تركت التمثال من يدها وأسرعت إلى توفيق الذي أخذ يسعل ويشهق بصعوبة. ساعدته كي يجلس وأسندت ظهره على الجدار خلفه وهي تقول بهلع: "اتنفس يابابا بالراحة عشان الرئة متضرش." حاول توفيق تنظيم أنفاسه كي يطمئنها وتمتم بصعوبة: "متـ..خا…فيش انـ..ـا كويس." أخذ يتنفس بصعوبة وهو محتضنها كي تكف عن البكاء. فوجه نظره إلى ذلك الرجل الملقى على الأرض بدون حراك والدماء تسير على الأرضية بغزارة.
شعر بالخوف وأبعدها عنه قليلًا ليتقدم منه وينظر إلى وجهه الذي وضح عليه شحوب الموتى. فوضع يده على عنقه يتحسس نبضه فتتسع عينيه بصدمة. رمشت بعينيها مرات متتالية تكذب حسها وسألته بريبة: "أوعى تقول انه مات." أغمض توفيق عينيه بيأس ولم يستطع الرد عليها. سمع كلاهما صوت طرقات على الباب وأصوات تقول: "استاذ توفيق في حاجة عندك؟ "استاذ توفيق انت كويس؟ نظرت توليب إليه بهلع وتمتمت تستنجده: "بابا." شعر توفيق بالخوف
عليها وتمتم يطمئنها: "متخافيش متخافيش." أجهشت توليب بالبكاء وقالت بفزع: "انا انتهيت ومستقبلي ضاع، انا مكنش قصدي اقتله، كنت ببعده عنك والله." جذبها توفيق لحضنه وتحدث بتيه: "مش هسمح بأي آذى ليكي اطمني." عادت الطرقات على باب المنزل فنظر إليها قائلاً: "ادخلي بسرعة غيري هدومك." سألته بوجل: "هنروح فين؟ رد بحدة: "ادخلي بسرعة مفيش وقت." دلفت توليب غرفتها وأسرعت بتبديل ملابسها وخرجت له وهي تعدل من وضع نقابها وسألته بخوف:
"قولي هنروح فين؟ رد مسرعًا: "انتي اللي هتروحي عند أي حد من اصحابك ومتظهريش نهائي لحد ما ابعتلك." جذبها للمطبخ كي يخرجها من الباب الآخر لكنها امتنعت برفض: "مستحيل اسيبك انا اللي عملت كدة وانا اللي …" قاطعها بحدة: "متقلقيش ده دفاع عن النفس ومش هاخد فيه دقيقة واحدة كل الحكاية إني عايز اخرجك برة الموضوع عشان معرضكيش للسانهم." "طيب قولي الأول هتعمل ايه؟ دفعها عنوة للخارج وهو يقول:
"امشي دلوقت وبعدين هقولك بس أهم حاجة محدش يشوفك وانتي خارجة." أغلق الباب مسرعًا عندما سمع صوت اقتحام وصوت بعض الرجال يطالب بالاسعاف وآخر يرفض ويطالب بحضور الشرطة أولًا. ترجلت توليب السلالم بعد تردد وخرجت من البناية وهي تشعر بالقلق على أبيها. هل حقاً كما يقول دفاع عن النفس وسيخرج منها؟ أم أنه يقول ذلك كي يبعدها ويحمل هو جريمتها على عاتقه؟ ستلتزم بما أمرها به حتى تتأكد من سلامته.
أوقفت سيارة أجرة واستقلت بالمقعد الخلفي لتذهب إلى وجهتها. في قصر حسن. دلفت يسر غرفتها لتجد عدي مستلقيًا على فراشه في وجوم تام. انتفض قلبها بوجل وتساءلت بماذا يفكر؟ هل فيما حدث لخالد وياسمين؟ أم أصبح الدور عليهم ويفكر فيما ستؤول إليه حياتهم بعد أن عرى ذلك الموقف الجميع أمام أنفسهم. لا تنكر بأنها أجبرت بدورها على الزواج منه لكن أيضًا قد اعتادت على وجوده داخل حياتها ولن تستطيع البعد عنه كما فعلت ياسمين مع زوجها.
