الفصل 1 | من 23 فصل

رواية الطبيب العاشق الفصل الأول 1 - بقلم منة جبريل

المشاهدات
89
كلمة
5,144
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 4%
حجم الخط: 18

لم ينعم بقسط من الراحة منذ يومين والآن يحاول جاهدًا التخلص من أرقه والنوم بعد بقائه مستيقظًا ليومين متتاليين بسبب أعماله الكثيرة. وأما عن راحته الآن فهي بسبب عودة صديقه من السفر ليحمل من عليه بعض أعمال الشركات. فتحت باب غرفته بهدوء، وجدته نائمًا وعلى وجهه علامات الإرهاق. ابتسمت بحنان لأخيها واقتربت منه برفق حتى لا يستيقظ وقبلت رأسه بحنان وغادرت.

بينما كان هو يشعر بها وهي تقبله وابتسم بداخله، لكنه لا يستطيع أن يفتح عيناه حتى. ودقائق وذهب في ثبات عميق مرة أخرى. *** وفي الشركة، يجلس على مكتب صديقه بعدما أصابه الكسل من نقل ما به من ملفات إلى مكتبه. وبينما يراجع الملفات سمع طرقات على الباب فأمر بالدخول. لتدلف سكرتيرة صديقه والتي كانت واجهة للشركة، جميلة وأنيقة دائمًا. نظر إليها متحدثًا بجدية: _قولي اللي عندك. قلت تحدثه بعملية وهي تنظر إلى لوح ذكي في يدها:

_في اجتماع مع العملاء الألمانيين على الساعة التاسعة واللي المفروض السيد ريان يكون حاضر فيه. أأجل الإجتماع؟ ليجيبها بجمود: _لا، أنا هحضر الاجتماع وبلغيهم أنه الساعة العاشرة. _مفهوم، تطلب حاجة؟ _لا، ومش عايز إزعاج لحد وقت الاجتماع. أماءت منصرفة، ليتنهد من كم الملفات التي تقبع أمامه. وما كاد يعود لعمله حتى فتح باب المكتب فجأه بقوة ودلف شخص وعلى وجهه ابتسامه كبيرة وهو يتقدم منه بخطوات واسعه.

_والله واحشني وما أنت قايم من مكانك و... أنا ماشيت. تحدث بسرعة قبل أن يغير حديثه وهو يراقب ملامح الآخر المتجهمة، ليقف متنحنحًا ثم قال: _الحمدلله على سلامتك يا هشام باشا. _الله يسلمك، يا ريت نعقل ونبطل دخول الحيوانات دي. أنت كبرت يا بيجاد على الحركات الغير عقلانية دي. تجاهل بيجاد حديثه واقترب منه يعانقه قائلًا: _السكرتيرة دي مطولة هنا؟ شبه أنثى الببغاء. أو نظر له هشام مبتسمًا قبل أن يقول بملل:

_صاحبك لسه منتهاش منها. المهم أنت أخبارك في شغلك إيه؟ رد بيجاد بغيظ: _اللواء بعد ما جيت من المهمة وأنا ورب الكعبة جسمي يطالب بالراحة بس هو يهتم... لا والله، يقولي تعالى ياسيادة الرائد معاك مهمة تانية ومفيش حد أكفأ منك يقوم بيها. أنهى حديثه مقلدًا اللواء في طريقة حديثه. ضحك هشام بخفة على معاناة صديقه في العمل مردفًا: _معلش استحمل ما احنا قولنالك شغل المخابرات ده مش سهل بس انت عامل فيها هولاكو. أردف بيجاد بثقة:

