ألقى حديثه بضيق لا يعلم سببه، وصعد إلى غرفته. لحقت به حوراء قائلة وهي تغلق باب الغرفة خلفها: _ريان، حصل إيه لكل ده؟ رأت الضيق جليًا على ملامحه، متحدثًا بانفعال: _حاولت أتجاهل فكرة أنهم استغبوني علشان أروح لهم، بس مقدرتش. أنا أجلت شغل مهم واجتماعات وكمان سفر علشانه، وفي الآخر يطلع مغفلني. اقتربت منه قائلة بهدوء:
_متزعلش منهم، من حبهم ليك حاولوا يشوفوك. وكمان اللي شوفته إن مفيش أي سبب يخليك تبعد عنهم السنين دي كلها. ريان، دول عيلتك وليهم حق عليك. _حوراء، أنتِ مش فاهمة ولا عارفة حاجة. خليكي برا الموضوع. رمقته بضيق قبل أن تتركه وتخرج. ليحترق هو وعائلته. ما شأنها هي تشغل عقلها في هكذا أمور؟ هو حتى لا يكلف نفسه لشرحها لها! ***
جلست على مقعد في إحدى الكافيهات التي كانت مطلة على الطريق، تتنهد بتعب وشعرها النحاسي منسدل على كتفيها. ثم طلبت عصير لتعيد انتعاش جسدها. بدأت في الارتشاف منه وعيناها تمر على المارة حتى وقع بصرها على رجل قوي البنية، طويل القامة على الناحية الأخرى من الطريق. ثم وجدت رجلًا ببنية مشابهة ولكن أقوى يقترب منه وهو يستمع لحديث الآخر المنفعل ببرود. أسندت وجنتها على كف يدها قائلة ببسمة بلهاء: _هيحصل إيه لو كان نصيبي حلو كدا؟
تنهدت قبل أن تنهض وهي تضع المال على الطاولة. التفتت لترحل. خرجت شهقة خفيفة منها وقد اصطدمت بحائط ظهر فجأة بجانبها، ليُسكب ما بقي من مشروبها على ملابسه. اتسعت عيناها قائلة بصدمة: _أنا بجد آسفة، مأخدتش بالي.
رفعت بصرها لتتسع عيناها، حيث أن هذا هو ذاك نصيبها الذي تتحسر عليه. بينما بيجاد، الذي تجاهل شجار هشام معه حول إجباره للذهاب إلى الشركة، تركه وأتى ليأتِ لصديقه مشروب بارد لكي يهدأ غضبه حتى لا تصيبه ذبحة صدرية. ليكتمل الأمر عليه ما إن اصطدمت به هذه... توقف تفكيره وهو ينظر إلى عينين بنيتين واسعتين وبشرة تميل إلى السمرة. ابتسم بجانبية قائلًا: _فِدا عيونك دولابي كله. التفتت ببلاهة وهي تحدق بهذا الغريب: _عفوًا؟
_وصاحب الدولاب والله. عقدت حاجبيها، تبتعد خطوة عنه وكأنها مصابة بمرض ما. ترمقه بتعجب ليقول بيجاد مبتسمًا: _ولا يهمك. أماءت له بهدوء وكادت أن ترحل، لتتوقف على كفه التي وضعها أمامها قائلًا: _بيجاد الكيلاني. صافحته ببسمة بلهاء. هل يعقل أن نصيبها أشفق عليها وقرر أن يُهديها شيئًا حلوًا؟ _صِبا… صبِا الشرقاوي. _الشرقاوي؟ صاحب شركات الصلب؟
أماءت له مبتسمة ليرفع حاجبه قائلًا بدهشة، ليس لأنها ابنة رجل أعمال، بل لأن ذلك الرجل الذي تعامل معه مرات كثيرة لم يصرح أنه يمتلك أبناء بالأساس: _غريب، أول مرة أعرف إن الشرقاوي ليه ابنة. ليه حق يخفي الجمال ده؟ تصاعدت الحمرة إلى وجهها الأسمر، قائلة ببسمة سعيدة كونها أعجبته مثلما هو. أسرها بعينيه الزرقاء: _معتقدش أنه متعمد إخفائي زي ما بتسميها. أنا عايشة في أمريكا مع أمي بعد انفصالهم ومش باجي مصر غير نادرًا زيارة لبابا.
_طالما قابلتيني… هتزوريها كتير. رمقته بتهكم ليغمزها قائلًا بثقة: _صدقيني، اللي بيشوفني بيخلق صدف كتير علشان يقابلني تاني. مغرور؟ بالطبع كان عليها توقع هذا. تأففت راحلة متناسية حقيبتها. نظر إلى أثرها بذهول، هي لم تستأذنه في الرحيل حتى! سقط بصره على حقيبة على الطاولة التي يقف بقربها. إنها لها… جلس على المقعد منتظرًا قدومها مرة أخرى من أجل حقيبتها. وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى وجدها تأتي ناحيته… ناحيته؟!!
بل ناحية حقيبتها. ليقول ببسمة متسلية، متجاهلًا أمر هشام الذي يقف قرب السيارة يراقبه بغيظ يكاد يقتله من هذا الذي… ماذا يصفه؟ يلتصق بأي أنثى: _أهلًا بيكِ مرة تانية. قولتلك من دقيقة، هتخلقي صدف علشان تقابليني. ابتسمت له صبا بتكلف ثم التقطت حقيبتها مغادرة. لينهض بيجاد وعاد إلى هشام الذي قال ساخرًا: _فين العصير؟ أجابه بيجاد بهدوء أوصل هشام إلى أعلى درجات غيظه، وبدأ في التفكير جديًا في التخلص منه، وهو يحتل
المقعد بجانب مقعد القيادة: _خلص، هعملك لما نرجع الفيلا. *** وجدها تجلس مع كيان، ليشير إلى شقيقته التي نهضت قائلة: _نسيت حاجة مهمة، مش هتأخر عليكِ. ثم ركضت إلى غرفتها. ليغلق ريان باب غرفته. وما إن رأته أشاحت بوجهها الناحية الأخرى. ليقترب منها قائلًا: _زعلانة مني؟ _لا عليك، أنت مكتفي بنفسك ومش مهم غيرك. أنت حتى مش ملاحظ إن بسببك أختك فضلت بعيدة عن عيلتها. _حوراء، قولتلك أنتِ مش فاهمة حاجة. نظرت له قائلة بجدية: _فهمني.
