رآها وهى تصطدم بالسيارة فكادت عيناه أن تخرج من مكانها، ليتراجع على الفور ما إن رأى تلك الأجساد الضخمة ثم سيارة الإسعاف التي تحركت بها. بداخله ينتوي على أن يُلقن ذلك العجوز درسًا لن ينساه، وأن يستعيد ماله الذى أنفقه عليها ولم يأخذ منها شيئًا سوى ضربة كادت أن تقتله. هل هذه هي الضعيفة التي أخبرته عنها؟ سيُريه. عاد إلى المنزل وهو فى حالة يرثى لها، لم يجد لها أثرًا. أخذ يدعو الله أن يعود إلى المنزل ويجدها هناك.
فتح الباب بإرهاق يظهر على ملامحه الحزينة، ليجد آية وأريب يحتضنان بعضهما ويبكيان بقوة على شقيقتهما وما حلّ بها، ليبنض قلبه بعنف. نظر إلى الناحية الأخرى ليجد والده يجلس ببرود تام وعلى وجهه ابتسامة مقززة وهو يعد المال الذي في يده. قترب منهما بهدوء وجثى على ركبتيه أمامهما وهو يقول بصوت مرتجف يخشى الجواب: _حوراء رجعت يا آية مش كدا؟ ثم نظر إلى أريب التي لأول مره يراها تبكى هكذا بعد وفاة والدتهم. ارْدَفَ
بصوت مختنق خائف من القادم: _أريب… قوليلي أنتِ فين حوراء؟ ولكن لم يجد ردًا أيضًا. فنهض وهو يشعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف من الخوف على شقيقته وابنته وصديقته أيضًا. توجه إلى ذلك الذى يدعى بوالدهم بعنف واردف بصوت عالى: _فين حوراء؟ أخدتها فين انطق؟ نظر له عبد القادر ورد ببرود وهو يضع المال أمام عينيه: _بعتها وأهو لقيت منها فايدة. توقفت جميع حواسه. وكأن أحدًا ما سكب عليه حديد ذائب فأماته وماتت حواسه معًا.
ماذا يقول هذا الرجل؟ هل باعها؟ باع ابنته وشقيقته؟ هو يعلم أنه لم يحب إخوته أبدًا ولكن لم يتوقع منه هذا الفعل القذر. يريد أن يبكي ويصرخ ويخرج كل ما بداخله. يريد أن يمسك برأس ذلك الذى يقف أمامه ويحطم رأسه. ولكن لم يستطع. لم يريد إغضاب ربه بسبب رجل كهذا. فاق من صدمته على صوت ارتطام قوى وصراخ أريب باسم شقيقته الأخرى. نظر خلفه برعب ليجد آية هامدة على الارض مغشيًا عليها وكأنها تريد الهرب من هذا الواقع الأليم.
اقترب منها برعب وهو يربت على وجنتها بخفه: _آية قومى بالله عليكِ... قومي يا آية ارحمي قلبي... يارب... يارب صبرني وقويني يارب. حمل شقيقته ودلف بها إلى الغرفة ووضعها على الفراش برفق. واحضرت أريب التي كانت تبكى بقوة على أختيها زجاجه عطر. أخذها منها ووضع كمية كبيرة على يده ومررها على أنفها. دقائق حتى أفاقت وصرخت فجأه وهى تدعو الله أن يكون هذا حلمًا، لا بل كابوسًا لا أكثر. نظرت حولها ولم تجدها.
نظرت إلى أريب التي تبكي بصمت ونظرت إلى أخيها الذى يظهر على ملامحه الغضب والحزن والتيه. أردفت بصوت مختنق بغصة بكاء: _حوراء يا إياد... عايزة أختي، شوفها فين بالله عليك. احتضنها إياد وهو يمسح على ظهرها ويهدئها ببعض الكلمات وهو من يحتاج أن يهدأه. وجد أنفاسها هدأت. نظر لها بخوف ليجدها نائمة، فتنهد بقوة ودثرها فى الفراش مرة أخرى ونظر إلى التي تنظر لهما وتبكي في صمت مزق قلبه.