انتبه عدي لنظراتها فعلم حينها بأن الشك تسرب لقلبها. فنظر داخل عينيها يرى مدى خوفها والذي يشابه خوفه بحد كبير. أجبر كلاهما على الآخر لكنها وطفلته أصبحوا جزءً هامًا في حياته ولن يستطيع البعد عنهم مهما حدث. رسم ابتسامة محى بها ذلك الخوف التي تخفيه بفشل في عينيها وقال بثبوت: "هتفضلي واقفة كده كتير؟ تقدمت منه لتجلس بجواره وقالت بوجل: "خايفة." أمسك يدها ليرفعها إلى شفتيه يقبلها بحب وقال بهدوء:
"اني كمان خفت جوي بس في فرج بينا وبينهم." "خالد خاين لكن اني عمري ما فكرت أخونك ولا عيني شافت غيرك، يمكن لإني خابر زين إن محدش مننا هيخرج برة الجصر بس برضه احترامي لذاتي وليكي خلاني ارضى بحياتي لحد الرضا ده ما بقى حب واكتفيت بيكي." لم تصدق يسر ما تسمعه أذناها وقد توافق قوله مع شعورها وسألته بعيون راجية: "بجد يا عدي؟ اتسعت ابتسامته وهو يجيبها بحنان: "بجد يا جلب عدي، صحيح أني مبعرفش ازوق كلامي بس ده اللي حاسه ناحيتك."
تنهد بتعب وتابع: "بس خايف لسيلين ويحيى يكونوا زي خالد وياسمين." أنكرت يسر شكه: "لأ متخافش يحيى بيحب سلين من زمان جوي وهي كمان، ويمكن دي الجوازة الوحيدة اللي هتتم بالرضا مش بالاجبار." لاح الحزن في عينيه وتمتم بحزن: "بس شمس أختي كانت بتحب جواد ومع ذلك كانوا عايشين في عذاب."
"شمس كانت مشكلتها الوحيدة أنها رافضة حياة الصعيد وجواد كل حياته هنا وفي المزرعة خصوصاً، وزاد تعلقه بيها لما جدك كتبها باسمه، وبعدها زادت الخلافات لحد ما وافقها وخرجت معاه ومرجعتش." تبدلت ملامح وجهه لتلك الذكرى وقال بإدانة: "لو كان مشي معاها بالرضا مكنش حصل اللي حصل، انما عشان مجبر اتسبب في الحادثة اللي أخدتها منينا." شعرت بالاستياء من تحمله عليه وقالت بدفاع:
"بس جواد مكنش قاصد، اللي حصل ده قضاء وقدر وناله منه نصيب بلاش تجسوا عليه بالشكل ده وكفاية اللي هو فيه." رد عليها باحتدام: "ايه اللي هو فيه! عايش حياته في المزرعة ولا على باله، وحتى ابنها اللي كان بيهون علينا فراقها أخده مننا وحرمنا منه، واللي كانت تعبانة في حياته خلص منها وبكرة يتجوز ويعيش حياته واحنا نتعذب بفراقها." علمت يسر بأن لا فائدة من الحديث معه فقد رسخت بعقله ولن يغيرها مهما حاولت.
