الفصل 2 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الثاني 2 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
5,326
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 6%
حجم الخط: 18

وقفت ياسمين أمام الخزانة لتخرج ملابس ترتديها كي تذهب للوحدة كما اتفقت مع جواد. خرج خالد من المرحاض ليجدها تنتقي الملابس بعناية. ألقى المنشفة على المقعد ووقف أمام المرآة يهندم ملابسه وسألها بفتور: _كل ده عشان رايحة الوحدة؟ ردت بفتور مماثل وهي تخرج عباءة سوداء تمتاز بالرقي: _أنا خارجة سواء بقا رايحة الوحدة أو هتمشى شوية مش هتفرق.

ألقى الفرشاة من يده وتقدم منها كي يمنعها من ارتداء عباءتها، ليس رغبةً بها بل لأجل وضع ملكيته عليها، طالما لم يستطع وضع ملكيته على قلبها. _ما تأجلي المشوار ده شوية. ازدردت لعابها بوجل وتمتمت برهبة: _بس كده هأخر على ميعاد التطعيم. قاطعها وهو يجذبها إليه: _مافيهاش حاجة لو آخرتي شوية. لم يعطها فرصة للاعتراض وأخذها إجبارًا كما اعتادت منه.

ترجلت ياسمين على الدرج وهي تحمل ذلك الصغير والذي يبلغ من العمر عام ونصف. توقفت بوجل على صوت حماتها وهي تسألها بترقب: _أخده الولد ورايحة على فين إن شاء الله يا مرات ابني؟ انقبض قلبها خوفًا والتفتت إليها وهي تحاول الثبات أمام تلك المرأة الظالمة، فتمتمت بثبات لا يخلو من الارتباك: _ها.. أنا رايحة أطعم يزن زي ما قولتلك امبارح يا مرات عمي. ترجلت كريمة حتى وصلت للدرجة التي تقف عليها ياسمين وغمغمت وهي تنظر داخل عينيها:

_وإشمعنى المرة دي اللي مصرة توديه إنتي؟ رمشت بعينيها وتمتمت برهبة: _إنتي عارفة إنه متعلق بيا ومش بيسكت مع حد غيري، وبعدين متنسيش إني أبقى عمته. ساورها الشك لكنها أومأت برأسها وأشارت لها بالذهاب، وهي تراقبها بعينيها حتى خرجت من المنزل. خرجت ياسمين وهي تتنهد براحة لتخلصها من أسئلة تلك المرأة. لتتفاجئ به بجوار السيارة يفتح لها الباب.

اهتزت نظراتها وانتفض قلبها خوفًا من مشاعرها التي مازالت كما هي، لم تستطع التغلب عليها. أما هو فقد أخفض عينيه منتظرًا صعودها للسيارة وحاله ليس أفضل من حالها. تعاهد كلاهما على الفراق والتزموا به، لكن قلوبهم أبت الاعتراف بذلك وظلت على عهدها القديم بأن يظلوا على نهجهم مهما فرق بينهم القدر. تنفست بقوة تحاول التحلي بها وألّا تضعف أمام سطوة قلبها، وتقدمت لتستقل المقعد الخلفي وهي تحمل يزن في سكون تام.

أغلق الباب بعد أن استقرت في مقعدها، وسرعان ما جلس في مقعده وانطلق بالسيارة إلى وجهتها بناءً على أمر جواد الذي جعله عينه الأخرى في ذلك القصر. التزم الصمت وعينيه تنظر إلى الطريق دون أن تنزاح من عليه. عليه الثبات رغم صعوبة الأمر، فهو من أخطأ من البداية عندما سمح لقلبه بعشق حُكم عليه بالفشل قبل بدايته.

أما هي فقد كانت تنظر من النافذة بشرود تخبر نفسها بأنها أقوى من ذلك وستستطيع التغلب على ذلك العشق المحرم، فهي ليست خائنة ولن تكون. وقف جواد أمام الوحدة ينتظر قدوم ابنه على أحر من الجمر، فقد مر عام لم يلمح فيه طيفه سوى بالفيديوهات التي تبعثها إليه ياسمين. اليوم سيضع حد لتلك المهزلة ولن يستطيع أحد ردعه. توقفت السيارة أمام المبنى وترجلت منها ياسمين وهي تحمل الطفل. تقدم منها جواد وهو يسألها بفتور: _آخرتي كده ليه؟

اندهشت ياسمين وهي تتطلع إليه وكأنها ترى شخصًا آخر غير جواد أخيها الذي يتسم بالطيبة والحنان، فتجد أمامها عيونًا جامحة يحرق لهيبها من تقع عليه نظرته، فردت بوجل: _ما إنت خابر مرات عمك، محدش بيعرف يخرج إلا بسين وجيم منها. أومأ بجمود وأشار لها بالتقدم كي يتم التطعيم.

