دلفت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وانفاسها تتسارع بشدة. أسندت ظهرها على الباب ووضعت يدها على صدرها تحاول تنظيم أنفاسها. ظهرت ابتسامة رضا على ثغرها وهي تتذكر لمساته لها، انفاسه التي الهبت بشرتها. تحسست موضع قبلته على عنقها وهي لا تصدق ما فعلت. غمضت عينيها بسعادة كبيرة وأخذت تدور حول نفسها داخل الغرفة بفرحة لم تشعر بمثلها من قبل. توقفت عندما شعرت بالدوار وألقت نفسها على الفراش وهي تحاول تنظيم انفاسها
المتسارعة وتمتمت بلوعة: _بحبك يا جواد بحبك. اعتدلت في الفراش عندما سمعت طرق الباب ودخول ياسمين وإلين إليها. نظرت لهم بغيظ وغمغمت وهي تقترب منهم: _مين فيكم اللي فتحت النور؟ تصنعوا عدم المعرفة وقالت ياسمين: _أنا برضه استغربت معرفش مين اللي فتح. نظرت لإلين وسألتها: _إنتي يا إلين؟ هزت رأسها ببراءة مصطنعة: _لأ طبعًا وأنا هعمل كده ليه. قالت ياسمين بافتراء مرح: _يبقى أكيد أم نعمة. ضيقت توليب عينيها بغيظ: _أم نعمة برضه؟
ماشي يا ستي المهم فين يزن؟ جلست ياسمين على المقعد بارهاق: _تحت لأن أول ما جده جاه أخده ونزل بيه. يلا نامي انتي وأنا هاخد ألين ويزن يناموا معايا. أومأت لها واحتضنتها توليب بسعادة: _ألف مبروك يا تولي. _الله يبارك فيكي يا قلبي عقبالك. احتضنتها ياسمين بدورها: _ألف مبروك يا حبيبة قلبي. _الله يبارك فيكي يا ياسو. خرجوا جميعاً وأبدلت توليب ملابسها واستعدت للنوم. *** رافق جواد صديقه إلى الخارج حيث ينتظره نساءه كما أطلق عليهم.
فقال مراد بابتسامة عريضة لصديقه: _مبروك يا جواد. وهو مازال على نفس جموده: _الله يبارك فيك مع إنك جولتها ولا عشرين مرة. ضحك مراد وربت على كتفه: _أخويا وصديق عمري واللي مهما يحصل منه مش هزعل ولا هفقد الأمل، يلا تصبح على خير. ظل جواد يراقبه وهو يبتعد بسيارته حتى وصل إلى البوابة الرئيسية وخرج منها وبداخله مشاعر متخبطة ما بين نسيان ما حدث وتبريره لما فعل وبين رفض لعودة الأمور بينهم لنصابها. تقدم منه السائس وهو يقول:
_إني عملت زي ما چنابك أمرتني، حاجة تاني يا بيه. سأله مراد: _في حد تاني من العمال؟ _لا كلهم مشيوا مفيش غير الحارس اللي على البوابة برة. أومأ له: _تمام روح انت. انصرف الرجل وسار جواد إلى السياج وقد أوقف السائس الخيل به ثم أخرج هاتفه ليحدثها. أخرجت توليب منامتها القطنية ووضعتها على الفراش كي تبدل ملابسها. لكن صوت هاتفها جعلها تتوقف وتظهر ابتسامتها عندما وجدت اسمه يزين هاتفها. أجابت بعد تردد دام للحظات: _نمتي؟ _لأ.
_لسة لابسة الساري. ازدادت ضربات قلبها حدة وتمتمت بارتباك: _اه، أقصد لأ. ضحك على ارتباكها وقال بحب: _طيب البسيه وانزلي أنا مستنيكي عند السياج. اتسعت عينيها بصدمة: _انزل فين؟ لا طبعًا. رد بمكر: _ولو جلتلك ده أمر وإني بجيت چوزك ولازم تطعيني. قطبت جبينها بتعند: _جواد إنت إزاي عايزني أنزل كده والكل يشوفني. تقدم من فرستها يداعبها وتمتمت بولع: _ومين جالك إن في حد إهنه، أنا مشيتهم كلهم، وأبوكي وتميم في أوضتهم.