والفضل بذلك يعود لوالدته التي دمرت العلاقة بينهما أكثر. في قسم الشرطة. وقف توفيق أمام مكتب الضابط وهو مقيد بالحديد وكل ما يشغله نجاتها من تلك المعضلة. لو علموا بما حدث سيسيء لها ذلك الحادث، وهو لن يسمح بذلك. عليه أن يبعد أي شبهة عنها. تفاجأ بتميم وسلوى يتقدمون منه ويسألون بخوف: "توفيق ايه اللي حصل؟ حاول توفيق الثبات أمامهم كي لا يشك أحد بشيء ورد بهدوء:
"متقلقوش إن شاء الله هخرج منها المهم توليب متخليهاش تظهر الفترة دي نهائي." ازداد قلقها عندما تذكرت أمر ابنتها وعادت تسأله: "هي فين صحيح انا رجعت وعرفت اللي حصل ملقتهاش." "أنا اللي مشيتها المهم دلوقتي خليها مختفية لحد ما نشوف ايه اللي هيحصل." سمح العسكري له بالولوج فدخل وهو يدعو أن تنجى ابنته من تلك المحنة. فور دخوله أشار له الضابط بالجلوس فهو يعرفه معرفة عابرة لكن يعلم جيدًا بأنه شخصية جديرة بالاحترام
والتقدير فسأله الضابط: "احكيلنا اللي حصل يا أستاذ توفيق." تحدث توفيق بثبات: "أنا كنت في شقتي والباب خبط وروحت عشان أفتح لقيته هو اتناقشنا في موضوع وفي الآخر اختلفنا وبدأ يتهجم عليا فطبيعي إني ادافع عن نفسي ملقتش غير التمثال ده عشان أخبطه بيه عشان يبعد عني ومكنتش أعرف إن الضربة دي ممكن تموته." نظر إليه الضابط بشك وسأله: "وايه اللي يخليه يتهجم عليكم في وقت زي ده من غير سبب؟
التزم توفيق الصمت فلن يستطيع التفوه بكلمة قد تسحب قدمها داخل الدائرة وقد أكد شك الضابط بأن هناك سبب آخر فعاد يسأله: "طيب مين كان معاك في الوقت ده؟ "مكناش فيه حد معايا كلهم كانوا بره في الوقت ده." أومأ الضابط وأمر بحبسه حتى ترحيله للنيابة. في الصباح. طرقت نادية غرفة سهام عمة آسر كي تعلمها بزواج آسر من ابنتها بعدما فقدت الأمل للتحدث مع أبيه. سمحت لها بالدخول وتقدمت منها نادية بألم لم تستطع اخفاءه فسألتها: "خير يانادية؟
أزدرت جفاف حلقها وغمغمت بتردد: "أنا مش عارفة أقولك ايه بس أنا حاولت أوصل لعاصم بيه بس معرفتش فقلت مفيش غيرك ممكن يساعدني في المصيبة دي." هزت سهام رأسها بتفاهم وتمتمت بتعال: "تقصدي فلوس؟ هزت نادية رأسها بنفي: "لأ ياهانم مش فلوس." تمتمت سهام بملل: "طيب قولي في ايه." أخفضت عينيها بحزن: "أصل يعني آسر بيه الله يرحمه كان يعني…." صعب عليها قولها لكن سهام أجبرتها بحدة: "نادية خلصي وقولي في ايه انا مش فاضية."
شعرت بخنجر حاد يخترق قلبها لكن عليها التحمل كي تنقذ نفسها وابنتها من الفضيحة. "آسر بيه كان متجوز نور بنتي … وهي حامل." اتسعت عين سهام بصدمة كبيرة ونهضت من فراشها تدنو منها لتجذب نادية من ذراعها وتقول بغضب: "انتي بتقولي ايه يا نصابة انتي؟ رفعت نادية عينيها إليها بغضب وتمتمت: "أنا مش نصابة ياهانم واظنك عارفة كدة كويس، ابنكم اللي ضحك على بنتي واتجوزها عند مأذون وخلاها حملت منه." صرخت بها سهام:
"انتي كدابة آسر مستحيل ينزل لمستوى الخدامين ده، امشي اطلعي برة واقسم لك لو شفتك انتي ولا بنتك في الفيلا هوديكم في ستين داهية وانتي عارفة كويس انا اقدر اعمل فيكم ايه." انكسر قلب نادية من تلك الإهانة لكنها التمست لها العذر وعادت تقنعها: "بس ياهانم دي الحقيقة ولو مش مصدقة…." قاطعتها بانفعال وهي تدفعها لخارج الغرفة:
"انتي واحدة كدابة روحي شوفي بنتك غلطت مع مين، آسر ده تربيتي انا وعارفة كويس إنه مستحيل يبص لأشكالكم دي، امشي اطلعي برة وإن شفتك تاني همحيكي انتي وبنتك من على وش الدنيا." لم تتحمل نادية تلك الإهانة وفضلت الانسحاب لعلمها جبروت تلك المرأة فجذبت أذيال الخيبة وخرجت من غرفتها مقهورة مذلولة وكل ذلك بغباء ابنتها.