_لو على الشغل فأنا قدها وأكتر، بس المُتعب لما مهمة ورا مهمة وكأنهم ما بيصدقوا يلاقوا واحد ماهر في شغله فيستنزفوا طاقته وفي الآخر يفضلوا يصيحوا ويدوروا في البلد على شخص ماهر تاني. _ربنا معاك. تحدث هشام مختصرًا حديث سمعه مئات المرات من صديقه الذي لا يتوقف عن التذمر. لينظر له بيجاد ثم ضحك بقوة. ليسأله هشام: _بتضحك على إيه؟ أجابه بيجاد ضاحكًا: _يعني أول ما جيت من السفر استلمك وسلّمك الشغل. تنهد هشام مردفًا

يعود للنظر إلى ملفاته: _بالعكس، أنا اللي قولتله يروح يرتاح مع إنه كان رافض علشان يخلص اللي وراه. شخص مهمل في نفسه بطريقة مش طبيعية ده ليه يومين منامش ولا ارتاح من الشركة للمستشفى ومن المستشفى للشركة. بيجاد بشفقة على صديقه الآخر: _ربنا يكون معاه، بس متنساش ده الذئب يعني عمره ما يتعبه. شام بتأكيد على كلامه: _أكيد. المهم توكل على الله أنت ورايا شغل كتير ومش فاضيلك. نظر له بيجاد متحدثًا باستنكار: _هو أنا بنطرد؟!!

_ده اللي حصل فعلًا. رفع بيجاد رأسه متحدثًا: _ولا كأني سمعت حشرة متحدثة. المهم... هعدي عليك بالليل نروح للذئب مع بعض، اتفقنا؟ همهم هشام دون رد. ليقول بيجاد بإصرار: _اتفقنا؟؟؟ _اتفقنا يا ابني امشي بقى، إيه القرف ده. رمقه بيجاد بغيظ ليمسك قلم من على سطح المكتب وألقاه في وجه هشام. وفي اللحظة التي بعدها كان قد تبخر من المكتب. ليتنهد هشام وعاد يركز على عمله. *** في المساء. ذهب كل من هشام وبيجاد إلى صديقهم الثالث.

ليجتمع أضلاع مثلث الصداقة أخيرًا بعد أشهر من سفر اثنين منهم وانشغال الثالث في الأعمال. وبينما يجلس برفقة شقيقته التي سافر بها بعيدًا عن عائلتهم، ومكثوا هنا ليقوم بالإعتناء بها والإهتمام بها وتلبية كل رغباتها. تحدثت شقيقته كيان معاتبة له: _يومين مش أشوفك فيهم يا أبيه! ليه؟ _ما هو لو حضرتك تشيلي المسؤولية شوية وتطلعي على الشركة كنتي هتشوفيني، إنما الآنسة مش فاضية من النوادي والحفلات. أعادت خصلاتها إلى

الخلف متحدثة بغرور مفتعل: _أعمل إيه يعني... دعوات كتير بتجيني ومينفعش أرفضهم كلهم لإن ااطبقة المخملية بين النساء تحدي يا أبيه. رمقه بجدية متحدثًا بتنبيه: _وأنتِ غير النساء يا كيان. حضورك لحفلة أحدهم ده يعني بتديه مقام أكبر منه. قولتلك أنتِ ليكِ حفلات أصدقائك المقربين وحفلات الأعمال غير كده لا، مش ناقصين تلزيق من رجال وسيدات الأعمال. قبلته من وجنته بقوة مردفة بعد أن استشعرت ضيقه:

_حاضر يا أبيه، هعمل اللي أنت عايزه، بس النوادي براحتي فيها. تنهد مرددًا: _براحتك، بس مش عايز أعرف إن اتحدد ليا لقاء مع سيدة أعمال من طرفك. ضحكت بخفة. وهي من كانت تستغلها سيدات الأعمال للتقرب من أخيها أو إبرام صفقة معه. لتقترب منهما خادمة وهي تقول باحترام: _السيد هشام والسيد بيجاد وصلوا. _هشام رجع؟ _وبالنسبة لبيجاد إيه؟ كيس بطاطا. ضحكت كيان وركضت إليه تعانقه. ليستقبل عناقها بضحكات وهو يدور بها.