فتح ذراعيه فارتمت عليه وبكت كأنها لم تبكى من قبل. تتذكر ضحك أختها ومزاحها. تتذكر حزنها الذي تخفيه دائمًا عنهم حتى لا يحزنوا. تتذكر عندما كانت تغضب منها بسبب تصرفاتها الطفولية ولكنها لم تجرحها أو تحزنها بل كانت لها أخت وصديقة وأمًا أيضًا. لا تصدق أنها قد تسمع خبر خسارتها إلى الأبد. أما هو فيحتضن أخته الصغرى ويمسح على شعرها القصير بحنان وعقله شارد. اين هي؟ ماذا تفعل؟ أهي بخير؟ عند هذه النقطة ولم يستطع التحمل أكثر.
ابتعد عن أريب بهدوء واردف بعزم: _خليكى مع أختك هنا وأنا هبعتلكم ماما أمينة تقعد معاكم أنا هروح أدور على حوراء. أومأت له بهدوء وهى تدعو أن يجد أختها. ذهب بعد أن طلب من أمه الروحيه رعاية اخوته حتى رجوعه والخوف ينهش قلبه ويمزق روحه. أخذ يركض في الطرقات والشوارع وكل مكان بعيد ومل مفترق قريب وهو يسأل عنها المارين وهو يريهم صورتها في هاتفه ولكن كل محاولاته باءت بالفشل. أخذ يبحث كثيرًا ولكن دون فائدة.
شعر بثقل على قلبه يريد الصراخ. ذهب إلى مكان عالٍ خالي من الناس أعلى جبل أمامه منحدر كبير شاهق الإرتفاع. صرخ بكل ما أوتي من صوت، صرخ صرخه تمزق القلب، صرخة تحمل آلام وقهر روحه. بكى كطفل صغير فقد ملجأه وأمانه. بكى كطفل سمع صوت والدته المتوفاة. أخذ يناجي ربه وهو يبكي ويصرخ. يشعر بالخوف بأكله، فهي ليس لها أحد غيره. هي من تلجأ إليه عندما تكون تريد البكاء والبوح بحزنها.
يعلم أنها لا تستطيع البكاء أمام أي شخص سواه هو وربه، حتى إذا كانت تريد البكاء وشقيقتيها بجوارها لا تهبط دموعها بغير إرادة منها، فهي تريد البكاء ولكن لا تستطيع عندما يكون هناك شخص بجوارها سواه. خرجت منه شهقات متألمة، شعر أن قلبه قد انفطر قلبه إلى نصفين. وكأنه هو من ليس في منزله وبين عائلته، وكأنه هو مكانها في العالم الخارجي يحارب وهو خالي الدفاع والقوة. ولكن عليه أن يصمد ويصبح قويًا.
ليس لأجله بل لأجل شقيقتيه التي تنتظران عودته بشقيقتهما. ولأجل تلك التي لا يعلم أين هي أو ما الذي تواجهه. خرج من غرفة العمليات وهو يتنهد براحة. وجد هاتفه يعلن عن مكالمة ما. عرف على الفور من المتصل، ليتنهد بقوة ورد على الإتصال ووضع الهاتف على أذنه، ليصله صوتها المتذمر على الفور: _مكنتش أعرف إن طريق المستشفى بعد كدا. تحدث بهدوء بينما ينظر إلى تلك التي يخرجوها من الغرفة غافية على الفراش الطبي:
_حصل اللي حصل يا كياني واضطريت أرجع للمستشفى، ممكن أتأخر شوية. وبعد حديث قصير اتجه إلى مكتبه وهو يضع رأسه بين كفيه، يتذكر عدد المرات التي كاد أن يتوقف بها قلبها. علم أنها مستسلمة تمامًا للموت. ولكن ما أثار فضوله هو لمَ كانت هيأتها بذلك الشكل؟ وشغل تفكيره أمر شك به ليأمر بإجراء التحاليل اللازمة لها ليتأكد منها. سمع صوت الباب وهو يفتح بقوة ودون استئذان.