تنهد ريان بقوة قبل أن يقول مبتسمًا: _مش وقته، حاليًا في حاجة أهم من كل دا. قومي اجهزي. عقدت حاجبيها وكادت أن تعترض، ليقول بينما يجذبها لتنهض، يدفعها برفق إلى غرفة تبديل الثياب: _هقولك كل حاجة بس مش دلوقتي. يلا هتروحي معايا الشركة. وبعد وقت كانت تدلف معه إلى الشركة، يدها بيده. تنظر حولها بانبهار بينما يسير بجانب ريان مدير أعماله وبجانبه سكرتيره الخاص الجديد، وخلفهم سليمان حارسه الشخصي. تحدث سكرتيره بجدية ولباقة:
_في اجتماع على الساعة ٨ تم إلغاءه، واجتماع الساعة ١١ تم إلغاءه، والساعة ١٢ مقابلة مدير أعمال شركة السويفي تم تأجيله لبعد أسبوع و…. وقف ريان ليقف الجميع أمامه. بينما نظر هو إلى سكرتيره قائلًا بحدة: _نقفل أم الشركة أحسن. مين لغى وأجل الأعمال من غير إذني؟ تنهنح سكرتيره قائلًا: _السيد بيجاد جه النهاردة الشركة. أغمض ريان عينيه بغيظ. وقد أعطاه السكرتير تبريرًا يمنع طرده. نظر إلى حوراء التي كانت تراقبهم باهتمام،
ليقول بتنهيدة: _هيخرب شغلي. ابتسمت بخفة. لينظر إلى مدير أعماله قائلًا: _إلغي توكيل بيجاد على شركتي الأم. من دلوقتي مفيش أمر يتنفذ غير مني ومن هشام العامري. أماء له مدير أعماله بجدية، بينما أكمل ريان بصرامة: _رتب الاجتماعات اللي اتلغت. بلغهم إن الاجتماعات في معادها. جهز أوراق الصفقات وخليها على مكتبي. _والمقابلة؟ _على حالها بعد أسبوع. أماء له واتصرف مصطحبًا السكرتير معه. لتقول حوراء بتفكير: _بيجاد هيزعل!
_يموت بزعله. سيبك منه وتعالي آخدك جولة تعريفية للشركة وأقسامها. بعد وقت طويل شرح لها وعرفها على مدراء أقسام الشركة. أخذها إلى مكتبه في الطابق الأخير من الشركة، لتنظر إليه بانبهار قائلة بينما تقترب من الزجاج خلف المكتب والذي يظهر مدخل الشركة: _جميل أوي، ما شاء الله بجد. دي شركتك الأم؟ وليها كام فرع؟ تحدث مبتسمًا وهو يضع سترته على ظهر المقعد:
_أيوا، فروعها في أغلب أنحاء العالم. بس الفروع تم دمجها مع فروع شركة هشام وبيجاد. الشركات الأم الثلاثة فقط منفصلين. كيان ليها الثلث في كل أملاكي، وأوقات بتدير الشركة دي لما أكون مشغول أو في سفر. اقتربت منه تسأله بفضول: _والمستشفى؟
_دي بئا قصتها قصة. كانت مشروعي الأول والأهم من الشركات والنجاح دا كله. أنا طبيب جراحة ومن طفولتي بحلم بمستشفى ملكي تكون كاملة من كل الاحتياجات. بس لقيت نفسي بستلم شركة والدي. اضطريت إني أهلك نفسي في دراسة إدارة الأعمال بجانب الطب. _مستحيل. قالتها بصدمة. ليبتسم ملتفتًا لها. أمسك كفها قائلًا: _دا اللي الكل قاله. حاولوا يقنعوني إني اتخلى عن حلمي وإني أكون رجل أعمال أفضل ليا. بس أنا كنت شايف فيا أكتر من رجل أعمال عادي...
وطبيب حقق حلمه وخلاص حياته هتبدأ تكون روتينية. إدارة الأعمال بقيت شغفي وحلمي التاني. تحدي لتفسي إني هنجح. كان صعب ويأست كتير بس في الأخير... أول رجل أعمال شاب وطبيب جراحة يمتلك الشركة الأولى عالميًا وأفضل مستشفى على مستوى العالم. _مكتفيش بداخل الجمهورية بس. تحدثت مبتسمة، تنظر إلى رجل حقق حلمه رغم صعوبته. ليقبل وجنتها قائلًا:
_طموحي إلى الآن ملهوش سقف. ودا اللي خلاني أشتري مصانع وأراضي زراعية وكمان عقارات وحاجات كتير. مهنتي مش واحدة، زي ما أفكاري عمرها ما وقفت على حلم واحد. أحاطت وجهها بكفيه الكبيران، قائلًا بنبرة دافئة: _وأنتِ كنتِ حلمي الجديد. حلم جميل هحرص أنه يكون دائم وليا منه أطفال شبهك. *** _أنت لغيت توكيل بيجاد؟ رمقه ريان بسخرية قائلًا بينما ينظر إلى ذلك الذي يتناول طعامه بشراهة غير عابئًا: _صاحب الشأن مش متعصب!