يبدو أن الجميع سمع ما حدث مما جعلها تخفض عينيها بألم شديد وهي تشعر بالعيون تخترقها وعندما وضعت قدمها على أولى درجات الدرج شعرت بالدنيا تلتف بها واستسلمت لذلك الظلام الأخير الذي غلفها. في منزل مراد. تجمعوا في الصباح بغرفة والدتهم التي رحمها الله بنعمة الصبر كي لا يضيع أجرها. أمسك مراد يدها يقبلها ويحثها على الثبات: "شدي حيلك يا إمي واثبتي وإوعاكي تضيعي أجرك." هزت رأسها باستسلام وبرضا بما قسم لها:
"متخافش يا ولدي عمر البكا ما هيرجع اللي راح، أنا احتسبته عند الله وخلاص." ربت مؤيد على يدها الأخرى وقال بحكمة: "أكيد ربنا له حكمة في كدة، يا إما بيختبر صبرنا يا إما شايف إن مكانة آسر عنده أفضل فأخده له." أومأت له: "الحمد لله على كل حال." نهض مراد ليساعدها على النهوض: "طيب يلا خلينا نفطر مع بعض الوكل من غيرك ملوش طعم." ساعدها على النهوض وتوجه إلى غرفة الطعام. ويتظاهر كل واحدٍ منهم بالثبات رغم النار التي تعتمل بداخله.
لكن هذه حكمة الله ولن يستطيع أحد الاعتراض على قضائه. جلست كل واحدة منهم بجوار زوجها وسهر تنظر إلى سلمى بأسف. لقد تحملت لدغاتها كثيرًا ولم تشتكي لكن ماذا تفعل في غيرتها منه. ترى اهتمام مراد وتمسكه بها رغم مصابها عكس مؤيد الذي لا يهتم بها أمامهم ويدعي الإحراج. تعلم جيدًا بأنه عاشق لها حتى النخاع لكنه دائمًا متحفظ أمام أهله عكس مراد الذي دائم الابتسام في وجه سلمى ولا يبخل عليها بعواطفه أمامهم رغم تذمته في الدين والخلق.
تقابلت نظراتها مع سلمى التي ابتسمت لها بود مما جعلها تخفض عينيها بخجل. دائمًا تقابل غيرتها منها بالمحبة. انتهوا من تناول طعامهم وبدأوا بحمل الأطباق إلى المطبخ. همت سهر بغسل الأطباق لكن سلمى منعتها: "سيبي الأطباق انا هغسلهم واطلعي ورا جوزك." رمشت بعينيها تندهش من طيبة تلك المرأة وتمتمت برفض: "لأ سيبيهم انا هعملهم هو اصلًا مش راضي يكلمني واصل." ربتت سلمى على يدها وقالت بثقة:
"مؤيد مفيش أطيب منه ممكن يكون فاكر إني زعلانة بس انتي زي اختي ومستحيل أزعل منك، اطلعي وراه وحاولي تراضيه." أومأت لها سهر وتركتها وصعدت خلف زوجها. دلفت الغرفة لتجده يبدل ملابسه للخروج. تقدمت منه تسأله: "مؤيد انت خارج." أومأ لها بصمت فعادت تسأله: "هترجع على طول ولا هتتأخر؟ تقدم من المرآة ليمشط خصلاته وهو يجيب بفتور: "معرفش." دنت منه لتمسك يده وتجبره على النظر إليها وقالت برجاء: "هتفضل مخاصمني كتير؟
جلتلك آسفة ومكنش قصدي، حتى هي سامحتني وقبلت آسفي." رق قلبه لها وتحدث برزانة: "سهر اني عايزك تشيلي سلمى من دماغك، كفاية اللي هي فيه من ناقصة نزود همها ولا حد مننا يچرحها بكلمة حتى لو من غير قصد." عادت الغيرة إليها لكنها جمحتها بداخلها وقالت بثبوت: "حاضر مش هضايقها تاني." لاحت ابتسامة صافية على وجهه بدلته هي بأخرى مليئة بالحب وتمتم باحتواء: "بحبك." اتسعت ابتسامتها وألقت نفسها في حضنه فيحيطها بكل الحب الذي يحمله بداخله.
