الفصل 1 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الأول 1 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
22
كلمة
6,609
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

في الصباح وداخل ذلك القصر العتيق، جلس حسان الخليلي على رأس الطاولة وهو ينظر برضا لاكتمال عائلته حوله. يزداد شموخه بتلك العائلة التي أحكمها بالترابط كي لا يستطيع أحد هدمها. ولم يدر أنه بذلك حكم عليهم بالعذاب ما تبقى لهم من عمر. يتظاهر بعضهم بالرضا رهبة وخشيةً منه، لكن قلوبهم تحترق بنيران سطوته، ولم يبالي بهم. نظر إلى المقعدين اللذين ظلا فارغين بعد رحيل صاحبيهما، وقد آلمه ذلك الفراغ الذي تركاه خلفهما.

ولم يرد الاعتراف بأنه السبب الوحيد لرحيلهما. شعر بحنين جارف إلى حفيده، والذي أصبح رأسه صلبًا كالفولاذ لا يلين قيد انملة مهما حاول التواصل معه. لكنه لن ييأس، سيظل خلف ذلك العنيد الذي يعرقل تهدئة الأمور كي يعود إليهم، وحينها ستكتمل تلك العائلة. نظر إلى أحفاده وأولهم خالد، والذي يجلس بجوار زوجته غير عابئ بوجودها، وهي لا تشعر بوجوده من الأساس، فيمثل كلاهما ثنائي متبلد المشاعر.

وتوجه بنظره إلى عدي، والذي حكم عليه بزواجه من يسر ويعيشان في سعادة عامرة كما يظن الجميع. وكذلك يحيى، الذي رضخ بسهولة لقراره بزواجه من سيلين، ولم ترفض بل رحبت بذلك. وكذلك أبناؤه وأولهم عامر، الذي حكم عليه بأن يتزوج زوجة أخيه الذي رحل عن عالمهم وترك ثلاث أطفال ليقوم عامر برعايتهم. وفايز، الذي يرضى بما قُسم إليه بزوجته وأولاده.

تسير عائلته كما يريد هو، ويرى ذلك انتصاراً لخطته في تسيير الأمور، لكنه انتصار زائف أجوف بلا روح أو سعادة حقيقية. فإذا استمع لقلوبهم، سيعلم حينها بأنه أخطأ في حق هذه العائلة، لكنه لم ولن يعترف بذلك. ما زال يعيش في وهم اسمه التحكم، بوهم آخر وهو المصلحة. فمن عانده وتزوج من خارجهم، لم تستطع زوجته البقاء بينهم واضطرت اضطراراً لترك أطفالها والعودة إلى مسقط رأسها في لبنان.

مجرد سائحة تعرف عليها واستطاعت إيقاعه في شباكها طمعًا به، وعندما لم تستطع سحبه من عالمه، تنازلت عن أولادها ورحلت دون عودة. ولهذا لم يستطع أحد الخروج عن طوعه بعدها سوى ابنها. وسيعمل على عودته بكل الطرق، عليه أن يكون حسان آخر كي يوليه مكانه. ويومًا ما سيكون باستطاعته الزواج من أخرى، لكن بشروطه. نهض خالد من مقعده وهو يقول بهدوء: "بعد إذنك يا جدي، أنا رايح القاهرة عشان أخلص الشغل اللي هناك، وممكن أتأخر يومين ولا تلاتة."

ترك حسان الملعقة من يده وقال بلهجة حازمة: "استناني في المكتب دلوقت، وأنا جاي وراك." نظر خالد في ساعته وغمغم باعتراض: "بس يا جدي، أنا اتأخرت على الطيارة وما فيش وقت." غمغم حسان بلهجة حادة أرعبت الجميع: "وأنا قلت تستناني في المكتب، وسفرك يتأجل لبكرة." أومأ خالد على مضض، ثم نادى حسان على إحدى عاملات القصر: "أم حسين." أسرعت المرأة إليه وهي تقول برهبة: "تحت أمرك يا حاج." نهض من مقعده وتحدث بقوة: "هاتي القهوة على مكتبي."

ذهب إلى مكتبه وذهب خلفه خالد، تاركًا تلك المرأة تنظر إليهم بحيرة. فقربت وجهها من عامر وسألته بترقب: "ماله إكدة؟ زي ما يكون ولدي جتله قتيل." ترك عامر الطعام من يده ونهض قائلاً باقتضاب: "ما يخصنيش." في المكتب. أشار حسان لخالد بالجلوس، وجلس هو خلف مكتبه بشموخ لم يمحيه السنين ولا يؤثر مطلقاً على جسده الذي ظل بعنفوانه.

فمن يراه لا يصدق بأنه قد تعدى عقده السبعين، فرغم المشيب الذي غزى شعره وتلك التجاعيد التي رسمت خطوطها على ملامحه، إلا إن قوته وتجبره يمحى من دهره أعواماً. تطلع لعين خالد متحدثاً بقوة: "عملت اللي جلتلك عليه ولا لأ؟ حاول خالد أخفاء امتعاضه من تطرق جده لهذا الأمر. وتحدث بثبات: "آه يا جدي، عملت والحمد لله طلعت زين." تطلع إليه بشك وسأله: "أومال إيه اللي مأخر الحمل لحد دلوقتي؟ بجالكم سنتين ومشفتش أي نتيجة؟ هز كتفيه

