كان الجو في القصر هادئ… هدوء مريب. بس الوحش… خرج. خرج وملامحه سوداء أكتر من الليل نفسه. ركب عربيته السوداء الفارهة، أبوابها تقفلت بخبطة كأنها بتختم على غضب جاي من الجحيم. وراها؟ جيش. جيش من العربيات، كلها حرس مدجج بالسلاح. الشارع نفسه وقف يتفرج… على موكب الرعب. نص ساعة… والوقت بيعدي ببطء. لحد ما وقف قدام مبنى مهجور. عليه تراب سنين، وزجاج مكسور، وشباك بيصرخ من الصدى. نزل، مشيته تقيلة… تقيلة كأنها بتدوس على أعناق.
دخل المخزن، وفي الداخل؟ كان فيه راجل متكتف، بيصرخ. صوت سلاسل بتترنح، وصدى بيخبط في الجدران. لكن أول ما سمع صوت خطوات يزن؟ صوت الحذاء الجلدي الفخم؟ صوت بينقط تهديد؟ "م… م… مين؟! ضحكة طلعت… ضحكة ما تتتوصفش. ضحكة ممكن تتكتب في كتب الرعب. ظهر يزن من الضلمة… وقال بصوته اللي بيشق النفوس: "جح*يمك… بدأ دلوقتي." قرب، عينيه بتلمع شر، بس ماسك نفسه. مش عشان بيرحمه… لا، عشان عايز الكلام.
عايز يعرف مين اللي اتجرأ يبعث حد يهجم على قصره. "سؤال واحد… مين اللي بعتك؟ وجالك قلب تهجم على قصر يزن الصياد؟ أنت فاكرني لعبة؟! الراجل بيتنفض، لسانه مربوط، عينيه بتدمع، لكن صامد. ثواني، يزن غمض عينه بعصبية وفتحها… وهنا شهق الراجل. شهقة قلبه وقع فيها. عيون يزن… بقت سودا تمامًا، كأن جهنم سكنت فيها. وبدأ… ضرب… عن*ف… ركلات وصر*خات… ولا صوت اتنفس حواليهم، الكل ساكت، كلهم عارفين إن اللي بيحصل ده… غضب الوحش.
بعد شوية، ساب الجثة اللي قدامه، كان الراجل مغمي عليه. صرخ: "فوّقوووووووه! رشة مياه باردة، رجّعته من الغيبوبة. قام يبكي، جسمه كله بيرتعش… وهو بيبص ليزن كأنه شاف الموت بعينه. "هقولك… هقولك على كل حاجة… بالله عليك كفاية! سحب يزن كرسي، وقعد قدامه، ابتسامة شيطانية مرسومة على شفايفه: "أنا سامعك…" نروح دلوقتي مكان تاني… أول مرة نزوره. سكن بسيط، جدرانه متهالكة. وسمعنا صوت خناقة… صوت راجل بيزعق جوه المكتب: "يعني إيه طردتها؟!
طفلة! طفلة وبتنام في الشارع؟! أنت مجنون؟! راجل أصلع، صاحب السكن، بيرد وهو بينفخ سيجارته: "اتأخرت في الإيجار… وإحنا مش دار أيتام هنا! "دي كانت لوحدها يا كلب! دي أضعف من إنها تقاوم ذبابة، إزاي تعمل فيها كده؟! "أنا حر! شقتي وفلوسي… وبعدين إنت جايلي كده متأخر ليه؟ أصلاً إنت مين؟ وإيه دخلك؟! الراجل سكت لحظة… وبعدين ابتسم… ابتسامة مرعبة. ورجع شعره الأسود اللي كان مغطي وشه، وبص له بعيون جامدة وقال:
"أنا… أنا اللي هحرق المكان ده فوق دماغك لو قربت من أي بنت تاني! عيون صاحب السكن وسعت، وشافوا شحب، صوته خرج مبحوح: "ا.. انت مين؟ الراجل ما ردش… بس خرج من المكتب وهو بيطقطق صوابعه. دقائق وكان السكان اللي في السكن كلهم طلعوا ومحدش فاهم حاجة. الرجالة اللي كانت مع الراجل بدأوا يكبو بنزين على السكن بغزارة كبيرة. وبعد ما خلصوا راحوا ووقفوا ورا القائد بتاعهم. ابتسم الرجل بمكر وولع عود كبريت ورماه على السكن.
