعه ريان عندما أشار له بالصمت.
نظر ريان إلى أيهم هاتفا بهدوء:
- خلصت إجراءات التكفل؟
أومأ له أيهم ليكمل ريان بنفس الهدوء:
- وسميتها نقاء.
أومأ أيهم مجدداً.
لهتف ريان:
- اشمعنى الطفلة دي؟
أجاب أيهم سريعاً وببساطة:
- حسيتها شبهي وإني مسؤول عنها.
هدر غيث بإنفعال:
- وعشان إحساس تروح تتبناه؟
نظر له ريان بحدة ليزفر غيث بغضب.
ليهتف أيهم بهدوء:
- تكفلت بيها مش تبنيتها.
- مفيش فرق.
هتفت بها غيث بغيظ.
ليردف أيهم:
- لا طبعاً فيه فرق. التبني في شرعنا حرام.
هتف ريان بهدوء:
- وليه مقولتش لحد؟
- هو تحقيق ولا إيه يا ريان؟
هتفت بها أيهم بضجر.
ليهتف ريان بهدوء:
- لا. وزي ما أنت شايف انت داخل على مسؤولية كبيرة وبتمنى تكون قدها.
- إن شاء الله يا ريان.
هتف بها أيهم وهو ينهض ليقاطعه غيث الذي هتف بإستنكار:
- انت هتسبوا كدا؟
أردف ريان بهدوء:
- إيه المشكلة لو تكفل بطفلة؟ يعني العكس دي حاجة كويسة واحنا كلنا معاه في تربيتها وأنا أولهم.
ابتسم له أيهم وعانقه بسعادة ليعانقه ريان ثم خرج من المكتب ليرى زوجته تداعب الطفلة بسعادة ليبتسم على هيئتها وهو يتخيل أنها تحمل طفلة بين يديها هكذا.
نبض قلبه بقوة وهو لا يتخيل في خاطره فقط أن يكون له أطفال من التي استولت على قلبه وحياته كلها.
هتف غيث في المكتب:
- مش عارف اللي عملته دا صح ولا غلط بس معاك يا صاحبي.
ثم عانق أيهم وخرجوا من المكتب.
اقترب أيهم من حوراء وهو ينظر إلى صغيرته التي تلعب مع حوراء وهي تصدر أصوات جميلة جعلته يبتسم لا إرادياً.
هتفت حوراء بتساؤل:
- هتاخدها؟
رأى أنها سعيدة بها.
ليهتف بهدوء:
- لو ممكن تفضل معاكي شوية هخلص الشغل اللي ورا...
قاطعته وهي تهتف بحماس:
- أكيد طبعاً هخليها معايا.
ضحك غيث مردفا بمرح:
- انت اتكفلت بيها وهي هتربيها.
هتفت حوراء وهي تمسك يد الطفلة:
- معنديش مانع.
كل هذا تحت نظرات ريان الذي يرى شغفها نحو الأطفال.
خرج أيهم تاركاً نقاء خلفه مع حوراء التي تلاعبها برفق وحب شديد.
وخرج بعده هشام بعدما استأذن منهم وذهب إلى فيلته لينال قسطاً من الراحة.
جلس ريان بجانب حوراء لتضع هي الطفلة بين يديه ليحملها منها برفق ناظراً لها بحنان وقبل وجنتيها المكتنزة.
خرجت ضحكة خفيفة منه عندما قامت الطفلة بجذب بعض خصلات شعره، ليهتف بغيظ مضحك:
- مش عارف إيه اللي في شعري عشان تعملوا فيه كدا.
ضحكت كيان وليان وهتفت حوراء وهي تشعث شعره بكف يدها الصغير:
- لإنه حلو أوي.
نظر لها غامزاً إياها بعينه مردفا:
- طب وصاحب الشعر؟
نظرت له حوراء وصمتت، لقهقه على وجهها الذي تورّد خجلاً، لتهتف ليان وهي تجلس بجانب ريان من الجهة الأخرى ووضعت ذراعها على كتفه:
- ريان مفيش أحلى منه.
نظرت لها حوراء بغيرة واضحة لاحظها ريان الذي حاول كبت ضحكته، ولكنه تفاجأ عندما قامت بإزاحة يد ليان من على كتفه مردفة بشراسة لاحظوها جميعاً:
- خليكي في غيثك ملكيش دعوة بذئبي.
رآه اللقب كثيراً وهو يطالعها بضحك عليها وعيناه تنظران لها بعشق لها وحدها.
بينما ليان نظرت لها باستغراب فهي أول مرة تظهر غيرتها عليه، لتنهض وهي تضحك وجلست بجانب توأمها مردفة:
- الحقني يا أيان.
قهقه أيان وهو يستقبل توأمه بجانبه هاتفا:
- لو اتأخرتي ثانية كمان كانت هتقطعك.
ضحكت كيان وهي تجلس بجانبهم مردفة:
- أنا هتقي الشر من غير ما أجربه أحسن.
جلست حوراء بجانب ريان مرة أخرى وهي تنظر له بأعين تشع ناراً، لينظر هو إلى الطفلة وهو يحاول كبت ضحكته بصعوبة.
بعد مدة ليست قصيرة..
كانت قد نامت نقاء بين يدي حوراء لتظل تداعب وجنتها برفق وهي تنظر إلى ملامحها المستكينة وإلى تلك الابتسامة التي تشق وجهها من الحين للآخر.
دلف أيهم وهو يتنهد وما لبث أن ابتسم فور رؤيته لها تنام بسلام بين يدي حوراء، لتنهض حوراء مردفة:
- هي نامت فـ لو أخليها معايا الليلة دي.
نظر أيهم إلى ريان الذي أومأ له بصمت ليردف:
- مفيش مانع.
ابتسمت حوراء بسعادة فهي تعشق الأطفال بشدة.
ليقترب منها أيهم وأخذ الطفلة وقبل وجنتيها بحب ثم أعطاها لها مجدداً.
وودعهم ذاهباً إلى فيلا هشام ومعه أيان وكان غيث قد سبقهم بالفعل.
لتذهب كيان وليان إلى النوم بتذمر بعدما أمرهم ريان فهم كانوا يريدون المكوث مع الصغيرة النائمة.
وأخذ هو حوراء التي تحمل الطفلة بحذر بين يديها وصعد بها إلى الأعلى ودلفوا بها إلى جناحهم الخاص لتضعها حوراء في منتصف الفراش بحنان ورفق، ثم قبلت وجنتيها المكتنزة.
بعد وقت، نظر لها وجدها ممدة بجانب الطفلة وهي تمسك كفها الطفولي بين كفها هي الصغيرة وتغلق عينيها براحة.
ظل ينظر لهم بحنان وهو يتخيل أن هذه الطفلة هي طفلته منها ليتنهد بخفة.
استيقظ ريان بفزع وهو يستمع إلى صوت بكاء ما.
نظر لحورائه ليجدها نائمة، إذاً من يبكي؟!!
نظر الجهة الأخرى من الفراش ليجد الصغيرة التي نسيها تماماً، ليحملها سريعاً خارجاً بها من الغرفة حتى لا توقظ حورائه.
ظل يهدهدها برفق وهو يحاول أن يجعلها تهدأ ولكن بدون فائدة.
ليهبط الدرج متوجها نحو المطبخ وأخرج لبن من الثلاجة وقام بتسخينه قليلاً ووضعه في كوب صغير ومعه ملعقة صغيرة.
فليس هناك ما تسمى بـ(ببرونة).
وجلس بها في بهو القصر وهو يطعمها بالملعقة ببطء وحذر.
يبدو أنه ماهر في التعامل مع الأطفال.
بعد وقت كانت قد انتهت من شرب الحليب وظلت تلاعبه وتضحك، ليبتسم لها وصعد بها إلى الغرفة ليجدها ما زالت نائمة.
التف حول الفراش بالطفلة وكاد أن يضعها على الفراش ولكن..!!!!
شعر بشيء دافئ يتسلل على ذراعيه لتتسع عينيه وتنقبض ملامحه بتقزز وهو يمسكها من ذراعيها مبعدها عنه وهو يهتف بتقزز:
- لا لا لا كدا مش هينفع خالص.
نهضت حوراء على صوته لتراه بهذه الحالة وعلمت أن الطفلة قد فعلتها عليه، وهي تشتم تلك الرائحة التي ملأت الغرفة وأيضاً علامات الفرحة على وجه الطفلة كأنها فعلت إنجازاً كبيراً.
ظل ريان يدور بها لا يعلم أين يضعها فهو ليس بأحمق ليضعها على الفراش ووجهه يدل على شعوره بالتقزز.
نهضت حوراء وأخذتها منه وهي تضحك بقوة على هيئته المشمئزة وهو ينظر إلى ذراعيه بتقزز.
رماها بنظرة غيظ من ضحكها عليه ودلف إلى المرحاض وقام بغسل ذراعيه بأدوات كثيرة من التنظيف والتعقيم.
دخلت خلفه حوراء وهي مازالت تضحك وتحمل بين يديها الطفلة.
وقامت بخلع ملابس الطفلة وضبطت المياه لتجعلها جيدة على الطفلة وقامت بغسلها.
تحت نظرات ريان الذي كان يتابع ضحكها وهي تفعل كل هذا بمهارة وكأنها كانت أماً من قبل.
أم... حقاً ستصبح أجمل أم على العالم.
انتهت حوراء وقامت بلف منشفة صغيرة على الطفلة وخرجت بها وهتفت وهي تعطيها لريان:
- امسكها ثواني.
هز ريان رأسه بالرفض لتضحك حوراء وهي تطلب منه أن يلتقطها، ليأخذها بتردد ولكنه ابتسم فور سماعه لضحكة الصغيرة بين يديه.
دخلت حوراء إلى غرفة الملابس وظلت تدور حول نفسها بلا هوادة وكان هو يرتقبها باستمتاع.
هتفت حوراء بتذمر:
- مفيش أي حاجة للأطفال هنا.
أجاب ريان ببساطة:
- وهيكون فيه إزاي ومفيش أطفال في القصر.
وضعت اصبعها على ذقنها وهي تهتف بتفكير:
- والحلة؟
هز كتفيه بعدم معرفة وهو يتابعها بعينيه وابتسامة مستمتعة على وجهه.
هتفت حوراء وهي تخرج لها تي شيرت من ملابسها:
- هلبسها دي.
وأخرجت حزام وهي تكمل:
- وهحكمه عليها بـ دا لحد ما هدومها تنشف.
ابتسم ريان على ذكائها وساعدها في هذا ليبتسم على الطفلة التي كانت هيئتها قابلة للأكل بهذه الملابس الواسعة والكبيرة عليها.
تنهدت حوراء وهي تجلس بجانب نقاء وتثاءبت بنعاس.
ليقترب منها ريان هاتفا بحنان:
- نامي.
هزت رأسها بالرفض مردفة بصوت شبه نائم:
- لا أنيمها الأول.
أخذ منها نقاء مردفا:
- هنيمها أنا. نامي يلا.
وبالفعل ما أن أغمضت عينيها حتى ذهبت في سبات عميق ليبتسم هو ناظراً للطفلة مردفا بمرح:
- ياخوفي تعمليها.
ضحكت الطفلة وكأنها تفهم ما قاله وهي تصدر أصوات طفولية جعلته يبتسم وجلس بها على مقعد في الغرفة وأحضر هاتفه وقام بتشغيل فيديو لها.
رغم أنها لا تفقه شيئاً إلا أنه سيجذب انتباهها قليلاً.
وأحضر اللاب توب الخاص به وظل يقوم ببعض الأعمال.
فإن كان سيظل مستيقظاً إذاً ليستغله في العمل.
مر الوقت سريعاً وأشرقت الشمس ليغلق حاسوبه وقام بتحريك رقبته لتصدر صوت طرقعة قوي لينظر إلى تلك التي تنام على ذراعه.
ليبتسم وهو يتذكر كيف قامت بإلقاء هاتفه كثيراً على الأرض وتضحك بإستمتاع.
نهض ووضعها بجانب تلك التي تنام بسلام برفق ودلف إلى المرحاض وخرج بعد وقت وهو يرتدي بدلته السوداء.