دلالة على عدم اهتمامه: "والله بجا دي حاجة مش بإيديا." استقام حسان وتقدم منه ليجلس على المقعد المقابل له وتحدث بمغزى: "أوعاك تكون فاكر إني كبرت ومش دريان باللي بيحصل حواليا، أنا بس سايبك لحد ما تيجي تعترف بنفسك." انقبض قلب خالد واهتزت نظراته. وسأله بريبة: "تقصد إيه يا جدي؟ أجل حسان المواجهة لكي يترك له فرصة أخيرة للاعتراف بخطئه وتحدث بمغزى:

"قصدت إنت فاهمه زين ومش هقولك إن آخرت اللي بتعمله ده، واعره جوي وأولهم إنك هتجرح حفيدتي وده اللي مش هسمح بيه طول ما أنا عايش. ني ساكت بس خوف من إنها تعرف وينحرج جلبها." نظر إليه خالد بسخرية وهو يقول: "من الجهة دي اطمن، ياسمين مش شيفاني قدامها من أساسه، وحتى لو عرفت إني بخونها مش هتفرق معاها. ياسمين عمرها ما حبتني ولا في يوم من الأيام هتحبني وعشان كده سايباني بحريتي." نهض من مقعده وتحدث بجمود:

"اطمن يا جدي، ياسمين مش هتعرف حاجة. وأحب أقولك برضه إني مش هتغير. بعد إذنك." أوقفه صوت حسان الحازم: "استنى عندك." استدار خالد ونظر لجده بفتور، رغم الحقد الدفين الذي يحمله إليه، إلا إنه يستطيع إخفاءه ببراعة. وتابع حسان تحذيره: "ياريت تخرج جواد برة حساباتك، لأنك مش هتجدر تتحمل لدعته." وقف في مزرعة الخيل الخاصة به، يداعب حصانه الجامح والذي يخشى الجميع التقدم منه عداه.

فهو صديقه الوحيد والذي اكتفى به عن العالم أجمع منذ ذلك الحادث الذي دمر حياته. ظل يمسح على مقدمته الناعمة، فيهز الحصان الأصيل رأسه بحب لمالكه متمسحاً به. فعلم جواد حينها بأنها دعوة له للانطلاق بنزهة على متن حصانه الأصيل يجوب بها أرجاء المكان. امتطى ظهره وأمسك اللجام بإحكام ووكزه لينطلق به يصارع الريح. ظل يسرع بحصانه غير عابئ بتلك المنحدرات والتي لم تعقهم رغم صعوبتها.

فمن يراه الآن يجزم بأن ما يفعله يعد ضرباً من الجنون. وظل على ذلك الجنون حتى وصل على مشارف التلف. شد لجام حصانه، الذي رفع قائمتيه الأماميتين عالياً يحركهما في الهواء بقوة في مشهد بارع الجمال من إبداع الخالق عز وجل، متناغماً مع الشمس الغاربة كخلفية للحصان وفارسه القويين. ثم انطلقا قاصدين وجهتهما للأعلى. فور وصولهما إلى قمته وهو ثابت على ظهره، لم يحرك ساكناً.

حط الفرس قدميه على الأرض، وقف على مشارفه يتطلع إلى بلدته التي خرج منها مجبراً. وأخذ جواد ينظر إلى ذلك القصر العتيق بحنين جارف. تذكر ذلك اليوم الذي خرج منه متهماً بجريمة شنعاء، ولم يشعر أحد حينها بمدى الآلام التي عاشها وقتها. ولم يهتم أحد لآلامه. وقف والده يشاهده وهو يخرج من منزله دون التفوه بكلمة، ولم يبالي بوضعه إرضاءً لزوجته. صهل الفرس وكأنه ينعي صاحبه، لكن من يستطيع نعيه بذلك المصاب الذي حطمه وقضى عليه.

لمحات من الماضي لم ترحمه، وصوت بكاء صغيره وصرخاتها وهي تجبره على العودة. حقاً، ألم يفوق الاحتمال. أرهف سمعه وكأنه يسمع نداء طفله والذي لم يره منذ الحادث، وكان هو العقاب الأشد. لم يرأف أحد بحالته، بل اتفق الجميع عليه وأصدروا حكمًا بنفيه بعيداً. أخذ قلبه يهدر بعنف، والحنين لطفله يزداد بلا حدود. لكن عليه الصبر قليلاً إذا أراد حقاً أن يرجع منتصراً.

عاد بفرسه إلى منزل المزرعة، لكن بروية وكأنه لا يريد العودة، مماطلاً مع الطريق. توقف الفرس أمام المنزل، فيسرع السايس بأخذ الفرس والذهاب به إلى الإسطبل. ودخل جواد منزله بهيبة ووقار تجعل من يراه يقف تقديراً وخشيةً منه. تقدمت العاملة منه وهي سيدة طاعنة في السن قد بعثها والده خلفه كي تعتني به بعد خروجه من القصر، فهي من تولت تربيته بعد ذهاب والدته. "جواد، ابن عمك جوه في المكتب وعايز يشوفك ضروري." أومأ لها وقال بثبوت رغم

ما يعتمل بداخله من استياء: "خلي نعمة تعمله حاجة يشربها، وأنا جاي دلوقتي." صعد الدرج وأم نعمة تنظر إليه بتعاطف على ما وصل إليه، من كان يعد كبير عائلته حتى ذلك الحادث الذي دمر كل شيء وجعله ذلك المتحجر الذي أصبح عليه الآن. دلف جواد غرفته وقام بوضع هاتفه وساعته على المنضدة بجوار صورة ابنه الموضوعة داخل الإطار. ثم تقدم من الخزانة وأخرج ملابس له ودلف المرحاض. ...