تمتمت توليب بتردد: _بس… قاطعها بجدية: _مفيش بس انزلي زي ما شوفتك متغيريش حاجة واصل. أغلق جواد الهاتف كي لا يترك لها فرصة للاعتراض. أما هي فقد وقفت حائرة لا تعرف ماذا تفعل. هل تواصل استمتاعها بتلك اللحظات وتنزل لتكمل احتفالها معه أم تطاوع خجلها وترفض النزول. *** دقائق قليلة ووجدها تتهاوى أمامه بتلك الفتنة وقد أخذ الهواء يتلاعب بخصلاتها وذلك الوشاح الرقيق الذي يغطي كتفها تتمسك به وكأنه يداري شيئًا عن مرمى عينيه.
ظل واقفًا كالمسحور بجمالها وهي تقترب منه بخطواتها المترددة وكأنها تدعس على قلبه العاشق بكل قوتها. طالبته مشاعره بأخذها داخل أحضانه كي يرتوي من شهد حبهما لكنه أبى الرضوخ لمطالبه كي لا تجفل منه. فتح لها باب السياج وجعلها تدلف منه على استحياء ثم تحدث بولع عندما وقفت أمامه: _انتي ناوية تعملي فيا إيه أكتر من كده؟
رفعت عينيها الساحرة إليه فجعلت ضربات قلبه تزداد وتيرتها وابتسامتها الخجلة جعلته يخنث بوعده ومد يديه ليأخذ يديها بعشق وتملك وتابع بوله وهي هائمة في نظرتها: _لو استمريتي على النظرة دي هموت بين إيديكي. اخفضت عينيها بخجل وهي تقول بابتسامة: _بعد الشر عليك. وضع أنامله أسفل ذقنها كي يرفع وجهها إليه وتمتم باعتراض: _ومين جالي إن الموت بين إيديكي شر؟! ده لو حصل هرحب بالموت كل دقيقة بين إيديكي.
ابتعدت عنه قليلاً عندما لاحظت نظراته لشفتيها وقالت بمرح أرادت به تغيير مجرى الحديث: _أكيد جايبني عشان تعلمني ركوب الخيل. ابتسم مؤكداً: _بالظبط، تعالي. صارت بجواره وهي لا تصدق ما تراه. فك وثاق فرستها وجذبها للداخل قليلًا ثم أشار لتوليب بالتقدم. تقدمت مسحورة بتلك اللحظات التي كتبها القدر بأحرف من نور ووقفت بجواره وبدأ يشرح لها كيف تمطيه وهي تستمع له بانتباه. _يلا بجا وريني هتركبي كيف.
رفعت يديها برهبة كي تمسك السرج ثم وضعت قدمها حيث أخبرها وهمت برفع نفسها كي تصعد لكنها لم تستطع. _أساعدك؟ هزت رأسها بنفي: _لأ أنا هطلع لوحدي. يبدو أنه لم يستمع لها وأمسك خصرها يرفعها كي يساعدها على الامتطاء مما جعلها تجفل من فعلته. جلست على ظهر الجواد وقد ازدادت رهبتها وتمتمت بخوف: _جواد أنا خايفة. رد بابتسامة بثت الاطمئنان بداخلها: _متخافيش سيبي نفسك خالص.
أومأت له وبدأ هو بجذب الفرسة ويتحكم هو في سيرها ويملي توليب بعض التعليمات حتى تراخت أعصابها وبدأت تنسجم معها ثم ترك لها جواد التحكم في سيرها وأخذ يراقبها وخصلاتها تتطاير حولها بفعل الهواء. يبدو أنه أخطأ بفعلته تلك. امتطى جواده أيضًا وبدأ يلف به حولها ثم يزيد من سرعته تدريجيًا وهي تشاهده بانبهار. حتى أوقف جواده فجأة فيعلو صهيله وهو يرفع مقدمته في الهواء وهو ثابت على ظهره لم يتزحزح. أوقف الحصان ثم أشار لها: _تعالي.