أسرعت نور إلى المستشفى ليعاد المشهد أمامها مرة أخرى حينما خرج الطبيب يخبرهم بوفاة والدته. لكن تلك المرة الأصعب والأشد. فقدت ماتت سندها وأمنها وأمانها وكل شيء لها. رحلت وتركتها وحدها في دنيا لا ترحم ولا ترأف بأمثالها. استندت بذراعها على الجدار ووضعت رأسها عليه لتنتحب بكل القهر الذي تحمله بداخلها. خمسة أيام فقدت فيهم أعز ما تملك حبيبها الذي ضحت بالغالي والنفيس لأجله.
ووالدتها التي لم تعرف سواها منذ أن فتحت عينيها على تلك الدنيا. انتحبت وبكت ونظراتهم لا تترأف لها بل تدينها وتحملها موت والدتها. فماذا يخبأ لها الزمان بعد الآن. عزاء آخر جلست به بكمد والألم ينحرها بغير رحمة. الجميع حولها ينعي مصابها. مجرد كلمات تخرج من أفواههم وليست قلوبهم. منهم من يقول فلتظلي معي. وآخر يخبرها بأنه سيظل بجوارها وآخر.. وآخر.. وكلها كلمات فقط. وبعد انتهاء العزاء لن تجد أحد منهم.
وها هي تجلس وحيدة في شقتهم والتي خلت من كل شيء ما عدا هي. أجلت عندما طرق الباب ونظرت في ساعتها لتجدها قد تعدت الثانية عشر. تقدمت من الباب لتسأل بوجل: "مين؟ أجابت سهام بقوة: "أنا سهام هانم." اندهشت من مجيئها في هذا الوقت فقامت بفتح الباب فتقابلها عينين سهام التي تكاد تحرقها بلهيبها. فقالت بهدوء: "اتفضلي ياهانم." دلفت سهام وهي تنظر للمكان باشمئزاز ووقفت خلف الباب لتقول بفتور:
"أنا مش جايه أضيف هما كلمتين وماشية على طول." تقدمت سهام خطوة بتعال من نور وتمتمت بمغزى: "أنا جايه بس عشان أعزيكي وأنبهك إن وجودك هنا لوحدك غلط عليكي." "متضمنيش حد ممكن يكسر عليكي الباب ويعمل فيكي أي حاجة." "أو مثلًا ماشية على طريق وعربية معدية تخبطك." "ولا فضيحة في الشارع اللي انتي فيه ده." "كل حاجة واردة اليومين دول."
"فياريت من سكات كدة تسحبي بعضك وتشوفي مكان تاني تقعدي فيه ومتظهريش قدامي ولا قدام عيلتي لأي سبب من الأسباب." فهمت نور ما ترمي إليه تلك المرأة وسألتها: "واللي في بطني؟ نظرت إليها بسخرية وقالت باتهام: "ده تشوفي حد تاني تلزقيه له انما إحنا لأ." (تابعت بوعيد) "أنصحك تسمعي الكلام وتبعدي عن هنا خالص." "يا تسمعي الكلام يا إما تقولي عليه يارحمن يارحيم وانتي عارفة كويس أوي أنا ممكن أعمل إيه." تقدمت منها أكثر وهي تخرج
بعض النقود وتضعها في يدها: "الفلوس دي تكفيكي وزيادة تشوفي بيها مكان تاني تعيشي فيه قدامك مهلة يومين والتالت محدش هيلومني على اللي هعمله." همت بالخروج لكن صوت نور أوقفها: "استني عندي." نظرت إليها سهام بتساؤل وقالت نور بتعال وهي تعيد إليها نقودها: "خلي فلوسك معاكي يمكن تحتاجيها وبالنسبة لابني اللي كان رابطه بيكم خلاص راح وانتهى."