كانت تنظر إليه بين الحين والآخر وتندهش من حاله، فقد تبدل حقًا ولم يعد أخيها الذي كانت تشعر معه بالأمان. لم تراه منذ ذلك الحادث حتى أنه رفض أن تظل معه كي تعتني به في مصابه. انتهى التطعيم وخرجت ياسمين معه، لكن تلك المرة هو من يحمل صغيره والذي لم يكف عن البكاء منذ حمله. قالت بتعاطف: _معلش يا جواد أصلُه أول مرة يشوفك. رأسه بتفاهم وغمغم بثبات: _اركبي إنتي وملكيش صالح، أنا هعرف أسكته. اندهشت ياسمين وسألته:

_تقصد إيه مش فاهمة؟ فتح جواد باب السيارة ودفعها عنوة وأغلق الباب وهو يقول بأمر: _روحي إنتي. حاولت فتح الباب وهي تقول بهلع: _إنت هتعمل إيه يا مجنون؟ مرات عمي لو عاودت من غيره هتقتلني. أشار جواد للسائق بعينيه أن ينطلق وقال بثبوت: _قولي لجدّي إن جواد أخد ابنه، وإن كريمة كلمتك قولي لها اخبطي راسك في أجدعها حيطة. انطلقت السيارة وياسمين تصرخ بالسائق أن ينتظر لكنه لم يستمع لها. حاولت الاتصال مرارًا وتكرارًا لكنه لا يجيب.

نظرت إلى آدم بغضب وغمغمت بتوعد: _وديني لما أوصل القصر لجلبه على دماغك. نظر آدم إليها في المرآة ورد بثبوت: _أنا عبد المأمور وجواد هو اللي أجبرني أعمل كده. ضغطت ياسمين على أسنانها تحاول البحث عن مخرج من تلك المصيبة التي أوقعت نفسها بداخلها وتمتمت بوجل: _هأقول إيه دلوقتي لمرات عمي؟

تطلع إليها آدم في المرآة وأراد أن يطمئنها بطريقته كما كان يفعل فيما مضى، لكن قُضي الأمر ولم يعد باستطاعته حتى التفكير بها، لكنه عاهد قلبه بأن يظل رافضًا إخراجها منه ما حييت. _إنتي بتجولي إيه يا مخبولَة إنتي؟ قالتها كريمة وهي تهدر بها عندما تفاجأت بها عائدة دون حفيدها وأخبرتها بأن جواد أخذ الطفل منها عنوة، فتتدخل فادية لتدافع عنها: _وهي ذنبها إيه بس يا كريمة، بتجولك إنه أخد الواد من يدها بالغصب، كانت هتعمل إيه يعني.

تلاعبت الشياطين أمامها وعقلها يدفعها للذهاب إليه وأخذ حفيدها بالقوة منه، لكن خروج حسان من مكتبه جعلها تتراجع. _في إيه يا كريمة صوتك عالي في الدار ليه؟ تقدمت منه جليلة لتقول باحتدام: _جواد خطف حفيدي وبيجول إنه مش هيرجعه تاني، يرضيك يا عمي كده؟ عقد حاجبيه مندهشًا ونظر لياسمين يسألها: _إيه اللي حصل يا ياسمين ومن غير ما تخبي حاجة، لإنك خابرة زين إن مفيش حاجة بتخفى عليا.

ارتبكت ياسمين ونظرت إلى فادية تستنجد بها، فتحسها بعينيها أن تخبرهم الحقيقة، فنظرت إلى جدها لتقول بوجل: _والله يا جدي أنا مليش ذنب، هو اللي بقاله فترة بيطلب مني يشوف ابنه بس أنا كنت برفض وبعدها كلمني وجالي إنه مسافر وعايز بس يشوفه قبل ما يمشي. قاطعتها كريمة بغضب: _وإنتي صدقتيه يا خايبة؟ أوقفها الجد بحدة: _كريمة. التزمت الصمت ليس وجلًا منه بل لأنها لا تريد كسب عداوته الآن حتى يجبر جواد بإرجاع حفيده. تحامت ياسمين