لم يرفع رأسه لعلمه بهوية ذلك الاحمق الذي لطالما هذه طريقته في الدخول. يبدو أن عمله ومهامه التي تلزمه على اقتحام أماكن ربما ترك أثرًا به. اقترب منه بيجاد بقلق وهو يرى صديقه بهذه الحالة وتراجع عن إثارة غيظه: _ريان مالك؟ أجابه ريان وما زال وجهه بين كفيه: _مرهق مش أكتر، بس دا مش هيمنعني من إني أخلص منك لو مبطلتش طريقتك الهمجية في الدخول دي. تحدث بيجاد بمرح يحاول التهوين على صديقه:
_هو الذئب وقع وفي واحدة بقت تشغل باله ولا أي؟ _مين دا اللى وقع؟ أتاهم صوته الرجولى وهو ينظر لهما بتساؤل. ليسحبه بيجاد إلى جواره ووضع يده على كتفه قائلًا: _صاحبك وقع ومحدش سمى عليه يا هشام. نظر له هشام بسخرية قبل أن يبتعد عنه واقترب من ريان متحدثًا: _قولتلك بلاش شغل اليومين دول، مش شايف شكلك عامل ازاي؟ رفع ريان عيناه إلى صديقه بإرهاق وعقل مليء بالأفكار: _مليش يا هشام إرهاق بس سيبك من المتخلف دا.
كاد بيجاد أن يتحدث ليقاطهه صوت كرقات على الباب ثم دخول ممرض ومعه بعض الأوراق التي قدمها إلى ريان قائلًا: _التحاليل ظهرت يا دكتور. أماء له ريان وانصرف الممرض، بينما انتفض بيجاد وهشام خوفًا على صديقهما: _تحاليل إيه دي يا ريان؟ أنت كويس؟ أردف بها هشام وبيجاد معًا بقلق، ليتحدث ريان بهدوء مطمئنًا لهما: _متقلقوش، دي تحاليل مريضة النهاردة ظهرت قدام الغربية وزياد نوقفش العربية في الوقت المناسب. تحدث هشام وقد هدأ مستعيدًا
جموده: _وهي حالتها إيه دلوقتي؟ أجابه ريان متنهدًا: _هي كويسة حاليًا بس أنا شكيت في حاجة علشان كدا عملت لها التحاليل دي علشان اتأكد. صمت ثلاثتهم بينما ريان نظر إلى نتيجة التحاليل الطبية، ليزفر بقوة مع تساؤل بيجاد: _خير؟ _للأسف عندها مرض يمنعها عن المشي. _إزاي؟ مش هي كانت بتمشي لما خبطها زياد؟ _ممكن يكون المرض لسه متمكنش منها، ولو متعالجتش فهي حتمًا هتفقد قدرتها على المشي. أردف هشام وهو ينظر إلى صديقه متوجسًا:
_وأنت هتعمل إيه؟ _مش عارف. _هو إيه اللي مش عارف، فوق لنفسك. أردف بها هشام بغضب وهو يرى صديقه لأول مرة مترددًا في فعل شيء، وكأن احدهم أيقظه من هذه الحالة، لينظر إلى هشام مرددًا: _مفيش يا هشام، هروح أشوف حالتها مستقرة ولا لا وبعدين نمشي. ولم ينتظر ردهما وغادر على الفور، ليتطلها إلى أثره وقال بيجاد مستنكرًا: _ماله دا؟ دلف ريان إلى غرفتها ليجدها ما زالت نائمة بسبب المخدر.
اقترب منها وهو يفحص نبضات قلبها ليجدها منتظمه وتنفسها أيضًا. تنهد براحة وكاد أن يرحل ألا إن عيناه سقطت على ملامحها الهادئة و... الساحرة. فاق من شروده وهو يعنف نفسه بشدة وكاد أن يرحل ليتوقف مجددًا ما إن سمع صوتها وهي تئن بخفوت. اقترب منها وجدها تفتح عينيها بهدوء وتغلقها مرة أخرى وظلت على هذا الوضع حتى اعتادت على إضاءة الغرفة. وضعت يدها على رأسها مكان الجرح وهى تئن بألم.