أعادت سهام النقود إلى حقيبتها وخرجت من الشقة فتغلق نور الباب خلفها بحدة واسندت رأسها عليه وتبكي بقهر. عادت إلين غرفتها وهي تحمل كوب عصير ووضعته على المنضدة بجوار توليب التي مازالت تبكي فجلست بجوارها لتناولها الكوب وهي تقول بتأثر: "اشربي الليمون ده عشان يهديكي شوية وفهميني في ايه؟ بعد محاولات كثيرة من إلين حكت لها كل شيء فتنصدم مما تسمعه وسألتها: "والراجل ده عايش ولا ميت؟ هزت رأسها بنفي وقالت بنحيب:
"مش عارفة بس صدقيني كان غصب عني ومكنتش قاصدة أموته، انا لما لقيت بابا بيموت في ايده مفكرتش غير اني أنقذه وبس وملقتش قدامي غير التمثال ده ومكنتش اعرف ان خبطة زي دي هتموته." ربتت إلين على كتفها وسألتها بتأثر: "وبعدين هتعملي إيه دلوقت؟ هزت رأسها بألم: "مش عارفة، انا خايفة أوي على بابا." فكرت إلين قليلًا ثم قالت: "أحنا ناسيين أدهم هو محامي واكيد هيساعدنا." همت بالنهوض لكن توليب منعتها بخوف: "لأ بلاش." اندهشت
من خوفها وتحدثت بتعاطف: "متخافيش من أدهم مستحيل يعمل حاجة تأذيكي هو أكيد هيطلعلنا مخرج من الحكاية كلها." تركتها توليب على أمل أن يجد لهم مخرجًا كما أخبرتها فتعود بعد قليل ومعها أدهم فجلس على المقعد أمام توليب ليقول بتركيز: "أحكيلي اللي حصل بالظبط وبلاش تفوتي أي حاجة." عادت تحكي ما حدث معها وأدهم يستمع إليها بتركيز حتى انتهت. ساد الصمت قليلًا كأنه يفكر في مخرج وقال بهدوء:
"هو كدة هيتعرض على النيابة الصبح وأنا هروح معاه واعرف ايه المستجدات لإن في ثغرات ممكن تفيد أو تضر في الجريمة وخصوصاً أنه تبع الشرطة ودي بتبقى صعبة شوية." "هشوف الأول ايه اللي هيحصل، وأنا هتصل على تميم أطمنه إنك عندنا ونشوف هنعمل إيه." خرج أدهم وعادت هي للبكاء وإلين بجوارها تحاول التخفيف عنها. "خلاص بقى أدهم طمنا الحمد لله." هزت رأسها بنفي وتمتمت بحزن:
"مفيش حاجة هتطمني غير إن بابا يخرج من الحبس، لو حصله حاجة مستحيل أسامح نفسي، انا فتحت عينيه عليه هو معرفش في الدنيا غيره لو بابا الله يرحمه عايش مكنش هيحبني ولا يجازف عشاني زيه هو." "حتى أهل بابا محدش منهم فكر يسأل عليا أو يشوف إن كنت محتاجة حاجة ولا لأ." أجهشت في البكاء وتابعت: "لو متطلعش براءة أنا هروح أعترف بكل حاجة." "إن شاء الله هيطلع براءة والمحنة دي تمر على خير." _في الصباح. وقفت سلوى وتميم أمام القسم ينتظرون
خروجه عندما جاءهم أدهم: "معلش آخرت عليكم بس مريت على المستشفى الأول عشان أشوف الحالة والحمد لله هو لسة عايش بس الدكاترة بيقولوا إنه في غيبوبة ناتجة عن ارتجاج في المخ ومش هيقدروا يحددوا مدته." رد تميم بوجل: "ربنا يستر." نظر أدهم إلى سلوى وقال بهدوء: "على فكرة يا طنط وجودك مش هينفعه في حاجة اتفضلي روحي انتي واحنا معاه." ردت سلوى بإصرار: "مستحيل أسيبه في الظروف دي كفاية إنه ضحى بنفسه عشان ينقذ بنتي."