خرجوا من السياج على ظهر الأحصنة وسارو بها حتى وصلوا للغرفة الزجاجية. ترجل هو أولاً ثم ساعدها على النزول وسألته بحيرة: _جواد الوقت متأخر لازم نرجع. هز رأسه بنفي: _تؤ لازم نعيش ونستمتع بكل لحظة تمر علينا. فتح الباب ودلفت معه ثم أضاء المصابيح الموضوعة بكل مكان في تلك الغرفة الزجاجية، ثم فاجأها بتلك الأغنية لإليسا "سهرنا يا ليل". رغم رفضها لسماع الأغاني إلا أن كلمات الأغنية عبرت عما تشعر به بكل كلمة تنشدها.
وأخذت تنظر إلى كل شيء حولها بانبهار ثم نظرت إليه بعين دامعة: _جواد إنت عملت كل ده علشاني؟ تقدم منها خطوة وأجاب بصوته الرخيم: _من بعد ما سبتيني ومشيتي من غير وداع حتى. تبدلت ملامحها للألم بتلك الذكرى وقالت: _كنت مستنية منك إيه غير كده، أنا عشت صدمة تأثرها جوايا لحد النهاردة، كان لازم توضح ده من البداية على الأقل مكنتش هنجرح بالشكل ده. لاح الحزن على ملامحه أيضًا وهو يتذكر تلك اللحظات وقال بثبوت:
_أنا لما شوفتك أول مرة لفتي نظري باهتمامك بالخيل وخصوصًا إني ملقتش حد بيحب الهواية دي غيري، نظرتك وانبهارك بالخيل خلاني أحس بالفرحة إني أخيرًا لقيت حد بيبادلني هوايتي. واضايقت أوي لما صاحبتك ندهت عليكي ومشيتي، كنت خايف مش أشوفك تاني وعشان كده قولتلك لو عايزة تعالي الاسطبل وأخليكي تلمسيه. تنهد للذكرى وتابع:
_كنت بعد في الثواني عشان أشوفك ولما جه الوقت لقيت السايس بيقولي إن رماح رجله ألمته تاني وعمال يثور، افتكرت ميعادنا ومكنتش أعرف إنك هتروحي بدري كده وجتها قلبي انقبض وحسيت بالرعب عليكي، مهتمتش لوجود حد وجريت عشان ألحقك قبل ما تقربي منه لأن الخيل في الوقت ده مش بيتحمل حد يقرب منه. ولما لقيته بيهاجمك مفكرتش في حاجة غير إني أنقذك حتى لو على حساب روحي. أمسك يدها التي تحمل الندبة وقربها من فمه ليقبلها ثم تابع:
_متعرفيش إني كنت حاسس بإيه وإنت قدامي مصابة وهموت وآخدك في حضني بس مش قادر أقرب. هنا بس حسيت بإحساس عمري ما حسيته ولا جربته غير في الوقت ده. نظر لرأسها يبحث عن الندبة التي أخفتها الطبيبة بدقة وطبع قبلة خفيفة عليها وأردف:
_لما لاحظت الدم اللي على جبينك اتمنيت إنها تكون فرصة وترفعي النقاب قدامي وأشوفك، بس إنتي رفضت ترفعيه وأخدتك وقتها ورحنا على المستشفى، ولم أخدوكي مني حسيت إنهم أخدوا قلبي معاكي ورفضت إني أخلي أي دكتور يقرب منك وملجتش غير مراد قدامي ووافقت بالإجبار إنه يعالجك لحد ما الدكتورة الموجودة تيجي. حمدت ربنا إنك رفضتي ترفعي النقاب قدامه ويشوفك جبلي. ولما اطمنت عليكي وافقت إنه يعالجني ودي كانت الذكرى الوحيدة ليا منك.