وجد حوراء قد استيقظت وتتطلع للطفلة بحب.
ليهتف بصوت أجش:
- صباح الجمال على لؤلؤتي السوداء.
وقبل جبينها بحب لتبتسم مردفة:
- صباح الخير يا حبيبي.
نهضت وهي تبعد خصلات شعرها من على وجهها ودلفت إلى المرحاض.
بينما ريان وقف أمام المرآة يهندم شعره ويرتدي ساعته ويضع عطره الخاص.
خرجت بعد وقت وهي تشعر بذلك الدوار الذي في رأسها عاد مجدداً مع ألم بسيط ولكنه يزداد مع مرور الوقت.
تمالكت نفسها أمام ريان حتى لا يقلق ليخرجا هما الاثنان إلى الأسفل تاركين الصغيرة نائمة.
وجدوا كيان وليان يتناولون الفطار لتهتف حوراء بمرح:
- طب على الأقل استنونا.
هتفت كيان وهي تأكل:
- قولنا هتتأخروا وأنا بصراحة جعانة.
هتف ريان بهدوء:
- افطري كويس وأنا هروح الشركة.
امسكت بيده مردفة:
- افطر معايا اقصد معانا.
هتفت ليان بمرح:
- بعد معايا ها.
ابتسم ريان وقبل يدها هتف بحنان:
- مبحبش أفطر يا لؤلؤتي السوداء. يلا اقعدي.
تنهدت بهدوء وجلست وكاد ريان أن يخرج من القصر إلا أنه وجد أيهم يدلف وتبعه هشام وغيث.
ألقي عليهم السلام ثم هتف أيهم بتساؤل:
- نقاء فين؟
- نايمة.
هتفت بها ريان بهدوء.
ليومئ أيهم بخفة ونظر إلى غيث الذي جلس بجانب ليان يتغزل بها هاتفا ببرود:
- مش وقت غزل دا ورانا شغل.
احمر وجه ليان وهتفت بغيظ تداري خلفه خجلها:
- آآه خدة علشان مش عارفة أفطر منه.
نظر لها غيث هاتفا:
- نعم يا عيون خالتك.
أمسكه أيهم من ذراعه وسحبه خارجاً من القصر هاتفا:
- مش وقته خالص.
_ لما هو كل شوية يبقى مش وقته مش وقته، امتى هيبقى وقته بس؟
ضحكت ليان وكيان بينما هتف ريان بهدوء:
- يلا يا هشام في شغل كتير النهاردة لانك هتفضل في الشركة وهروح المستشفى.
أومأ هشام وخرج معه وهتف قبل أن يصعد سيارته:
- بيجاد اتصل عليك.
أومأ ريان وصعد سيارته وانطلق بها وفعل هشام المثل.
في الداخل وضعت حوراء يدها على رأسها وبدأت تئن بألم بسبب ذلك الألم في رأسها لتنهض كيان وليان بفزع مردفين:
- مالك يا حوراء؟ / حوراء انتي كويسة؟
ركضت إليهم إحدى الخادمات وهي تقدم لها عصير مردفة بقلق:
- اتفضلي يا هانم.
أخذته حوراء منها بأيد مرتجفة وارتشفته سريعاً لتتنهد بعدها براحة وهي تشكرها.
لتحرك كيان يدها على ظهرها بقلق وعيناها امتلأت بالدموع مردفة:
- هرن ع أبييه يجي يشوفك.
أمسكت حوراء يدها مردفة:
- لا يا كيان أنا بقيت كويسة الحمدلله اقعدي نفطر.
كادت كيان أن تعترض ولكنها أصرت على هذا لتومئ لها كيان بقلة حيلة وجلست مجدداً ومعها ليان التي كانت تنظر لها بقلق.
استمعت كيان إلى صوت هاتفها وهو يعلن عن وصول رسالة ما.
لتلتقطه وقامت بقراءة الرسائل لتنهض بسرعة مردفة:
- آسفة بس أنا لازم أروح الشركة في اجتماع ضروري لازم أحضره.
أومأوا لها الفتاتان وركضت هي إلى غرفتها وأبدلت ملابسها إلى أخرى عملية وكانت بذلة نسائية باللون الأبيض عدا السترة العلوية باللون الأزرق، وتركت شعرها حرًا على ظهرها.
وخرجت سريعاً من غرفتها بل من القصر بأكمله وصعدت سيارتها وانطلقت بها وخلفها سيارة من الحرس.
في الداخل جلست الفتاتان أمام التلفاز يشاهدون أفلام الكارتون ولكن كيان وليان تنظر إلى هاتفها وهي تبتسم وتراسل زوجها.
وبعد وقت..
حمحمت ليان بخجل مردفة:
- حوراء.. بصراحة غيث عايز نطلع مع بعض وأنا مقولتش لحد.
ابتسمت لها حوراء مردفة:
- بس اهو قولتيلي.. اطلعي معاه.
- بس انتي كمان شكلك تعبانة و..
قاطعتها حوراء وهي تبتسم لها مردفة:
- متخفيش أنا كويسة روحي اجهزي يلا.
قبلتها ليان من وجنتها وهي تردف:
- أحلى مرات أخ دي ولا إيه؟
ضحكت حوراء بخفة وركضت الأخرى إلى الأعلى لكي تجهز لزوجها الذي بصعوبة وجد وقت يخرج فيه معها بمفردهما بدون ذلك المزعج أيان.
بعد وقت..
كانت حوراء بمفردها في القصر أكمل ما عدا الخادمات.
أمسكت رأسها فجأة وهي تشعر بالألم يزداد بشكل كبير في رأسها لتصرخ في الخادمات أن يحضروا لها عصير لتأتي إليها نفس الخادمة سريعاً وهي تعطيها كوب العصير لترتشفه حوراء بسرعة حتى يهدأ الألم.
ولكن.. وجدت أنه لا جدوى منه وذلك الألم يكاد يجعل رأسها تنفجر لتلقي كوب العصير وهي تصرخ بقوة بألم وجلست أرضاً وبدأ جسدها يرتجف بقوة والعرق يتصبب من أسفل حجابها.
لتفزع الخادمة من هيأتها وركضت نحو المطبخ بينما باقي الخدم جلسوا أرضاً بجانبها يحاولون معرفة ما بها وتملك الخوف والقلق منهم.
فـ من ناحية هم يحبونها بشدة.. ومن ناحية يخشون ما سيحدث لهم من ذلك الذئب إن حدث لها مكروه ما.
في الشركة..
كان يجلس على مكتبه وأمامه حاسوبه الذي بدأ يعبث به قليلاً لتظهر له واجهة قصره من تلك الكاميرات التي بالقصر.
دلف إلى كاميرا التي في بهو القصر وهو يبتسم لأنه سيراها فقد اشتاق لها رغم أنه لم تمر سوى ساعتين على غيابه.
ولكنه نظر إلى الشاشة بفزع وهو يشعر بأن قلبه يكاد يخرج من بين أضلعه وثقلت أنفاسه واتسعت عينيه بذعر وهو يشعر وكأن هناك من يسحب روحه ببطء شديد ويضغط على قلبه بخنجر حاد بدون رحمة.
دلف هشام وكاد أن يتحدث ولكن فزع الآخر من هيئة صديقه وركض إليه هاتفا:
- ريان حصل إيه؟
لم يجبه ريان فقط نظره معلق على شاشة حاسوبه وهو يشعر وكأنه شُـل كلياً ولا يستطيع الحركة.
بؤبؤ عيناه يهتز بزعر وهو يراها أمامه.
يرى روحه تقع أرضاً تتصبب عرقاً وتمسك برأسها تصرخ بألم وحولها الخدم.
نظر هشام إلى الحاسوب لتشخص عيناه بخوف ثم لكم ريان بقوة حتى يخرج من صدمته صارخا:
- لازم نلحقها بسرعة.
أومأ ريان بضياع وأمسكه هشام من يده وخرج به ركضاً من الشركة ليتعجب العاملين من هيئتهم ولم يراهم إياد الذي كان يتحدث مع كيان بخصوص الحسابات وما بها.
جعل ريان يجلس في سيارته وتولى هو مقعد القيادة وانطلق بها بسرعة البرق نحو القصر.
وفي وقت قياسي كان يوقف السيارة لتصدر صوت احتكاك قوي في الأرض وخرج كلاهما ركضاً إلى الداخل.
استمع ريان إلى صراخها ليشعر وكأنه سيموت الآن من ألم قلبه، ركض نحوها وأمسك بيدها ليراها باردة كالثلج ليحملها وركض بها إلى غرفة ما.
ولم يدخلها في جناحه بسبب الصغيرة النائمة حتى لا تفزع من صراخها القوي.
ودلف خلفه هشام الذي يظهر على وجهه الفزع.
هتف ريان بصوت مرتجف خائف:
- هاتلي حقنة مهدئة يا هشام بسرعة.
ركض هشام إلى الخارج ودلف إلى المطبخ وفتح إحدى الأدراج المخصصة للأدوية وأخرج حقنة مهدئ وعاد ركضاً بها.
أعطاها لريان الذي التقطها بيد مرتعشة ثم أمسك بيدها يحاول تثبيتها ولكن حوراء صرخت بألم وهي تهتف:
- راسي يا ريان مش قادرة هتنفجر.
كاد هشام أن يمسكها له ولكن أشار له بالتوقف وجلس فوقها يثبت ذراعيها تحت قدميه وقام بإدخال الإبرة بوريدها ثم ألقاها أرضاً واحتضنها بقوة وهو يستمع إلى صراخها الذي مزق فؤاده بدون رحمة.
ليخرج هشام وهو يشعر بالقلق نحوها وما بها لتصرخ بهذه الطريقة المريبة، فكانت صرخاتها إن سمعها عدو ما لفر هارباً فزعاً من حدة الصراخ.
ظل ريان مكتفاً إياها بين ذراعيه بقوة وهي تتحرك وتصرخ بعنف حتى بدأ جسدها يهدأ وينخفض صوتها تدريجياً حتى استكانت وأغمضت عينيها نائمة بإرهاق وتعب.
ابتعد عنها بعدما شعر بهدوئها ونظر إلى وجهها الملئ بحبات العرق ليمسحه عنها برفق وقلبه يتآكله الخوف والقلق.
والشك.
خرج ومعه بعضاً من دمها ليقوم بفحصه، وهتف إلى هشام:
- اقعد هنا وأنا هروح المستشفى وآجي في حاجة لازم أتأكد منها.
أومأ له هشام وأخبره أنـه لا يقلق فهو لن يتحرك من أمام الباب.
ليخرج ريان وصعد سيارته وانطلق بها إلى المستشفى وبعد وقت.
دلف إلى المستشفى ثم إلى غرفة التحاليل لينهض الأطباء بفزع من قدومه المفاجئ وقبل أن يتفوه أحدهم بكلمة أشار لهم بأن يخرجوا جميعاً لينفذوا الأمر وغادروا.
بينما هو ظل يعمل على الآلات بمهارة وسرعة.
ثم جلس نصف ساعة وهو على أحر من الجمر وعيناه أصبحت مظلمة كظلام الجحيم وهو يشعر أن ما يشك به صحيح.
وإن كان صحيحاً فهو سيجعل الفاعل يندم أشد الندم ويذيقه عذاب لم يرى مثله في حياته.
نهض سريعاً وهو يلتقط تلك الأوراق ونظر لها بأعين متفحصة لتظلم عيناه أكثر وأكثر وبرزت عروق جسده وهو يكور الورقة بين يديه.
خرج من المكتب ومن المستشفى بأكملها كإعصار مدمر وصعد سيارته وانطلق بها بسرعة تسببت في ترك أثر في الأرض بسبب الإطارات التي تحركت بعنف.
وقف أمام القصر ورمى الحرس نظرة أرعبتهم ودلف ليجد هشام مازال واقفاً أمام الباب.
ما إن رآه هشام حتى هتف بقلق:
- عرفت مالها؟
أومأ له ريان وأعطاه الورقة ليأخذها منه هشام ونظر إلى ما بها باستغراب لتتحول في ثواني إلى دهشة.