نزل الدرج ولم يبد عليه شيء، فوجد نعمة تهم بدخول المكتب وهي تحمل القهوة، لكن صوت جواد الحازم منعها بأمر: "بلاش تدخلي، انتي ابعتيها مع حامد." لم تناقشه وعادت مسرعة إلى المطبخ وبعثت لحامد، وهو أحد رجاله المخلصين وأخيها. سألتها والدتها عندما عادت بها: "رجعتي ليه؟ نظرت نعمة من النافذة لتنادي على أخيها: "يا حامد، تعالى دخل القهوة." ابتسم حامد وأومأ لها بتفاهم لعلمه بمدى غيرة جواد على حريم منزله حتى لو كانت مجرد عاملة. نظرت

إلى والدتها قالت بتفاهم: "ما انتي خابرة جواد بيه مبيرضاش يخلي واحدة منينا تدخل حاجة للضيوف." "بس ده ابن عمه، وإنتي متربية معاهم مش أول مرة هيشوفك يعني." دلف حامد ليأخذ القهوة وقال بجدية: "بس خلاص مبقناش شغلين عندهم، يبقوا أغراب عنينا دلوقتي." خرج حامد من المطبخ ونظرت نعمة إلى والدتها قائلة بتأثر: "جواد بيه ميستهلش واصل اللي عملوه فيه ده، حجيجي ربنا ينتجم منهم." "ملككيش صالح انتي." في الداخل. وضع حامد القهوة

ونظر إلى جواد وسأله: "حاجة تاني يا بيه؟ رد جواد بامتنان: "لأ يا حامد، اتفضل انت." نظر جواد إلى خالد وتابع: "والمطلوب؟ أخذ خالد قهوته يرتشف منها بهدوء وتمتم بفتور: "زي ما جولتلك، تقنع جدي بأني أفتح المكتب ده في القاهرة ومرجعش البلد تاني." "بس انت خابر زين إني قطعت علاقتي بالقصر واللي فيه." تطلع خالد إلى قدم جواد وتحدث بمغزى: "إنتو مكبرين الموضوع بزيادة، وده كان قضاء وقدر وكل واحد أخذ جزاءه." حاول جواد الثبات

أمام مغزى حديثه ورد بجمود: "أنا جلت اللي عندي، خرّجني برة حوراتكم دي، إني مليش صالح بيها." انفعل خالد من رفضه، فهو يعلم بأنه الوحيد الذي باستطاعته إقناع جده بما يريد لمدى تعلقه به، وقال بحقد خفي: "ما انت لازمن تجول إكدة بعد ما آمنت حالك بالمزرعة." نهض من مقعده وغادر، تاركاً جواد ينظر في أثره بجمود وحزن داخلي على أخته الذي طالها نفس المصير. نظر في ساعته فوجدها الحادية عشر.

خرج إلى الحديقة ليجلس بها قليلاً، ربما هواها العليل يخفف من وطأة ضغوطه. جلس على المقعد وهو يشعر بألم شديد في ساقه مما جعله يضعها على المقعد المقابل له، ربما يخفف من ضغطه عليه. لمحات من الماضي دارت بخلده وهو يتذكر ما مر به من قسوة الأقدار. وكأن صدمة واحدة لا تكفي، تلاها الكثير والكثير منها. أخرجه من شروده رنين هاتفه ليجدها ياسمين، أخته. لابد أنها تهاتفه كي تؤكد عليه لقاء غد.

فتح هاتفه ليجيب عليها، لكن الكلمات تهات منه عندما سمع بكاء طفله والذي اشتاقه حد الجنون وصوت ياسمين وهي تحدثه: "إزيك يا جواد؟ حاول تنظيم أنفاسه التي انقطعت بسماع صوته وحمحم كي يخرج صوته ثابتاً: "بخير يا ياسمين، عملتي إيه؟ أجابت بارتباك: "هعمل إيه يعني غير اللي اتفجنا عليه، كذبت عليهم وجولت لهم إنه عنده تطعيم بكرة وهروح بنفسي أطعمه. بس أنا خايفة جوي من مرات عمك، إنت عارفها مبترحمش حد ومحدش بيجدر يقف جدامها حتى أبوك."

تحدث بهدوء رغم النار التي تعتمل بداخله: "اعملي اللي جلتلك عليه من سكات، وبكرة هنتقابل وهجولك تجولي إيه بالظبط." أغلق الهاتف دون أن يستمع ردها ونهض من مقعده ودلف للداخل وهو ينادي: "أم نعمة." خرجت أم نعمة من المطبخ لترد عليه باحترام: "أيوة يا ابني، أحطلك الأكل؟ سألها باقتضاب: "البنت اللي جلتلك عليها جاهزة؟ أجابت على مضد: "أيوه جاهزة وبكرة الصبح هتكون هنا."

لم يتفوه بكلمة أخرى وصعد إلى غرفته ليبدل ملابسه ويريح قدمه قليلاً. استلقى على الفراش لتعود إلى ذهنه ذكريات الماضي الأليمة والتي أبت تركه وظلت ملازمة له أينما هرب منها. نظر إلى جواره فتقع عيناه على صورة ابنه الموضوعة على المنضدة بشوق، وقد طال البعد وأرهق قلبه. غداً سيراه ولن يستطيع أحد بعد الآن أن يفرق بينهم.