قالها وهو يتحسس موضع جرحه: _لحد ما جات شمس وعرتني قدامك متعرفيش نظرتك دي عملت فيا إيه…. وضعت توليب يدها على فمه تمنعه من المواصلة وقالت برقة أذابت قلبه: _بلاش نفكر في اللي راح وخلينا في النهاردة. أنا كمان عشت الأوقات دي بحلوها ومرها بس أنا دلوقتي قررت أحذف كل لقطة سودة في حياتي وأستمتع بكل لحظة بقضيها معاك. ملس بابهامه على خدها الناعم وتمتم باحتواء:
_إني كمان قررت أعمل كده بس كان لازم أصالحك باللي جوايا، إني مخدعتش بالعكس لو شمس ما جاتش في الوقت ده إني كنت هصارحك بكل حاجة. تطلع إلى ملامحها التي يعشقها وتابع بولع: _عمري ما كنت هخدعك لأني فعلًا حبيتك.
رمشت بعينيها فثار سرب الفراشات يحتج على إزعاجه في غفوته فيثور حولهما في هالة تخطف الأبصار وانفرجت شفتيها الرطبة فلم يعد يستطيع السيطرة على مشاعره أكثر من ذلك وبهدوء وتروي مال على ثغرها يطبع قبلة خفيفة على وجنتها ثم بجانب ثغرها قبل أن يلتهمه بقبلة حب صاحت لها ديوك الفجر وهي مستسلمة تمامًا بين يديه. حاوط خصرها يقربها أكثر لأحضانه وهي رفعت يدها الواهنة لكي تمنعه.
لكن قوتها الواهنة لم تساعدها أمام سطوة مشاعره والتي استطاع سحبها إليها مما جعلها تستسلم لذراعيه التي أحاطتها بعشق وتملك. كان يجد صعوبة في التحكم بمشاعره وقد كان من أصعب الأشياء التي مرت عليه. عليه التمهل كي لا يخيفها فهي بريئة وتخوض تلك المشاعر لأول مرة. غدًا ستكون له بملء إرادتها وهكذا استطاع التحكم بها.
ظل يقبلها بشوق وكلما قرر الابتعاد تصدر منها آهة تجعله يعود مرة أخرى وصعوبة بعدها تزداد وتزداد حتى انتبه كلاهما لصوت هاتفه فابتعد عنها مرغمًا وهو يتأفف بضيق. نظر في هاتفه فوجده توفيق سألته بأنفاس متقطعة: _مين؟ رمقه بغيظ: _أبوك. حمحم كي يخرج صوته ثابت: _أيوة يا عمي. سمع صوته يتحدث بقلق: _هي توليب معاك لأن أمها راحت أوضتها ملقتهاش. اتسعت عينيها وضعت يدها على فمها باحراج فرد جواد وهو يكتم ضحكته:
_اه معايا قاعدين عند الخيل وراجعين دلوقتي. تنهد توفيق براحة: _طيب ياريت ترجعها دلوقتي لأن الفجر خلاص قرب يأذن. _حاضر. اغلق الهاتف ونظر إليها باستياء: _بصراحة اتصل في الوقت المناسب. رمقته بغيظ: _طيب يلا روحني وكفاية أحرجتني مع بابا. زفر بضيق وهو يمسك يدها ويتحرك بها للخارج: _يلا. ساروا جانبًا إلى جنب وكل واحد منهم ممسك بلجام حصانه حتى وصلوا للأسطبل وتركهم جواد داخله ثم خرج إليها ليعودا إلى المنزل.
مروا بجوار غرفتهما فوقف وأوقفها معه وقال بمكر: _متيجي نشوف الأوضة وهي ياسمين نايمة كده. جذبت يدها من يده وأشارت له قائلة: _ادخل انت أنا هدخل أوضتي عشان أنام. ابتسم بسعادة وهو ينظر إليها بولع حتى دلفت غرفتها وأغلقت الباب. *** في غرفة مراد. كانت سلمى مستلقية على الفراش وتضع رأسها على صدر مراد الذي أصبح شاردًا طول الوقت. تذكرت نظرات جواد لتوليب عندما قامت ياسمين بفتح الإضاءة وكيف كان يرمقها بحب لم ترى مثله من قبل.