ثم أوقفها وناولها علبة حلوى مرددًا: _أحلى حلويات لعيونك. صفقت بمرح وأخذتها منه وهى تشكره: _شكرا يا سيادة الرائد. ل يأتيها صوت هشام الضجر: _خلصتوا؟ ضحكت كيان واتجهت له تعانقه. ليربت هشام على رأسها ثم أهداها هدية مرددًا: _اتفضلي. لكل هذا تحت أنظار ذلك الذئب الذي ينظر لهم بهدوء. فهذا بيجاد ابن عمه وصديقهما هشام الذي تعرفا عليه منذ سنوات كثيرة. اقترب منه بيجاد يهم لمعانقته مرددًا: _أخبارك إيه يا ذئب؟

أوقفه بعيدًا عنه مرددًا: _كويس من بعيد. عملت إيه في الشغل يا هشام؟ تشنج وجه بيجاد وقال بينما يتجه للجلوس بجانب كيان: _تبًا لك ولأمثالك. ضحكت كيان بخفوت. بينما قال هشام بجدية: _بعتلك إيميل بكل الشغل اللي محتاجك، أما الباقي خلصت منه. _بقولك يا ريان.... دارت عيناه ببطء نحو بيجاد الذي ابتسم باستفزاز مرددًا: _لا خلاص غيرت رأيي. أنا لا أتحدث مع أمثالك، دودة عمل حقيرة. شرقت كيان في ما تأكله من شدة ضحكها وهي تعلم ما الآتِ.

وهو صياح بيجاد يطلب المساعدة من هشام على أن يخلصه من ريان الذي يكاد يخرج بروحه بينما يضع سكين فاكهة على رقبته. طبيب ماهر في التشريح سيكون أبسط شيء يقوم به هو شق حنجرته. ورجل أعمال شهير مالك لأكبر الشركات عالميًا سيسهل عليه تخبأة جثته دون عناء فالمال... يغطي عفن الجثث! بعد وقت طويل تسامروا فيه معًا، نهض بيجاد وهشام بعد ذهاب كيان إلى النوم. يعيشان معًا في فيلا واحدة فكليهما بعيد عن عائلته أيضًا. تحدث هشام بهدوء شديد:

_ارتاح اليومين دول وأنا ههتم بالشركة، وكمان بيجاد. نفى ريان برأسه متحدثًا بغموض: _لسه وقت الراحة، في شغل لازم أخلصه. نظر له بيجاد يحاول معرفة ما يدور بذهن الآخر من معالم وجهه. ليرمقه ريان بنظرة باهتة وهو يريح ظهره على المقعد، متحدثًا: _خلصت؟ مهارات شغلك مش عليا. تحدث بيجاد مقلدًا إياه بسخرية: _مهارات شغلك مش عليا.... أمال على أمي؟ ما هي على أمثالك من المخادعين. _امشي يا بيجاد مش ناقص. تحدث بيجاد بينما

يدفع هشام بخفة أمامه: _يلا يلا يا هشام علشان لو قعدت أكتر من كده هرتكب جناية هنا... مغرور. تحدث ريان بثقة معتاد عليها مرددًا ببرود: _عارف. قال هشام بجدية: _خلاص هستناك بكرة ونشوف ناوي على إيه يا ذئب. لمعت أعين ريان بمكر: _على كل خير. ثم نظر إلى بيجاد مكملًا بجدية: _وأنت كمان عايزك موجود معاه علشان محتاجك. أومأ له بيجاد بهدوء ثم انصرفا. لينهض ريان متجهًا إلى غرفته. وقبل أن يدلف إليها مرّ على شقيقته ليجدها نائمة.