صدمة وغضب هاتفا بغضب أكبر:
- نسبة مخدرات في الدم.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة جبريل
خرجت تلك الكلمات من فم هشام الذي وكأنه سقط عليه دلو من الماء المثلج في أقصى الشهور برداً.
مسح ريان على شعره من الأمام إلى الخلف وهو يومئ والغضب يسكن ملامحه.
هتف هشام بتساؤل:
- بس إزاي.. ومين.. ومن إمتى؟
هز ريان رأسه بالرفض وهو يردف بقلق وصوت مرتجف خائف:
- السؤال هو هعمل معاها إيه.. هي كده هتتعذب.. العلاج هيبقى صعب عليها مش هتستحمله يا هشام.. مش هتستحمله.
أنهى حديثه بضعف وخوف من القادم، لينظر له هشام بحزن فهو لأول مرة يراه هكذا، ليضع كف يده على كتفه هاتفا بقوة:
- أنت لازم تفضل قوي علشانها.. الحل دلوقتي أين؟
نظر ريان أمامه قليلاً يفكر في شئ ما، لينظر إلى هشام سريعاً ليعلم أنه وجد حلاً ما.
هتف ريان سريعاً وهو يتوجه نحو جناحه وتبعه هشام:
- هاخدها الفيلا اللي محدش يعرف بيها غيرك وبيجاد وأعالجها هناك، وأنت هنا هتقولهم سافروا فجأة وقفلوا الفون ومش هيتكلموا مع حد، وكمان هتدور على اللي عمل كده وكل المعلومات توصلني أول بأول.
كان يتحدث بسرعة كبيرة وهو يفتح حقيبة السفر ويلقي ملابس له ولها بها بإهمال ويمرر يده على خصلات شعره التي سقطت على عينيه يرجعها إلى الخلف.
أغلق الحقيبة وهو لا يعلم ما به حقاً، لا يعلم ماذا يفعل، ولكن سيترك كل شيء لصديقه، سيحمله هو الأثقال، وهو يثق ثقة عمياء بأنه سيكون جديراً بها ولن يخذله مهما كلف الأمر.
وضع هشام يده على كتفه وهو يهتف بهدوء حتى يهدأه:
- كل اللي قولته هيحصل، والشركة هخلي كيان تاخد مكانك لحد ما ترجع، وهكون وراها في كل خطوة، وكمان هعرف مين اللي عمل كده وأوعدك هحبسه في المخزن وأوريه العذاب ألوان لحد ما تيجي وتكمل عليه.
نظر له ريان بامتنان حقيقي فهو ونعم الصديق، السند، الظهر.
عانقه متمتماً له بالشكر.
أخذ ريان الحقيبة وخرج بها ووضعها بسيارته.
ثم دلف القصر، وأتت بباله فكرة لا يعلم كيف لم تخطر على باله من قبل.
دلف إلى مكتبه سريعاً ليتبعه هشام وفتح اللاب توب الخاص به وقام بفتح جميع الكاميرات لتنقسم شاشة حاسوبه لعدة مكعبات تظهر جزءاً من القصر.
ظل يتابع حوراء بعينيه حتى أشار له هشام وهو يهتف:
- هي تعبت وأهلك موجودين.
هز رأسه هاتفا بتيه:
- آه بس لقيتها نايمة وقتها وبعدها أظهرت لي إنها كويسة وأنا الغبي صدقت إنها كويسة.
ظل يتابع شاشة حاسوبه بأعين الصقر حتى وجدها تضع يدها على رأسها ودلفت إلى المطبخ وطلبت منهم إعداد فطور وكوب عصير.
ولكن هناك أمر مريب في الأمر، فقد كانت خادمة واحدة هي المسؤولة عن إعطائها العصير، وقد لاحظ هشام هذا أيضاً.
دلف إلى كاميرا المطبخ وظل يتابع هذه الخادمة حتى وجدها تصنع العصير لملكتها.
ولكن.. كانت تنظر حولها بريبة، ثم أخرجت كيس صغير من أسفل ملابسها به شيء أبيض.
ولم يكن سوى تلك المخدرات.
وضعت القليل منه في العصير، ولكن يظهر أنها ليست المرة الأولى التي فعلتها فقد كان أغلب الكيس فارغاً.
ثم قلبت العصير جيداً وارتسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وخرجت به وأعطته لحوراء.
زمجر بغضب وكاد أن يخرج من المكتب ليذهب لتلك الخادمة ويقتلع رأسها من جسدها جزاء ما فعلته بصغيرته، إلا أن صوت هشام منعه.
هتف هشام سريعاً وهو ينظر إلى الكاميرا:
- استنى يا ريان بتتكلم مع حد.
عاد ريان سريعاً، فهو علم من الفاعل، ولكن يريد أن يعلم من المسؤول.
ومن الواضح أنه سيعلم الآن.
وجدها تقف في زاوية من زوايا المطبخ وتتحدث بخفوت، ولكن التقطتها مكبرات الكاميرا لتظهر وهي تتحدث.
- نعم سيدتي قد فعلت مثل ما أمرتي.
- حسناً سأزيد الجرعة ولكن أريد أن يزيد أجري معه.
- سيدة إيزابيلا تكلمي باحترام، فأنا أستطيع أن أخبر سيد ريان بكل شيء وسأقول بأنكِ قمتِ بتهديدي بالقتل.
- حسناً حسناً، وأيضاً هناك أخبار سارة، فقد ظهر مفعول هذا الشيء عليها وبدأت تشعر بالألم في رأسها ولا تهدأ إلا عندما أعطيها جرعة أخرى منه ولكن بنسبة أكبر.
- حسناً سأغلق الآن قبل أن يستمع إلي أحد ما.
وقامت بإغلاق الهاتف ووضعته أسفل ملابسها وعادت إلى العمل وكأن شيئاً لم يكن.
كان يستمع إليها وهناك بركان قد انفجر بداخله، لتقتم عيناه وتمتزج بشعيرات حمراء وبرزت عروق رقبته بقوة وابيضت مفاصله بسبب ضغطه عليها وثقلت أنفاسه بقوة.
خشي هشام أن يفعل صديقه شيئاً متهوراً.
لا ينكر أنه هو الآخر تملكه الغضب منه، ولكن.. يجب عليهم التصرف بذكاء.
وأيضاً هذه إيزابيلا، ما العداوة التي بينها وبين حوراء لتفعل هذا؟!!
هذا ما دار في خلده.
بدأت ملامح ريان تهدأ تدريجياً بدون سبب يذكر.
عادت عيناه للونها الرمادي ولكن القاتم واختفت عروقه وهدأت ملامحه وتوازنت أنفاسه.
نظر له هشام باستغراب، لينظر له ريان وسرعان ما ارتسمت ابتسامة تحمل بين طياتها كل معاني الخبث على ملامحه.
ارتاب هشام من هذه الابتسامة وعلم أن هذا الذي يقف أمامه هو الذئب الخبيث الماكر.
حتى هو الآن لن يصدق أي شيء يقوله.
أغلق ريان الحاسوب وغادر المكتب ببرود شديد وتبعه هشام ليجده يصعد الدرج ببرود.
وبعد وقت وجده يهبط وهو يحمل حوراء بين يديه وخرج بها ووضعها بالسيارة.
ليأتي هشام من خلفه هاتفا:
- هتعمل إيه يا ريان؟
نظر له ريان هاتفا:
- أنت اللي هتعمل.. هتاخد الخادمة دي المخزن وتعلموا عليها.. وإيزابيلا هبقى أقولك تعمل معاها إيه بعدين بس حالياً سيبها.
رغم أنه لم يعلم لماذا ولكنه أومأ له واحتضنه هاتفا:
- أو إوعى تضعف وتديها جرعة يا ريان مهما كان الألم اللي هتحس بيه.
ثم ابتعد عنه مكملاً:
- وهي أكيد هتحاول تستعطفك بكل الطرق بس متستسلمش.
تنهد ريان بقوة وربت على كتفه ثم صعد سيارته وانطلق بها بدون حرس.
ليظل هشام يتابعهم حتى اختفت السيارة من أمام مرمى بصره.
كاد أن يرحل ولكنه وجد غيث وليان يتقدمان نحوه وعلى وجهه ابتسامة عاشقة لبعضهم البعض.
دلفوا القصر ثلاثتهم لتهتف ليان بتساؤل:
- إيه ده القصر فاضي ليه وفين حوراء؟
أجاب هشام بثبات:
- سافرت مع ريان.
- إزاي؟
هتف بها غيث وليان باستغراب.
يرد هشام ببرود وهو يهز كتفيه:
- زي السكر في الشاي.. واحد أخد مراته وسافر أي مستني يستأذنكم يعني.
كاد غيث أن يتحدث ولكن قاطعهم صوت بكاء الصغيرة ليركض هشام وغيث إلى الأعلى، ولكن قبل أن يتخطى قدم غيث الجناح الخاص بريان حتى قام هشام بمنعه.
ودلف هو إلى الغرفة ليجدها على الفراش تبكي.
حقا هو قد نسي أمرها تماماً حتى أنه كاد أن يرحل لولا رؤيته لغيث وليان.
حملها برفق وهو يتذكر كيف قامت حوراء بتعليمه وخرج بها من الغرفة وهبط بها إلى بهو القصر.
أخذتها منه ليان وحاولت تهدأتها ولكنها لم تستطع ليهتف هشام بتوتر من بكاء الصغيرة:
- وهنعمل معاها إيه دي؟
دلف في هذه اللحظة أيهم والذي ما أن استمع إلى صوت بكاء صغيرته حتى ركض نحوهم وأخذها من ليان وهو يهتف بقلق:
- مالها؟
- مفيش صحيت من النوم بتبكي ومحدش عارف يتصرف معاها.
هتف بها هشام بهدوء.
نظر أيهم في أنحاء القصر وهو يشعر وكأن جزءاً كبيراً منه قد فُقد ليتساءل هاتفا:
- حوراء فين؟
يهتف غيث بهدوء:
- بيقول سافرت هي وريان.
ضيق أيهم بين حاجبيه باستغراب وشعر أن هناك شيئاً ما ولكنه أومأ بخفة وطلب من إحدى الخدم إحضار حليب للطفلة وجلس يهدئ بها.
دلف كيان وهي تتنهد بإرهاق مردفة:
- في مصيبة في الشركة فين أبويا؟
هتف هشام سريعاً:
- ريان وحوراء سافروا.. إيه المشكلة حصل إيه في الشركة؟
صدمت من معلومة سفر أخيها المفاجئ ولم يخبرهم حتى ولكنها هتفت بتعب:
- الحسابات.. فيها سرقة حوالي 2 مليون.
- إزاي مش إياد على الحسابات؟
هتف بها هشام بغضب وفي هذه اللحظة دلف إياد.
استمع إلى حديثه وهتف بهدوء وهو يضع كفوف يده في جيوب بنطاله:
- فعلاً بس السرقة ما حصلتش وأنا مستلم الحسابات.. السرقة كانت قبل ما أستلم الحسابات بحوالي أسبوعين.. وعرفت كده لما راجعت أوراق الحسابات القديمة وعرفت من الآنسة إن محدش يعرف حاجة عن السرقة دي.
هتف هشام بغضب وهو يصدق مقولة (لا تأتي المصائب مفرداً أبداً):
- سليمان.
خلال لحظات كان سليمان يقف أمامه ليكمل هشام بحدة:
- مراد اللي كان مستلم حسابات الشركة قبل إياد خلال ساعة يكون في المخزن.
هتف سليمان بثقة، وهذه الثقة هي التي جعلت ريان يثق به كثيراً وأنه أيضاً لم يخيب ظنه ولو لمرة واحدة حتى:
- اعتبره حصل.
ثم خرج بهدوء وثقة كما دلف ليتساءل إياد عن شقيقته ليصدم عندما أخبره أنها سافرت ليهتف بدهشة:
- إزاي سافروا من غير ما يقولوا لحد؟
هتف هشام ببرود:
- واحد أخد مراته وسافر هيقولكم ليه.