نظرت حولها باستغراب فهذه ليست غرفتها أو منزلها حتى. نظرت بجانبها لتجد رجلًا ما ينظر إليها بترقب. أغمضت عينيها وهى تتذكر الأحداث التي مرت بها من أول بيع أبيها لها لذلك الشرطي الحقير الذي حاول انتهاك شرفها إلى هروبها منه إلى اصطدامها بشئ قوي وبعدها لم تشعر بشيء. شهقة قوية أخرجت بها نفسها من الذكريات، وبحالة صدمة كانت تصرخ باسم أخيها، وتبكي بدون دموع. دلف بيجاد وهشام وأحد الممرضين إلى الغرفة عندما سمعوا صوت صراخ.
وقفوا مكانهم عندما رأوا فتاة تصرخ وريان الذي توقع حالتها يحاول تهدئتها. تحدث ريان يوجه حديثه إلى الممرض: _مخدر بسرعة. أحضر الممرض إبرة مهدأة ولكن لم يستطع إعطائها لها بسبب تحركها الهيستيري. أحاط بها ريان بذراعيه بقوة يثبتها بحسدها. اقترب الممرض سريعًا وأعطاها الإبرة ودقائق وبدأ صراخها يخفت. عدلها على الفراش مرة أخرى ما إن غفت وأمر الممرض بالخروج ونظر إلى بيجاد وهشام الذان ينظران له بتساؤل. نظر لهم بمعنى "اتبعوني".
وخرج. ذهب وراءه صديقيه ودلفوا إلى المكتب خلفه. ليجدوه يجلس وهو يضغط على أعلى جسر أنفه. اقتربوا منه وربتوا على كتفه. رفع نظره لهما وهو يبتسم بإرهاق. تحدث هشام مهونًا على صديقه: _متقلقش هتبقى كويسة. أماء له ريان بهدوء. أما بيجاد فاكتفى بنظراته إلى صديقه المتفحصة. هو لم يتجاهل قلقه وخوفه الذي ظهر في عينيه عند صراخها. فهم ريان نظرات صديقه ولم يتحدث.
غادر ثلاثتهم إلى القصر فـريان يريد الإطمئنان على أخته وهشام وبيجاد يريدان الإطمئنان على صديقهما. جلسوا في القصر معًا بين مرح كيان وبيجاد وغيظ هشام منهما ومن تصرفاتهما الطفولية. أما ريان فكان يكتفي بالمشاهدة، وعقله لا زال شاردًا في تلك الفتاة وملامحها وصراخها. ولكن ما جعله يستغرب أنها لم تبكي أو تهبط دموع من عينيها. فأي فتاة في حالتها هذه تهبط دموعها بغير إرادة منها وهذا ما جعله يشعر بالفضول أكثر اتجاهها.
أما بيجاد فكان يمرح مع كيان ويثير غضب هشام ولكنه لم يغفل عن ذلك الشارد ونظرة التيه التي تحتل عينيه. فطبيعة عمله علمته كيف يأخذ باله من كل شيء حوله صغيرًا كان أو كبيرًا. نهض بيجاد متحدثًا بهدوء: _ريان، هشام تعالوا. أماء ريان. أما هشام فنظر لهما بتفحص ولكنه أماء بهدوء. لتردف كيان بمرح: _أنا هروح أكلم صاحبتي. ابتسم لها ثلاثتهم ثم وذهبوا إلى المكتب، ودلف ريان وهو يعلم ماذا سيسأله صديقه.
جلس بيجاد أمام ريان وهشام بجانبه على الناحية الأخرى. بيجاد وهشام ينظران إلى أعين ريان التي تطالعهما ببرود: _اتكلم، سامعينك. _عايزني أقول إيه بالظبط؟ بروده جعل بيجاد يتحدث ببرود أشد وهو يضع قدمًا على الأخرى: _مع إني عارف إنك فاهم بس هكمل معاك للآخر. أولًا ليه هي؟
كلنا عارفين كويس إنك مش بتقصر في حالات المرضى اللي عندك بس أنت بتنفذ العملية وبتنقذ الشخص بعد كدا بتسلم حالته لدكتور غيرك يتابع معاه، ليه البنت دي مسلمتش حالتها لدكتور غيرك؟ ثانيًا يا دكتور ولا أقولك يا ذئب… من امتى والنظرة دي بتبقى في عينيك لحد تاني غير أختك أو واحد فينا لو كنا في خطر مثلًا؟ دا إحنا اتطورنا وبقينا نعرف نقلق. كان هشام يتابع حديث بيجاد بهدوء وهو ينظر إلى ريان تارة وإلى بيجاد الذي ينظر إلى ريان ببرود.