ابتسم وتقدم منها وقام بدثرها جيدًا بالفراش لبرودة الأجواء قليلًا وقبل رأسها بحنو. ثم ذهب إلى غرفته التي يغلب عليها الطابع الرجولي واللون الأسود الداكن. جلس على فراشه ووضع حاسوبه على قدمه يتطلع إلى إنهاء الأعمال التي أرسلها له هشام قبل نومه. كانت حياتهم تسير بروتين ومشاكل معتادة يتعاملون بها بهدوء وملل، غافلين عن قدر آتٍ يحمل معه حقيبة مليئة بما لم يتوقعوه. ***

انتهى الليل بهدوء واختفى القمر وظهرت الشمس تعلن عن بداية يوم مؤلم لبعض وخوف لبعض وإرهاق لآخر. في حي من أحياء مصر الراقية، في منزل جميل يختبئ خلف جدرانه معاناة عائلة. يجلس بداخله رجل في منتصف عقده الرابع تقريبًا يجلس وهو يعد أموالًا كثيرة أمامه والجشع يلمع بعيناه. وفي أحد غرف المنزل، نجد شابًا في أواخر العشرين من عمره بملامح هادئة جميلة كشخصيته تمامًا. يوقظ شقيقته الصغرى ليذهب إلى مدرستها الثانوية.

_يلا يا بنتي هتتأخري على الشغل. تحدثت بنعاس وصياح لا تتوقف عنه: _أنا تعبت من الثانوية يا إياد، خرجني منها وأنقذ أختك. ضحك إياد ومسح على شعرها المشعث بسبب النوم: _آخر سنة يا حبيبتي، يلا علشان أوصلك. نظرت له شقيقته الأخرى وهي تضيق عينيها الجميلتان: _وبعدين يا إياد هتفضل تدلعها لحد امتى؟ نظر لها إياد واردف مبتسمًا بحنان: _الأميرات حقهن الدلال، وأنتن أميرات. تحدثت الشقيقة الثالثة ضاحكة: _آه، اتكلم فصحى يعني هيثبتنا.

ضحكن معًا. لينظر لهن إياد مردفًا بغيظ: _لا بقولكم إيه... مش فاضي للدلع ده، يلا يا بت أنتِ قومي علشان ثانويتك، وأنتوا هجبلكم الفطار اتهدوا بقى. ضحكن على شقيقهن الأكبر وأبيهم أيضًا. فهو من عوضهم عن حنان الأب بدلًا من ذلك الرجل الذي لا يهمه شئ سوى المال ومعاملته السيئة لهم بعد موت والدته. نهضت شقيقتهم الصغرى أريب وقبلت وجنة شقيقاتها وشقيقها ودلفت إلى المرحاض حتى تجهز لمدرستها.

أما إياد فذهب ليعد الفطار لأختيه المريضتين ولا يستطيعان السير. انتهوا من طعامهم وذهبت أريب إلى مدرستها. وجلس إياد قليلًا مع آية وحوراء ثم ذهب إلى العمل مع تنبيهاته بأنهما إذا احتاجتا شيئًا يتصلان به على الفور. غادر وقلبه منقبض لا يعرف السبب. هو دائمًا يذهب إلى العمل ويقلق على إخوته ولكن هذه المرة غير. هذه المرة يشعر بألم في قلبه. طمأن نفسه قليلًا وقال الآية التي طمأنته بعض الشيء:

"قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ". بعد ما غادر أخيهم جلستا يتحدثان سويًا وبداخل قلب كل منهما قلق أخفته عن أختها. وبعد نصف ساعة دخل عليهما والدهما، ذلك الرجل البغيض والجشع متحدثًا بصرامة: _حوراء، البسي حجابك يلا خارجين. دق قلب كل من حوراء وآية بالقلق والخوف. وكانت آية تكاد تبكي بسبب خوفها على أختها. ليقاطع تفكيرهما صوته الغليظ:

_يلا متتأخريش. وخرج من الغرفة. لتقول آية بقلق وخوف: _هيكون عايزك في إيه يا حوراء، أكيد ناوي على حاجة وأنا مش مطمنة. حوراء بخوف هي الأخرى وبرغم شعورها السيء ولكن طمأنت نفسها أنه والدها ولن يفعل لها شيئًا. وأردفت بثبات كاذب: _متخافيش أكيد عايزني في حاجة. قاطع كلامهما صوت امرأة كبيرة في السن دائمًا تأتيهم وتطمئن عليهم. أحبوها كثيرًا ويتخذونها مثل والدتهم التي حرموا منها. اقتربت المرأة من حوراء وهي تنظر لها بقلق.

