الفصل 14 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
17
كلمة
4,104
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

انقلبت القصر رأسًا على عقب فور معرفة حسان ما حدث لجواد، وأمر رجاله بالبحث عن ذلك الرجل وتسليمه له. ذهب إلى المشفى وقلبه القاسي الذي لا تعرف الرحمة إلى قلبه سبيلاً ينقبض ألمًا على حفيده، ذلك الحفيد الذي ملك فؤاده ويصبح بذلك الضعف أمامه. صادفه مراد وهو يخرج من غرفة جواد، فاسرع إليه عامر يسأله بلهفة. فطمئنه مراد: "اطمن ياعمي، هو بخير وفاق من شوية." لم يقتنع عامر ودلف الغرفة مع حسان وفايز، ليجدا جواد نائمًا في سكون تام.

دنى منه ليناجيه: "جواد، قوم يا ولدي طمني." رغم القلق الذي يشعر به حسان، إلا أنه تظاهر بالقوة وسأل مراد بجمود: "بس مش رصاصة في الدراع اللي تعمل فيه إكدة." رد مراد بثبوت: "جولتك هو زين، بس ده من أثر النزيف اللي اتعرض له مش أكتر." ظل حسان يتظاهر بالجمود وتابع أسئلته: "وهيخرج ميتى؟ "إن شاء الله بكرة آخر النهار نكون اطمنا أكتر." خرج مراد كي يتركهم معه قليلاً. ثم أمر حسان أولاده بالخروج من الغرفة. رفض عامر،

لكن فايز أقنعه بالخروج: "اطمن ابنك زين، مر باللي أكتر من إكدة ووقف من تاني. تعالى نشرب حاجة في الكافتيريا وسيب أبوك معاه." لم يستطع حسان الثبات أكثر من ذلك وظهر الألم واضحًا عليه، فانسحب عامر وفايز لعلمهم بحالته.

تقدم حسان من حفيده وسمح لنفسه بإسقاط قناع الجمود، وظهر ذلك الوجه الذي خص به جواد. فهي فرصة لا تعوض أن يعترف له بما يعتمل بداخله من ألم على حاله. ظل عمره يشد من عضُده كي يكون بتلك القوة التي أصبح عليها، لكن مقابل ذلك خسر حفيده الكثير. وحتى الآن يضغط عليه حتى يستجيب له ويعود إلى القصر، ليس ليشد من أزره بل ليشتد هو بعضده. هو سنده الوحيد وهو من يستطيع إظهار ضعفه أمامه، ولذلك لن يتركه وسيعمل بكل الطرق على عودته والضغط عليه حتى يرضخ لهم.

مد يده ليمسك يد جواد وأحكم قبضته عليه وتحدث بقوة: "انت جواد الخليلي وحفيد حسان الخليلي، واللي هايخد مكانه بعد موته. مينفعش إن كبير الخلايلة يرقد الرقدة دي." ضغط أكثر بقبضته وتابع:

"لازمن تجوم وتجوى عشان أجوى أنا بيك. كلهم مستنيين وجوعي عشان يكلوني، بس انت لأ. انت رغم اللي عملته فيك، بس عمرك ما هتنهش فيا زيهم. أبوك عايش لحد النهاردة على ذكرى أمك، وعمك عايش اليوم بيومه، ومفيش غيرك يمسك العيلة دي من بعدي. جوم يا حفيد الخليلي وأقف على رجلك من تاني ودوس على كل اللي يعترض بكلمة، وأوعدك إن اللي بتفكر فيه وتتمناه هتنوله بس ترجع للقصر من تاني." أخرجه من حديثه صوت الهاتف وكبير رجاله يقول:

"الأمانة موجودة، وهي دلوقتي في العربية. تحب نوديها فين؟ *** بعد مرور يومين. فتحت توليب عينيها بتثاقل وهي تشعر بألم شديد يجتاح جسدها. "ماما." فتحت ياسمين عينيها عندما سمعت صوتها وقالت بحبور: "حمد الله على السلامة يا حبيبتي." نظرت إليها بوهن وتمتمت: "أنا فين؟ طمأنتها ياسمين: "متجلجيش، انتي كويسة بس الحرارة عندك كانت عالية شوية والحمد لله نزلت." تذكرت ما حدث فانقبض قلبها عليه وقالت بوهن: "جواد... حاولت ياسمين اخفاء غصة