لم ينظر إليها مراد يومًا بتلك الطريقة. حتى وهي في أكثر الأوقات حميمية بينهم لم تجد تلك النظرة. تعلم جيدًا بأنها يحبها لكن ليس ذلك العشق الذي يجعل القلوب تنبض بوله فور رؤيتها لمعشوقها. رفعت رأسها لتنظر إليه: _مراد. همهم مراد وهو مغمض عينيه. وسألته: _بتحبني؟ فاجأته بكلمتها وفتح عينيه ينظر إليها بابتسامة عريضة: _أكيد بحبك.
لم يعجبها رده ولم تجد أيضًا تلك النظرة التي تريدها وخاصة عندما رأته يغمض عينيه مرة أخرى وكأنه رد ارضاءً لها وكفى. وعادت هي تضع رأسها على صدره لتسمع نبضات قلبه الرتيبة باستسلام. وعند وهدان. تماثل الأمر لكن بأشد تمسكًا وترابطًا. كان يتلاعب بخصلاتها وسألها بحب: _انبسطي في الحنة. انفرجت أسرارها بسعادة: _جوي، رغم إن الحنة كانت بسيطة ومفيش حد كتير بس كانت جميلة جوي وكلنا انبسطنا فيها. قبل جبينها وتمتم بحبور:
_عشان كده طلبت منك تروحي معايا. _بصراحة محدش منهم حسسني بحاجة بالعكس كانوا مرحبين بيا جوي وخاصة مراته طيبة جوي وبنت حلال. أومأ لها وهدان وأيد حديثها: _وجواد بيه برضه من جواه طيب جوي وابن حلال، ربنا يسعده. _يا رب، بس قولي إنت من متى وإنت شغال معاه. جالت بخاطره الذكريات وقال: _إني من صغري وإني بحب الورد جوي. وبحب زراعته. والدي الله يرحمه كان شغال في البحوث الزراعية وكنت بساعده في كل حاجة.
لحد ما كبرت وقررت أعمل مشتل للورد صغير كده على جد حالي وفي يوم لقيته جالي وسألني على زهرة اسمها توليب. بس زراعتها في المكان هنا صعب وحزن جوي لما جولتله كده. وبعدها جالي إنه هيجهزلي المكان وكل حاجة إني محتاجها بس أزرعها بكل أنواعها. مكدبش عليكي الفكرة عجبتني وجمعت عنها كل المعلومات وخليت ابن عمي يمسك المشتل بدالي وأنا اتفرغت لزراعة الوردة دي، كانت تجربة وزينة وحبيتها جوي.
وفعلاً نبتت لما هيئت المكان ليها ونبتت بكل أنواعها. عمري ما شفته سعيد كده لما بلغته الخبر. ولما مهمتي خلصت وجيت أرجع المشتل حصلت الحادثة ومكنش ينفع أسيب الورد لأنه يعتبر أمانة حتى لو مأمنيش عليها، وفضلت أراعيها لحد ما وقف على رجليه من تاني. بس مكنش ينفع أسيبه في الظروف دي وخصوصًا لما طلب مني أفضل معاه. وجتها لفت له الورود دي بزهرة تانية اسمها الأقحوان.
لأن زهرة التوليب بترمز للحب والنقاء وكان لازم أكمل معناها بالأقحوان بترمز للتفاؤل والإخلاص. ضحك وهو يتابع: _ولما حضرت كتب الكتاب وسمعت اسمها عرفت اللي فيها واكتملت قصتهم بالأقحوان. رفعت حياة بصرها إليه تنظر له بحب وإلى حياتها التي تبدلت للأفضل على يده وسألته بعتاب: _إنت كنت فين من حياتي؟ تحولت نظراتها لاتهام: _ليه مجتنيش من زمان؟ ابتسم بحب وهو يملس على وجهها:
_ده نصيب وأكيد ربنا له حكمة في كده، المهم إننا اتقابلنا واتجوزنا واللي راح ده خلاص انتهى مش عايزين نفكر فيه. أومأت له برضا واستكانت بين يديه التي تحاوطها بحب واستسلمت للنوم. *** لم تنم كريمة تلك الليلة وظلت تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا والحقد يتآكلها. عاش حياته وتزوج بمن أحبها وابنتها تحت التراب. الموت كان أحق به منها. وهذا ما كانت تود حدوثه لكن انقلب السحر على الساحر وراحت هي.