وهي على علم بجشع وتعامل والدهم السيء معهم: _متعرفيش أبوكِ هيوديكِ فين يابنتي؟ هزت حوراء رأسها نافية وطمأنتها أنه لا بأس ورُبما هناك شيء ما يحتاجه والدها فيه. فساعدتها المرأة في تبديل ملابسها وهي تدعو الله بأن يحميها. وبعد دقائق دخل إليهم والدهم وهو يقول لكي لا يشك به أحد متحدثًا بحنان زائف: _متخافيش يابنتي أنا هوديكِ لمركز علاج طبيعي كويس شوفته من فترة علشان تتحسني شوية وتقدرى تمشي على رجلك من تاني. وهنا زاد قلقهم.

فمنذ متى وهو يعاملها بحنية أو يقول لها ابنتي؟ بل منذ متى وهو يصرف شيئًا عليهم. منذ متى وهو يهتم لمرضهم حتى؟ طمأنتها أمينة تلك المرأة الحنونة أنه والدها ولن يفعل لها شيئًا. وأخبرتها أنه من الممكن أن الله قد هداه وندم على أفعاله ويحاول إصلاحها. ولكن كل هذا لم يطمئن قلب تلك التي تتآكل خوفًا على أختها. بعد قليل من الوقت أخذها والدها وغادر بها تحت بكاء آية خوفًا عليها. أما حوراء لم تنزل دمعة واحدة منها رغم خوفها الكبير.

بعد بكاء ونحيب من آية وأمينة حتى انتفضت آية كأنها تتذكر شيئًا وأردفت وهى تقول بصوت مختنق بسبب البكاء: _إياد... إياد لازم يعرف، أنا مش مطمنة. وأخذت هاتفها وهاتفت أخاها الذي لم ينتبه على رنين هاتفه. مرة بعد مرة حتى أكملت العشر مرات وهي تكرر الاتصال به. وأخيرًا لاحظ هاتفه الذي كان يضيء برنين من أخته وهو في وضع صامت. كاد أن يرد ألا إن الاتصال انتهى. فصدم بشدة من كم الاتصالات ودق باب قلبه الخوف والذعر على إخوته.

ل يعاود الاتصال بها وأردف بخوف عندما سمع بكائها: _آية حصل إيه.... في إيه حصل حاجة؟ ولكن لم يأتيه رد. فأردف مسرعًا وهو يلملم أشياءه: _اهدي، أنا جاي دلوقتي. وأغلق هاتفه واتجه نحو منزله الذي يبعد عن مكان عمله ربع ساعة على الأقل. فهو اختار عمل قريب من منزله حتى يساعد إخوته إذا احتاجوا شيئًا. وصل إلى المنزل ودلف بسرعة والقلق يأكله. دلف إلى الغرفة بسرعة وهو ينظر لأخته الباكية ووالدته الروحية أمينة تبكي بقوة. ولكن مهلًا....