وضع الإطار مكانه ثم قام بفك القدم الصناعية ووضعها بجوار الفراش واستلقى يناشد النوم الذي بدوره لا يرأف به ويظل يعذبه حتى الصباح. استيقظت توليب على صوت المنبه. أخرجت يدها من تحت الغطاء وظلت تتحسس حتى وصلت لهاتفها وقامت بإغلاقه بملل. أزاحت الغطاء عن رأسها ونهضت بتكاسل لتدلف المرحاض ثم خرجت بعد قليل لتبدل ملابسها وتضع النقاب على وجهها استعداداً للذهاب إلى الجامعة.

خرجت من غرفتها لتجد والدتها وزوجها يتناولون إفطارهم، فتقدمت منهم لتقبل رأس والدتها وتبتسم عينيها قبل شفتيها لزوج والدتها المحب وتقول بمرح: "أحلى صباح لأحلى بابا في الدنيا." هز توفيق رأسه بنفي رافضاً أي كلمة منها وغمغم باستياء: "متحاوليش، لأني برضه مش مسامحك." نظرت إلى والدتها وتمتمت بامتعاض: "ماما، متقولي حاجة." نهضت سلوى دالفة المطبخ وهي تتحدث بلا مبالاة: "مليش دعوة بيكم، إنتو حرين مع بعض."

خرج تميم أخوها من غرفته وهو يتثاءب وتمتم محبطاً إياها: "ريحي نفسك، مش هيكلمك. أنا لو مكانه مبصش في خلقتك تاني." نهره توفيق: "بس يا ولد، متدخلش." نظر إلى توليب وتحدث ببرود: "وإنتي اتفضلي على كليتك يلا." زَمّت فمها بغيظ منه وحملت حقيبتها وهي تتمتم بتوعد: "ماشي عشان اتأخرت، بس رجعالك." خرجت توليب من الشقة بترقب خوفاً من مصادفته والتعرض لكلماته المشمئزة مرة أخرى.

أسرعت للتوجه إلى المصعد وانتظرت حتى يصل إليها ثم تفاجئت به يخرج من شقته. انقبض قلبها خوفاً واسرعت بالعودة إلى شقتهم، لكنه كان أسرع إليها وجذبها من ذراعها ودفعها على الجدار لينظر إلى عينيها الظاهرة من خلف النقاب وتمتم برغبة: "مش ناوية تحني عليا؟ أنا خلاص من وقت ما شوفتك من غير النقاب وإنتي نغششتي جوايا." دفعته توليب تبعده عنها وغمغمت باشمئزاز: "ابعد عني لأصرخ وألم عليك الناس." ضحك بتهكم وقال باستهزاء:

"اصرخي وخلي جوز أمك وأخوكي يجوا وأنا أعرف شغلي معاهم، ده غير وشك الجميل ده أحلوه أكتر بمياة نار ولا... شعرت بالخوف من تهديده ودعت ربها أن ينقذها من ذلك الرجل. "ها يا قمر قولتي إيه؟ هتوافقي تتجوزيني ولا أنفذ تهديدي اللي قلتلك عليه." همت بالرد عليه لكنه ابتعد عنها مسرعاً وعاد إلى شقته حينما انفتح الباب وخرج منه توفيق. فاندهش عندما وجدها على تلك الحالة فتقدم منها يسألها بقلق: "مالك يا توليب واقفة كدة ليه؟ لملمت

شتاتها وتحدثت بتلعثم: "ها... لا أنا بس مستنية المصعد." خرج الرجل حينها من شقته وتظاهر بالاحترام وهو يقول بابتسامة: "صباح الخير يا عمي." رد توفيق باقتضاب وهو يشير لتوليب بالولوج للمصعد: "صباح النور، يلا يا بنتي." دلفا المصعد ودلف الرجل معهم تحت نظرات توفيق الممتعضة. أما هي فظلت تتخفى خلف توفيق حتى توقف المصعد وانفتح الباب.

خرجت مسرعة ما أن فتح الباب ولم تنتبه لصوت توفيق الذي يطلب منها الانتظار وأوقفت سيارة أجرة وطلبت من السائق الانطلاق. وصلت إلى الجامعة، فهي في سنتها الأخيرة في كلية العلوم وتجتهد على أمل أن تتعين معيدة في الجامعة. أنهت محاضراتها وخرجت من الجامعة بصحبة إلين صديقتها، والتي لاحظت عليها العبوس فسألتها: "أوعى تقولي إن الحيوان ده ضايقك تاني؟ هزت رأسها بالإيجاب، فغمغمت إلين باستياء: "أنا مش فاهمة إنتي ساكتة عليه ليه؟

مستنية إيه عشان تقولي لعمك ولا لأخوكي؟ توقفت توليب ونظرت إليها برفض: "مش هينفع أقول لحد، تميم متهور وممكن يعمل فيه حاجة ويأذي نفسه وعمي مريض ومش هيقدر يقف قدام واحد زي ده فالأفضل إني أتحمل اليومين اللي هيقعدهم هنا لحد مهمته دي ما تخلص." تنهدت إلين باستسلام: "يا بنتي إنتي عاملة له قيمة كدة ليه؟

ده مجرد أمين شرطة ميقدرش يعمل حاجة. نصيحة ليكي لازم تعرفي حد منهم، متضمنيش باباكي المرة دي أنقذك، منضمنش تتكرر تاني ومتلاقيش حد ينقذك." تنهدت بتعب وقالت باستسلام: "خليها على الله، المهم متعرفيش أخبار عن ياسمين؟ بقالي فترة بكلمها بلاقي فونها مقفول. حاسة إني مفتقداها أوي." "وأنا كمان من وقت ما حضرنا فرحها في الصعيد مشفتهاش تاني وفجأة قفلت فونها. بس إيه رأيك لو نسافر تاني ونروح لها نطمن عليها؟