فهو لا يتكلم بهذه الجدية إلا إذا كان هناك شيء بالغ الأهمية. الجانب الجدي من بيجاد لا يظهر إلا في أوقات نادرة وهذا ما يميزه. قاطع شروده حديث ريان بجمود: _أولًا مسلمتش حالتها لدكتور غيري لإن يعتبر أنا السبب في حالتها، أما ثانيًا يا سيادة الرائد النظرات اللي أنت بتقول عليها دي فكل دا خرافات أنا مش بعترف بيها، النظرات كلها واحدة. تبادلا النظرات ليهز بيجاد كتفه قائلًا: _وماله، الأيام تأكد لنا. تحدث
هشام هذه المرة بحدة خفيفة: _خلاص؟ خلصتوا من موضوع البنت دي اللي ليها كام ساعة بس نعرفها أو شفناها بس؟ مش عارف ليه مدينها أكبر من حجمها، مريضة وهتروح لحالها بلاش شغل الأفلام ده. ثم نظر إلى ريان مكملًا: _أنا هروح الشركة هستناك عشان الصفقة الجاية لازم توقعها. نظر إليه ريان مردفًا ببرود: _أكيد. نهض بيجاد قائلًا: _جاي معاك يا هشام، كدا كدا مفيش حاجة أعملها. يقول ريان بينما ينظر إلى ساعة يده:
_تمام هنتقابل هناك، أنا نص ساعة وهكون هناك. أماء له هشام وبيجاد ورحلا، أما ريان فأخذ عقله يفكر في كلام صديقه. هو لم يكذب عليه في رده لأنه لا يخاف من أحد ولكن لم يعطه الجواب الكامل. ليأخذ مفاتيح سيارته وخرج قاصدًا المشفى مرة أخرى. أما كيان بعد أن صعدت إلى غرفتها، أخذت هاتفها واتصلت على ابنة عمها وصديقتها المقربة أيضًا. صرخت بحماس وهي تتحدث معها: _وحشتيني أوي يا ليلي. أتاها صوتها الضاحك على صديقتها من الناحية الأخرى:
_وأنتِ كمان يا كيان، وبعدين عايزة أعرف امتى هتبطلي الصوت العالي ده. تحدثت كيان ضاحكة: _عيب عليكي مبقاش كيان لو صوتي مسمعش القصر كله. أردفت الأخرى بلغة والدتها الروسية: _كيف حالك أنتِ وريان؟ _دايماً بيسأل عليكِ وعلى الأفعى توأمك. أردفت ليان (ابنة عم كيان وريان) بضحك: _رد فعله مش هيعجبك لو سمعك. كيان بغرور مصطنع: _ميقدرش يعمل حاجة، متنسيش أنا كيان أخت ريان الذئب. لتقول ليان ساخرة:
_نفسي أعرف ثقتك دي بتروح فين، لما بتقفي قدامه بيبقى هاين عليكي تموتي نفسك عياط. تحدثت كيان بغيظ: _لأنه أفعى حقيرة وإيدها طويلة. أخيرًا عاد إلى المنزل ووجهه حزين وقلبه منفطر. دلف إلى المنزل وهو يشعر باختناق أنفاسه داخل صدره. كان دائمًا يدلف إلى المنزل يستمع إلى صوت ضحكاتها دائمًا عندما تراه. وجد والده يجلس بكل أريحيه على الأريكة التي في الصالة وهو يشاهد التلفاز. _أنت إزاي كدا حرام عليك اللي عملته ده، أنت مش بتحس؟
دي مش واحدة غريبة عنك دي بنتك من لحمك ودمك، إزاي تبيعها كدا؟ تحدث إياد بغضب شديد وهو يرى عبد القادر ينظر له ويبتسم ببرود استفزه. ليقترب منه وقد قتمت عيناه بغضب وقهر على أخته، تحدث بصوت كفحيح الأفعى: _قولي بعتها لمين وإلا وربي هنسى إنك والدي وهتشوف مني حاجة مش هتعجبك يا والدي. قال آخر حديثه بسخرية كبيرة.