انتبهت لوصول سيارة ابنها خالد فخرجت من الغرفة ووقفت أمام غرفته تنتظره. حتى صعد إليها وعند رؤيتها قال بهدوء: _مساء الخير. صححت له بحدة: _قصدك صباح الخير إحنا بقينا الفجر. دلف غرفته وتحدث بملل: _وصلة كل يوم. دلت خلفه وهي تقول بانفعال: _لا مش وصلة كل يوم إني جاية أسألك عملت إيه. جلس على المقعد بارهاق وقال: _كل حاجة ماشية كيف ما أنا عايز. _أمال ليه ساكت لحد ما خلاص كتب عليها ودخلته بكرة. عاد بظهره للخلف وقال بحقد:
_ودي هتكون أكبر ضربة ليه، لما تبقى مراته وتتسجن التل كله هيعرف إنه اتجوز واحدة قاتلة وتبجى الفضيحة مدوية، إنما وهي ضيفة عادية كده الكل هيقول ابن حلال حما واحدة مييعرفهاش وصانها في بيته، غير كمان إني عايزاه يدوق حلاوتها له عشان أصعبه عليه أكتر فهمتي؟ ابتسمت بخبث وقالت: _صح حديثك ووجتها مش هيقدر يرفع عينيه في حد ويمشي مطاطي كيف الحريم.
_وإني بكرة الصبح هروح أبارك له عشان ميشكش فيا، وهقوله إني مقدرتش آجي امبارح عشان مشاعر أمي وخلاص. زفرت بضيق شديد: _مع إني مش رايدة اسمي يتذكر قدامه بس مبدهاش. في الصباح. مرت تلك الليلة على توليب بسعادة لا توصف. استيقظت على طرق الباب ودخول والدتها: _صباح الخير يا حبيبتي. اعتدلت في الفراش بتكاسل وهي تتمتم بارهاق: _صباح النور يا ماما. تقدمت منها لتجلس بجوارها على الفراش. _صاحية بدري ليه؟
أنا قلت هتأخري في النوم بسبب سهرة امبارح. ابتسمت توليب للذكرى وقالت بسرور: _بصراحة كان وقت جميل أوي مكنتش عايزاه يعدي. لاحظت سلوى السعادة التي تتحدث بها ابنتها وكم هي عاشقة له فقررت تركها تفعل ما تريد ربما يخيب ظنها وتسعد معه. _طيب يلا قومي عشان البنات اللي طلبهم جم تحت. نهضت من الفراش ودلفت المرحاض وهي تتمتم: _قوليلهم نص ساعة ونازلة. استيقظ جواد على صوت هاتفه الذي يرن بإلحاح. فتح عينيه بصعوبة ونظر به وجده خالد
تعجب من اتصاله ورد بنعاس: _السلام عليكم. رد خالد بثبات: _وعليكم السلام كيفك يا عريس. اعتدل في فراشه مسنداً ظهره على الوسادة وهو يمسح بكفه على وجهه يزيح النعاس: _زين الحمد لله. _يارب ديما، أنا جايلك دلوقتي في الطريق عشر دقايق وهكون عندك. رغم اندهاشه لكن رد بترحيب: _اتفضل البيت بيتك في أي وقت. أغلق معه الهاتف ووضعه على المنضدة. ثم نظر في ساعته فوجدها الحادية عشر.