خلف فادية وتمتمت برهبة: _وأنا كنت هعرف منين إنه ناوي يعمل كده، إني صدقته لما جالي إنه هيشوفه ويمشي على طول. هز عامر رأسه وأشار لها بالانصراف، فتصعد إلى غرفتها مسرعة وهي تلعن جواد بداخلها. نظرت كريمة إلى حسان وسألته بحيرة: _هتعمل إيه يا عمي؟ ضرب بعصاه الأرض وتحدث بقوة: _مش عايز حديث تاني في الموضوع ده. عقدت حاجبيها بدهشة ودنت منه تسأله: _حديثك ده معناه إيه؟ _يعني ده ابنه وأخده ومحدش يجدر يمنعه.

صُدمت من رده بعد أن أمر بترك الطفل معها كي يعوضها عن فقدان ابنتها، فكيف إذاً يترك صفها الآن. _يعني إنت موافق في اللي عمله وإنت خابر زين إنه عوضي عن موت بنتي اللي حفيدك قتلها؟ تطلع إليها بغضب لصوتها الذي علا على صوته وهتف بحزم: _صوتك ما يعلاش وده أولًا وثانيًا مش رايد حديث في الموضوع ده نهائي. دنى منها أكثر وتابع بسخط:

_وأوعي تكوني فاكرة إنك أخدتي الولد عشان يعوضك والكلام اللي بتضحكي بيه على جوزك وخلتيه يمشي كيف الخروف وراكي، لأ، إني خابر زين إنك عملتي كده بس عشان تكسري حفيدي، بس سيبتك وجلت بكرة تعجل، بس إنتي كل مدى ما بتطغي فيها ومن بعد النهاردة محدش له كلمة في الموضوع ده. تركها ودلف غرفة مكتبه وعينيها تنظر في أثره بغضب جحيم. لن تتركه يفرح بنصره عليها وستحاول بشتى الطرق كسر شوكته كما كسرها هي بقتل ابنتها.

دلف جواد منزله وهو يحمل ابنه الذي لم يكف عن البكاء خوفًا من أبيه والذي لم يراه من قبل مما جعله يزداد سخطًا عليهم. نادى بصوته الحاد: _أم نعمة. خرجت أم نعمة من المطبخ لتتفاجئ به واقفًا يحمل ابنه الذي يبكي بشدة، فنظرت إليه بعتاب تلاشاه هو وتحدث آمرًا: _خدي الولد سكتيه وابعتي للمربية خليها تيجي دلوقتي. أخذت الطفل من يده وقالت بطاعة: _حاضر يا ولدي.

أخذت الطفل وذهبت به إلى الغرفة التي خصصها له من قبل وحاولت تهدئته حتى تعب من البكاء ونام باكيًا. دلفت نعمة لتجد والدتها تضعه في الفراش فسألتها بهمس: _نام؟ أشارت لها والدتها بالصمت وجذبتها وخرجت من الغرفة. سألتها: _كلمتي البنت ولا لسه؟ ردت بهدوء: _آه كلمتها وجالت إنها مش هتجدر تيجي وهتبعت واحدة غيرها وزمانه على وصول. _طيب روحي عرفيه وربنا يستر.

بحثت عنه لتجده واقفًا في حديقة منزله يتحدث مع أحد رجاله. انتظرت حتى أنهى تعليماته ثم سألها بعينيه عن سبب وقوفها، فقالت بارتباك: _البنت اللي طلبتها مش هتجدر تيجي وجالت إنها هتبعت أختها. زم فمه باستياء وهو يعصر الهاتف بيده ثم سألها: _مش البنت دي متزوجة؟ _لأ، اتطلقت من فترة كده ورجعت البلد. التزم الصمت قليلًا ثم تحدث بانفعال: _طيب روحي دلوقتي. انصرفت نعمة ونادى هو على حامد الذي أتى مسرعًا: _نعم يا بيه. قال بأمر:

_ساعة بالكتير وتجيب لي أخبار البنت اللي جاية دي. أكد حامد: _نص ساعة وهجيب لك كل أخبارها. انتهت حياة من وضع ملابسها داخل الحقيبة وقامت بحملها وهي تنظر بوجل إلى منى: _أنا بقيت جاهزة يلا معايا عشان تعرفيني الطريق. نظرت منى بحزن على حال أختها وقالت بتأثر: _بلاش تروحي الله يرضى عليكي، إني قلقانة جوي من شغلك معاه. تنهدت حياة بحزن وتمتمت بشجن: _وهو يعني اللي ارتحنا لهم عملوا إيه؟