تملكت من حلقها وردت بثبوت: "الحمد لله بخير. الرصاصة جات في دراعه وهو في الأوضة اللي جنبنا." "عايزة أمشي من هنا. وجودي هنا خطر." "هسأل مراد، ولو ينفع هنخرج كلنا إن شاء الله." خرجت من غرفة توليب وتوجهت لغرفة جواد، والذي ما زال كما هو لم يستيقظ سوى لحظات يردد بها اسمها ويعود مرة أخرى. هل كان جواد يحب توليب وهي لا تدري بذلك؟

لكن متى وهو لم يرها سوى في زفافها. متى تملك من قلبه حتى يردد اسمها بعد مرور كل تلك السنين. وهي، هل تبادله نفس المشاعر؟ لم تخف عليها نظراتها له من نافذتها، ولا تبدل ملامحها عندما تسمع اسمه، ولا لـ أسمه الذي لم تكف عن التفوه به في هزيانها. كيف بدأت تلك القصة وكيف مر عليها عامان ولم تلاحظ ذلك. لم يسأل عنها يومًا، ولم تسأل هي عنه أيضًا. ألهذا السبب ترفض أن يعلم هويتها؟ ولهذا السبب أخذ يراقبها في الإسطبل وهي تداعب حصانه؟

عليها أن تعرف كل شيء. دلتفت غرفته فوجدت والدها مستلقيًا على الأريكة بجواره. تقدمت منه تتحسس جبينه وانتبهت لذلك الفراغ الذي تركته القدم الصناعية. لو عاد لوعيه ولاحظ ذلك، فلن يمر الأمر مرور الكرام. لن يقبل أن يراه أحد هكذا. لكن مراد أصر على ذلك تحت مسؤوليته عندما لاحظ تورمها غير الجرح الذي أصاب الركبة. انتبه عامر لوجودها: "ياسمين، صاحية ليه لحد دلوقتي؟ التفتت إليه وتمتمت بتأثر:

"أصل صاحبتي فاقت وكنت جاية أشوف دكتور مراد عشان يطمني عليها." ربت على كتفها وقال بهدوء: "طيب روحي وخليكي جنبها، بلاش جواد يصحى ويشوفك هنا." تحدثت بعتاب وهي تنظر لأخيها: "وانتوا بلاش تضايجوه كده، هيزعل قوي لو فاق ولقى الكل شايفه بالشكل ده." ربت على كتفها وتحدث بتفهم: "خابر، بس محدش بيدخل عنده غير أنا ومراد." "ليه محدش من ولاد عمي جاه يشوفه؟ "جاه كلهم بس مراد رفض إن حد يدخل عنده. متجلجيش."

أومأت له وتقدمت من الباب لتخرج، لكن عامر أوقفها: "مين توليب دي؟ رمشت بعينيها وهي تحاول الثبات: "توليب؟ معرفش، بتسأل ليه؟ هز حاجبيه بحيرة: "بلاقيها بيردد اسمها كتير وهو نايم وجلت أكيد تعرفي." هزت رأسها بنفي وتمتمت برهبة: "لأ معرفش." خرجت من الغرفة وطلبت من الممرضة أن تبعث لمراد كي يعاين حالتها. جاء مراد بعد قليل وبعد الانتهاء من معاينتها تحدث قائلاً: "الحمد لله الحرارة نزلت وممكن تخرجي بكرة بإذن الله." أومأت

توليب بوهن وسألته ياسمين: "وجواد؟ "اطمني، هو كويس بس نومه المستمر ده من الأدوية اللي بياخدها. وبكرة الصبح هيفوق ويبقى كويس. أنا راجع البيت دلوقتي والصبح إن شاء الله هكون موجود." خرج من الغرفة وتقدمت ياسمين من توليب لتجذب عليها الغطاء وقالت بتعاطف: "نامي دلوقتي والصبح هتكوني أحسن." أغمضت توليب عينيها بتثاقل وتمتمت بألم: "خليكي معايا." أومأت لها ياسمين وظلت بجوارها حتى الصباح. ***