"يا سلام، ده عمي وافق على الفرح بالعافية وشوفي كان عينه علينا إزاي لما راح معانا." "عشان بالنسبة له كانت ناس غريبة، بس هو شاف بنفسه قد إيه ناس كويسين." "مش عارفة بقا، خلينا نكلمه بعد الامتحانات ونشوف رأيه، مع إنه لسة رافض يكلمني." ضحكت إلين وقالت: "لسة برضه؟ أومأت لها: "آه، كأني عملت جريمة مش سحبت فلوسي من البنك." "بس إنتي برضه غلطتي، إنتي كده بتقوليله كفاية عليك لحد كده واتفضل خد تمن اللي صرفته عليا." فتحت توليب:

"لأ طبعاً مكنتش أقصد كده." "بس هو فهمها كده، وخصوصاً أنه فعلاً بيعتبرك زي بنته وهو اللي مربيكي وإنتي عمرك سنتين. يا توليب يا حبيبتي الأب اللي يربي مش اللي يخلف بس، وبعدين أنا بحس أنه بيحبك أكتر من تميم ابنه اللي من صلبه فمتجيش تبوخي في الآخر." زَمّت فمها بضيق وقالت بتأييد: "عندك حق، أنا هحاول معاه النهاردة ومش هسيبه إلا لما يرضى." توقفت السيارة أمام الفتاتين. "إزيكوا عاملين إيه يا بنات؟ ابتسمت

إلين لأخيها وقالت لتوليب: "أدهم جاه، تعالي اركبي معايا واخليه يوصلك." رفضت توليب بإحراج: "لأ طبعاً مش هينفع." أخذتها إلين عنوة وهي تقول بإصرار: "بقولك يلا، متبقيش رخمة." لم تستطع توليب الرفض أمام إصرارهم واستقلت المقعد الخلفي وجلست إلين بجوار أخيها وانطلق أدهم بالسيارة حتى أوصلها أمام البناية. تحدثت بامتنان وهي تترجل منها: "متشكرة أوي يا مستر أدهم." رد أدهم بروية: "على إيه؟ إنتي زي إلين."

انطلق أدهم بسيارته وهمت توليب بالولوج داخل البناية لولا صوت حسين الذي أوقفها: "ما إنتي حلوة أهه وبتركبي عربيات مع رجالة، أومال عاملة فيها شريفة قدامنا ليه." شعرت بالإحراج لنعته لها أمام المارة وأرادت الرد عليه، لكنها لم تقوى على الوقوف أمامه وهمت بالولوج للداخل، لكنه وقف أمامها يمنعها: "ولا إحنا عشان معندناش عربيات يعني." قال آخر: "ده النقاب ده بيداري بلاوي، والاسم تدين."

كان توفيق عائدًا من عمله عندما تفاجأ بما يحدث، فتقدم من توليب يسألها: "توليب! واقفة كدة ليه؟ تحدث حسين بمغزى: "لأ، إحنا بس بنطمن عليها، لأننا لقيناها نازلة من عربية واحد غريب، قولنا لتكون تعبانة ولا حاجة." انفعل توفيق من حديثه وقالت توليب بتصحيح: "لأ والله، أنا كنت مع إلين صاحبتي... قاطعها توفيق وهو ينظر إليهم بحنق: "متبرريش، أنا واثق فيكي كويس أوي وعارف أنا ربيت بنتي إزاي." وجه حديثه للجميع:

"كل واحد فيكم يخليه في حاله، لأن اللي هيجيب سيرة بنتي بكلمة هيبقى هو الجاني على روحه." ثم أخذها وصعد بها إلى شقتهم. دَلفت توليب وخلفها توفيق وقد شعرت بأنها أخطأت حقاً عندما وافقت إلين بتطوع أخيها لتوصيلها، وأعطت لذلك الرجل الفرصة كي يعرضها لذلك الموقف. أغلق توفيق الباب وتطلعت إليه توليب بخجل وهمت بالتحدث لكنه منعها:

"متقوليش حاجة، أنا عارف إنك مكنتيش لوحدك معاه، بس فكرة إنه يوصلك غلط. إحنا في مجتمع شرقي وليه قيوده، وإحنا لازم نلتزم بيها ومنديش فرصة لأي حد أنه يمسك علينا غلطة، وياريت متتكررش تاني." لم تجادله بل أومأت له وذهبت إلى غرفتها. تقدمت منه سلوى تسأله بقلق: "في إيه يا توفيق؟ مالها توليب؟ تنهد بتعب ورد بثبات: "مفيش حاجة، هي بتحاول تصالحني، بس أنا لسة واخد على خاطري منها." هزت رأسها بيأس منه وقالت بتعب: "مش كفاية ولا إيه؟

تركها ودلف للداخل وهو يتمتم باستياء: "مش عارف إنتي مركزة معانا ليه." في مكان آخر. وضعت يدها على فمها بصدمة كبيرة وهي تنظر لذلك الاختبار بيدها، والذي أكد شكها بأنها سقطت في محيط خطيئتها وعليها أن تتحمل نتيجته. تساقطت دموعها بغزارة وهي تكتم شهقاتها وألقت جسدها على الأرضية تضم قدميها لصدرها، لا تدري ماذا تفعل الآن. إذا علمت والدتها لن تتحمل تلك الصدمة.