ضحكوا علينا والآخر خطف ابني وهرب بيه، خلينا نشتغل يمكن الشغل يعوضني عن فراق ابني. ربتت منى على كتفيها وقالت بثقة: _إن شاء الله ربنا هيرجعهولك سالم غانم وينتقم من اللي كان السبب. أومأت لها حياة وخرجوا كلاهما من المنزل متجهين إلى تلك المزرعة. وقفت حياة أمام بوابة المزرعة وهي تشعر برهبة وشعور غريب، وكأن هذا المكان هو ملاذها الذي كانت تبحث عنه. فتح الباب وخرج منه وهدان أحد رجال جواد المخلصين يسألها: _خير؟ اهتزت

نظراتها بوجل وردت بتردد: _أ..أنا.. المربية اللي طالبها جواد بيه. هز رأسه بتذكر وقام بفتح الباب وهو يقول بترحيب: _يا أهلًا اتفضلي. ردت باحترام وهي تدلف للداخل: _يزيد فضلك. أمر الرجل المكلف بحراسة البوابة وقال بأمر: _اقفل البوابة ووصلها للبيت جوه. خرج وهدان وأغلق الرجل الباب خلفه: _اتفضلي يا بنتي تعالي معايا. ابتسمت بروية وسارت خلفه وهو يتقدمها كي يصلها إلى داخل المنزل حتى وصل لاعتابه ونادى: _يا نعمة.

خرجت نعمة من المنزل وهي تحكم الغطاء على رأسها جيدًا وترد عليه: _أيوه يا با جاية. أشار لها على حياة: _خدي… نظر إليها يسألها عن اسمها فأجابت بثبات: _حياة. _عاشت الأسامي يا بنتي، خديها يا نعمة وخليها تجابل جواد بيه. _من عينيه. سارت حياة بجوارها لتدخل ذلك المنزل الكبير وعينيها تجوب المكان برهبة. ماذا ينتظرها هنا؟

طرقت نعمة الباب وسمعت صوته الحاد الذي أجفلها وهو يسمح لهم بالولوج، فإذا كان بتلك الحدة وهو يسمح لهم بالدخول فماذا يكون حاله عندما يغضب. دلفت الغرفة وقلبها يدق بعنف وأخذت عينيها تجوب الغرفة حتى سقطت عينيها عليه وهو واقفًا أمام الشرفة يوليهم ظهره وعندما استدار وجدته حقًا كما تخيلته بتلك العيون الحادة وفمه القاسي وقطبة جبينه التي استلذة موضعها وأقسمت ألا تتركه. قاطعت نعمة تفكيرها وهي توجه حديثها إليه:

_دي المربية اللي جنابك طلبتها. نظر إليها بوجوم ولم يحتاج أن يسألها عن شيء وقد أخبره حامد بكل ما يتعلق بها، كما إن حالتها وعيونها التي تقطر حزنًا تخبرهم بحقيقة مرة عاشت بها تلك الفتاة، فعمرها لا يتعدى الثانية والعشرين كما أخبره حامد، لكنها تبدو كورده ذابلة في مهب ريح. فتحدث بجمود: _أظن إن حامد اتفق معاكي على كل شيء وخبرك باللي هتمشي عليه. رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول الثبات أمامه وقالت بخفوت: _أيوه خبرني.

أومأ لها ثم أشار لهم بالانصراف وظل يتبعها بعينيه حتى خرجت من الغرفة. صعدت حياة بصحبة نعمة إلى غرفة الصغير وعينيها تجوب المكان بحثًا عنه حتى وقع نظرها عليه وهو نائم في فراشه وآثار البكاء واضحة عليه. ابتسمت وهي تتقدم منه بتروٍ تملي عينيها منه وكأنها ترى به وحيدها. مدت يدها لتتحسس خصلاته الفاحمة كخصلات أبيه. جال بخاطرها عينيه الآسرة والتي رأت خلف جفاءها وقوتها حزنًا دفينًا حصيلة أعوام عديدة من الآلام. انتبهت

على صوت نعمة التي تسألها: _حياة مبترديش ليه؟ تطلعت إليها وهي تجيب بتيه: _هاتعجب. ردت بروية: _بقول إن جواد بيه سمح لك إنك تباتي معاه لحد ما يتعود عليكي. أومأت برأسها وتطلعت إلى نعمة وهي تخرج وتغلق الباب خلفها، فعادت بنظرها إلى يزن لتلمس على خصلاته وهي تقول بحب: _قد إيه بريء زي الملايكة، بكرة الدنيا تصنع منك وحش كيف الوحوش اللي عايشين وسطيهم، بس أنا مش هسمحلها تحولك زيهم.