أين حوراء؟ تقدم من آية ببطء وهو يقول: _حصل إيه يا آية، وفين حوراء، حصلها حاجة؟ انطقي هي فين؟ تحدث بانفعال وصوت مرتفع وقلبه يكاد يتوقف برعب على شقيقته. لتتحدث أمينة وقصت عليه ما حدث وعن مخاوفهم. ليردد إياد بصوت منخفض قلق: _ومن امتى كان بيهتم بأمركم يا حوراء علشان تصدقييه وتروحي معاه؟ ثم نظر إلى أمينة التي تحاول تهدأة آية وسألها: _مذكرش اسم المركز للعلاج الطبيعي إيه أو فين؟

هزت رأسها نافية، قائلة بأنه أخبرها أنه سوف يأخذها إلى مركز للعلاج الطبيعي فقط دون ذكر شيء آخر. غادر المنزل كالمجنون لا يعرف من أين يبدأ. أخذ يتجول في الطرقات واحدة تلو الأخرى لعله يجد شيئًا يدله على طريقه ولكن دون جدوى. أما عند حوراء فكانت جالسة بجوار والدها في سيارة أجرة وقلبها ينبض بخوف وتوجس من القادم. توقف السائق في مكان ما هي لم تتعرف عليه ولكن يوجد عمارات يظهر عليها مرور الزمن.

هبط والدها من السيارة ينظر حوله وكأنه ينتظر أحدًا ما. وما هي إلا لحظات حتى وظهر شرطي وقف أمام والدها وبدآ في الحديث في شيء ما ولكن لم تسمعه لبعدهما عنها. عند والدها كان يتحدث مع الضابط بجشع: _تمام أنا جبتها هنا، فين الحلاوة بقى؟ تحدث الضابط بابتسامة مقززة وأسنان صفراء قذرة ك نواياه: _مش لما أشوف البضاعة الأول!

وهنا رأت والدها يشير عليها وذلك الحقير ينظر إليها بنظرات شهوانية قذرة لم تفهم نظراته لبراءتها ولكنها لم ترتح له إطلاقًا. أما السائق ففهم نظرة ذلك الوغد الذي يستغل عمله لكي يفعل أشياء قذرة. فنظر إلى تلك التي تجلس في الخلف وهي تنظر لهم بخوف ونظر إلى ثيابها وحجابها فعلم أنهما أتيا بها هنا دون علم منها لأي شيء. فأردف بصوت رجولي خشن: _هو مين الشخص اللي كان معاكِ ده يا بنتي؟ نظرت له وابتلعت لعابها بتوتر واضح قبل أن تجيبه:

_ده يبقى بابا يا عمو. نظر لها بصدمة وإشفاق. ففهم أن والدها يريد بيعها إلى ذلك الحقير. فأردف بنبرة لم تفهمها ولكن أسرت الرعب في قلبها: _خلي بالك من نفسك يا بنتي، أوعى تضعفي للحظة واحدة، خليكي قوية علشان متكونيش فريسة للديابة (الذئاب) اللي بتاكل في لحم بعضها. نظرت له بعدم فهم واردفت بخفوت: _قصدك إيه يا عمو؟

كاد أن يتحدث ألا إنه وجد ذلك الذي يدعى والدها وذلك الوغد الآخر الذي يخبئ قذاراته خلف هذا الرداء الذي لا يستحق أن يرتديه سوى الأناس الشريفين المعاهدين على حماية وطنهم وشعب وطنهم لا أن ينتهكوا شرفهم وعرضهم. دق الرعب بابها عندما وجدت والدها وذلك الضابط أو الحقير يتقدمان نحوها وهي لا تفهم نظراتهما. فتح والدها الباب وحملها وأمر السائق بالرحيل.

فرحل السائق وهو حزين على تلك الفتاة ولكن ليس بيده حيلة فإن تكلم أو فعل شيئًا ما فبالتأكيد سوف يستخدم ذلك الحقير منصبه لكي يدمره وهو لديه أبناؤه وكما يقولون مجبر أخاك لا مخير. _هتوديني فين يا بابا؟ أردفت بصوت مهزوز قليلًا من الخوف. لم يرد عليها بل أعطاها إلى ذلك الحقير وهو يحملها عنه وينظر لها بنظرات شهوانية قذرة. _متخافيش يا قطة أنا ههتم بيكِ.