شعر إياد أن هناك شيئاً حدث لشقيقته وعلم هشام من نظرته ليهتف بهدوء حتى يخفي الشك:
- حتى هي متعرفش إنها سافرت، هو عملهالها مفاجأة علشان تغير جو.
تنهد إياد بقوة واستأذن منهم وغادر ذاهباً إلى شقيقتيه وقلبه يخبره أن هناك شيئاً سيئاً سيحدث أو حدث بالفعل.
بعد عدة ساعات.
كان قد وضعها على الفراش وهو ينظر لها بحزن وألم وخلع حجابها، ليتمدد بجانبها وهو يمرر يده على خصلات شعرها بحنان وهو يتوعد لتلك إيزابيلا بعذاب شديد.
بدأ مفعول المخدر في الزوال وكان هو يستعد له.
بدأت تئن بألم وهي تحرك رأسها في كلا الاتجاهين ثم بدأ جسدها يرتجف وتصرخ صرخات منها من الألم الذي يكاد يقتلها.
أحاطها ريان بذراعيه وهو يهتف بحزن:
- إهدي يا حورائي استحملي علشاني.
صرخت حوراء بقوة وهي تحاول إبعاده عنها مردفة:
- ابعد عني.. راسي هتنفجر يا ريان مش مستحملاه.
أصدرت آه متألمة ليصرخ قلبه معها وهو يقوم بتقييدها جيداً بذراعيه لتظل تقاومه بعنف وهي تصرخ ولا تعلم سبب هذا الألم.
تركها ريان وهو لا يتحمل صراخها وذهب ليحضر إبرة مهدئة سريعا لتنهض هي وتمسك بخصلات شعرها بقوة حتى كادت أن تقتلعها من جذورها وصرخاتها تهز أرجاء الفيلا.
اقتربت من المرآة وقامت بضربها بقوة بتلك الزجاجة التي كانت أمامها لتتهشم المرآة إلى قطع صغيرة ليستمع ريان إلى الصوت ليقع قلبه أرضاً وركض بسرعة إلى الأعلى.
سقطت الإبرة منه أرضاً وهو يراها تمسك بإحدى الزجاج المكسور وكادت أن تمزق خصلات شعرها.
ليركض نحوها وهو يرمي الزجاج من يدها وقام بحملها تحت حركتها العنيفة وصراخها القوي ووضعها على الفراش وظل يبحث عن الإبرة بعينيه حتى وجدها عن الباب ليتركها لكي يحضرها.
انحنى وأمسك بها ثم اعتدل في وقفته وكاد أن يلتف لها ولكن تحولت ملامحه إلى الألم وهو يشعر بشيء حاد يغرز في كتفه بقوة.
التفت ناظراً لها ليجدها تنظر له بعنفوانية بعدما غرزت جزءاً من الزجاج الحاد في كتفه.
ليخرج الزجاجة من كتفه وألقاها أرضاً وبدأ جرحه ينزف بغزارة.
كادت أن تركض خارج الغرفة ولكنه قام بسحبها نحوه رغم ألم كتفه وقام بتقييدها بقوة وأعطاها الإبرة لتبدأ حركتها في الهدوء مجدداً ثم سقطت بين يديه فاقدة الوعي.
حملها رغم ذلك الألم الفتاك الذي يشعر به ووضعها على الفراش وهو ينظر لها بحزن شديد.
خرج من الغرفة وبعد قليل عاد وهو يحضر أصفاد من الحديد وقام بتكبيل يديها وقدميها على حواف الفراش.
فهو يعلم أن هذه التصرفات العنيفة ليست إلا بسبب ذلك السم الذي يسري في أوردتها والألم الذي تشعر به.
روحه تتمزق وهو يراها بهذه الحالة وهو لا يستطيع فعل شيء.
قلبه يتلوى ويصرخ ألماً وهو يشعر بألمها أضعاف مضاعفة.
آذانه تتمنى ألا تسمع شيئاً حتى لا يستطيع سماع صوت صرخاتها.
عيناه تتمنى العمى حتى لا يرى من عشقها بهذه الحالة.
روحه تريد مفارقة جسده بدلاً من أن يرى عذابها هذا.
تحرك بخطوات ثقيلة خارج الغرفة وقام بإحضار كل شيء لمعالجة الإدمان وليخرج هذا السم من جسد محبوبته ووضعه بالغرفة حتى لا يضطر أن يتركها ثانية واحدة.
وقام بتطهير جرحه ولفه بشاش أبيض بصعوبة ثم ارتمى أرضاً بجانب الفراش وهو يرفع رأسه إلى الأعلى بألم لما هو قادم.
- مالك يا بيجاد من الصبح مش مرتاح كده؟
هتفت بها صبا التي تنظر بحنق لزوجها الذي يجلس على الفراش مستنداً بذراعيه على قدميه وهو يشبك أصابعه معاً ويهز قدمه بسرعة ناظراً إلى الفراغ.
أفاق على صوتها ليهتف بهدوء حتى لا يقلقها:
- مفيش بس بفكر في الشغل.
وضعت صبا يدها على خصرها مردفة:
- نعم.. بتفكر في الشغل واحنا في شهر العسل يا بيجاد؟
نهض بيجاد مقبلاً رأسها هاتفا:
- فعلاً عندك حق أنا غلطان.. بس هكلم ريان وبعد كده مش هفكر في أي حاجة.
أومأت على مضض ليأخذ هو هاتفه خارجاً من الغرفة وهو يشعر بقلق لا يعلم سببه.
خشي أن يكون هناك مكروه أصاب صديقيه ليقرر الاطمئنان عليهم حتى يمحى هذا القلق الذي يراوده من الصباح.
ازداد قلبه مع نبضات قلبه وهو يرى هاتف ريان مغلقاً ليقوم بالاتصال على هشام وهو يدعو أن يجيبه فهو يكاد يصاب بالجنون.
هتف سريعاً عندما أتاه الرد:
- هشام انتوا كويسين؟
= مالك يا ابني كده اهدى.. احنا كويسين.. ليه فيه حاجة حصلت؟
تنهد بيجاد بقوة هاتفا:
- مش عارف يا هشام من الصبح وحاسس إن فيه حاجة غلط وقلق مش عارف سببه.
أجابه هشام بسخرية حتى لا يشك بشيء:
- يا ملك الإحساس أنت.. قولي أخبارك بقى مع العروسة.
ولكن هل يخفي شيئاً عن أسد المخابرات الذي علم أن هناك شيئاً ما يخفيه عنه ليهتف بتوجس:
- حصل حاجة عندك يا هشام.. وريان قافل فونه ليه... مش إمتى بيقفل الفون؟
علم هشام أنه لن يقتنع إلا بشيء مقنع جداً، ليجيبه بثبات:
- طبيعي تلاقيه مقفول ماهو كمان أخد مراته وسافر بقى وسبتوا الشغل كله عليا.
ضحك بيجاد وهو يصدق حديثه قليلاً:
- يعيني عليك يا ضنايا صعبت عليا.. تعالى مدريد هنا وانت هتقرر تتجوز على طول.
- لا يا خويا سيبنالك انت وريان الجواز يلا سلام ورايا شغل مش فاضيلك.
= أنا غلطان إني بسأل عليكم أصلاً صحبة واطية من غير سلام.
لم يجد رداً سوى صوت يدل على أن المكالمة قد انتهت ليهز رأسه وهو يبتسم على صديقه فهو إن لم يفعل هذا كان ليشعر بأن هناك شيئاً ما.
ليعود إلى صبا هاتفا:
- ها بقى قولتيلي إيه رأيك في الفيلا عجبتك؟
هتفت صبا بإعجاب حقيقي:
- جداً وموقعها خرافي وتصميمها خيالي.
تذكرت عندما فاجأها بأن له فيلا في مدريد وأنه لم يذهب إليها أول يوم لأنها كانت تحتاج للتوضيب.
قبلها بيجاد على جبينها مردفاً:
- احلوت لما انتي دخلتي فيها.
نظرت له بخجل ليهتف بمرح:
- لا أنا اتعودت على صبا صاحبي ياريت تشيلي الفراولة دي.
نظرت له بغيظ وهي تلطمه في ذراعه ليقهقه عليها ساحباً إياها إلى حضنه.
لتقاومه وهي تهتف:
- ابعد عني مش أنا صاحبتك.
- اهدى يا بت هو فيه صاحب بالجمال ده.. دي كفاية قهوتك اللي خلتني أدمن القهوة بعد ما كنت مش بستحمل ريحتها.
استكانت بين ذراعيه وهي تبتسم بعشق لهذا البيجاد وبادلته العناق مردفة:
- بحبك.
قبل خصلات شعرها مردفاً:
- وأنا بعشقك.
ثم أسند ذقنه على رأسها وهو يتنهد بارتياح بعدما اطمأن على صديقيه ولكن مازال هناك بعض القلق. لا يعلم لما؟! ولكن هناك شعور سيء بداخله!!
تزينت السماء بنجومها اللامعة وبقمرها الساطع.
يجلس أرضاً بجانب زاوية من الغرفة يضم قدميه إلى صدره ويدفن رأسه بينهم ويضع يديه على أذنيه وهو يستمع إلى صراخها المتألم وهو عاجز تماماً.
لا يقدر على فعل شيء لها.
خرج صوت حوراء المتألم وهي تحاول استعطافه:
- ريان.. يا ريان إيدي بتوجعني.. راسي وجعاني يا ريان.. ورجلي كمان.. شيل الحاجات دي عني.. طيب شوفلي حاجة تخفف الوجع ده يا ريان.. مش مستحملاه والله.
نهض ريان بسرعة البرق ولا يتحمل سماعها وهي تصرخ أو وهي تتحدث بهذه الطريقة حتى يزيل الأصفاد عنها.
هذا الذي يجري في عروقها يأكل بجسدها بدون رحمة بها أو به.
خرج من الغرفة وهو يستمع إلى صراخها:
- ريان.. متسبنيش يا ريان.
خرجت صرخة مدوية منها جعلت قلبه ينزف ألماً.
جلس أرضاً مسنداً بظهره على الباب وهو يستمع إلى ندائها له وصوت صرخاتها وهو عاجز تماماً.
لأول مرة يشعر بهذا الألم الذي في قلبه وروحه.
صرخاتها تصم أذنيه بدون شفقة.
تردد كثيراً في إعطائها جرعة من هذا السم حتى يهدأ ألمها ولكن تراجع في آخر لحظة وهو يعلم إن أعطاها هذا السم فهذا سيصعب علاجها.
ظلت طوال الليل تصرخ صرخات قوية تهز جدران الفيلا وظل هو بالخارج يتألم أضعاف ألمها.
طوال الليل وهو يتعذب مع كل صرخة تخرجها.
ومع شروق الشمس.
بدأ صوتها في الاختفاء نتيجة ضعف أحبالها الصوتية من شدة الصراخ ولكن ظلت تئن بألم شديد.
ذلك الألم الذي تشعر به في رأسها سئ جداً لا يمكن وصفه.
تشعر وكأن عقلها يحترق بنار لا تهدأ بل تزداد مع مرور الوقت.
جسدها الذي لم يظل على درجته وأصبح بين لحظة وأخرى يصبح في سخونة النار، وبين لحظة وأخرى يصبح ببرودة الثلج.
تؤلمها ذراعيها وهي معلقة فوق رأسها بهذه الطريقة ولا تستطيع تحريرها.
ولكن هو فعل هذا خوفاً عليها.
يعلم جيداً أن بسبب هذا الألم الذي تشعر به من الممكن أن تؤذي نفسها بدون أن تشعر.
عيناه حمراء كالدم بتلك الشعيرات التي أخفت لون عيناه شعره مشعث ويهبط على عينيه.
نهض بإرهاق وفتح باب الغرفة ليجدها تتحرك بإرهاق وتئن بألم ليقترب منها وجلس بجانبها لتنظر له بعينيها السوداء التي يعشقها ولكنها تمتزج بشعيرات حمراء تدل على إرهاقها وتألمها.
احتضنها وهو يمرر يده على خصلات شعرها هاتفا:
- استحملي يا حورائي.. استحملي علشاني يا لؤلؤي الأسود.. قلبي بيوجعني وأنا شايفك كده ومش قادر أعملك حاجة.