رفع بيجاد بصره عن طعامه قائلًا: _أنا شخص غير مسؤول وهدمر شغلك. ألغي توكيل الفروع كمان. نظر هشام حوله يبحث عن أي شيء يحطمه على رأس ذلك الغبي الذي لا يهتم بشيء: _أنت تخرس. مسمعش صوتك. _إي يا هشام؟ دور الأم الخايفة على مستقبل ابنها دا اطلع منه. _دا أنا هطلع بروحك أنت والغبي التاني دا. هفضل ألم فيكم لحد إمتى؟ رمقه ريان بحاجب مرفوع، بينما قال بيجاد بعدم اكتراث: _صدقني هتضيع شبابك وصحتك علينا على الفاضي. مش كدا يا ريان؟
هز ريان رأسه موافقًا. ليرمقهما هشام بغضب قبل أن يشير إلى ريان قائلًا بحدة: _أنت كدا بتديه اللي هو عايزه. سيب شركته تنهار وهو غصب عنه هيلمها. رفع بيجاد سبابته يحركها قائلًا باستفزاز جعل ضحكات ريان تتعالى، بينما هشام تحرك ناحيته لينفذ مخطط التخلص منه: _هجبلها شركة ذكر تلملم انهيارها. ***
في فيلا، تمتلك مساحة خضراء جميلة، انتقل إليها إياد بشقيقتيه واصطحب أمينة الوحيدة في منزلها لتكون معهم، وكانت على مقربة من فيلا هشام وبيجاد، بعيدة قليلًا عن القصر. ترجلت آية الدرج بحذر. لم تكمل العشر ليالٍ لبدأ خطواتها من جديد بعد العملية وجلسات طويلة من العلاج الطبيعي. تقول بتنهيدة مرهقة: _أريب، ممكن تساعديني؟ وأريب التي كانت تجلس ببهو الفيلا مع أمينة، نهضت مسرعة إلى شقيقتها تمسك بكفها قائلة:
_يا آية لو سمحتي بلاش تضغطي على نفسك. إياد هيتخانق معايا لو شافك. ابتسمت آية تكمل نزول الدرج قائلة: _متقلقيش، أنا بقيت أحسن. هو مجرد إرهاق بس. _مجرد إرهاق؟ حذر منه ريان ودكتورتك كمان. ماما أمينة، فهميها بالله عليكِ. قالت أمينة بحنان تنظر إلى آية بأعين دامعة: _ما شاء الله يا بنتي هي بقت كويسة. سيبوها تجرب تمشي بعد وقت كبير، طبيعي تحس بإرهاق لحد ما عضلات جسمها تعتاد الحركة.
رمقتها أريب بعتاب لأنها لم تقف بصفها، بينما ضحكت آية وقبلت وجنة أمينة قائلة: _اللي فهماني. *** بعد مرور شهران…. ومثل كل يوم منذ شهران ينتظرها في هذا المكان. يشرب القهوة التي أصبح يدمنها منذ أن رآها وهو ينتظرها…. تحفز جسده وهو يراها وأخيرًا، تقترب منه ورأسها يرتفع إلى الأعلى تسير بخيلاء. ابتسم ما إن رآها ووقف أمامها يقطع طريقها، لتنظر له قائلة بهدوء وعقلها لم ينساه: _ازيك؟
وعيناها التي أعجبت به سابقًا، الآن ترمقه باشتياق أبله، وهو الذي ظل يتأملها لم يرد عليها حتى، لتقول مبتسمة وهي تبعد أنظارها عنه، تنظر حوله، إلى المكان الذي رأته به لأول مرة: _معقول يكون وجودك هنا Coincidence؟ مال نحوها هامسًا أمام وجهها بمكر: _وجودي هنا Not a Coincidence يا بنت الشرقاوي، بس وجودك أنتِ هنا بعد شهرين هو اللي Coincidence. جلست صبا على المقعد الذي أمام مقعده، واضعة قدم فوق الأخرى، قائلة بينما تنظر له
وعلى وجهها ابتسامة لعوبة: _وإي اللي عرفك إني مجيتش هنا من شهرين؟ _مش صعبة على واحد بييجي يوميًا يعرف المعلومة دي. طلب لها عصير طازج، لتقول مبتسمة: _وإن طلبي هيكون عصير معلومة يعرفها الكل؟! غمزها بعينه متحدثًا: _لا، بس أنا مش بنسى العصير اللي انسكب عليا. رمقته بحرج، هازة كتفيها بقلة حيلة، ليقول: _قررتِ تعيشي هنا مش كدا؟ قولتلك هتزوري مصر كتير علشاني بس موصلتهاش إنك تنتقلي دائمًا.
رمقته بسخرية متحدثة ببسمة باردة تواري بها إعجابًا أبله: _متفترضش اللي مقولتهوش. بابا بيمر بوعكة صحية وأنا اضطريت أأجل سفري لحد ما أتطمن أنه بخير. _بارة بوالديكِ، حلو. نظرت له ببسمة متهكمة: _حد قالك غير كدا؟ هز رأسه بالنفي، ثم حل الصمت عليهما، والذي قطعه صوت رجولي ساخر بغضب: _شكلي إي وأنا بيتقالي روح شوف أي مكان فيه بنات وهات منه صاحبك؟
نظر بيجاد إلى هشام الذي يقف بجانبه غير عابئًا بتلك التي ارتفع حاجبها باستنكار لحديثه، بينما تحدث بيجاد ببرود: _وهو أنا صاحبك أنت بس يعني؟ وبعدين هو البعيد اتجوز وبقي معندوش ريحة الدم خالص، يخليني أشوف أنا نصيبي فين. ضغط هشام على كتفه قائلًا من بين أسنانه: _قوم، رحلة بحثك عن نصيبك انتهت وهتفضل عازب بائس. نظر إلى صبا التي تتابع حديثهما باهتمام، متحدثًا:
_هي الرحلة انتهت فعلًا، بس مع اختلاف بسيط، وهو أنها انتهت بعثوري وأخيرًا على كنز. رمقته صبا بسخرية مهمهمة، ثم قالت بتهكم: _حلو أنك تقرر لوحدك، استمر. ضحك بيجاد ونهض راحلًا بعد أن غمزها قائلًا: _ما لو فكرتي إني هسيبك تبقي غبية يا بنت الشرقاوي، أخرتك معايا.
قلبت عيناها وقلبها بداخلها يتراقص فرحًا، تنتظر رحيل صديقه الآخر لتحرر ابتسامتها الواسعة وتزيل جمود نظراتها. وقعت عيناها على هذا الذي يطالعها بتدنٍ وكأنها شيء نكرة، لتمرر عيناها عليه من أعلى إلى أسفل قائلة بنبرة حادة: _شبه والدتك؟ تجاهلها هشام ورحل بعد أن ألقى عليها نظرة مستحقرة، لتهز صبا رأسها وقد جعلها تضحك غضبًا متحدثة إلى ذاتها: _مقرف أوي عن قرب، أشكال كذابة صحيح. ***
يجلس داخل غرفته والهاتف على أذنه ينتظر انتهاء حديث الطرف الآخر منصتًا له باهتمام، ليتحدث وتحركت عيناه مع تلك التي دلفت إلى الغرفة: _مش عايز غلط يا علي. الأسبوع دا أنا هكون مشغول وكمان هشام مش هيكون موجود علشان يهتم بالشركة. أي أمر تبلغني بيه. وقفت تطالعه باهتمام، حتى أنهى مكالمته لتسأله مباشرة: _هتسافر؟ _لا…. نهض ووقف أمامها، قائلًا بنبرة عادية: _هنروح وسط البلد. لمعت عيناها قائلة ببسمة واسعة: _هنزور عيلتك!