أسرعت للذهاب إلى المشفى الخاصة بهم تتأكد من ذلك الخبر الذي دمر كل شيء، وقد كانت الصدمة التي قضت عليها وهي تستمع لصرخات عمتها ونحيب أبيها. أغمضت عينيها والشعور بكل شيء ينهار من حولها يزداد ويزداد. تساقطت الدموع منها بغزارة ولم تجد سوى ذلك الجدار التي ألقت حملها عليه وتبكي بكاءً يمزق القلوب. ليتها لم تتركه يذهب، بل ليتها كانت معه وانتهت حياتهم معًا. بكت كما لم تبكي من قبل ولم تجد من يواسيها ويخفف عنها مصابها.

انتهت الحياة بالنسبة لها ولم يعد لها معنى بعد فراق ذلك الحبيب. وضعت يدها على جوفها تتحس قطعة منه لتكون الذكرى الوحيدة المتبقية لها. ها هو يخرج موضوعًا على ذلك الحامل مغطي الوجه والجميع يلتف من حوله ماعدا هي، رغم أنها الأحق به منهم. جلست على الأرضية الصلبة وسمحت لصرخاتها بالانطلاق لتحكي للمارة مدى العناء التي بثته في تلك الصرخات.

صخرت وبكت ونادته لكن ما من مجيب، وظلت صرخاتها تمزق قلب من يقع سمعه عليها حتى تراخت بين يدي الممرضات الذين رأفوا بحالها ووضعوها في إحدى الغرف بعد فقدانها للوعي. أما والدتها فقد ظلت تباشر عملها في سكون تام، ظن الجميع بأنه حزنًا على ابن سيدها، ولم يدري أحد بمصابها. ماذا تفعل الآن؟ هل تخبره وتتعرض للعواقب أم تصمت وتداري عار ابنتها بيدها؟ فهي أكثر من يعلم بهؤلاء لا تعرف الرحمة لقلوبهم طريقًا.

تتذكر جيدًا مدى قسوتهم على زوجته والتي تركت ابنها وفرت هاربة من براثينهم وعادت لبلدتها في الصعيد. فهل سيقبل والده ذلك المتحجر بزواج ابنه الوحيد من ابنة الخادمة؟ وبعد موته هل سيقبل بذلك الطفل الذي يعد حفيدًا غير شرعي أمام مجتمعه؟! دلفت سعاد لتقول برجاء: _معلش يا أم نور روحي إنتي قدمي القهوة لولدته واللي جايين معاها. أومأت لها بصمت، فعادت تسألها: _أومال فين نور؟ كانت جت ساعدتنا.

انقبض قلبها خوفًا عليها فلم تدري عنها شيء منذ ما حدث، فقالت بثبات رغم خوفها: _أكيد في البيت لأنها كانت تعبانة أوي امبارح. نهضت نادية وقد شعرت بالدوار حتى كادت أن تسقط. أسرعت سعاد تساندها وقالت بقلق: _مالك يا نادية؟ إنتي أخدتي الأنسولين؟ استجمعت نادية قواها وتحاملت على نفسها وهي تتمتم بثبات: _آه، أخدته متقلقيش أنا كويسة.

في بهو المنزل كانت والدته تجلس على المقعد في وجوم وعينيها تزرف الدموع في صمت مطبق، فقد فارقها فلذة كبدها دون أن يسمحوا لها بوداعه، فقط اكتفوا بتلك الكلمة "تعالي خدي عزا ابنك" وكأنهم يخبروها من باب العلم بالشيء، لكن هي من أخطأت حينما تركته بين أيديهم ولم تحارب كي تستردّه منهم، سيظل الندم حليفها منذ اليوم. تقدم منها أحدهم وقال بثبوت: _يلا يا أمي بكفيّك جلوس عندهم.

رفعت عينيها التي غشاها الدموع إليه واستجابت ليده التي ساعدتها على النهوض وأسرعت سلمى تساندها وكذلك هيام أختها ووالدة سلمى، فتتمتم بحزن على حال أختها: _شدي حيلك يا آمال ربنا يصبر قلبك. أخذوها للخارج وساعدها على الصعود للسيارة وقال مراد لزوجته: _خليكي جنبها لحد ما أرن على مؤيد. نظرت سلمى لوالدتها وسألتها: _ماما هتيجي معانا؟ ارتبكت هيام وقالت بتسويف: _لأ، سافروا إنتو وأنا هاجي مع باباكي إن شاء الله.