لاحت ابتسامة رضا عندما تذكر تلك الليلة التي لم يحلم بمثلها من قبل. مرحها ابتسامتها التي يعشقها وجهها الذي أضاء بنوره حياتها. رقتها وهي بين يديه كل شيء بها يمثل الاكتمال بالنسبة له. نهض كي لا يشرد بخياله أكثر من ذلك ودلف المرحاض كي يستعد لتلك المقابلة التي لا يرحب بها مطلقًا. وقف خالد أمام المزرعة وهو ينظر إليها بحقد. لقد أخذ كل شيء وهو ينتظر أن ينعم عليه جده بحقه.
فإذا مات حسان دون أن يقسم ميراثه لن يكون له حق لا هو ولا اخواته. لهذا السبب ظل مطاطيًا له. ويتساءل أحيانًا: ماذا لو مات جده دون أن يترك وصية واجبة لهم؟ هل باستطاعة أعمامه إخراجهم من القصر؟ فما كان يطمئنه هو زواجه وأخيه من أبناء عمه حتى لو لم يكتب لهم شيئًا إلا إنه سيظل في القصر وينعم بعيشته. لكن الآن أصبح لا يجد شيئًا يستند عليه. فإن نجحت خطته سيجبر جواد على التنازل له عن المزرعة.
حرك مقود سيارته ودلف بها للداخل ويزداد حقده أكثر وهو يجد اتساع مساحة المزرعة حتى المنزل. أوقف السيارة أمام المنزل. وترجل منها وهو ينظر لجواد الذي وقف يستقبله وكالعادة يخفي عاملات المنزل من أمامه. _أهلاً يا خالد كيفك؟ تقدم منه خالد وهو يقول بابتسامة سمجة: _بخير طول ما إنت بخير. أومأ له ودلف معه للمكتب وأغلق الباب خلفه: _اعذرني إني مجيتش امبارح إن خابر زين حساسية الموضوع. تنهد جواد وعاد بظهره للخلف وهو يجيب بفتور:
_خابر ومقدر حاجة زي دي، عقبالك. _ربنا يسهل… خرجت توليب من غرفتها لكن تلك المرة بدون النقاب أو حجاب فقد أصبح حلالها ولا داعي لارتداءه في المنزل. اكتفت فقط بملابس فضفاضة. بحثت عن يزن في غرفة ياسمين لكنها لم تجدهم. نزلت للأسفل لتكمل بحثها فوجدته يلعب في بهو المنزل وعند رؤيتها أسرع إليها وهو يتمتم باسمها. حملته بسعادة وقبلته بحب: _إنت بتلعب لوحدك ليه؟ أومال فين بابا؟ أشار لها على المكتب فأخذته ودلفت
به الغرفة وهي تقول بمرح: _صباح الخير يا بابـ…. جفلت عندما وجدت جواد جالسًا ومعه خالد والذي التفت إليها فيتفاجأ بذلك الجمال الذي يراه أمامه. أما هي فصدمتها أربكتها لكنها فاقت سريعًا عندما رأت تعبيرات جواد الغاضبة. خرجت مسرعة فاصطدمت في نعمة التي تحمل القهوة فتسقط على الأرض. نظرت إليها باعتذار ومازال قلبها ينبض بقوة: _أنا آسفة يا نعمة مكنش قصدي. ردت نعمة وهي تتحسس ملابس توليب لتطمئن عليها:
_ولا يهمك حصل خير المهم إنتى زينة. ألقت نظرة إلى المكتب وتمتمت برهبة: _أه كويسة. صعدت مسرعة إلى غرفتها ومعها يزن الذي يبكي على أبيه يريد الذهاب إليه لكنها لم تتركه فنظرات جواد لها لا تبشر بخير مطلقًا. دلت الغرفة وجاءت بلعبه كي ينشغل بها وتنشغل هي بالتفكير فيما حدث قبل قليل. ما كان عليها التهور والنزول بدون حجاب على الأقل. لن يمر الأمر مرور الكرام سيعنفها جواد ولن تلومه.
فتح الباب فجأة واندفع جواد بكل غضبه وكأنه شخص آخر غير الذي تعرفه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!