_للأسف، هنفضل عندهم أسبوع. هشام وبيجاد هيكونوا معايا، وكمان… فرصة يتعرف فيها أخوكِ عليهم. _بجد؟ يعني هناخد إياد معانا؟ أماء لها مبتسمًا لحماسها، لتقفز قائلة بسرعة: _هنمشي امتى؟ _هخلص شوية شغل ونمشي على طول. أماءت له وركضت إلى هاتفها لتبلغ أخاها، أو لتقنعه بالذهاب معها. وعلى الناحية الأخرى دخل إياد إلى الفيلا يتحدث بجدية في هاتفه: _قولت لا يا حوراء، أنا مالي بعيلته. إذا كنت مستحمله هو بالعافية؟
ابتسم إلى شقيقتيه الجالستان بالبهو تطالعانه باهتمام. انمحت بسمته وهو يستمع إلى إصرار الأخرى ليتنهد قائلًا بحسم: _قولت لا يعني لا…. تنهد بملل وثرثرة شقيقاته مع كيان يصيبه بألم الرأس. نظر إلى الطريق بغيظ بينما ريان بجانبه يقول بسخرية: _معقول بنتشارك نفس الشعور؟ رمقه إياد ببسمة صفراء قائلًا: _لا. _وأنا بقول كدا برضه.
قلب إياد عينيه وهذه السيارة الضخمة تجمعه مع شقيقاته الثلاثة مع ريان وشقيقته متحركين إلى عائلة زوج شقيقته بعدما ترك راعية تهتم بأمينة حتى عودته. تمنى لو كان الآن في سيارة بيجاد وهشام بالتأكيد هي أهدأ من هذا الراديو الذي لا يتوقف عن الحديث إلا وبدأ في حديث آخر…. تعالى صوت هشام بحدة كاد يصم آذان بيجاد، بينما يغلق الشاشة الصغيرة التي بالسيارة تعرض ما يتابعه بيجاد باهتمام: _والله هحطك قدام العربية وهسفلت وشك في الأرض.
اتسعت أعين بيجاد وهو يصرخ بقوة وكأنه تم سرقة منه جواز سفره وحُبس داخل بلد لا يعلم عنها شيئًا: _تبًا لك ولأمثالك من قاطعي اللقطات واللحظات المهمة يا حقير، أهم لقطة في الفيلم. _فيلم؟؟؟ أنت مستوعب إن دا فيلم رسوم متحركة؟؟؟ _فيلم ولا مش فيلم؟ توقف هشام على جانب الطريق وفتح الباب من ناحية بيجاد ثم بدأ في دفعه من السيارة صائحًا بغضب: _أنا غلطان إني وافقت تكون معايا. انزل وإلّا هنزل أجرجرك في الشارع والله.
ترجل بيجاد من السيارة قائلًا بسخرية: _هنزل من القمة، طريق السلامة أنا…. لم يكمل حديثه بسبب صوت احتكاك إطارات سيارة هشام وهو يقودها بسرعة يتركه في منتصف طريق سريع. أشار للسائق الذي يقود سيارته والذي اقترب منه بسرعة، ليصعد بها قائلًا: _لي مجبتش العربية اللي فيها شاشة؟ هكمل الفيلم إزاي دلوقتي؟؟ *** بعد وقت…
هبط ريان وإياد وتوجه الاثنان إلى أبواب السيارة الخلفية وكل منهما في اتجاه. فتح ريان باب السيارة ومد يده لتضع حوراء كفها بكفه وتترجل من السيارة بهدوء وتقف بجانبه. بينما أمسك إياد بكفي شقيقتيه. ثم تحركوا جميعًا إلى داخل منزل عائلة الكيلاني الكبير. لم يتفاجأ ريان من تجمعهم بالبهو، وقبل أن يبدأوا في عناقه وهو من لم يكن منذ قريب عندهم. عرفهم على إياد وآية وأريب.
استقبلهم الجميع بحفاوة وسعادة بإستثناء سميرة. ليرمقها ريان بحدة من نظراتها لأخوات زوجته وحبيبته…. وبينما هم منشغلين في دفء عائلي، كان في الخلف هشام وبيجاد في عالم موازي تمامًا وهما على وشك قتل بعضهما وما زال بيجاد مقهورًا على ذلك المشهد الذي قطعه عليه هشام. توجه الجميع إلى المقاعد التي بالردهة وجلسوا معًا وهم سعداء برؤية حفيد الكيلاني الأكبر وزوجته للمرة الثانية. فهم كانوا يظنون أنهم لن يروه إلا بعد سنوات مجددًا….