أومأت سلمى وعلمت بأن والدها رفض ذهابها معهم، فاستأذنت منهم وذهبت إلى حيث ينتظرها زوجها. صعدت سلمى بجوار آمال وأخذت تنظر إلى والدها الذي ذهب دون أن يطلب رؤيته. ماذا فعلت لتستحق ذلك العقاب؟ هل لأنها أحبت ابن خالتها واختارته هو بدل ابن صديقه، أم لأنه ناقمًا على خالتها التي تركت صديقه وتزوجت غيره. ابتعد جواد عنهم قليلًا كي يهاتف أخيه: _أيوه يا مؤيد يلا عشان راجعين البلد. _….. تحدث بانزعاج:

_إنت مش شايف معاملتهم لينا كأننا جايين نتطفل عليهم. _….. طيب يلا جوام عشان نلحق نعاود. أغلق الهاتف وعاد لسيارته ولم يمضِ دقائق حتى جاء مؤيد واستقل مقعده وانطلقوا عائدين إلى بلدتهم. وأثناء عودتهم، حاولت آمال التحلي بالصبر كي لا يضيع أجرها ويجعل الله من صبرها نصيبًا من جنة الخلد بقصر فيها كما وعدت. لم يستطع أحد التفوه بكلمة وظلوا على صمتهم كل في واديه، فهي حقًا فاجعة لهم جميعًا وسيترك جرحها أثرًا قويًا لن تمحوه السنين.

عادوا إلى منزلهم ليقيموا عزاء في بلدتهم وقلوبهم تحترق شوقًا على قطعة منهم. في منزل حمدان. وقفت سهر أمام غرفة والديها تنتظر خروجهم على أحر من الجمر وقلبها يتمزق على حبيبها. لابد أن تنهي خصامهم وتعود إليه لتقف بجواره. خرج حمدان وزوجته ليجد ابنته تقف على جمر ملتهب، فأسرعت إليه تقول: _يلا يا بابا بسرعة افتح الدار قبل ما يوصلوا. أومأ له وتحدث برزانة: _يلا يا بنتي ربنا يصبر قلوبهم عليه.

خرجت مع والديها وتركت طفلها مع أختها حتى ينتهي العزاء. وفور وصولهم للمنزل أمر حمدان رجاله بتجهيز كل شيء خاص بالعزاء، وكذلك سهر التي ساعدتها والدتها، وقد شعرت بتأنيب ضميرها لعدم تواجدها معهم في تلك المحنة. عادوا جميعًا إلى المنزل ليجدوا أهل البلدة في انتظارهم كي ينعوا مصابهم. أما سهر فما إن رأت حماتها حتى دنت منها تقبل رأسها بحب: _البقاء لله يا أمي. بصوت بالكاد يخرج ردت آمال: _ونعم بالله.

ساندتها هي وسلمى وأجلسوها على المقعد وظلوا بجوارها لم يفارقوها لحظة واحدة. دلفت لبنى الغرفة لتجد نور تنهض من الفراش، فأسرعت إليها تمنعها: _رايحة فين يا نور إنتي لسه تعبانة. ردت نور بإصرار وهي ترتدي حذائها: _لازم أروح لأبوه وأحكيله على كل حاجة. أمسكت حقيبتها فتحاول لبنى منعها: _استني بس هتروحي تقوليلهم إيه؟ إنتي ناسيه إن القسيمة مش معاكي؟

_معنديش حل تاني لازم أروح لهم واللي يحصل يحصل، وبعدين القسيمة في الشقة آسر اداني قبل الحادثة كأنه كان عارف إنه هيموت. خرجت نور من شقة صديقتها وتوجهت إلى منزلهم كي تبدل ملابسها، فمنذ أن خرجت من المشفى بصحبة لبنى وهي تقيم لديهم حتى مر ثلاث أيام تعاني فيهم ويلات العذاب. دلفت منزلهم لتجد والدتها تجلس على الأريكة في حزن وانكسار. تركت الحقيبة من يدها وتقدمت من والدتها وجلست أسفل قدميها لتقبل يدها باعتذار:

_سامحيني يا ماما أرجوكي سامحيني. نظرت إليها نادية بعتاب ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنها، فلم يعد الاعتذار يجدي نفعًا بعد تلك المصيبة التي حطت فوق رأسهم. فعادت تقول برجاء: _أرجوكي يا ماما متبقيش إنتي والزمن عليا. نظرت إليها نادية وتمتمت بعتاب: _إنتي اللي عملتي في نفسك كده وإنتي اللي تتحملي النتيجة لوحدك. تساقطت دموع نور بألم وتمتمت بأسى:

_أنا عارفة إني غلطت بس كان غصب عني، حبيته ووثقت فيه وهو وعدني إن جوازنا هيكون في السر لحد ما يقدر يقنع أبوه. التوت شفتيها بطيف ابتسامة محملة بالمرارة: _وتفتكري إن أبوه ممكن يوافق علينا؟ دي أمه كانت من أكبر عيلة في الصعيد ومع ذلك كانوا بيتعالوا عليها ويقولوا الفلاحة، تفتكري هيقولوا عليكي إيه يا بنت الخادمة. انتهى ثبات نادية وأخذت تندب على وجهها وهي تصرخ بها: _يا خسارة شقايا وتعبني، منك لله يا بنتي منك لله.

لم تستطع منع والدتها بل شاركتها البكاء، فقد أخطأت وعليها تحمل نتيجة فعلتها. في غرفة توليب. كانت مندمجة في تداول دروسها عندما طرق الباب ودلفت والدتها: _توليب يلا يا حبيبتي الغداء جاهز. لا تعرف لما خطرت في بالها تلك الفكرة الشيطانية فقالت بحزن مصطنع: _لا يا ماما اتغدوا إنتو أنا مليش نفس. علمت والدتها بمكرها فردت بفتور: _براحتك. خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها وعادت إليه. تطلع إليها يسألها: _أومال فين توليب؟

جلست سلوى على مقعدها وقالت بعدم اهتمام: _ملهاش نفس. قطب جبينه بعدم فهم وسألها: _يعني إيه ملهاش نفس؟ لازم تتغدى. قال تميم وهو يمد يده ليأخذ نصيبها من الطعام: _أحسن وفرت. نظر إليه توفيق شزرًا وقال بأمر: _سيب الطبق بتاعها. احتفظ تميم بالطبق أمامه وقال بتعند: _المكرونة لو بردت بنتك مش بترضى تاكلها فـ هاكلها أنا بدل ما تترمي. زفر توفيق بيأس وتحدث بحزم: _قلت لك حط الطبق مكانه.

وافقه تميم على مضض وأعاد الطبق موضعه. أما توفيق فظل يتظاهر بعدم الاهتمام ويأكل بغير شهية، لكنه لم يستطع. محاولات متكررة لأنه لم يعتد غيابها عن طاولة الطعام والهدوء الذي عم المكان حتى اضطر لترك الملعقة من يده ونهض قائلًا: _هاروح أجيبها. نظر تميم إلى والدته وقال بحيرة: _هموت وأعرف البنت دي عملت له السحر فين عشان أعمل زيه. كانت توليب تنتظر مجيئه بثقة فهو لم يفعلها من قبل ولن يستطيع. وقد كان لها ما أرادت.

طرق الباب ودلف يقول بجمود: _يلا على الغدا. حاولت اخفاء ابتسامتها وتظاهرت بالحزن وهي تجيب: _ما أنا قلت لماما مليش نفس. _وأنا قلت لازم تاكلي المكرونة هتبرد ومش هتعرفي تاكليها بعدين. لم تستطع التحكم بابتسامتها أكثر ونهضت من مكتبها وهي تتقدم منه لتقول بمرح: _عشان متبردش ولا عشان مش قادر تاكل من غير ياقلبي إنت. حاول الثبات أمامها وتظاهر بالجمود وهو يقول بقوة: _مين قالك كده محصلش. تطلعت في عينيه وهي تقول بمزاح:

_طيب عينيك في عيني كده؟ قرر الانسحاب قبل أن يضعف أمامها وغمغم بثبات وهو يعود للطاولة: _والله بقى إنتي حرة خلي تميم يخلص طبقك. وهنا اتخذها تميم فرصة كي يأخذ طبقها لكنها أسرعت بأخذه وهي تقول بأمر: _أوعى تقرب من طبقي. نظر لها تميم بغيظ وعاد إلى مقعده وهي كذلك. فتنهد توفيق براحة وبدأ في تناول طعامه. كان جالسًا أمام التلفاز يتابع الأخبار عندما تقدمت منه سلوى لتضع القهوة أمامه. أخذها منها وهو يتمتم بشكر: _متشكر يا سلوى.