خرج توفيق من القسم وهو مقيد فأسرعت إليه سلوى وتميم: "توفيق." "بابا." نظر توفيق إلى سلوى بعتاب ونهر تميم وبانفعال: "جبتها معاك ليه في مكان زي ده؟ نظر لوالدته بعتاب ثم أجاب والده: "مقدرتش عليها واصرت أنها تيجي تشوفك." نظر إلى سلوى وقال بأمر: "روحي انتي وانا إن شاء الله هخرج منها." هزت رأسها بألم وتمتمت ببكاء: "مش هقدر لازم أطمن عليك الأول." تقدم منها أدهم وقال بحكمة:
"فعلاً يا طنط وجودك مش هيفيد اتفضلي انتي واحنا معاه." لم يتركهم العسكري للحديث وأخذه وصعد به سيارة الترحيلات. في المزرعة. انتبهت ياسمين على صوت بكاء يزن فنهضت مسرعة وهي تشعر بحنين جارف إليه. خرجت من الغرفة لتجد حياة تقف به أمام الغرفة تحاول تهدئته. تقدمت ياسمين منه وما إن رآها حتى بكى ليس خوفًا بل عتابًا لها لتركه. همت بأخذه لكن حياة ابتعدت به بوجل: "انتي مين؟ قطبت ياسمين جبينها من وقاحة تلك الفتاة وأجابت بروية:
"أنا عمته." رمشت حياة بعينيها وتمتمت بإباء: "اني أول مرة أشوفك." انفعلت من رعونتها ونادت نعمة: "نعمة." خرجت نعمة من المطبخ فتفاجئت بوجود ياسمين: "ست ياسمين جيتي امتى؟ أشارت ياسمين على حياة وسألتها: "مين دي؟ أجابت نعمة: "دي المربية اللي جواد بيه جابها لابنه." رمقتها ياسمين بفتور وقالت بأمر: "هاتي الولد."
ترددت حياة وكأن روحها في ترك يزن ولكنها لم تماانع تندمًا مدت ياسمين يدها تأخذه منها عنوة وقد هدئ نحيبه فور حمله ووضع رأسه على كتف ياسمين وكأنه يستمد منها الأمان. وقالت بأمر: "روحي انتي دلوقتي." شعرت حياة بالغيرة عليه وقد استاءت من وجود ياسمين التي شاركتها في حب ذلك الصغير. لن تسمح بأن يأخذوه منها. هو عوضها عن طفلها الذي أخذ منها ولن تسمح بتكرار الأمر. خرج جواد من غرفته على صوتهم فسأل ياسمين باقتضاب: "في ايه؟
أجابت ياسمين باندفاع: "البنت اللي مشغلها عندك دي مش مرتاحالها." نظر إلى حياة التي دلفت المطبخ خلف نعمة وتحدث بثبوت: "دي بنت غلبانة متحاوليش تضايجيها." هم بالعودة لغرفته لكنها أوقفته: "جواد مردتش عليا لحد دلوقتي." استدار إليها ليجيب بحزم: "لأ ومش عايزك تفتحي التحديت معايا مرة تانية." استاءت ياسمين من رفضه وسألته بعدم فهم: "ليه يا جواد أنا من حقي أشوف أمي…." قاطعها جواد بهدر وقد تجمعت شياطين الدنيا كلها
أمامها وهو يحذرها بسخط: "جولتلك الست دي خارج حياتنا والكلمة اللي جلتها دي متتكررش تاني في بيتي فاهمة ولا لأ؟ رمشت بعينيها وقد انتفض جسدها إثر صوته الذي بث بداخلها الرعب منه وكذلك طفله الذي استيقظ ليعاود البكاء مرة أخرى على كتف ياسمين مما جعل جواد يستاء من فعلته. فتركهم وخرج من المنزل ذاهبًا إلى خيله كي يتناسى بينهم كل أحزانه. _في النيابة. دلف توفيق ومعه أدهم إلى المكتب. سمح لهم وكيل النيابة بالجلوس وقدم أدهم نفسه:
"أدهم الصاوي حاضر مع موكلي." أومأ وكيل النيابة وبدأ الاستجواب وقد أصر توفيق بأنه الفاعل فقال الوكيل: "بس البصمات اللي موجودة على التمثال مش بصماتك ومستنيين تقرير المعمل الجنائي عشان يأكد البصمات دي خاصة بمين؟ زم أدهم فمه باستياء وقد كانت لافتة مدمرة للحدث فقال توفيق: "لأ أكيد في غلطة أنا اللي ضربته." عاد يسأله: "فين بنت مراتك؟ تحدث أدهم بثبات: "أنا شايف إن مفيش داعي لذكرها في الموضوع." رد الوكيل بثقة:
"بس التحريات بتقول إنها وقت الحادث خرجت من الباب الخلفي للعمارة وهي خايفة وبتجري." نفى توفيق: "محصلش بنتي مكنتش موجودة في الوقت ده." "كانت فين؟ "كانت مع والدتها." صحح أدهم قوله: "يقصد إنها خرجت مع والدتها قبل الحادث وكانت موجودة عند أختي وباتت معها وتقدر تراجع الكاميرات الموجودة في العمارة اللي موجودين فيها." تحدث الوكيل بتأكيد: "إحنا فعلاً بعتنا نراجع الكاميرات بس الموجودة في العمارة."