كانت حوراء تجلس بجانب إياد وأريب وآية من اتجاه، والاتجاه الآخر كان بجانبها ريان وبجانبه كيان. وكان هشام وبيجاد وأيان وليان بجانب بعضهم… وبعدهم باقي أفراد العائلة. أردف الكيلاني بحبور: _شرفتونا والله…. البيت بقي أجمل وأحلى بحضوركم. تحدث إياد باحترام: _الشرف لينا. هتف عامر وهو يوجه حديثه إلى آية: _أخبارك إي يا بنتي؟ هو أنتِ اسمك إي؟ ابتسمت آية بهدوء مردفة: _بخير الحمدلله ياعمو… آيـة، اسمي آيـة. تحدث عامر موجهًا
حديثه هذه المرة إلى أريب: _وأنتِ يا بنتي أخبارك إي، طالما دي آية يبقى أنتِ أريب زي ما قالنا ابني. أماءت له أريب ببسمة حييّة. وقبل أن يتحدثوا تعالى صوت أنثى وهي تقول بسعادة ولهفة: _ريــــان….. توجهت جميع الأنظار إلى ذلك الصوت الأنثوي، بينما نهض ريان وبيجاد وهشام سريعًا وهم ينظرون لها وكل منهم بنظراته الخاصة يعبرون عن لهفتهم إليها. تقدم منها ريان بخطوات واسعة سريعة حتى وصل إليها يحتضنها هامسًا بهدوء:
_عبير، متوقعتش أنك هنا. بعد وقت طال فيه ترحيب ريان بها، ابتعد عنها ليجذبها بيجاد في عناق قوي وهو يحملها ويدور بها. أردفت عبير بصراخ وضحك: _يا ابني عيب كدا أنا كبيرة على الحاجات دي. ضحك بيجاد بمرح وانزلها برفق مردفًا: _مهما كبرتي بتفضلي حلوة يا بيبو. ابتسمت له وأخذته بين أحضانها بقوة واشتياق. ثم ابتعد عنها لتنظر إلى ذلك الذي ينظر لها بإشتياق وعلى وجهه علامات التردد وهو يقف بعيدًا، لتقول معاتبة:
_إي يا هشام مش هتسلم عليا؟ تهللت أسارير وجهه وتقدم منها سريعًا واحتضنها بقوة قائلًا: _كنت فاكرك نسيتيني. ضربته بخفة على ظهره وهى تحتضنه مردفة: _عيب عليك دا أنا أنسى بيجاد ولا أنساك أنت. هتف بيجاد صائحًا باستنكار: _هييجي يوم وتتمنوا لحظة معايا خصوصًا أنتِ يا عمتي. _وعلشان عمتي دي أنا بتبرأ منك خالص. قالتها بغيظ أضحك بيجاد الذي يدرك مقتها لهذا اللقب. ليسحبها ريان قائلًا: _تعالي أعرفك على شخص مهم.
سار بها بإتجاه حوراء والتي كانت تنظر لهم وإلى تلك المرأة بجهل حتى وقف ريان أمامها وهو ينظر لها بحب قائلًا: _حوراء زوجتي. ثم عرف حوراء عليها مكملًا: _حوراء…. دي عبير أخت عامر. وقفت حوراء وابتسمت بخجل قائلة برقة: _عمتك يعني! أهلًا. _هي مراتك دي حقيقية؟ قطبت حوراء ما بين حاجبيها وهي تبتسم بتوتر ولا تفهم سؤالها، بينما قال ريان مبتسمًا: _للعجب. ضحكت عبير ثم عانقت حوراء وكأنها تعرفها منذ زمن قائلة:
_أنا علميًا عمته بس عمليًا صاحبته ومبحبش لقب العمة. بيقولي عبير وبيجاد بيقول بيبو، اختاري وقولي إلا عمة. أماءت لها حوراء ضاحكة، ثم عرفها ريان على إخوة حوراء ثم جلسوا معًا وهم يتحدثون في جو عائلي دافئ. ليعلو صوت الكيلاني قائلًا: _يعني أنت جيت علشانها، لأنها هي اللي طلبت منك؟ _دا اللي حصل. قالتها عبير بغرور مفتعل ثم ضحكت بمرح، بينما هز ريان رأسه مؤكدًا على حديثها، ليقول بيجاد: _ولما أنت عارف إنها هنا مقولتش لي؟
_بطلب مني كمان، مفاجأة ليك ولهشام. _أحلى مفاجأة يا بيبو والله. ليقول هشام بتساؤل: _غيث مجاش؟ _لا هنا، بس خرج. أماء له هشام. وبين كل هذا الجمع هناك نظرات حادة بين سميرة وأريب التي مالت على أختها عابسة وعيناها بأعين سميرة ترمقها بحدة: _الولية دي مش مرتاحة ليها، والله لو فضلت تبص كدا ما هيهمني حد. لكزتها آية تنهرها بصوت خافت مخافة أن يسمعها إياد: _عيب يا أريب إحنا ضيوف عندهم، ممكن دي طبيعتها تجاهليه.
تأففت أريب وعدلت جلستها عاقدة ذراعيها أمام صدرها هامسة لذاتها وعيناها الحادة تثبتها بأعين الأخرى: _لو فاكرة إني هخاف وأنزل عيني تبقي بجحة وغبية. *** في المساء في منزل عائلة الكيلاني، يجتمعون بعد تناول العشاء في جمع اشتاق له الكيلاني كثيرًا. يتحدث بيجاد بمرح: _إي يا غيث مفيش واحدة كدا ولا كدا؟ نظر غيث حوله بعدم فهم وهز رأسه نافيًا، ليقول بيجاد بسخرية: _مش كدا يا حبيبي، يعني مفيش ارتباط، خطوبة، كدا يعني.
تجعُدت ملامح غيث ونفى برأسه قائلًا: _ما اهي قاعدة قدامك ولا خطبتها ولا اتنيلت، اسكت يا بيجاد. ضحك بيجاد بقوة، ليتأفف غيث ثم نظر إلى ليان قائلًا: _طمنيني عنك يا ليان؟ أجابته ليان ببرود متجاهلة النظر له: _اتطمن. نظر لها غيث طويلًا ثم نظر إلى الاتجاه الآخر. نظر لهما ريان قليلًا ثم نهض مردفًا موجهًا حديثه إلى حوراء: _مش هتأخر، تمام؟
أماءت له حوراء ليتحرك ريان متجهًا إلى الأعلى. فور رحيله سمعوا جميعًا طرق قوي على الباب لتسرع عاملة لترى من يطرق بهذه الطريقة. فتحت الباب وظلت تحدق بخوف من ذلك الذي يطالعها ببرود وحدة. سألها حسين بصوت مرتفع نسبيًا: _مين يا تيسير؟ هتفت تيسير بتلعثم: _دا … دا أ…. قاطعها هو بصوته الحاد مثل نظراته: _أنا… أنا يا بابا. نهض الجميع في صدمة وهم ينظرون له بأعين غير مستوعبة. ركضت له ليلى وبعينيها الدموع وهي تهتف بفرح:
_أيهم، وحشتيني أوي يا أمي. عانقه أيهم بهدوء قائلًا: _وأنتِ كمان يا أمي. ابتعد عن حضن والدته لينظر إلى الجميع والذين هم بدورهم لم يتحركوا إنشًا واحدًا وهم يطالعوه بصدمة. نعم كانوا ينتظرون ويتمنون عودته ولكن… ليس الآن أبدًا. ليردد أيهم بسخرية: _إي، نسيتوا كلمات الترحيب يا آل الكيلاني؟ تقدم منه حسين بخطوات بطيئة ورفع كفه ليضعه على وجنة ابنه بهدوء وكأنه يتحقق من وجوده، ثم قال وصوت متحشرج:
_حمدًا لله على سلامتك يا ابني، وأخيرًا جيت. ثم عانقه بقوة واشتياق أب ليعانقه الآخر بهدوء، ثم تقدم من الآخرين وعانقهم بهدوء وهم ما زالو في صدمتهم التي لم يكن خارجها سوى حوراء وإخوتها. لتميل أريب على حوراء قائلة: _مين دا؟ هزت حوراء كتفيها بعدم معرفة لترمقها أريب بسخرية قائلة: _ما شاء الله، لسه بتتعرفي على عيلة زوجك!