خرج صوتها الضعيف المتألم:
- إيدي بتوجعني أوي يا ريان.. مش هعمل حاجة والله بس.. بس ابعد الحاجات دي عني.
ترجته كثيراً لينفذ هو أخيراً طلبها وقام بحل الأصفاد عن يديها لتخرج آه متألمة من ذراعيها التي ظلت معلقة فوق رأسها طوال الليل.
ضمت ذراعيها إليها وهي تبكي بألم من كل شيء.
كل شيء بجسدها يصرخ ألماً.
وهي ما زالت لا تعلم ما سبب هذا الألم إلى الآن.
احتضنها ريان لتلف ذراعيها حوله وهي تتشبث بملابسه من الخلف وهي تبكي بقوة.
خرج صوتها الضعيف الباكي وهي تتساءل:
- ليه الألم ده يا ريان.. أنا فيا إيه؟
مسد ريان على شعرها هاتفا بصوت مختنق:
- هتخفي يا حورائي صدقيني ووعد مني هخلي السبب يحس بنفس ألمك وأضعافه.. ده وعد يا لؤلؤي الأسود.
ظلت تسأله عن ما بها ولما هذا الألم وكان هو متردداً في إخبارها ولكنه قرر أن يريحها وهتف:
- بسبب مخدرات كنتي تاخديها من غير ما تعرفي.
صدمة.. شعرت بصدمة قوية وها هي تعلم سبب هذا الألم الذي تشعر به.
ولكن..
عاد لها الألم مجدداً وبدأ جسدها يرتجف بين ذراعيه وهي تصرخ بقوة.
لا تتحمل ذراعيه حول جسدها تشعر وكأن عظامها تحترق بالنار.
قام ريان بتكبيلها مجدداً حتى لا تؤذي نفسها رغم حركتها العنيفة وصراخها بالرفض.
يحاول التماسك وألا يضعف أمامها حتى لا تشعر بالضعف هي الأخرى وتستسلم لما هي فيه.
ظلت تبكي وتصرخ بآن واحد.
صرخت بقوة واهتز جسدها بطريقة غريبة دبت الرعب في قلبه.
وبدأ جسدها يتصبب عرقاً وارتفعت درجة حرارتها بشدة حتى شعر هو وكأنه يحتضن جمراً من النار.
نظر لها بخوف دب في روحه وهو يراها تئن بألم وعيناها تغلق تدريجياً والدموع تهبط منها بغزارة.
ظل يربت على وجنتها وينادي باسمها بفزع ولكن لا مجيب.
علم أنها أُغمي عليها من شدة الألم.
لا يعلم أيوقظها ويجعلها تواجه هذا الألم أم يجعلها هكذا حتى تستفيق بمفردها.
ليقرر جعلها ترتاح حتى لو كان مغشياً عليها ليقبل رأسها بعمق وهو يتمزق ألماً بداخله.
استمع إلى صوت طرقات على الباب ليعلم من هذا ليخرج من الغرفة ثم فتح الباب ليظهر من خلفه هشام الذي صدم من هيأة صديقه وعينيه الحمراء.
هتف هشام بقلق:
- ريان انت كويّس؟
تنهد ريان بقوة وهو يومئ له بالنفي هاتفا:
- مش كويس خالص يا هشام بموت بالبطيء.
ترك هشام ما بيده وعانق صديقه ليعانقه الآخر وهو يحاول جمع شتات نفسه وأن يبقى صامداً.
بعد وقت.
ابتعد عنه هشام مربتاً على كتفه ثم أعطاه ما كان بيده هاتفا:
- ده أكل وكمان العلاج اللي طلبته ولو احتجت أي حاجة هتلاقيها هنا.. هي أخبارها إيه دلوقتي؟
أخذ منه الأكياس هاتفا:
- مش كويسة خالص بتتعذب وأنا عاجز مش قادر أعملها حاجة.
ربت هشام على كتفه هاتفا:
- كل حاجة هتبقى بخير صدقني.. بس أنت متضعفش ولا لحظة.. خليك قوي زي ما اتعودنا عليك يا ريان.
أومأ له ريان ليغادر هشام ليدلف ريان إلى الفيلا وقام بتحضير الوجبات الصحية التي سيحرص على تناولها إياها.
ثم وضع الأكلات في الثلاجة حتى تستيقظ حوراء ويطعمها.
وأخذ إناء متوسط الحجم ووضع به ماء مثلج وأخذ منشفة صغيرة بيضاء وصعد إلى الأعلى ودلف إلى الغرفة وجلس بجانبها برفق حتى لا يؤلمها وظل ينظر لها بحزن ثم أخذ المنشفة ووضعها بالماء ثم أخرجها ووضعها على جبينها حتى تمتص حرارتها.
جفاه النوم طيلة الليل وهو يفعل لها هذه الكمادات ويراقب حرارتها من الحين للآخر.
مر يومان.
يومان تتعذب فيه ويتعذب هو الآخر معها.
يومان لا يأكل إلا قليلاً، لا ينام إلا سويعات معدودة، لا يستريح.
يطعمها بصعوبة حتى تأخذ علاجها.
ويظل يراقب درجة حرارتها على مدى الـ24 ساعة، لا يبتعد عنها إلا عندما يشعر بأنه سيضعف أمام ترجيها وصراخها له ليخرج من الغرفة ويظل جالساً أمام بابها حتى تهدأ.
يومان وإياد قلبه يؤلمه ويخبره أن شقيقته حدث لها مكروه ما.
ويزداد ألمه عندما يجد هاتفها مغلقاً ولا يستطيع التحدث معها والاطمئنان عليها.
وكلما يسأل هشام يخبره بأنهم بخير وهو يتحدث مع ريان ويغير مجرى الحديث.
يومان.. وبيجاد يشعر بالقلق ولا يعلم السبب.
فقد كل ما يعلمه أنه لا يستطيع أن يبقى دقيقة واحدة في مدريد وسوف يعود إلى صديقيه حتى يطمئن عليهم بنفسه فحديث هذا هشام لا يقنعه.
وضع ثيابه في حقيبة سفره بسرعة وإهمال وثياب صبا الغير راضية عما يفعله.
أغلق حقيبة السفر ثم حملها هاتفا:
- صدقيني هعوضك عن الشهر ده بس لازم نرجع دلوقتي.
لم ترد عليه ودلفت إلى المرحاض وأبدلت ثيابها وخرجت دون أن تنظر له ليزفر هو وغادر خلفها ليجدها تجلس في السيارة تنظر أمامها بغضب.
ليخرج زفيراً من فمه ثم تولى مقعد القيادة وتوجه نحو المطار بدون أي حديث.
يعلم أنه يظلمها ولكن حتى وإن ظل هنا فهو لن يسعدها سيظل شارد الذهن طوال الوقت مثل اليومين الماضيين.
توقف في المطار وصعد بطيارته الخاصة لتحلق بهم الطائرة وكل هذا تحت صمت مريب بينهم.
حاول قطع هذا الصمت ولكن كانت تجيبه باقتضاب.
ليكف عن محاولاته وظل يعبث بهاتفه.
بعد ساعات.
دلف بيجاد وصبا إلى الفيلا التي قدمها له هشام هدية ليتفاجأ بها حقاً فهي كانت مبهرة وجميلة وراقية.
وقد نالت إعجاب صبا بشدة.
هتف بهدوء:
- هشوف هشام وراجع روحي ارتاحي انتي.
لم ترد عليه وظلت تتجول في الفيلا تنظر لها بإنبهار ليذهب هو إلى الفيلا المجاورة التي بها صديقه.
تفاجأ هشام بوقوف صديقه أمامه.
تقدم نحوه سريعاً هاتفا بقلق:
- بيجاد إيه اللي رجعك دلوقتي حصل حاجة؟
هتف بيجاد وهو ينظر له بقوة:
- مقدرتش أقعد هناك وأنا حاسس إن فيه حاجة مخبيينها عليا.. حصل إيه يا هشام؟
ارتبك هشام قليلاً ثم حاول بثبات:
- صدقني مـ...
قاطعه بيجاد وهو يلاحظ ارتباكه هاتفا بجدية:
- متحاولش تكذب.. حصل إيه.. ريان كويس؟!!
تنهد هشام بقوة ثم جلس على إحدى المقاعد وقص له ما حدث ومن الفاعل وأين صديقه الآن.
صُدم بيجاد من الذي يقوله ليهتف بحدة:
- وأنت إزاي متقوليش؟
خرج صوت هشام الغاضب:
- وكنت هتعمل إيه يعني.. ما أنا أهو قاعد ومش قادر أعمل حاجة غير إني أوديله الحاجات اللي بيطلبها.. كلنا عاجزين ومش عارفين نساعدها في حاجة.
مسح بيجاد على وجهه ثم هتف:
- الخادمة دي في المخزن؟
أومأ له هشام مكملاً:
- ولسه مش عارف أعمل مع إيزابيلا دي إيه.. لولا إن ريان هو اللي عايز يعاقبها كنت من وقتها خلصت عليها.
جلس بيجاد بجانبه وهو يعلم الآن سبب ذلك الشعور الذي يرافقه طيلة اليومين الماضيين.
ليستمع إلى صديقه وهو يهتف:
- مكنش ينفع ترجع.. أكيد مراتك هتضايق.
هتف بيجاد ببرود:
- هي مضايقة أصلاً.. بس تولع هي وضيقتها أنا مستحيل أسيب ريان في الوقت ده.
نظر له هشام بدهشة من حديثه هاتفا:
- مش دي اللي بتحبها وكنت هتموت وتتجوزها؟
- وللآن بعشقها مش بس بحبها.. بس تولع كل حاجة قصاد ريان وانت، أنت عارف إنكم أهلي يا هشام.
ربت هشام على كتفه هاتفا:
- عارف يا بيجاد بس متزعلهاش عشان أي حد حتى لو كان أنا أو ريان.. روح لها دلوقتي وراضي.
هز بيجاد رأسه بالرفض هاتفا:
- صدقني هزيد الطين بلة.
جعله هشام ينهض وهتف بحدة:
- بيجاد روح راضيها ومتعصبنيش.
تنهد بيجاد بقوة ثم هتف وهو يرحل بمرح:
- آه الفيلا جميلة جداً طلع ذوقك حلو وأنا معرفش يااتش.
- طول عمري يا بيجو روح يلا.
هتف بها هشام بثقة ليبتسم بيجاد وذهب إلى فيلته لكي يراضي زوجته.
هو لا ينكر أنه يعشقها.
ولكن..
صداقته في المقدمة وبعده الحب.
دلف إلى الفيلا ليجدها هادئة ليتوجه نحو الغرفة ليجدها تجلس على الفراش مربعة قدميها تضع السماعات بأذنها وهي تتناول شرائح البيتزا وبجانبها كوب من النسكافيه.
اقترب منها وجلس بجانبها لتنظر هي له قليلاً ثم أبعدت بصرها عنه وظلت تأكل دون أن تعيره اهتمام.
أزال السماعات من أذنيها لتنظر له هاتفة بغيظ باللغة الإنجليزية:
- بيجاد ابتعد عني فأنا لست بمزاج جيد الآن.
رفع حاجبيه متحدثاً معها بنفس لغتها وهو يمرر أصبعيه على وجنتها:
- وما الذي يعكر صفو صبايا الآن؟
أبعدت يده عن وجهها وهي تهتف بغضب:
- أنت.. وابتعد عني.
والتقطت شريحة من البيتزا وهي تأكلها بغضب ليبتسم على غضبها هذا ثم قبل وجنتها هاتفا بحنان:
- انتي عارفة علاقة أضلاع المثلث الثلاثة مع بعض إزاي.. وده شيء طبيعي لما أحس إن فيه حد منهم تعبان أقف جنبه.
هتفت بغضب:
- ولكن أنت الآن شخص متزوج.. يعني هناك امرأة مسؤولة منك.. أنت الآن حرمتني من شهر عسلي بسبب أصدقائك وتريدني أن أقول لك حسناً لا بأس بهذا وسأقبل بسهولة.