طرق الباب ودلف المحضر بالأوراق. فقام وكيل النيابة بالاطلاع عليها وقال: "البصمات بتتوافق مع بصمات توليب وفيق الحسيني." نظر في الأوراق الأخرى: "والكاميرات أثبتت عدم خروجها قبل الحادث وخروجها بعده من الباب الخلفي للعمارة." رد توفيق باقتضاب: "أكيد مش هي." "طيب إيه سبب الاعتداء عليك جوة شقتك؟ "زي ما قلت لحضرتك كان جاي يقعد معايا شوية واتخانقنا." "خناقة توصل للشروع في قتل؟ لم يجيب توفيق فقال وكيل النيابة للكاتب:
"اكتب يا ابني." "قررنا نحن النيابة العامة بضبط وإحضار توليب على الحسيني وحبس المتهم توفيق واصف الجنيدي بالحبس ثلاث أيام على ذمة القضية." خرج توفيق من المكتب وقلبه ينتفض بخوف على ابنته فقال لأدهم الذي تعقدت الأمور أمامه وقال له برجاء: "أدهم ارجوك توليب أمانة في رقبتك لازم تهربها بأي شكل، مستحيل أسيبها تتحبس يوم واحد مش هتتحمل." أومأ له قائلاً بثقة:
"متقلقيش عليها انا هتصرف، انا بعت رسالة لإلين واحنا جوة عشان تهربها قبل وصول الشرطة لها." _قرأت إلين الرسالة ونظرت لتوليب التي جلست بكمد على الفراش تنتظر وصول أي خبر عن والدها. شعرت بالحزن عليها وما تواجهه من مصاعب وقالت بحزن: "توليب." نظرت إليها توليب بأمل لم يدوم طويلاً عندما وجدت الحزن المرتسم على ملامحها وقالت إلين بأسف: "لازم تهربي حالًا." قطبت جبينها بدهشة وسألتها: "ايه اللي حصل؟
قاطعهم رنين الهاتف والذي لم يكن سوى أدهم. فأجابت إلين بلهفة: "أيوة يا أدهم إيه اللي حصل." رد أدهم من الجانب الآخر: "توليب لازم تهرب حالًا الشرطة جاية في الطريق عشان تاخدها." أخذت توليب الهاتف لتفتح مكبر الصوت وسألته بوجل: "ايه اللي حصل؟ أجاب بحدة: "قلتلكم مفيش وقت اهربي بسرعة واقفلي موبايلك ومتفتحيش لأي سبب من الأسباب." وجه حديثه لإلين: "إلين اديها مفتاح الشقة اللي في…… تقعد فيها لحد ما نشوف القضية هتوصل لفين؟
"حاضر." أغلقت الهاتف ونظرت لتوليب التي ألجمتها الصدمة عندما وجدت نفسها أصبحت مجرمة بين ليلة وضحاها. "توليب قومي بسرعة غيري هدومك." هزت رأسها بنفي: "مش هسيبه واتخلى عنه." نهرتها بحدة: "مش وقته الكلام ده اهربي ومتضيعيش اللي عمله عشان وهو أكيد هيخرج منها أدهم معاه ومش هيسيبه." بعد محاولات عدة قامت توليب بتبديل ملابسها والاستعداد للهرب لكن صوت الباب الذي طُرق بقوة جعلهم يتسمروا في أماكنهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!