كان عبد القادر ينظر له بخوف بسبب جسده الرياضي وأنه يعلم غضبه جيدًا وكما يقولون احذر شر الحليم إذا غضب ويعلم أيضًا أنه لا يحبه، فمن الممكن أن يدفنه حيًا. فردف كاذبًا: _معرفش مين ومشفتهوش كمان هو قالي عنوان أوصلها عليه وأسيبها وإني هلاقي هناك الفلوس وبس إنما شكله أو هو مين، معرفش. نظر له إياد بعينان تقسم بأنها تخرج شررًا وأردف بصوت وكأنه جاء من الجحيم: _وصلك إزاي؟ انطق. أخذ عبد القادر ينظر حوله بتفكير ثم قال بجمود
كاذب حتى يهرب من أسئلته: _أنت بترفع صوتك عليا؟ دي آخرتها يا ابن رغد؟ تفاقم غضب إياد حتى عمى عيناه ونسيَ أن من أمامه يكون والده. أمسكه من تلابيب قميصه واصبحت عيناه البنية تلمع شرًا وصوت يدب الرعب في قلب كل من يسمعه: _وربي ما أنا راحمك. وكاد أن يضربه ليتوقف على صرخة أمينة التي أعادته لوعيه، بعد أن كان كالمغيب تمامًا من شدة غضبه، عندما سمع كيف باع أخته والذي كان كذبًا، فما الذي سيصيبه إن سمع الحقيقة؟
قالت أمينة بخوف وهي تراه يمسك والده بهذا الشكل: _ابعد عنه يا إياد، سيب أبوك. نفض إياد يده عن والده وهو ينظر له باستحقار ويحمد ربه بأنه لم يفعل شئ يندم عليه لاحقًا. نظر إلى أمينة التي تسحبه إلى داخل غرفة إخوته. رأى آيه وأريب وعلى وجههم علامات الخوف فهما سمعا صوت إياد الغاضب وهذه أول مرة في حياتهما يسمعان هذه النبرة منه.
أغمض إياد عيناه بقوة محاولًا تهدأة نفسه واقترب منهم وضمهم إلى صدره بحنان وعقله يصور له ماذا من الممكن أن يحدث مع أخته. دلف إلى الغرفة التي توجد بها بهدوء وجدها مستيقظه تنظر إلى الأعلى بشرود. تنهد بقوة واقترب منها، بينما شعرت بأن هناك من يتقدم نحوها فاعتدلت على الفور وعدلت من حجابها وهى تنظر له بقلق وخوف. ليردف ريان بهدوء لكي لا يخيفها أكثر: _متخافيش، أنتِ هنا في أمان. نظرت له واردفت بصوت مبحوح: _أنت مين؟ وأنا فين؟
أنا لازم أرجع لبيتي. اقترب منها ريان وجلس على مقعد بجانب الفراش الطبي وقال مهدئًا لها: _أنا الدكتور ريان... ريان الكيلاني وأنتِ في المستشفى بسبب إن الحادث كان في عربيتي للأسف، ممكن أسألك أنا؟ نظرت له قليلًا ثم أماءت برأسها، ليتأمل وجهها ذو الملامح الملائكية، ليتحدث بشرود سارحًا في عيناها التي جذبته وأذهلته، فمُقلتيها نادرة بلونها الأسود اللؤلؤي: _اسمك إيه؟ _حوراء.
كرر اسمها بداخله، إذًا هي اسمٌ على مسمى، اسم مميز وجميل كصاحبته تمامًا. انتبه على نفسه عندما وجد وجنتيه يجمران خجلًا من نظراته. استعاد رباط جأشه وتحدث بجدية: _طيب يا آنسة حوراء ممكن أعرف أنتِ من فين أو مين عيلتك علشان نقدر نتواصل معاهم، وعايز أعرف كمان ليه كنتِ بالحالة اللي ظهرتي بيها قدامي. لم يكن سؤاله الأخير له علاقة بالعمل ولكن فضوله أجبره على السؤال. وبعفوية كانت تتحدث معه بحزن تجلى على ملامحها: _أنا...