عاد مراد إلى المنزل بارهاق شديد، فلم يذق طعم النوم منذ يومين. دلفت غرفته ووجد سلمى مستلقية على الفراش تتناثر خصلاتها على الوسادة بإهمال. اشتاقها حقًا، فهو لا ينكر أنها تحتل جزءً كبيرًا في قلبه بطيبتها المعهودة وحنانها الزائد. ابتسم بود ودلف للمرحاض ليأخذ حمامًا دافئًا كي يريح عضلاته المتشنجة. ثم خرج بعد قليل فوجدها كما هي لم تحرك ساكنًا. اندثر بجوارها ليضع ذراعه أسفل خصرها ليجذبها إليه فتشعر به وتبتسم بنعاس:

"رجعت إمتى؟ طبع قلبه عميقة على جبينها وتمتم باحتواء: "لسه راجع." طبع قلبه أخرى على خدها وتابع بشغف: "وحشتيني." استسلمت سلمى لقبلاته ويديه التي تضغط عليها كي تقربها منه أكثر. رغم سعادتها بعودته إليها، إلا إنه لم يعد كما كان، لم تجد به الشغف واللهفة التي كانت تعيشها معه. كان مستلقيًا على صدره وينام بعمق، لم يأخذها لحضنه كما كان يفعل من قبل. لأول مرة لم تستطع التجاوب معه وفور انتهائه منها تركها. هل تعد هذه بداية؟

أم تحسبها نهاية؟ ظلت طوال الليل تنظر إليه بصمت تتساءل عما يخبئه لها القدر. *** في الصباح. اعتدلت توليب في فراشها وقد شعرت بتحسن حالتها. وضعت ياسمين طعام الإفطار أمامها لكنها لم تستطع تناوله فقالت ياسمين بامتعاض: "توليب إكدة مينفعش، انتي بقالك يومين مكلتيش حاجة واصل والدكتور نبه علينا إنك لازمن تاكلي." أصرت توليب على الرفض: "صدقيني مليش نفس دلوقتي، سيبيني براحتي." أبعدت الطاولة عن الفراش ثم جلست بجوارها وسألتها:

"توليب، ممكن أسألك سؤال وتجاوبي بصراحة؟ "أكيد طبعًا، مش بخبي عليكي حاجة." "إيه اللي بينك وبين جواد؟ أجفلت توليب بسؤالها واهتزت نظراتها من سماع اسمه، ثم رفعت بصرها إليها تسألها بتهرب: "ليه بتقولي كده؟ "لأنك طول اليومين اللي فاتوا بترددي اسمه، والغريبة كمان إنه هو برضه بيردد اسمك." اتسعت عينيها بصدمة كبيرة وعقلها لا يستوعب ما قالته فتمتمت باستنكار: "لأ أكيد متهيألك."

"لأ يا توليب دي الحقيقة اللي رافضة تجوليها. من ميتى واحنا بنخبي على بعض؟ رمشت بعينيها لتلك الذكرى وتمتمت بألم: "أكيد بيقول كده…" قاطعتها ياسمين: "مفيش داعي تخبي عليا، لإن كل حاجة واضحة. ياريت متخبيش عليا وجولي الحقيقة." لم تستطع توليب الهرب منها واضطرت للاعتراف بكل شيء وياسمين تستمع بصمت مطبق حتى انتهت: "وبعدها أصرت إني أمشي. ولولا اللي حصل مكنش هيشوفني تاني." تنهدت ياسمين بحزن على حال أخيها وتمتمت بألم:

"انتي متعرفيش بعد ما مشيتي حصله إيه، حاله اتبدل. ووقتها فكرت إنه زعلان إني اتجوزت غصب عنه. عيشته مع شمس كانت زي الجحيم. مشاكل مش بتنتهي وإصرارها إنها تعيش في القاهرة لحد ما جدي ضغط عليه وخلاه يوافقها. افتكر وقتها إنها هتتغير لما يطاوعها. وياريته ما كان وافق. خرج معاه بس معودتش، وهو عاود بس واحد تاني. محدش من أخواته رحمه وحملوه ذنبها وأمها أصرت إنه ميبقاش في القصر. ولما جدي رفض، انسحب هو وعاش لوحده في المزرعة. كان رافض أي حد منا يجف معاه، ومكنش بيسمح لحد غير مراد. رغم إنه ناله نصيب من غضبه لأنه هو اللي أجرى العملية، بس مراد كان أقوى منا وفضل جنبه رغم رفضه لوجوده معاه."

تطلعت إلي توليب وتابعت بلوم: "لو سبب هروبك ده المشكلة اللي حصلتله، يبجى ياريت تنسحبي قبل ما يتأكد منك ويعيش تجربة الخذلان من تاني." هزت توليب رأسها بنفي وتمتمت بخفوت: "بس أنا مأخفتش حقيقتي عشان الحكاية دي، ولا أصلاً بفكر فيها، لإن حاجة زي دي كلنا معرضين ليها. كل الحكاية إني مكنتش عايزة أظهر في حياته بعد السنين دي وأنا متهمة بجريمة قتل حقيقية وممكن في أي وقت أتحبس ويكون مجبر إنه يعيش تجربة البعد مرة تانية. لازم أبعد."

قاطعتها ياسمين بحزم: "بس مبقاش ينفع البعد دلوقتي، لإن جواد شكله اتأكد إنك انتي توليب، وأكبر دليل إنه شالك ومشي بيكي المسافة دي كلها وهو متصاب برصاصة في دراعه وبينزف وهو في ظروفه دي، غير كمان إنهم بطلش يردد اسمك وهو في حالته." أمسكت يدها برجاء وتابعت: "لو فعلاً لسه بتحبيه، خليكي جنبه واحكي له على كل حاجة. وإن كان على مشكلتك، إني واثقة إنه هيقدر يحلها، بس بلاش تبعدي." تجمعت العبرات في عينيها وردت بحزن:

"مش هينفع. أنا ممكن أتسجن في أي وقت ومحدش هيقدر يخرجني من الورطة دي غير إنه يفوق ويعترف بكل حاجة." ردت ياسمين بثقة: "وأنا واثقة في أخويا وخابرة زين إنه يقدر يخرجك منها. أرجوكي سيبيني أنا أحكي له وهو هيتصرف." التزمت توليب الصمت ولم تعرف ماذا تقول. عليها أن تخبر والدها قبل أي شيء.

عاد جواد لوعيه وشعر بالاستياء عندما لاحظ فراغ قدمه، لكنه اطمئن عندما لم يجد أحد في الغرفة. تلفت حوله فوجد القدم بجوار الفراش فقام بجذبها وارتداها رغم الجروح التي آلمته. وبعدها دلفت عامر. ابتسم بحفاوة عندما وجده جالسًا في فراشه وقال بحبور: "حمد لله على السلامة يا ولدي." أجاب جواد بفتور: "الله يسلمك، أنا هنا بقالي قد إيه؟ "تالت يوم النهارده، والحمد لله مراد طمنا عليك وقال وقت ما تفوق تجدر تخرج."

أومأ بصمت وقد انشغل قلبه عليها. ماذا حدث لها وهل ما زالت في المشفى أم خرجت قبله. "فين ياسمين؟ "ياسمين عند صاحبتها في الأوضة اللي جنبنا. عايزها في حاجة." ازداد قلقه عليها وشعر بأن الأمر أكثر من حرارة فقط فقال بثبوت: "خليها تيجي دلوقتي." أومأ عامر وخرج من الغرفة ليعود بعد لحظات ومعه ياسمين التي ابتسمت بسعادة: "حمد لله على السلامة يا جواد." أجاب بجموده المعتاد: "الله يسلمك، هتهرجوا ميتى؟