وقف أيهم بطوله الفارع أمام حوراء وهو يطالعها بنظرات قوية لدرجة أن حوراء استغربت نظراته. ليقول أيهم بصوت أجش أصاب حوراء بقشعريرة خوف منه: _مين الحلوة؟ _مراتي يا روح أمك. أردف بها ريان بصوت حاد ونظرات لا تبشر بالخير. حول أيهم نظره إلى ذلك الصوت لتحتل عينيه نظرة لاذعة، كصوته الذي خرج لعوبًا مع ابتسامة جانبية: _ريان؟؟ أنت هنا… واتجوزت كمان! وقف ريان أمامه قائلًا بسخرية: _يهمك في حاجة؟
تحدث الكيلاني بحدة وهو ينهي هذا النقاش وهم يعلمون أن استمراره ليس بالأمر الصواب أبدًا: _عال العال والله.. إي طريقة الكلام دي وكمان في وجودي. ينظر له الاثنان وأردف أيهم ببرود: _متقلقش يا كيلاني، ابن عمي بينا غيبة طويلة وأخيرًا جات الفرصة اللي أقابله فيها. أنهى حديثه يرمق ريان بمكر والآخر يطالعه بنظرات غالية من المشاعر. همست أريب إلى أخيها قبل نهوضها: _هروح الحمام وراجعة….
أماء لها إياد لتتحرك بهدوء إلى الأعلى حيث الغرفة التي استضافوهم فيها. انتهت حرب الأعين ليتقدم أيهم من بيجاد وهشام قائلًا: _أهلًا، ابن مصطفى وابن العامري. أردف هشام بأعين غاضبة: _بيك، أهلًا بيك. تحدث بيجاد ببرود: _حمدًا لله على سلامتك يا ابن عمي.
أماء لهم أيهم وهو يطالعهم بنظرات ساخرة. ثم ذهب إلى غيث وعانقه بقوة فهو يعتبر صديقه المقرب رغم اختلاف شخصيتهما تمامًا، ألا أنهما أصدقاء مقربان… ثم لفت نظره ذلك الشاب الذي يجلس وبجانبه فتاة جميلة. تقدم منهم أيهم واردف ببرود: _فيه أفراد جديدة في العيلة! ليجيبه إياد وهو يصافحه بجدية: _إياد عبدالقادر. صافحه أيهم وهمهم بخفة مرحبًا. ثم نظر إلى آية التي كانت تطالعه بفضول بسبب طاقة التوتر التي سببها للجميع فور مجيئه:
_أهلًا، ضيوف ابن العم الغالين. بنبرته التهكمية لم يرتاح لها إياد ولكنه تجاهله. بالأساس لا يطيق أحدًا في هذه الجلسة الثقيلة على قلبه ويتمنى لو كان أصر ورفض لأول مرة طلب شقيقاته. تحدث حسين ينظر إلى أيهم الذي جلس بجانب بيجاد: _مقولتش لي إنك جاي يا أيهم؟ أجابه أيهم ببرود:
_حبيت تكون مفاجأة وشكلي نجحت، بس انتوا كمان فاجأتونى بوجود ابن عامر هنا بعد السنين دي كلها وكمان اتجوز من غير ما تعزمونى على الفرح، مكنش العشم والله يا ابن عمي. لم يهتم ريان بالرد عليه. بينما قال الكيلاني بجدية: _ريان، بما إنك عامل كتب كتاب بس ففرحكم هيكون هدية مني ليك بمناسبة إنك جيت بعد السنين دي كلها وبكرا في حفلة على شرف أحفاد الكيلاني واللي اتجمعوا أخيرًا.
نظر ريان إلى حوراء التي نظرت له بحماس. يبدو أنها من محبي التجمعات والمناسبات العائلية وهذه كارثة بالنسبة له، ليقول مبتسمًا بوجهها وداخله يريد التحرر من هذه الجلسة المملة بوجهة نظره: _هدية مقبولة يا كيلاني. تثاءب أيهم ثم نهض قائلًا: _تصبحوا على خير، معلش بقى إجهاد سفر وإلا كان هيسعدني أقعد أكتر مع ابن عمي وعيلته الجديدة، بس تتعوض.
ردوا عليه التحية عدا ريان وصديقيه. صعد أيهم الدرج ببرود وهدوء ثم اتجه إلى غرفته والتي يتذكرها إلى الآن رغم السنوات التي قضاها بعيدًا عن هذه البلد وهذا المنزل. ولكن قاطع طريقه اصطدام جسده بشيء ما ثم سمع صوت أنثوي حانق متألم: _حيطة بتتحرك؟ ثم رفعت نظرها لتردف بحنق ترمق هذا الغريب: _ما تخلي بالك يا أخانا.
نظر أيهم حوله يبحث عن الصوت ولم يجده ثم نظر إلى الأسفل ليرى جنية قصيرة تنظر له وعيناها بحدة السيف ترمقه بشرر. تراجع خطوة إلى الخلف ينظر إلى قامتها القصيرة متحدثًا ببسمة جانبية: _متعودتش أبص تحتي أنا وماشي. أردفت أريب بغيظ من هذا الوقح الذي ولأن الله أكرمه ببعض الطول يتنمر على ما لا يُسمى طولًا في قامتها: _مش علشان أنت طويل تدوس على خلق الله. أوعى كدا واحد فصيل.