نظرت إلى والدها الذي يعد المال الذي بيده بجشع واضح في عينيه بخوف وعيناها شاخصة بذعر بينما قلبها ينبض بقوة. نظر والدها إلى ذلك الحقير وأردف بجشع وضحك: _كدا تمام، الفلوس كاملة، اعتبرها ليك من اللحظة دي واعمل فيها اللي أنت عايزه. ثم نظر نظرة أخيرة على تلك التي تقبع بين يدي ذلك الوغد وهي تنظر له بصدمة ورحل دون كلمة أخرى. أخذت تصرخ بخوف وهي تحاول الابتعاد عن ذلك الذي يحملها بطريقة مقززة: _متسبنيش يا بابا.....

بالله عليك يا بابا خدني معاك.... ابعد عني شيل إيدك دي.... يا بابا. أما ما زالت تناديه بوالدها؟ ذلك الرجل الذي باعها للتو وتمام ناظريها تناديه بوالدها! نظر لها الآخر وأردف بصوت قبيح: _تؤ تؤ تؤ، اهدي كده علشان متتعبيش بسرعة مني. ثم ضحك بقذارة واتجه بها إلى أحد العمارات تحت مقاومتها الشديدة وهي تتذكر حديث ذلك الرجل.

_خلي بالك من نفسك كويس يابنتي، أوعى تضعفي للحظة واحدة، خليكي قوية علشان متكونيش فريسة للديابة اللي بتاكل في لحم بعضها. فهمت الآن مقصده، فهمت إلى ماذا كان يلمح، لكن لماذا لم يأخذها بعيدًا عنهم عندما علم ما يفكرون به؟ أم أنه مشترك معهم ولكن إن كان مشتركًا معهم لم سيقول هذا الكلام لها بالأساس؟ دلف بها إلى أحد الغرف وألقاها على الفراش بقوة آلمتها وخرجت بعض الخصل الفحمية من حجابها رغم عنها. نظرت له برعب وهو يقوم بخلع

سترته ويقول بصوت مقزز: _مع إنك مش بتمشي بس جميلة، مش خسارة الفلوس اللي دفعتها فيكي، مع إن أبوكِ طمع شوية في الفلوس بس معلش. واقترب منها تحت صرخاتها التي تتوسله فيها أن يبتعد عنها وهي تقاومه بكل ما أوتيت من قوة. شهقت بقوة وخوف وهي تراه يمزق أحد أكتاف ملابسها ويظهر منه جسدها. أخذت تنظر حولها لترى شيئًا ما يساعدها في التخلص منه. وقعت نظرها على تلك المزهرية التي بجانب الفراش.

أمسكت بها ورفعت يدها وهبطت بها على رأسه بكل ما أوتيت من قوة. ابتعد عنها بوجه متألم وهو يمسك مؤخرة رأسه. ونظر إلى يده وجدها مليئة بالدماء. ثواني ووقع مغشيًا عليه. أما هي في حالة يرثى لها. كانت تنظر إلى يدها التي تحمل بقايا المزهرية التي تحطمت على رأس ذلك الوغد تارة. وتنظر إلى جسده الملقى على الأرض تارة. وإلى الدماء التي تخرج من رأسه تارة أخرى. حدث كل هذا ولم تنزل من عينها دمعة قطر ولم تلمع بالدموع حتى.

لطالما لم ير أحد دموعها إلا شخص واحد كان الأمان لها، أخاها وفقط. تداركت نفسها بسرعة وهبطت من الفراش وهي تتحامل على يدها وتسير زحفًا على الأرض حتى وصلت إلى الباب. رفعت جسدها قليلًا من على الأرض حتى تصل إلى المقبض. أمسكت بالمقبض بيد مرتعشة وفتحت الباب وخرجت من الغرفة بسرعة لعلها تنجو. حمدت الله أنه لا سلالم هنا وإلّا كانت لتكون معضلة حقًا. نظرت حولها لعلّ شخصًا ما يساعدها. وجدت فتاة ما مارّة وطلبت منها المساعدة.