"النهاردة إن شاء الله، هي بقت زينة ومراد قالنا نجدر نخرج النهاردة." أومأ لها ثم تحدث بأمر: "طيب أجهزوا عشان هنرچع دلوقتي." تحدث عامر برفض: "لأ مش دلوقتي، استنى لما ييجي مراد ويطمنا." رغم الألم والوهن الذي يشعر به إلا إنه قال بإصرار: "جلت هروح دلوقتي، مش رايد حديث كتير." هم بالنهوض لكنه شعر بالدوار ومد عامر يده ليسنده، لكن جواد رفض وقال بجمود: "أنا زين." تحامل على نفسه ونهض ليدلف المرحاض وهو يقول لياسمين:

"خمس دقايق وتكونوا جاهزين." لم يستطع مراد الوقوف أمامه ومنعه من الذهاب وسمح له بالانصراف. وعاد إلى المزرعة بعد إصراره على العودة لها. وفور دخولهم نظر لتوليب التي سارت بجوار ياسمين التي تساندها وقال بأمر: "يبقى تعالي أوضتي ضروري." أومأت ياسمين وساعدت توليب على الذهاب لغرفتها وهي تقول بقلق: "هتعملي إيه؟ أكيد جواد عايزني عشان يكلمني في موضوعك." استلقت توليب على الفراش وهي تقول بارهاق:

"نظرات جواد ليا واحنا جايين بتأكد إنه عرفني ومينفعش نخبي عليه." أومأت ياسمين وجذبت عليها الغطاء: "طيب حاولي ترتاحي شوية وأنا هروح أشوفه عايزني ليه." *** طرقت ياسمين الباب وسمح لها جواد بالدخول فتجده مستلقياً على الفراش ويبدو عليه التعب. تقدمت منه تسأله: "عايزني في حاجة." أشار لها بالجلوس وقال بثبوت: "اقعدي لول وبعدين احكيلي إيه الحكاية بالظبط." جلست على حافة الفراش بجواره وقالت بصوت مهزوز: "حكاية إيه مش فاهمة."

"إيه اللي حصل وخايفة منه خلاها تهرب أول ما الحكومة دخلت المزرعة." اهتزت نظراتها وشعرت بعينيه تخترقها فلم تجد بد من الاعتراف بكل شيء: "دي تبقى توليب صاحبتي." ازدادت وتيرة دقاته عند سماع اسمها وانتبه لحديثها بكل جوارحه وما عانته بسبب ذلك الرجل، لكن لم تخبره عن قصة زواجها فسألها بوجل: "وجوزها فين في كل ده؟ عقدت حاجبيها بحيرة: "بس هو مش متجوزة." ازدادت وتيرة قلبه أكثر وشعر بأنه قد تلاعب به تلك الفترة وعاد يسألها:

"يعني مش اتجوزتش وسافرت مع جوزها؟ هزت رأسها بنفي وردت باقتضاب: "لأ." نعم خدعة أخرى من خداع جده التي لا تعد. "طيب ليه خبت عليا وغيرت اسمها." هزت كتفيها وهي تقول بمغزى: "دي حاجة تسألها انت بنفسك، إني مليش صالح فيها. بس اللي هقوله إن توليب اتعذبت بسببك كتير قوي، بلاش ترجعلها العذاب من تاني." انسحبت بهدوء وتركته هو في شروده وتوعده لكل من كان سببًا في عذابهم.

مر يومان وبدأ جواد يسترد صحته ولم يحاول رؤيتها أو التحدث معها مما جعل توليب توقن بأنه تركها ولم يعد يبالي. ولا تدري شيئًا عما يفعله لها وتواصله مع محامي عائلتهم والذي أخبره بأن عودة ذلك الرجل ستعزز من مجريات القضية. في المساء جاء مراد كي يطمئن على جرحه وبعد الانتهاء سأله جواد: "لو حد اتعرض لحادث والخبطة جات في الراس وراح في غيبوبة، ممكن تستمر معاه قد إيه؟ انتهى مراد من تضميد الجرح وقام بوضع الأشياء