ثم تركته وهبطت الدرج بحنق تحت نظراته المندهشة، فلم يتجرأ أحد على محادثته هكذا من قبل، رجلًا كان أو امرأة. ردد كلمتها بسخرية: _فصيل؟!! هز رأسه وأكمل طريقه إلى غرفته وذهب في نوم عميق…. *** عادت أريب للجلوس بجانب أخيها قائلة بتساؤل: _هو مين أبو طويلة دا اللي طلع من شوية؟ نظر لها الجميع بصدمة فهم علموا أنها تقصد أيهم فليس أحد غيره ذهب منذ قليل. ثم انفجروا ضاحكين باستثناء ريان وهشام وإياد الذي طالعها بحدة.
أردف بيجاد بضحك قوي: _لا بجد لايق عليه اللقب. أردف حسين بضحك: _دا ابني…. أيهم. شهقت أريب ووضعت كف يدها على فمها بصدمة ونظرت إلى أخيها الذي كان يطالعها بحدة بأعين معتذرة. ثم أردفت باعتذار واحراج: _أنا مقصدش، أنا…. ضحك الجميع عليها وأردفت ليان بمرح: _ولا يهمك. هدأ الجميع من الضحك وشعرت أريب بالاحراج فاستأذنت منهم وذهبت متحججة بالنوم. فأردف إياد بجدية وهو ينهض ممسكًا بكف آية: _تصبحوا على خير.
رد عليه الجميع بهدوء وغادر وأريب تسير معه بتوتر تعلم أن هناك درسًا ينتظرها مع أخيها. *** _هو أنا ممكن أسألك سؤال؟ همهم لها ريان فأردفت بتساؤل: _بصراحة هو كذا سؤال مش سؤال واحد. _اسألي ياحبيبتي براحتك. تحدثت حوراء وهى ترفع رأسها وتنظر له: _عمتك أنا مشوفتهاش هنا المرة اللي فاتت، هي مش عايشة في القاهرة؟ _لأنها متجوزة في الإسكندرية. لاحظ صمتها المتوتر ليقول بهدوء: _كملي أسئلتك. _أنا… مش عايزة أضايقك، بس….
_يبقى عايزة تسألي عن أيهم. أماءت له بتأكيد قائلة بتردد: _يعني… حسيت أنه عدواني معاك. تنهد ريان بقوة ونظر لها واردف بهدوء: _هتعرفي كل حاجة في وقتها بس يلا ننام دلوقتي علشان بكرا في حفلة، وكمان معاكِ شغل كتير بما إن فرحك بعد أسبوع. ابتسمت له بخجل ليضحك بخفة ثم احتضنها ويده تمسح على خصلاتها لتغفو سريعًا. بينما هو ظل مستيقظًا والأفكار كالكلاب الشاردة في رأسه لا يهدأ نواحها مع هدوء الليل. ***
وهو من فشل في إيقاظها، تركها غافية وترجل الدرج ليرى العائلة على طاولة الإفطار ليقول بهدوء: _بلاش تستنوني، أنا خارج. أردفت كيان سريعًا: _على فين يا بابا؟ هتف ريان بحنان وهو يتجه إلى الخارج: _مش بعيد يا كياني. ثم خرج قبل أن يتطفل أحد مجددًا ويسأل. لتقول سميرة بسخرية وهي تلوي فمها: _وساب مراته نايمة، دا شكله مدلعها خالص. نظر لها مصطفى وأردف بحدة: _خليكِ في حالك يا سميرة، وكُلي. الواحد مش ناقص مشاكلك.
نظرت له سميرة ثم نظرت إلى طعامها وبدأت تأكل في صمت. بينما أريب كانت تكتم ضحكتها بصعوبة بعد أن شعرت بالغضب في بادئ الأمر ولكن ذلك المصطفى أبرد نارها. بينما إياد تنهد بخفة وآية كانت تطالعها بضيق…. نهض هشام وبيجاد ولحقوا بصديقهما فهما يعلمان إلى أين ذهب. نهض من نومه وهو يتثاءب ثم فرك شعره بقوة ونهض متوجهًا إلى المرحاض وبعد وقت تحرك خارجًا من الغرفة….
تقدم من الجميع وجلس بجوار الكيلاني وبدأ في الطعام بدون أن يتحدث أو حتى ينظر لهم. ليقول حسين بهدوء: _صباح الخير. رفع أيهم نظره ونظر إلى والده ثم ابتسم ببرود مردفًا: _صباح النور يا بابا، عشان نسيت أصبح عليكم كنت جعان. أجابه حسين متنهدًا: _بالهنا يا ابني، ولا يهمك. أماء أيهم بدون أن يتحدث وبدأ في إكمال طعامه بعدم مبالاة….
انهوا طعامهم وجلسوا على المقاعد التي توجد بالردهة بعد مغادرة الكيلاني وعامر ومصطفى ليتناقشوا في بعض الأمور. كان الجميع يتحدثون واندامج معهم إياد وآية بينما أريب كانت تستمع لهم بصمت. أردف أيهم بجمود: _نورتونا والله. ابتسم له إياد واردف بهدوء: _دا بنور حضرتك. اعتدل أيهم في جلسته واردف بثقة: _أخدت بالك! نظرت له أريب بغيظ من تصرفاته المتعجرفة واردفت بصوت منخفض: _أبو طويلة مستفز.
لم يسمعها أحد سواه، فهو يظهر أنه منشغل ولكن كل حواسه تعمل جيدًا. رفع نظره ثم نظر إلى تلك التي تجلس أمامه ولكن ليس مباشرة. تعرف عليها على الفور فهي ذاتها الفتاة القصيرة التي اصطدمت به بالأمس. رأت نظراته لها فنظرت له بأعين حادة كالسيف. اندهش من جرأتها، فأي فتاة أخرى في مكانها لكانت أبعدت نظراتها وإن لم يكن خجلًا وخوفًا فاحترامًا لكونهم الضيوف هنا، ولكن هي تضع عينيها بعينيه بدون خوف. ليرفع حاجبه قائلًا: _مين الطفلة؟
تحولت نظراتها إلى الغضب واردفت بحدة قبل أن يرد عليه أحد: _أولًا أنا آنسة مش طفلة يا أبو طويلة… أوبس. وضعت يدها على فمها بسخرية ثم أكملت وهى تنظر له بحدة: _أقصد يا أستاذ. نظر لها الجميع بصدمة وذهول من طريقة تحدثها معه، وكان هو ينظر لها بأعين تخرج شررًا فمن هذه لتتحداه هو وأيضًا تسخر منه. لينهض قائلًا بغضب: _أنتِ مين علشان تكلميني بالطريقة دي؟ نهض إياد قائلًا في محاولة لإرجاع غضبه احترامًا لكبار السن المتواجدين:
_اتكلم بطريقة أحسن من كدا. أردف أيهم بصوت غاضب وهو يحدقها بنظرات نارية متجاهلًا إياد: _ازاي تتكلمي عليا كدا؟ أنتِ ناسية نفسك؟ نهض أيان قائلًا بينما يقف أمام أيهم: _أيهم اهدى، مينفعش اللي بتقوله ده. هتفت أريب بحدة وهي تنهض من مكانها: _أنا فاكرة نفسي كويس، بس الظاهر أنت اللي مخدوع في نفسك وقاعد تستظرف ومحدش بيردعك. ولو كنت فاكر إني هسكت على طريقتك الغبية في الكلام تبقى غبي. _أريب، اطلعي فوق. آية….