طرق الباب قبل دخوله، فوجده بتلك الحالة من الانهيار، فعلم حينها بأن شكها أصبح حقيقة. فحاول إخفاء فرحته ودنى منها ليجلس بجوارها على الأرضية ويسحبها إلى صدره ويغمغم بخفوت: "هش هش، خلاص أهدي، أنا هصلح كل حاجة." ازداد نحيبها والخوف تمكن منها، وصدره لأول مرة لا يشعرها بالأمان كما اعتادت منه، فتابع وعده: "والنهاردة هقول لبابا، ولو أصر على الرفض هسيب البيت وأمشي ونتجوز." رفعت رأسها عن كتفه وتمتمت برهبة: "خايفة يرفض."

تطلع لدموعها التي بللت وجهها وقد شعر بوخزة ضمير: "وأنا مش هتخلى عنك، أنا وعدتك إني هصلح كل حاجة وأنا قد وعدي ده." هزت رأسها بنفي وتمتمت بضياع: "ماما لو عرفت ممكن تموت فيها." أمسك يدها يحسها على الثبات وتحدث بقوة: "مش هتعرف، وبابا لما يعرف بحفيده مش هيقدر يقول لأ." "ولو رفض؟ تنهد بتعب شديد وقال بثبوت: "لو قفل خالص، هسيب كل حاجة ونروح نعيش عند أمي في الصعيد." ابتسمت بسخرية محملة بالمرارة: "وتفتكر إنه هيسيبك؟ زَمّ

فمه بحيرة ثم تحدث بجدية: "وقتها يا إما يوافق على جوازنا يا إما مش هرجع معاه." "قومي اغسلي وشك وروحي قبل مامتك ما تحس بغيابك، وسيبي كل حاجة عليا." ساعدها على النهوض ودنى بها من الحوض ليغسل لها وجهها بحنان جارف، ثم نشفه لها وخرج من المرحاض. جلست بجواره داخل سيارته بوجوم أرهق قلبه، فتطلع إليها ليتمتم بروية: "قلتلك متشليش هم حاجة، أنا أول ما أوصل هفاتحه في الموضوع، يا إما يوافق يا إما نسافر البلد."

أومأت له رغم خوفها وانطلق بالسيارة عائدًا بها إلى منزلها قبل عودة والدتها. دَلفت البناية المتهالكة وصعدت إلى شقتهم البسيطة، تدخلها بترقب خوفاً من عودة والدتها. ألقت الحقيبة على المقعد وجلست على الأريكة تتنهد براحة لم تدوم طويلاً عندما خرجت والدتها من الغرفة وهي تسألها بحزم: "كنتي فين؟ انقبض قلبها خوفاً ونهضت بوجل وهي تحاول البحث عن سبب لغيابها فتتهته: "أ... أنا... تقدمت منها نادية وعادت تسألها بانفعال:

"بقولك كنتي فين؟ رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول الثبات أمام والدتها كي لا تشك بأمرها أكثر وتمتمت برهبة: "كنت بايته مع لبنى زي ما قولتيلي و... قاطعتها نادية بغضب: "لبنى لسة مكلماني دلوقتي بتسأل عليكي لما لقيت فونك مقفول." نظرت نادية إلى حقيبتها كي ترى هاتفها ومدت يدها لتأخذها، لكن نور أسرعت لتمنعها وأخفت الحقيبة خلفها مما جعل الشك يزداد بداخل نادية وقالت بأمر: "هاتي الشنطة." هزت رأسها برفض وتمتمت ببكاء:

"أرجوكي اهدي يا ماما وأنا هحكيلك على كل حاجة." صاحت بها بغضب وهي تمد يدها: "قلتلك هاتي الشنطة." مدت يدها لتأخذ منها الحقيبة ونور تعافر أمامها كي لا ترى ذلك الاختبار التي نسيت أمره داخل حقيبتها. حتى انقطعت وسقط محتواها على الأرض، فتشهق نور بخوف عندما رأت والدتها الاختبار ملقى على الأرض. الجمتها الصدمة لثواني وهي ترى حقيقة ابنتها، بل طعنها لها.

بيد مرتعشة مالت نادية لتمسكه وتتأكد مما تراه، وقد اتسعت عينيها بذهول وهي ترى الحقيقة التي قصمت ظهرها وقضت على ما تبقى بداخلها من ثبات. فمن تحملت قسوة الدنيا لأجلها نحرتها بسلاح بارد من وريد إلى وريد. طعنتها في الصميم وهي تعمل خادمة كي توفر لها احتياجاتها. سقطت على ركبتيها بانهيار وشريط حياتها بعد وفاة زوجها يعاد أمامها. طرد أهل زوجها لها هي وابنتها. عودتها لمنزل أخيها الذي تركها لزوجته تعاملها كالخادمات.

اتهامها بالسرقة وطردها من منزله. وظلت تعافر وتعافر حتى استطاعت العمل في ذلك المنزل. دنت منها نور وامسكت ذراعها لتقول برجاء: "ماما متفهميش غلط، أنا... دفعتها نادية بعيداً عنها باشمئزاز وجذبت ذراعها من يدها وهي تقول بحدة: "ابعدي عني، مش عايزة أشوفك قدامي يا فاجرة." هزت نور رأسها برفض وتمتمت ببكاء وهي تعاود إليها: "أنا مش فاجرة، أنا متجوزة على سنة الله ورسوله، ولو مش مصدقاني اتصلي على أسر واسأليه."