ساعدتها الفتاة وأسندتها حتى وصلت إلى الطريق العام فشكرتها حوراء بشدة ورحلت الفتاة تاركة حوراء تنظر حولها بخوف ورهبة وهي تدعو الله بأن يقويها وينجيها من هذه المحنة. نظرت خلفها وشهقت بقوة ما إن رأته يقترب وهو يضغط على جرحه ويترنح بالمشي وينظر لها نظرات متوعدة ومليئة بالغضب والسخط. حاولت النهوض ولكن كل مرة تسقط. حاولت للمرة الثانية والثالثة، وباءت كل محاولاتها بالفشل الشنيع.

ولكنها لم تيأس بل حاولت مرة أخرى وهي تصرخ بكل قوة حتى وقفت ولكن تترنح قليلًا لأن لا أحد يساعدها أو يساندها. كانت تركض بضعف وكادت أن تقع عدة مرات ولكن تمالكت نفسها فإن ضعفت الآن ستندم طيلة حياتها. نظرت خلفها وجدته يقترب منها، لتركض بوهن بأقصى سرعة تملكها بعيدًا عنه. تركض ومعالم الذعر تحتل ملامحها وخائبة الوجدان. وبين كل فينة وأخرى تنظر خلفها بخوف. لم تهتم كونها الآن بمنتصف طريق تقطعه السيارات بسرعة مخيفة.

وبينما تنظر خلفها ترقب المسافة التي تقطع بينها وبين شرطي حقير كان هناك قدر تجهله يقترب منها. يجلس داخل سيارته السوداء وخلفه سيارة من الحرس الخاص به. وكان السائق يقود دون توقع أي شيء سيء بينما في المقعد الخلفي يتحدث مع شقيقته يعدها بالوصول القريب. فجأة سقط هاتفه تزامنًا مع ارتفاع صوت احتكاك إطارات السيارة مع صوت ارتطام شيء ما بالسيارة. نظر بحدة إلى السائق قائلًا: _إيه اللي حصل ده؟ أنت ازاي تسوق بالطريقة دي؟

_والله يا باشا أنا بسوق عادي بس فجأة ظهرت قدامي وشكلي خبطتها. تحدث السائق برعب وقلب ينبض بفزع. لتتسع أعين من بالخلف وهبط بسرعة من سيارته وتوجه إلى مقدمتها ليجد جسدًا هامدًا يفترش الأرض والدماء تتدفق من رأسها. انحنى بجسده يفحص نبضها ليجده ضعيفًا. ثبت رأسها في وضعية جيدة ثم أمر الحرس: _ابعدوا الناس مش عايز ازدحام. زياد هات تليفوني من العربية بسرعة.

تحرك الحرس يوقفون السيارات التي تمر من هذا الجانب من الطريق ويبعدون التحشدات التي تحاول رؤية ما حدث. بينما أسرع هو في فك حجابها ينظر إلى مكان خروج الدماء من رأسها. ل يمسك الطرف الآخر من حجابها وضغط به على رأسها. ثم تأكد من تنفسها ليجده ضعيفًا. تحدث إلى زياد الذي أتى له بهاتفه: _ثم هاتف طاقم الإسعاف وأخبرهم بحالتها وأمرهم بالإسراع في المجيء. فللحظة كانت المشفى قريبة. عاد إليها ليبتعد زياد وقد شحب وجهه من أن تكون ماتت.

وبعد وقت قضاه الآخر في إسعافها أتت سيارة الإسعاف وتوجهوا بها بسرعة إلى المشفى. وبعد وصولهم خلع سترته وارتدى مكانها زيه الطبي ليباشر عمله في إنقاذ فتاة لا يعلم ما الذي ألقاها في طريقه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...