جلست بجواره ولاحظ نظراتها المستاءة فسألها: _مالك بتبصي لي كده؟ غمغمت بامتعاض: _عشان عقابك لتوليب طول أوي. رد بإصرار وهو يأخذ فنجانه: _ومش هكلمها برضه إلا لما تعترف بغلطها. زمت فمها بغيظ منه وقالت بحكمة: _ياتوفيق ياحبيبي توليب كبرت ومبقتش البنت الصغيرة اللي ربيتها وبدأت تحس إنها تقيلة أوي وتتحرج تطلب منك فلوس. نظر إليها بامتعاض وهتف بها:

_إنتي السبب، قلت لك الفلوس كلها معاكي ومتديش بنتك فرصة تحس إنها محتاجة لفلوس. قلت لك عرفيها مكانها وقولي لها لو احتاجتي خدي اللي انتي عايزاه من غير ما تطلبي، بس إزاي لازم تخلي البنت تطلب كل شوية لدرجة إنها تزهق وتروح تسحب فلوسها من البنك وتقل مني بالشكل ده. نفت سلوى اتهامه وقالت بصدق: _لا عاش ولا كان اللي يصغرك، بس إنت عارفها حساسة أوي، عشان خاطري لو صالحته تاني كلمها ومتزعلهاش. أومأ لها بصبر نافذ:

_ماشي يا ستي هكلمها وأمري لله. _إيه ده؟ ده بجد؟ التفت الجميع على صوتها وهي تقف خلفهم، فهز توفيق رأسه بيأس منها والتفت هي لتجلس بجواره وقالت بمرح: _بجد هتصالحني خلاص. حاول توفيق الثبات وألّا يضعف أمامها وغمغم بنفي: _لأ أنا قلت هفكر. رفعت النقاب وتمتمت بمكر: _لا إنت شكلك بتتلكك عشان زهقت مني. شعر بمكرها، فمكر مكرها: _آه زهقت عندك مانع؟ وبفكر اتجوز تاني أجيب بنت تعوضني عنك. وكزته سلوى بغضب وغمغمت بتوعد:

_اعملهالي وأنا أقتـ..ـلك. وافقتها توليب: _وأنا معاكي يا ماما مادام فيها خيانة، إنتي عشان هيتجوز عليكي وأنا عشان هيجيب بنت يحبها عليا. قطب توفيق جبينه بامتعاض: _إيه شغل ريا وسكينة ده، أقولك أنا قايم وسايبكم. مسألته سلوى: _رايح فين إن شاء الله. أخذ سترته ليرتديها وهو يفتح الباب: _خارج مع أصحابي واحتمال نتعشى بره. تفاجأ توفيق بمن يقف أمام الباب، ذلك الرجل البغيض جارهم والذي تحدث بسماجة: _أزيك يا أستاذ توفيق. حاول اخفاء

امتعاضه منه ورد بثبات: _أهلًا يا حسين جاي تخبط في حاجة تاني؟ حمحم حسين باحراج وهو ينظر للداخل يبحث عنها: _لا ابدًا أصلي حسيت إني زودتها أوي وقلت آجي أتأسف وخصوصًا إني مسافر الليلة دي. شعر توفيق بالراحة لذهابه وقال بهدوء: _توصل بالسلامة. لم يتزحزح حسين من مكانه وعينيه تخترق الباب الذي رجله توفيق قليلًا فقال بامتعاض: _تسمح لي أمشي. تنحى حسين جانبًا وتمتم بسماجة: _آه طبعًا اتفضل.

خرج توفيق وأغلق الباب خلفه وهو يزفر براحة للتخلص من ذلك الرجل. في المساء. كانت توليب جالسة على مكتبها تداول دروسها عندما طرق الباب ودلفت والدتها: _أنا رايحة عند خالتك يا حبيبتي عايزة حاجة قبل ما أمشي؟ ردت توليب بابتسامة: _لا يا ماما تسلميلي. خرجت سلوى وتركتها وحدها ولم تمضِ دقائق معدودة حتى سمعت صوت الباب فعلمت حينها بأنه تميم فهذا موعد عودته من الخارج.

فتحت الباب لتغلقه مسرعة ما إن وجدت ذلك الرجل البغيض أمامها، لكنه منعها بأن وضع قدمه يمنع غلقها له ودفعه بقوة كادت أن تسقطها وأغلق الباب خلفه وهو ينظر إليها بشر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...