هتف بحدة خفيفة وهو يحاول الحفاظ على ابتسامته وهتف بكلام جعلها تنظر له بصدمة:
- متنسيش نفسك يا صبا.. إذا كنتي أنتِ حبيبتي ومراتي فمتنسيش إنهم أهلي اللي أسيب الدنيا عشانهم مش مراتي بس.. ياريت تحطي الكلام ده في دماغك ومش عايز أسمع الكلام الأهبل ده تاني عشان مش هيعجبك رد فعلي.
أنهى حديثه وهو يجدحها بنظرة باردة والتقط شريحة بيتزا وقضمها ببرود شديد وهو ينهض متجهاً إلى خارج الغرفة.
لتوقفه وهي تهتف:
- رايح فين؟
أجابها ببرود وهو يكمل سيره:
- في داهية.. احجزلك معايا.
ولم ينتظر ردها وخرج.
ظلت تنظر في أثره بحزن وهي تتساءل.. أحقا من الممكن أن يتركها بسبب أصدقائه؟.. أليس من المفترض أن تكون هي أول أولوياته ويترك العالم لأجلها هي فقط.. ثم تحولت نظرتها إلى قوة في كبريائها لا يسمح لها أن تكون بالمرتبة الثانية أبداً.
إما الأولى في كل شيء.. أو.. إما الأولى في كل شيء أيضاً فليس هناك خيار ثاني.
بينما هو كاد أن يخرج من الفيلا ولكنه غير مساره ودلف إلى المطبخ وقام بإعداد كوب نسكافيه وهو لا يعلم لماذا دائماً تخرج هذه الكلمات الجارحة منه.
ومع من؟....مع من يعشقها!
ولكنه أيضاً يشعر بأن هناك شيئاً خاطئ.
فطريقة حديثها، وأفعالها، وتفكيرها،.. تغيرت!
هي لم تكن هكذا قبل أن يتزوجها.
إذا ما بها الآن؟
التقط كوب النسكافيه وهو يقرر العودة لها حتى يفهم ما بها ولما هذا التغيير السيء.
وسيحاول إرضائها أيضاً ولن يتحدث بحديث أحمق جارح.
فمهما حدث.. هي محبوبتهما.
إن وصل إلى باب الغرفة حتى توقف وهو يستمع إلى صوت همهمات وهي تتحدث بالهاتف وكانت تردف بهمس:
- انتظرى سأرى إذا كان خرج أم لا.
وكانت تنظر من شرفة الغرفة ليتحرك من أمام الباب وخرج من الفيلا بالفعل وجعلها تشاهده وكان ممسكاً بهاتفه وهو يرى انعكاس صورتها على شاشة هاتفه ليرى حركة شفتيها وهي تتحدث ليعلم بما تتحدث.
وما كانت تقول سوى:
- حسناً ها هو الآن خرج.
ثم دلفت إلى الغرفة.
ابتسم هو ابتسامة جانبية ثم قام بالاتصال على هشام وأردف ببرود ما أن أتاه الرد:
- هشام.. صديقي العزيز.. أنت عملت الأوضة السرية اللي أنا كنت عايزها.
جاءه صوت هشام من الناحية الأخرى وهو يردف:
- آه وكمان ليه باب سري في الفيلا من الخلف والباب على شكل الحائط بالضبط بس هتلاقي نقطة صغيرة في.....
وشرح له أين الباب المتخفي ليومئ بيجاد بخفة وهو يردف بمرح:
- تعبينك معانا يااتش والله معلش بقى استحملنا.
- يلا يا بابا اقفل بلا هبل سلام.
وقام بإغلاق الهاتف ليهتف بيجاد ببرود:
- أنت بقيت شبه ريان كده ليه يخربيتك.. أما نشوف مدام بيجاد بتخطط إيه.
وقام بالالتفاف حول الفيلا وظل يبحث بعينيه عن نقطة ما حتى وجدها ليضغط عليها لتظهر أمامه لوحة إلكترونية ليضع بصمة إصبعه ليفتح الباب.
ليرى غرفة مجهزة بالكامل وحوائطها من الزجاج الذي يظهر غرفته بالكامل من المرآة التي بالغرفة.
وهذا الزجاج غير قابل للكسر.. يجعل الشخص الذي بداخله يستمع لكل شيء يحدث خارجه ولا يحدث العكس.. يظهر ما خلفه ولا يظهر ما بداخله.. وهو بهذه الطريقة يستطيع رؤية صبا وهي تتحدث بالهاتف وأن يسمعها أيضاً وهي لا تراه ولا تسمعه.
جذب مقعد وجعله يجلس بالقرب من الزجاج ووضع قدم فوق الأخرى وهو يرتشف من فنجانه رشفات صغيرة واستمع لها وهي تتحدث بالهاتف وأيضاً تضع المكالمة على مكبر الصوت لأنها تتناول شرائح البيتزا.
هتفت صبا بضجر:
- أمي أنا أفعل ما بوسعي حتى أجعله خاضع لي ولكنه في كل مرة يذهلني برده القاسي.. لقد ظننت أنني سأجد الموضوع سهلاً وسأجعله ينفذ ما أقوله ولكن لا.. هو رغم مزاحه إلا إنه شخصية قوية وقاسي وأيضاً لا أريد خسارته.
جاء صوت أمها من الناحية الأخرى وهي تهتف بحدة:
- صبا اسمعيني جيداً أنتِ يجب أن تمسكي زمام الأمور وليس هو.. لأن هؤلاء المصريون يحبون التحكم بزوجاتهم وقتل حريتهم.. مثلما كان والدك يفعل معي ولكن أنا لم أصمت وتطلقت منه.. ولا تنسي أن بيجاد عائلته هي الأولى على العالم بثروتهم وسيطرتهم الطاغية وأن تحكمتي به كأنكِ تحكمتي بالعالم حسناً.
ألم تري ذلك الذئب الذي أحضر ملابس بها ألماس حر لزوجته وكأنها لا شيء.
تنهدت صبا وهتفت بحزن:
- أمي أنا أحب بيجاد ولا أريد أن أفعل هذا كله أخشى أن يتركني وأنا حقاً لا أستطيع العيش بدونه دعكِ من هذه المظاهر التي أنا لا أحبها على الإطلاق.. لا تجعليني أصبح مطلقة مثلك.. وأيضاً أنا لدي أملاكي إذا لم الطمع؟
هتفت أمها من الناحية الأخرى بحدة:
- اسمعي يا فتاة ليس هناك ما يسمى حب كل شيء مصلحة الآن.. ألم يحرمك من شهر العسل لأجل أصدقائه وهذا دليل على ضعف شخصيتك وأنه بدأ يتحكم بكِ وبحريتك من الآن.
نهضت صبا وهي تلتقط الهاتف وتضعه على المرآة وهي تقوم بجمع شعرها في كعكة فوضوية وهي تهتف:
- أمي الجميع يعلم علاقة هؤلاء الثلاثة إنهم أقوى من الحديد وهذا شيء يعجبني.. أحب إخلاصهم وتمسكهم ببعضهم البعض وأيضاً أنتي تعلمين أن شهر العسل لا يفرق معي ما دام هو بجانبي.
كان وجهها أمام وجهه تقريباً ولكنها كانت تنظر لانعكاسها في المرآة وهو ينظر لها ببرود صقيع.
هتفت أمها بحدة:
- اسمعي يا فتاة لقد سئمتُ منكِ وإن لم تفعلي ما أخبرك به ستنسي أن لكِ أم من الأساس وستكونين بالنسبة لي ميتة هل فهمتي.
ثم أغلقت المكالمة لتمسك صبا الهاتف وتقوم بإلقائه أرضاً ليتهشم إلى أجزاء وزمجرت بغضب وهي تعيد ترك شعرها لينسدل على وجهها لتظل تتنفس بعنف وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة.
بدأت أنفاسها تهدأ وبدأ الضعف يظهر عليها.
رغم ما تظهره للعالم من قوة وشراسة إلا أنها تظل أنثى رقيقة وهشة من الداخل.
تجمعت الدموع بعينيها وهي تبكي وتتحدث مع نفسها:
- يجب أن تضعي حداً لوالدتك يا صبا.. أنتِ قوية ولا تهتمي بتهديد أحد ويمكنك الاستغناء عن أي شخص حتى لو كانت والدتك.. ولكن إياك وخسارة بيجاد فأنتي تحبينه وهو يحبك أيضاً.
أزالت دموعها التي كانت معلقة بأهدابها وقامت بتمشيط شعرها ووضعت بعض المساحيق التجميلية ورفعت رأسها بكبرياء وشموخ أنثى.
فهي ستظل صبا الشرقاوي ذات الكبرياء المغرور والشامخ الذي لا يضعف ولا يظهر ضعفه لأحد أبداً.
وأكملت بقوة وهي تحدث نفسها أمام المرآة:
- الآن دعنا نتحدث مع والدتك ونريها من هي صبا جيداً.
أخرجت هاتف آخر من حقيبتها غير الذي هشّمته وقامت بالاتصال على والدتها ووضعته على أذنها تنتظر الرد.
ابتسمت بخفة وهي تستمع إلى رد والدتها التي ظنت أنها ستفعل ما تقوله.
لتتحدث صبا بقوة مردفة:
- على مهلك كريستين على مهلك.. من الظاهر أنكِ نسيتي من هي صبا الشرقاوي وأن ظننتِ أن بتهديدك لي سأفعل ما تطلبينه فأنتِ مخطئة.. إذا كنتِ تريدي الابتعاد عني فلا تضعي أعذاراً حمقاء كهذه.
وأنا أخبرك الآن لن أفعل شيئاً يخرب حياتي مع من أحب لكي أعود لكِ مطلقة مثلك وأكمل حياتي بيأس وحزن وندم أيضاً كما تعيشيها أنتِ.
والآن إلى اللقاء كريس فزوجي على وصول ويجب أن أتجهز لاستقباله على أكمل وجه.
ثم أغلقت الهاتف وألقته خلفها على الفراش وعيناها تشع منها القوة والإصرار على عدم جعل والدتها تسيطر عليها بتلك الأفكار الخبيثة مجدداً.
كل هذا تحت أنظار ومسامع بيجاد الذي كان يبتسم على زوجته ذات الكبرياء الشامخ.
لم يتخيلها أن تكون بهذه القوة.
لا ينكر أنه في بادئ الأمر أراد أن يذهب لها ويحطم رأسها ورأس تلك الحية التي تسمى والدتها.
ولكن بعدما رأى حزنها على ما تفعله وتصديها لوالدتها بهذه الطريقة جعله يقع بعشقها للمرة التي لا يعلم عددها.
نظر إلى الفنجان الذي بيده ليراه قد انتهى لينهض ببرود شديد وخرج من الغرفة ثم التفت حول الفيلا ودلف من بابها الرئيسي وهو يلمح طيفها على الشرفة.
ليكمل خطواته حتى دلف إلى الداخل ليجد شيئاً ما يتعلق برقبته ولم تكن سوى هذه صبا.
نظرت له صبا بحب صادق وندم أيضاً لاحظه هو.
احتضنها بخفة مردفاً:
- حبيبي شكل مزاجه رايق.
هزت صبا رأسها وهي تردف:
- جداً.
ابتسم لها ابتسامته الجذابة وقبل وجنتها.
قاطع لحظتهم صوت رنين هاتف بيجاد الذي احتفظ بخصر صبا بين ذراع والأخرى التقط بها الهاتف وهو ينظر إلى هوية المتصل.
وما إن علم من المتصل حتى نظر إلى صبا ليراها تنظر له بفضول ليبتسم لها هاتفا:
- واحد من الشغل هرد عليه وارجعلك.
ثم ابتعد عنها وخرج من الفيلا يتحدث بالهاتف بثبات وثقة.
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل العشرون 20 - بقلم منة جبريل
العشرون
العشرون
فـى يوم جديد...
خرج بيجاد من الڤيلا ليقابل صديقه يخرج من الڤيلا الأخرى ولكن ملامح وجهه لا تبشر بالخير إطلاقا...