أنا حوراء عبد القادر وأنا من وسط البلد. تنهدت ثم أكملت بصوت مختنق كأنها تريد البكاء وهى فعلا تريد ولكن لم تستطع رغمًا عنها: _أنا معايا ثلاث أخوات بنتين وولد، بنت أصغر مني بسنة والبنت التانية أكبر مني بسنتين أما إياد. ابتسمت بحزن عندما تذكرت أخاها مكملة: _إياد دا الأكبر فينا و..... وقصت له كل شيء لا تعلم لماذا، هي ليس من عادتها أن تخبر أحد بحياتها الشخصية ولكن كانت تريد التحدث إلى أحد.
تريد أخاها أن يأخذها في أحضانه حتى تبكي وتخرج كل ما بداخلها. قصت له كل شيء من أول مرضها حتى آخر شيء عندما وجدت جسدها يرتطم بشيء قوي ولم تشعر بشيء بعدها، ولكنها لم تخبره بمرضها النفسي وأنها لا تستطيع البكاء أمام أحد سوى أخيها. أما هو فقد استوحشت عيناه وأصبح لونها قاتمًا وتحولت واختلطت لها الشعيرات الحمراء غضبًا. ضغط على أسنانه بقوة لدرجة برز فكه وقبض على كفه حتى ابيضت.
هو لم ينكر شعوره بشيء يدغدغ داخله لأنها وثقت له وتحدثت معه، ولكن كل ما يدور في ذهنه ويغضبه. كيف لأب أن يفعل هكذا مع أبنائه. يريد الذهاب إليه الآن وقتله وأن يذهب إلى ذلك الشرطي ويقتلع عيناه من مكانهما والكثير من الأفكار السوداوية التي غزت عقله. رفع نظره إليها ليجدها تنظر أمامها بشرود. وللمرة الثانية يتعجب صمودها وعدم انهيارها أو دخولها في حالة بكاء هيستيري. كيف لم تلمع عيناها حتى بالدموع. قطع تفكيره
صوتها المحشرج والمحرج: _عايزة أمشي من هنا. نهض متجهًا إلى الخارج وهو يردف بصوت يحاول أن يظهره طبيعيًا حتى لا يخيفها: _في الوقت الحالي غير مسموح لكِ بالخروج من المستشفى بسبب حالتك. ثم تحدث بصوت منخفض: _وبعد ما تكوني أحسن نشوف موضوع رجوعك لعيلتك ده. تسأله حوراء بعدم فهم: _نعم؟ مش فاهمه. ليقول ريان بجدية: _ولا حاجة، أنتِ هتفضلي في المشفى كمان لحد ما تتعافي تمامًا وبعدها تقدري تخرجي. أماءت له وشكرته بخفوت، ليرحل ريان.
وبعد تأكدت من رحيله وابتعاده عن الغرفة، أعطت لمُقلتيها الإشارة الخضراء وانهمرت دموعها بشده وهي تشق طريقها على وجنتيها. بكت وكأنها لم تبكي منذ سنوات. دعت الله كثيرًا بأن يرجعها إلى إخوتها. ولكن ما لا يصدق أنها دعت له. دعت لوالدها بالهداية، ولمَ لا؟ وهى قلبها لا يستطيع كرهه. بعد وقت. كاد أن يطرق الباب لكي يدخل إليها ورؤيتها إذا كانت بحاجة لشيء ما. ولكن ما أوقفه صوت شهقاتها. هل تبكي وأخيرًا؟
وضع يده على مكان قلبه بدون وعي منه وهو يشعر بضيق لم يعلم سببه. انتظر قليلًا ثم طرق الباب بهدوء. وللحظات واختفى صوت شهقتها تمامًا. لم يعر الأمر اهتمامًا فأتاه صوتها الهادئ تأمره بالدخول. دلف ونظر لها ليقف للحظة مستنكرًا. كيف يعقل هذا؟ بل كيف فعلت هذا؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!