صدمة أخرى تلقتها منها وهي تخبرها بأن من اخطأت معه هو ابن رب عملها. ذلك الشاب الذي تعمل لديهم خادمة. هزت رأسها بعدم استيعاب لما يحدث وكأنها داخل حلم مزعج وسينتهي فور استيقاظها. فغمغمت بألم: "ليه كده؟ قصرت معاكي في إيه عشان تدمرى نفسك بالشكل ده؟ دا أنا حفيت واتذليت عشان أعيشك في مستوى كويس وأعلمك، والآخر تحطي راسي في الطين." نظرت بانهيار لحالة والدتها وقالت برجاء:

"ارجوكي يا ماما اسمعيني، آسر فعلاً بيحبني والنهاردة وعدني إنه هيقول لأبوه ونشهر جوازنا." تطلعت إليها بسخرية: "وإنتي فاكرة إن لو كان فعلاً صادق معاكي أبوه هيوافق؟ هيوافق يجوز ابنه لبنت الشغالة؟ انهارت نادية بالبكاء وصرخت بها وهي تصفعها على كتفها: "تبقى بتحلمي يا بنت بطني، بتحلمي، مستحيل أبوه يوافق لإننا خدامين عندهم، آخرنا ننضف فرشته منمش عليها. روحي منك لله فضحتيني، روحي منك لله."

رن هاتف نادية الملقى بجانب نور، فاسرعت بالنظر إليه فوجدتها اعتماد التي تخدم مع والدتها في منزل آسر. انقبض قلبها بخوف من أن تكون قد سمعت شيئاً، فنظرت لوالدتها لتقول برجاء: "ردي يا ماما واعرفي في إيه؟ أكيد آسر كلم أبوه." نظرت إليها نادية بسخرية ورفضت الرد. لكن عاد الهاتف يرن مرة أخرى فلم تستطيع نور إحكام فضولها فقامت بالرد عليها ليأتيها صوت اعتماد التي تبكي وهي تقول:

"تعالي بسرعة يا نادية، آسر بيه عمل حادثة دلوقتي والدنيا مقلوبة." رمشت بأهدابها مرات متتالية تحاول استيعاب ما سمعته أذناها. عادت اعتماد تحدثها عندما لم تسمع ردها: "نادية إنتي سمعاني؟ بقولك آسر بيه عمل حادثة والدنيا مقلوبة." سقط الهاتف من يدها وقلبها يهدر بعنف، لا تفهم شيئاً مما يحدث. في منزل مراد العمري. عاد إلى منزله في وقت متأخر فيجد والدته جالسة في البهو وقد ظهر عليها القلق. تقدم منها يسألها بحيرة:

"خير يا أمي، قاعدة لوحدك كده ليه؟ تطلعت إليه بابتسامة تمحي بها قلقها وذلك الحلم الذي جعلها تشعر بالخوف على ابنها الأكبر والذي أخذ منها عنوة عندما قررت الانسحاب من براثين الذئاب، وسألته: "إنت إيه اللي آخرك برة لحد دلوقتي؟ توجه بنظره للأعلى حيث غرفته وما ينتظره بداخلها من توعد، فجلس بجوار والدته وتحدث بثبات: "عادي يا ست الكل، كنت سهران مع جواد والوقت سرقني." ربتت على يده وقالت بروية:

"طيب اطلع لمراتك طيب خاطرها بكلمتين، أكيد لسه مكسورة بعد اللي حصل من مرات أخوك." حاول الابتسام كي لا تشعر بآلامه تحدث بثبات: "متجلجيش عليها، إني خابرها زين، مبتهتمش لكلام حد، ده قدرنا ولازم نرضى بيه، وبعدين ربنا لما بيحرمنا من شيء بيبقى خير لينا وإحنا مش حاسين. ربنا أمرنا بالرضا فلازم نجول سمعنا واطعنا، يا إما هنكون زي قوم جالوا سمعنا وعصينا."

"والصبح إن شاء الله هروح بنفسي أرجع سهر لإني خابر زين إنها متقصدش حاجة من اللي جالتها، هي سلمى اللي حساسة جوي." ابتسمت بامتنان لولدها الذي أجادت حقاً تربيته وقالت بحب: "ربنا يكملك بعقلك يا ولدي، يلا اطلع لها زمانه قلجانة عليك." صحح قولها: "تُقصدي بتحضر للي هتعمله فيا لما تشوفني." قبل رأسها بمودة وتمتم بحبور: "جومي أوصلك لأوضتك وبعدين أطلعلها عشان لما أحلف لها إنك إنتي اللي أخرتيني أكون صادق."

أظهرت ابتسامة على محياها رغم انقباض قلبها وتمتمت برضا: "ربنا يريح جلبك ويسعدك بيها يا ولدي." "يأمن خلفها: يارب يا أمي." تركها في غرفتها وصعد للأعلى ليجد غرفة أخيه مضاءة. طرق الباب وانتظر حتى سمح له بالولوج ودلف ليجد مؤيد جالسًا على فراشه في وجوم تام. عند رؤيته نهض مؤيد وهو يخفض رأسه بحرج من أخيه وتمتم: "أهلاً يا مراد، اتفضل." تقدم منه مراد بابتسامة مشرقة وتحدث بهوادة: "مجبتش مراتك ليه يا ابن عمري؟

معقول تسيبها تبات برة فرشك؟ أشاح مؤيد بوجهه وتحدث بانفعال: "بس إني مش ناوي أرجعها، كل مرة أسامح وأعدي لحد ما تمادت فيها واني خلاص مبجتش قادر أتحمل أخطاءها أكتر من كده." تنهد مراد بضيق وقال بهدوء: "يا ابني انت الراجل وانت اللي تدير أمورك وتتحكم فيها وتمشيها كيف ما انت رايد، لأن اليأس ده ضعف وبيأكد إنك مش عارف تكون راجل في بيتك وخصوصاً لما تمد إيدك عليها." رمش مؤيد بعينيه وتمتم برفض: "بس أنا كان لازم أعمل كده عشان...