تقدم منه ثم هتف بإستغراب
- فى ايه
- فـى اختلاس فـى حساب الشركة 2 مليون
هتف بهـا هشام بغضب ليردف بيجاد بصدمة
- ودا حصل ازاى مش إياد المسؤول عن الحسابات
أومأ له هشام موضحا
- الإختلاس كان قبل ما يستلم الحسابات بأسبوعين.. وعرف دا لما راجع الورق
ضيق بيجاد بين حاجبيه هاتفا
- قبل اسبوعين.. دا يعنى مراد..بس مراد كان أمين على الحسابات وريان بيثق فيه جداً
تذكر هشام بالفعل ثقة ريان بهذا المراد.. هل يعقل أنـه أخطأ عندما وضع ثقته بـه..ولكن كيف؟..فـ ريان من الصعب إكتساب ثقته..
نظر لـه هشام بحيرة ثم أخرج هاتفه وضغط بعض الأرقام..
هتف بجدية بعدما أتاه الرد
- سليمان.. مراد فـ المخزن
= أيوا يا باشا ومحدش لمسه مستنيين أوامرك ومرتاح كإنـه فـ بيته
هتف هشام بتنهيدة
- طب كويس مسافة الطريق وأكون عندكم
ثم اغلق الهاتف وترك بيجاد مغادراً بسيارته نحـو المخزن بينما ذهب بيجاد لرؤية صديقه الآخر...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تصرخ كالعادة بألم وهـى تحاول الفرار من بين هذه الأصفاد..
وكان هو يجلس أرضا ينظر لها بقلب ينشطر إلـى نصفين وهو يراها هكذا..لا يستطيع فعل شئ لها..
استمع إلـى صوت طرقات على باب الڤيلا ليضيق حاجبيه بإستغراب فهو لم يطلب شيئا من هشام..
نهض وخرج من الغرفة بخطوات ثقيلة وشعره المشعث وعيناه الحمراء وقميصه الذى يوضع على جسده بإهمال وهو يتركه حراً
فتح الباب وهو يتوقع وجود هشام ولكنه تفاجأ من وجود بيجاد أمامـه..
كانت ترتسم ابتسامة على وجه بيجاد ولكنها اختفت تدريجياً عندما رأى هيئة صديقه الغير مهندمة وعيناه الحمراء المرهقة
فُـزع بيجاد وهو يستمع إلـى صوت صراخ قوى ولم يكن سوى صوت حوراء والذى تعرف عليـه على الفور..
وبدون أن يتحدث أى منهما عانق كلا منهما الآخر.. أحـد يستمد الطاقة مـن صديقه..والآخر يخفف عنـه بهذا العناق وكأنـه يخبره بأنـه ليس بمفرده..
كلما استمع إلـى صوت صراخها يشدد من احتضانـه لصديقه وهو يقاوم حتى لا يضعف
والآخر يسشعر بـه ويربت على ظهره بخفة وهو مازال فـى صدمة من هيئة صديقه هذه..وصراخ من يعتبرها شقيقته الذى يصم آذانـه..
ابتعد عنـه ريان وطالعه بصمت.. حقا لا يستطيع التحدث..هو بالكاد يستطيع التنفس ويزداد اختناقه مع كل صرخة تخرج منها
تألم قلب بيجاد وهو يري صديقه بهذا الضعف.. يري الجبل الشامخ الذى دائماً يكون ظهراً لهم حتى لا يسقطوا ها هو الآن يهدد بالسقوط..
لم يجد كلمات لكـى يقولها.. الثمانى والعشرون حرفاً لا يستطيع تكوين كلمة واحدة منها..
ولكن عيناه كانت تقول الكثير ثم عانق صديقه مجددا وربت على كتفه وغادر..
غادر وهو يشعر بالعجز تماماً حتى أنـه لا يستطيع التهوين عن صديقه صعد سيارته وضرب المقود بقوة ثم انطلق بها بسرعة البرق
أغلق ريان باب الڤيلا وهو يشكر بيجاد بداخله.. فهو قد مده بطاقة بعدما كانت طاقته على وشك النفاذ.. ذلك العناق لم يكن عادياً .. بل كان مثل الشاحن بنسبة له يشحن بـه طاقته من جديد.. هو استطاع فهم نظراته جيداً ووصل إلـيه كل ما لا يستطيع قوله..
صعد إلـى الغرفة وجدها تإن بضعف ليمسك بصينية الطعام ووضعها على الفراش وأخذ قطعة من الطعام فـى يده وقربها منها
لتشيح هى بوجهها للجهة الأخرى ترفض الطعام ليهتف بهدوء
- علشانى يا حوراء.. ساعديني فـ علاجك يا لؤلؤى الاسود
- مش عـ..عايزة
هتفت بهـا بصوت ضعيف مبحوح من أثر الصراخ
ظل يلح عليها كثيراً وأخيراً وافقت بعدما شعرت بأن طاقتها قد نفدت ولا تستطيع المجادلة أكثر
قـام بإزالة الأصفاد من حول يديها برفق ثم جعلها تجلس نصف جلسة وجلس هو خلفها ثم أسند ظهرها ورأسها على صدره وقام بجذب الطعلم إلـى جانبه وظل يطعمها بحنان ورفق
بعد وقت..
هتفت حوراء بتعب
- كفاية
- طيب آخر شوية علشانى
هتف بها وهو يقرب يده منها وبها طعام لتحرك رأسها بالرفض ثم أمالت برأسها لتصبح وجنتها على صدره وأغمضت عينيها بهدوء..
شعر بثقل جسدها ليعلم بأنها غطت فـى النوم من الإرهاق ليبعد الطعام وقام بلف ذراعيه حولها وهو يجذبها نحوه أكثر وأغمض عينيه مريحاً رأسه إلـى الخلف وهو يتنهد بإرهاق..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أوقف سيارته أمام مخزن فـى مكان معزول عن البشر وترجل من السيارة ودلف إلـى المخزن ليقابله سليمان
أشار لـه بأن يخرج ليومئ له سليمان بصمت وغادر بينما هشام تقدم من ذلك الشاب الجالس على مقعد وأمامه ماء وطعام...
هتف مراد بهدوء
- خير يا هشام باشا.. ممكن اعرف سبب اختطافي
جلس هشام أمامه مردفا
- مفيش واحد مخطوف بيتعامل المعاملة دى يا مراد.. ندخل فـ المهم.. قبل ما ريـان يحولك من قسم الحسابات بأسبوعين تم اختلاس 2 مليون.. اعرف راحت فين
نظر له مراد قليلا ثم حول عينيه يحاول التذكر ثم ابتسم بخفة ونظر إلـى هشام مجددا هاتفا ببرود
- حضرتك مفيش اختلاس ولا حاجه.. تقريباً ريان باشا مقالش على حاجه..
ضيق هشام بين حاجبيه ليكمل مراد
- 2 مليون دول أنـا أخدتهم مـن الحسابات بأمر من ريان باشا ونسيت ما اظبط الحسابات علشان ميظهرش ان فـي فلوس خرجت والسبب مقدرش اقول عليه.. تقدر تسأل الباشا بنفسه
استغرب هشام من حديث مراد وهو ينظر إلـى عينيه وهو يحاول معرفة اذا كان يقول الحقيقة أم لا.. ولكن نظرة الثقة والبرود جعلته يصدق حديثه
نهض هشام مردفا
- تمام هخلى سليمان يروحك دلوقتى واستعد لو كلامك دا غلط انت كدا هتكون لعبت فـ عداد عمرك
نهض مراد وهو يعدل من ثيابه وخرج خلف هشام الذى أشار لسليمان ليومئ لـه الآخر وأخذ مراد وأعاده إلـى منزله
بينما هشام فهو فـى حيرة فـى أمره ولكنه قرر بعدم سؤال ريان الآن بسبب الحالة التى هو بها..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
متسطح على الفراش واضعا ذراعه أسفل رأسه مغمضا عينيه براحه..
شعر بأيدٍ ناعمة تسير على صدره ببطء ليفتح عينيه ليراها تلك الرنا التى كانت تبتسم لـه
أبعد يديها عنه بقوة ونهض مزمجراً بغضب
- انتى بتعملى اى هنا.. وازاى تتجرأى تدخلى الأوضة
هتفت رنـا بصوت رقيق مصطنع
- خالتي سناء طلبت مني أن أعلمك أن الفطور جاهز
نهض آسر ناظراً لهـا بزيتونتيه التى تشعان بالخبث واقترب منها ببطء هاتفا
- ويا ترى اخوكى عارف إنك جاية تصحيني
اهتزت عينيها ولكنها هتفت بثبات
- اهدأ، انت ابن خالتي،ما المشكلة؟
قوس شفتيه إلـى الأسفل وهو يرفع حاجبيه هاتفا ببرود وعيناه تشع ناراً
- للأسف.. لو باقيه على حياتك اطلعى برا الاوضه و مشوفش وشك هنا تانى
شعرت بالخوف من نظرته ولكنها أخفت خوفها ببراعة ورمقته بنظرة باردة والتفت تغادر من الغرفة بخطوات أنثي واثقه وصوت حذائها الثابت دليل على هذا..
مرر آسر يده على خصلات شعره وهو يزفر بغضب ويسُب هذه الرنـا بداخله ودلف إلـى المرحاض.
وبعد وقت خرج من الغرفة متجها لبهو الفبلا ليجدهم يلتفون حول المائدة ينتظرون قدومه حتى يبدأوا بالإفطار ما عدا ذلك الزيد الذى بدأ بالأكل بالفعل بعدم مبالاة
لم يهتم بـه آسر وجلس على المقعد ليبدأوا بتناول الفطور..
هتف آسر بهدوء تشوبها بعض السخرية
- هى شركتك مين بيديرها فـ غيابكم
رمقته والدته بنظرة محذرة بينما وضع زيد المنديل على الطاولة بعدما مسح فاه وهتف ببرود
- أبي
ثم نهض هاتفا بنبرة ذات مغزى
- العار على من ترك شركاته لأعمامه
هز آسر رأسه مؤيداً حديثه مردفا
- تصدق لأول مرة تقول حاجه صح.. المفروض ارجع شركاتى
- المفروض..يلا اشوفكم بالليل يلا يارنا
هتف بها زيد وهو يهم بالخروج
ليستمع إلـى رنـا التى هتفت بغيظ
- لكن لم انتهي من الفطور
التفت بنصف جسده ورمقها بنظرة دبت الرعب بداخلها لتنهض سريعا وهى تردف بتلعثم
- آتية
إبتسم آسر بسخرية فهو يعلم خوفها الكبير من شقيقها ورغم هذا تعاند بينما هى ركضت خلفه تتبعه بصمت
هتف زيد وهو يصعد إلـى السيارة
- لا تعيديها
صعدت رنـا بجواره وهتفت بخوف
- حـ.. حسنًا
أشار زيد للسائق ليتحرك الآخر سريعاً
ليكمل وهو يعبث بجهاز اللاب توب الذى وضعه على قدمه
- احجزي لنا باقي الأيام التي سنبقاها هنا في فندق جيد
- لماذا؟
هتفت بـها بإستغراب ليكمل بدون النظر إليها
_ لأننا لن نبقى عند خالتك كثيرًا، أو تحديدًا آسر
ثم حرك مقلتيه إلـى الجانب بدون أن يحرك رأسه ناظراً لهـا نظرة أوقفت نبضات قلبها من الخوف
هتفت بتلعثم
- ما.. ما الذي تقصده؟
أشار زيد للسائق بأن يتوقف لينفذ السائق أمره على الفور ثم خرج من السيارة بعدما أمره زيد بهذا
أغلق زيد حاسوبه ووضعه بحقيبته الخاصة ثم التفت بجسده نحوها هاتفا بنبرة خرجت مخيفة
_ أختي العزيزة، لست مغفلًا، لقد سمعت ما دار بينكِ وبينه في الغرفة قبل قلبل، وصدقيني حين أقولك لكِ بأن هذا آخر تحذير، إن رأيتكِ تقومين بتلك الحركات مجددًا سأرسل رأسك في صندوق لوالدك، أفهمت؟
ارتعد جسدها وهى تلتصق بجسدها بــ بـاب السيارة وأومأت برأسها بخوف وهتفت بتلعثم وهى تشعر بجفاف حلقها
- أنا... آسفة
رمقها بنظرة أخيرة ثم اعتدل فـى جلسته وارتدى نظارته ليخفي عينيه الزرقاء التى أصبحت كالمحيط الثائر واشار للسائق بأن يصعد ويكمل قيادته
بينما رنـا فكانت كالقطة الخائفة منكمشة على نفسها ثم فتحت اللاب الخاص بـها وظلت تبحث عن أفضل الفنادق حتى وجدت الكثير الذى يظهر عليهم الرقي والفخامة لتختار واحداً منهم كان راقياً جداً
ثم هاتفت صاحب الفندق وقامت بحجز جناح كامل لهما وبعدها ظلت صامتة تفكر فـى حياتها
ثم نظرت إلـى زيد سريعاً وكأنها تذكرت شيئاً ما مردفة
- هل تعلم أن الذئب قد سافر
نظر لها بإستغراب لتكمل رنـا مؤكدة حديثها
_ تحدث إلى هشام العامري وعلمت منه أنه سافر لأمور خاصة، وشقيقته هي من تدير الشركة في الوقت الراهن، ولا يعلم أحد متى سيعود
غضب زيد كثيراً فـ كيف يسافر وصفقتهما لم تنتهى بعد.. والأسوأ بأنـه سيكمل صفقته مع شقيقته، تلك الفتاة التى سوف تجبره علـى التحدث معها بلطف حتى لا تنفجر فـى البكاء كطفلة صغيرة.. يتذكر آخر محادثة بينهم وكيف انفعل ورفع صوتـه عليها
لينتهى بهـا المطاف ترمقه بنظرة لم ينساها إلـى الآن، نظرة خائفة كطفلة تاهت بين الأروقة، ارتجافها وهـى تحاول السيطرة على دموعها التى بدأت تتجمع بمقلتيها
لم ينسي إلـى الآن كيف سَكَنَ غضبه سريعاً بطريقة هو تعجبها، رأى تلك الدمعة التى هبطت من مقلتيها لتعلن الإشارة للدموع الأخر
دموعها تشبه المطر..تبدأ بقطرة..ويتبعها هطول قطرات كثيفة مصاحبة بالبرق والرّعد..مـن كان يعلم بأن هذه القطرة الصغيرة ستجلب ذلك الدمار خلفها؟!