نهضت آية بسرعة تسحب شقيقتها صاحبة اللسان السليط، تعتذر منهم بحرج متجهة بها إلى الأعلى. ليقول أيهم بحدة: _اهربي بس أخرتك هتكوني تحت إيدي، ووقتها مش هرحمك وهعـ…. صمت أيهم على قبضة قوية تمسك يده التي يمدها بتحذير. نظر إلى ذلك الذي يطالعه بنظرات قاتمة قائلًا بصوت مخيف وقد تبدلت ملامحه المسالمة:
_كلمة كمان وهمسح بكرامتك الأرض. أختي خطوط اللي زيك ميتجرأوش يقربوا منها وإلا هيندموا، وأنا احترامًا لكبار العيلة اللي مستضيفيني في بيتهم كنت عرفتك مقامك. قسمًا بمن أحل القسم لو اتجرأ أيًا كان يوجه مجرد كلام لأخواتي الثلاثة بطريقة مش كويسة هخلي يندم باقي عمره. أمسكه أيان وقال بينما يسحبه إلى الخارج: _إياد، تعالى لو سمحت…. ليتنظر ليلى إلى ابنها قائلة بعتاب وحزن:
_لي كدا يا ابني مكنش ينفع تكلميهم كدا. أنا مرضيتش أتكلم علشان خاطرك أنتِ بس أنا زعلانة منك. أنهت حديثها وغادرت بأعين دامعة لتلحق بها ليان بعد أن نظرت إلى أخيها بعتاب. أما تلك الحرباء فكانت تبتسم بخبث ولاحظها أيهم. لتقول سميرة بشماتة: _تستاهل اللي حصل فيها دي بت عايزة قصف الرقبة، باينة قليلة أدب من نظراتها. نظر لها أيهم واردف بجمود: _بدل كلامك الفارغ ده روحي اعمليلي كباية قهوة سادة. أردفت سميرة بغضب: _لي إن شاء الله؟
شايفني خدامتك؟؟ ما تحترم نفسك يا ابن حسين. زمجر أيهم وهو ينظر لها بغضب: _خمس دقايق لو ما لقيت كباية القهوة قدامي هتصرف تصرف مش هيعجبك وبعدين أنتِ بتكذبي على مين؟ أنتِ ناسية أصلك ولا إي يا سميرة؟ خلينا ساكتين، تمام؟ ومتوجعيش دماغي يلا غوري. نظرت له سميرة بحقد وكره وغضب ثم ذهبت رحلت وهي تتحدث بغضب. ليجلس أيهم على المقعد مريحًا ظهره عليه يغمض عينيه مفكرًا في ما حدث. ***
تململت في نومها لتفرج عن جفنيها بهدوء وهى تشعر ببرودة الفراش بجانبها…. نهضت ونظرت حولها ولم تجده فأردفت: _ريان؟ ولكنها لم تسمع ردًا لتنظر في الساعة لتشهق بقوة وهي تراها الحادية عشر صباحًا. لفت نظرها ورقة مطوية بجانب الفراش لتلتقطها وحركت نظرتيها على ما تحتويه من كلمات رسمت بسمة جميلة على شفتيها: _بحسد الورقة لأنها شافت عيونك قبلي، أنا في فيلا هشام قريبة من هنا، اطلبي من كيان وهي هتجيبك عندي، ولو عايزة تقتدري تستنيني.
خرجت من الغرفة وهبطت الدرج بهدوء لترى عدم وجود أحد سوى ذلك الذي يجلس بأريحية مغمض العينين…. وقفت حوراء أمام الباب وهي تفرك يديها بتوتر شديد فهى لا تعلم أين تلك الفيلا وكيان لا تجدها…. فتح أيهم عينيه لشعوره بحركة غريبة ليراها هي بطلتها الخاطفة للأنفاس تقف أمام الباب وهي تنظر خارجًا ويظهر عليها التوتر…. ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة فور تعرفه عليها…. نهض بهدوء وتوجه لها قائلًا: _محتاجة مساعدة؟
أدارت رأسها سريعًا بفزع رأته يطالعها بابتسامة خبيثة لم تفهمها فأردفت برقة: _لا شكرًا. _بس الظاهر أنك محتاجة مساعدة. تقدري تثقي فيا. احمر وجهها خجلًا ونظرت إلى الخارج قائلة بتردد: _أنا عايزة أروح لفيلا هشام، تعرفها؟ هز رأسه بخبث قائلًا وهو يتحرك إلى الخارج: _أكيد عارفها، ريان هناك أكيد. _أيوا. _تعالي هوصلك. تنهدت بسرعة: _لا…. نظر لها بإستغراب واردف متسائلًا: _هو إيه اللي لا؟ تعالي هوصلك لجوزك متخافيش.
ترددت حوراء خاصتًا أنها رأت عدم الراحة التي بينه وبين زوجها، لتقول محاولة الاعتراض بلطف: _بس أ…. قاطعها بجدية: _ومن غير بس، يلا. ثم خرج من القصر وهو يسير بثقة ويضع يديه في جيبي بنطاله…. نظرت له بتوتر وقررت تتبعه فسارت خلفه ببطء وحذر وأخيرًا قلق…. وهو كان يبتسم بمكر ينتظر رؤية وجه ابن عمه وحقًا يستمتع في تخيله. *** حرب باردة، لا يعلم أحد دواخلها. والسَّلام. مِـنَّــــــة جِبريـل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!