ثواني معدودة واشتعل السكن بأكمله تحت صراخ ذلك الرجل صاحب السكن وبكائه. هه وندمه. وبعده مشي والحراس اللي واقفة وراه. وطلع تلفونه واتصل على حد وقاله: "حصل اللي انت عاوزه يازعيم." وقفل. في قصر يزن الصياد، كان الهدوء الظاهري بيغطي نار كبيرة تحت الرماد. غرفة الليفنج كانت مجمّعة العيلة كلها بعد اللي حصل. ماري، قاعدة على طرف الكنبة، عيونها كلها شر، شفايفها مقطّبة، وإيدها بتكاد تمسك الفازة وترميها من الغيظ: "يعني إيه جابها؟!
يعني إيه شالها كده قدامنا؟! وإحنا ولا كأننا موجودين؟! قعدت تخبط رجلها على الأرض بتوتر: "هي مين دي أصلاً؟ دي فقيرة… لبسها مقطع، وشكلها زي الجربوعة اللي طالعة من فيلم كارتون قديم! رفعت صوتها أكتر وقالت بسخرية: "دي بترسم عليه… على فلوسه، على سلطته، دي بنت حيوانة وبتلعب لعبة وسخة! وهنا… ضحك ريڤان، أخو يزن الصغير، كان قاعد على الأرض قدام المدفأة، بيقلب في كتاب: "بس الصراحة يا جماعة… البنت جامدة!
يعني عيونها كده زي الكتاكيت." ضحكة طلعت من بعض الشباب… بس سرعان ما خفتت لما نبرة والدتهم ارتفعت: "عيب! يا ولد ما يصحش، دي حاجة تخص أخوك الكبير، ولو يزن سمعك بتتكلم عنها كده…" ماري هنا قامت وقفت، ووشها محمر من الغضب، صوتها انفجر: "تخصه؟ يعني إيه تخصه؟! هي دي اللي تخصه؟! بنت مالهاش أصل؟! دي بتلعب على دماغه… وبتضحك عليه، وبعدين شايفين شكلها؟ وقبل ما تكمل، دخل صوت قوي، حاد زي السيف، صوت ابوها، أيمن:
"اسكتي… احترمي نفسك، وانتي بتتكلمي مع اللي أكبر منك! ماري اتجمدت، نبرة أيمن ما فيهاش هزار: "دي بنت الزعيم جابها بنفسه، ولو عندك اعتراض… روحي قولي له في وشه، بس قبل ما تعملي كده، قوليلي أجهزلك كفنك! السكوت خيم، حتى صوت عقارب الساعة بان. ماري بلعت ريقها، واتحركت بسرعة ناحية السلالم، طلعت أوضتها ودموع الغيظ في عيونها.
الليفنج فضل فيه باقي أفراد العيلة، بس الحماس راح… وبدل ما يتكلموا عن آرين، قلبوا السيرة على السياسة، الاقتصاد، حتى وصفات المطبخ… بس الكل… كان حاسس: اللي حصل النهاردة؟ كان الشرارة، وفيه نار جاية… ومحدش هيطفيها. بعد عدة ساعات كثيرة دخل القصر والغضب جليل على وجهه. بس وقف بصدمة لما سمع صوت. تقدم ناحية الصوت وكان جاي من جناح آرين. قضّب حاجبيه بإستغراب شديد وفتح الباب بهدوء وانصدم من اللي شافه. وقال بصدمة كبيرة: "اي ده ..؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!