قاطعه مراد مدافعاً عنها رغم استياءه منها لكنه لا يريد النار أكثر بينهم: "عشان تفرض سيطرتك عليها، بس بكده إنت بتظهر ضعفك قدامها مش العكس." تنهد بتعب وتابع: "يا ابني الست مش حيوان هنتعامل معاه بالضرب عشان يخاف." غمغم مؤيد بعناد: "أنا مضربتهاش، أنا بس اديتها بالألم، وبعدين الرسول كان بيضرب زوجاته." "مين قالك كده؟

عمر الرسول ما ضرب زوجاته وأخطائهم كلها كانت بسبب الغيرة وكان عقابه لهم ضربهم بالسواك بتبقى بملاطفة مش بعنف. قلت لك في طرق كتير تحل بيها مشاكلك معها غير الصوت العالي لحد ما توصل للضرب." قطب جبينه بحيرة ورد بملل: "وإيه هي بقا الطريقة دي؟ هز رأسه بيأس منه وتحدث باستسلام: "هقولك... عاد مراد إلى زوجته والتي خالفت ظنه فيجدها متدثرة بالغطاء تغط بنوم عميق أو هكذا تتظاهر.

نظر إليها بتعاطف وقام بتبديل ملابسه واستلقى بجوارها يحتضنها ويقبل رأسها بحب. فلم تستطع التظاهر أكثر من ذلك واستدارت لتخفي وجهها داخل صدره وتبكي بألم مزق قلبه. استيقظت سلمى في الصباح فمدت يدها تتحس مكانه لتتفاجئ به فارغاً. فتحت عينيها تبحث عنه في الغرفة فتجده خارجاً من المرحاض يجفف وجهه. وعند رؤيتها ابتسم قائلاً: "صباح الخير." بادلته الابتسام وتقدمت منه لتقول بحب: "صباح النور يا قلبي." ألقى المنشفة على المقعد وحاوطها

بذراعيه وهو يتحدث بشغف: "كيفك دلوقتي؟ حاوطت عنقه بذراعيه وأجابت بامتنان: "أحسن، طول ما إنت معايا." اتسعت ابتسامته وقبل جبينها ثم ابتعد ليرتدي جلبابه. دنت منه سلمى لتقول بطيبتها المعهودة: "مراد، كنت عايزة أطلب منك طلب." وقف أمام المرآة يمشط خصلاته ورد بتأكيد: "جولي يا سلمى، اللي إنتي عايزاه." نظرت لانعكاس صورته في المرآة وتمتمت بتردد: "بصراحة كنت عايزة إياك تصالح مؤيد ومراته، مش هقبل أكون سبب في أي مشكلة تحصل بينهم."

ألقى الفراش من يده واستدار إليها ليقول بحدة: "مش رايد حديد كتير في الموضوع ده، اللي غلط لازم يتعاقب." تقدم من الباب ليخرج فسبقته لتمنعه من الخروج وقالت برجاء: "صدقني يا مراد هي مكنتش تقصد حاجة مؤيد اللي كبر الموضوع." "بما إن مراد اللي كبره يبقى هو اللي يلمه، أنا مليش صالح وبعدين متجلجيش إني اتحدتت معاه وهيروح يجيبها النهاردة." خرج من الغرفة لينزل للأسفل فيجد والدته جالسة على الأريكة وعلامات القلق كما هي على وجهه.

تقدم منها يلقي عليها السلام ويقبل رأسها: "السلام عليكم، كيفك دلوقتي؟ أجابت بكمد: "جلجانة جوي على أخوكي بحاول أكلمه بس تليفونه مقفول، خايفة عليه جوي." ربت على يدها يطمئنها: "متجلجيش، أنا هحاول أوصله وأطمنك. يلا جومي عشان نفطر مع بعض." خرجت سلمى من الغرفة فتصادف بمؤيد يخرج من غرفته. "صباح الخير يا مؤيد." رد بابتسامة عريضة رغم احراجه من عمل زوجته: "صباح النور يا سلمى، كيفك؟ أجابت بابتسامة: "الحمد لله بخير." زَمّ

فمه باستياء وغمغم باسف: "أنا مش عارف أقولك إيه بس... قاطعته سلمى بهدوء: "متقوليش أي حاجة، صدقني أنا مزعلتش، أكيد مكنتش تقصد، وبصراحة بقا أنا اتعودت على أسلوبها وعايزها ترجع." هز رأسه وتمتم باقتضاب: "إن شاء الله." تجمعوا حول مائدة الإفطار ولاحظت سلمى وجوم خالتها فسألتها باهتمام: "طنط إنتي كويسة؟ هزت آمال رأسها بوجل: "مش عارفة إيه سبب الخوف ده على آسر ولدي، جلجانة جوي."

صدح رنين هاتف مراد فأخرجه من جيبه ونظر للمتصل والذي يشير إلى رقم مجهول فرد بثبات: "السلام عليكم." "...... "أيوه أنا مراد العمري، خير." "...... "إنت بتجول إيه؟ متى ده حصل؟ نهض الجميع بدورهم وسألته آمال: "في إيه يا ولدي؟ نظر إلى والدته وما زال عقله لا يستوعب الصدمة، فلم تحتاج آمال لسماع شيء وقد أخبرها صمته بما لم يستطع لسانه التفوه به. يتبع...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...