لم ينسي هيأتها وهـى تقف أمامـه بحجمها الصغير وهـى وتضع وجهها بين كفوف يدها وتبدأ بالبكاء
إنتهى بـه هو المطاف يتلقي العديد من اللكمات القوية من ذلك البيجاد الذى تحول إلـى وحش كاسر بعدما رأى دموعها..لم يدافع عـن نفسه فقد كان فـى زهول مِـن الأمـر.. وهو يتساءَل!!
أهى حقاً تبكي بهذه الطريقة بسبب أنـهُ قام برفع صوتِـه فقط عليها؟..هل مِـن الممكن وجود فتاة بتلك الحساسية والهشاشة؟..
عـاد مِـن تلك الذكرى التـى حُفرت فـى ذاكرته لسبب يجهلهُ على صوت شقيقته وهى تخبره بأنهم قد وصلوا إلـى وجهتهم ولم تكن سوى شركة الذئب...
ها هو الآن سيتعامل معها لأول مرة بعد ذلك الحدث!..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- خلاص يا بنتى فهمت هستأذن سيفو الأول وبعدها هكون عندك ........ تمام تمام سلام
كان هذا حديث قمر وهى تتحدث بالهاتف مع أريب وخرجت لتستأذن أبيها للذهاب إليها ليوافق على الفور وهو يخبرها بأن تحضرها معها فهو اشتاق لها كثيراً
لتقبله قمر على جبينه وغادرت إلـى صديقتها التى لم تكف عن الزن فوق رأسها حتى تأتى إليها...
وقد قررت أن تسير قليلاً ثم توقف سيارة أجرة.. هـى تسير قاطعها ظهور آخر شخص توقعت رؤيته..
بينما ابتسم لها الآخر هاتفا
- يا محلى الصدف
لم تُعره إهتمام وتخطته وسارت مبتعده عنـه ولكنه اوقفها مجددا عندما وقف أمامها قاطعاً عليها الطريق
وقبل أن يتحدث هتفت هـى بشراسة وهى تنظر لـه من أسفل نظارتها
- شكلو عجبك الضرب من إياد..ابعد عنى ياابن الحلال..دا بيقولك ابعد عن الشر وقَنّي له
ابتسم أيان هاتفا
- هو الشر قمر كدا.. والله والدك صَدَق لما سماكِ قمر..اسم على مسمى
ابتسمت لـه بتكلف مردفة
- شكرا على ذوقك بس لو ملاحظ انت دلوقتى بتضيع منـى وقت وانا مش فضيالك بصراحة
- الله..قوليلي رايحة فين
رفعت قمر اصبعها فى وجهه وهى تردف بتحذير
- ولا بقوولك ايه ابعد عن خلقتى أحسن لك
ثم ضربته بحقيبتها فى صدره مبعده إيـاه عن طريقها وأوقفت سيارة بسرعة وصعدت بها تحت نظراته لها وضحكاته التى كانت تصل إلـى مسامعها..
بعدما غادرت ابتسم بخبث فهـو وجوده هنا ليس صدفة أبداً ثم تحرك لكي يكمل ما أتى لأجله..
بعد وقت...
كانت تجلس بين أريب وآية وهى تتحدث بغضب عـن ذلك الأيان
هتفت آيـة برقتها المعهودة وهى تحاول كبت ضحكاتها
- حرام عليكي يا قمر..دا أيان أحلى واحد فـ عيلتهم أصلا
- نعــــم ياختى أحلى واحد ايه.. أمال أبو عيون زرق ولا أبو عيون خضر ولا أبو عيون بتنور دا ولا أبو أحلى عيون اللى لونها غريب ومتعرفيلهاش لون محدد دول راحوا فين
ضحكت آيـة بقوة بعدما فقد السيطرة على نفسها ثم هتفت أريب بضحك
- يخرب عقلك ما سبتش حد فيهم دى حوراء لو سمعتك وانتى بتقولى على عيون جوزها كدا كنتِ هتلاقي عيونك برا راسك أصلا
ضحكت قمر مردفة ببلاهة
- لا يا ختى حوراء مفيش فـ رقتها وحلاوتها
- عند جوزها مفيش رقة خالص صدقيني
هتفت بها آية بضحك
لتضحك الثلاث فتيات ثم بدأوا يتحدثون عن أشياء أخرى..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- أيـــــهم ... تعالى خد االكائن دا
هتف بها غيث بغيظ من تلك الطفلة التى لم تترك خصلات شعره ولو لدقيقه وهى تجذبهم بقوة
خرج أيهم من المطبخ وهو يحمل ببرونه بها حليب وهو يقهقه بقوة وجلس بجانبه وأخذها منه وقبلها من وجنتها المكتنزة لتضحك الطفلة بسعادة
ليضع لها الببرونة فـى فمها وهو يبتسم ليهتف غيث براحة تحتل قلبه
- حاسس بفرحة كبيرة وانا شايفك مبسوط ومرتاح كدا بعد سنين طويلة..ياخى دا انا مفرحتش يوم كتب كتابي نص الفرحة دى
تنهد أيهم مردفا
- وانا لأول مرة أحس بشعور الراحة بعد ما بسمة سابتنى ومشيت للأبد.. انا بحمد ربنا كتير لإنـه بعتلى الطفلة دى
ربت غيث على كتفه وهو يبتسم بفرحة تغمر قلبه ثم هتف بغيظ وهو يعيد ترتيب شعره
- بقولك اي بقى دى آخر مرة هشيلها دى مفترية طلعت شعرى فـ أيدها
ضحك أبهم هاتفا
- نقـاء مفيش أحلى منها ولا أهدى منها مش كدا يا نقـائى
لوى غيث شفتيه هاتفا
- دى جنية..شيطانة..لكن نقـاء معتقدش..لكن انت من فين جالك الاسم الغريب دا
= معرفش.. أول ما شوفتها وانا حسيت ان اسمها نقـاء ومش هينفعها أى اسم تانـى
اكمل غيث متسائلا
- طب وأهلك امتى ناوى تعرفهم؟!!
هتف أيهم بهدوء
- فـ أى وقت عادى انا حاليا مش فاضي
حمل نقـاء برفق بعدما ذهبت فـى النوم وذهب بـها إلـى الأعلى لكي يضعها بالغرفة
وظل غيث فـى الأسفل شاردا فيما يخبئه لهم القدر...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- مين اللى بيتصل يا صبا
خرج صوت بيجاد من داخل المرحاض
لتتجه صبا نحو الهاتف وهى تردف بصوت مرتفع قليلا
- دا..رموز يا بيجاد..هو فى حد يسجل رقم برموز
خرج بيجاد من المرحاض وهو يلف منشفة حول خصره والتقط منها الهاتف هاتفا
- آه دا صاحبي الغتت.. المهم يا سمرتى ممكن فنجان نسكافيه من إيدك الحلوة
نظرت لـه صبا ثم إلـى الهاتف بشك فهـى ليست بهذا الغباء لحتى لا تلاحظ أنـه يحاول جعلها لا تستمع لمحادثته مع هذا المتصل المجهول بالنسبة لها
ربعت ساعديها أمام صدرها وهتفت وهى تحرك حاجبيها نحو الهاتف وعينيها معلقة بعينيه بقوة
- رد
نظر لها قليلا ثم رد لتهتف هى
- افتح المايك
نفذ ما قالته بدون مجادلة حتى لا تشك بشئ لا وجود له من الأساس ثم هتف بمرح
- أهلا أهلا بـ علاء أرخم واحد فـ دفعتى
خرج صوت رجولى من الهاتف مردفا
- اهلا بـ بصاحب عيون البحر
نظر بيجاد إلـى صبا بمعنى " أرأيتى" وأكمل بهدوء
- اى اللى فكرك بيا
- مصلحة أكيد
ضحك بيجاد ثم اغلق المايك وهمس لها بأن تحضر له كوب من النسكافيه لترمقه بنظرة متفحصة ثم غادرت..
تأكد هو من رحيلها ثم وقف بالشرفة وهتفت بجدية
- إحم.. أيوا يا سيادة اللواء
جاءه رد اللواء إسماعيل الذى هتف بغضب
- علاء أرخم واحد فـ الشلة
ضحك بيجاد ببلاهة وهو يحرك يده على خصلات شعره مردفا بمرح
- لا وانت ذكى ومشيت على الخط على طول.. وبعدين يا سيادة اللواء اعتبر إنـى فـ شهر العسل يعنى ومينفعش المقاطعات دى وانت فاهم
هتف اللواء إسماعيل بحدة
- وانت مش فـ شهر العسل .. عشر دقايق وألاقيك قدامى فـ المقر يا سيادة المقدم
ثم أغلق الهاتف ليهتف بيجاد بغيظ
- الله يخرب بيتك يا صبا يا بنت ام صبا هتخليه يعمل منى شاورما.. وبعدين اى دا مش المفروض فـى اجازة جواز والكلام دا ولا انا مليش فـ الطيب نصيب
ارتدى ثيابه بسرعة وكاد يخرج ليجد صبا تدلف وهى تحمل فنجان النسكافيه بيدها
ليقبل رأسها وهو يهتف سريعا
- معلش يا روحى بس فى شغل ضرورى لازم أخلصه وهرجعلك مش هتأخر
وغادر سريعاً دون أن ينتظر رداً منها حتى لا تأخره بأسألتها وما شابـه تحت نظراتها المغتاظة.. فهـى تشعر وكأنها متزوجة منه لأكثر من خمس سنوات وهى لم تكمل الشهر حتى...
لتلقي الكوب أرضا ليتهشم إلـى قطع صغيرة وامتلأ جزءاً من الأرض بالنسكافيه وجلست على الفراش وهى تتنفس بسرعة وغضب..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.