في الحقيبة وسأله بهدوء: "معاك تقرير الحالة؟ أجاب باقتضاب: "لأ." "يبقى مقدرش أفيدك، بمعنى إني لازم أشوف الأشعة. ولو الغيبوبة دي محدش بيقدر يحدد إمتى هيفوق، فيه اللي بتستمر ليومين ومعاك لسنة وممكن عشرة." زم جواد فمه باستياء مما أدهش مراد وسأله: "مين اللي يهمك قوي كده؟ يمكن أفيدك." رد باقتضاب: "مفيش." ربت مراد على كتفه المصاب وقال بمغزى:

"طيب يبقى خف من دور البطلات اللي بتعملها دي، لحسن إن وجعت تحت يدي مرة تانية مش هرحمك، هشرح فيك براحتي." نهض وهو يحمل حقيبته: "أنا ماشي دلوقتي وهعدي عليك بكرة عشان أغير للجرح، مع أني شايف تحسن ملحوظ." ابتسم جواد رغمًا عنه، سرعان ما محاها وشعر مراد بأن صديقه به شيء مختلف فتركه وعاد لمنزله.

جلس مراد لتناول العشاء مع العائلة والتي لم يجتمع معهم على طاولة العشاء منذ فترة طويلة. لا يعرف لما أراد أن تشاركه نور الطعام، وخاصة الليلة. فنظر إلى سلمى وقال: "اطلعي أوضتها واطلبي منها إنها تيجي تتعشى معانا. متخليهاش تاكل لوحدها بعد كده." ازدردت سلمى لعابها ونظرت لسهر التي ترمقها بنظرات حانقة كأنها تخبرها بأن شكها لم يكن من فراغ، لكنها تظاهرت بالجهل وتمتمت بثبات: "حاضر." صعدت إلى غرفتها وطرقت الباب ففتحت لها نور:

"تعالي يا سلمى." حاولت سلمى الابتسام لكنها ظهرت باهته: "خالتو بتقولك انزلي اتعشى معانا." هزت رأسها برفض وتمتمت برهبة: "لأ معلش، أنا أصلاً مليش نفس." علمت بأنها لا تود النزول كي لا تضايق مراد فقالت بمغزى: "ولو جلتلك إن دكتور مراد هو كمان طلب ده." "هتفرق؟ "مش هتفرق، بس في نفس الوقت كلنا عايزينك تتعشي معانا. لو كان على اللي حصل فخلاص عدى وانتهى واحنا ولاد النهاردة وعايزينك تبقي معانا."

حاولت نور الرفض لكنها وافقت تحت إصرار سلمى التي لا تعرف سبب تعاملها الجيد معها. ارتدت عباءة فضفاضة من الذي انتقته آمال لها وارتدت حجاب مماثل ونزلت للأسفل لتجد أنهم ما زالوا منتظرين. نظرت لمراد الذي يترأس الطاولة ولم تدري لما طلب ذلك. وعند رؤيتها أشار لها بالجلوس بجوار سلمى: "اتفضلي اجعدي." جلست على المقعد وهي لا تعرف لما وافقتهم على ذلك. بدأ الجميع بتناول طعامهم وهي تتلاعب به لا تملك الشهية لتناوله،

فلاحظ مؤيد ذلك وسألها: "مش بتاكلي ليه؟ لو مش عاجبك أخلي حنان تعملك غيره." لم تستطع سهر اخفاء غيرتها فنهضت وهي تقول بحدة: "أنا شبعت." لاحظ الجميع فعلتها واستاء من طريقتها مما جعل نور تشعر بالإحراج وتمتمت بخفوت وهي تنهض من مقعدها: "أنا آسفة لو كنت عملتلكم مشاكل. أنا هتعشى في أوضتي." منعها صوت مراد الحاد وهو يقول بأمر: "خليكي مطرحك واللي مش عاجبه هو اللي يخليه في أوضته." نظر إلى مؤيد وسأله بحدة: "ولا إيه يا مؤيد؟

أيد رأيه قائلاً: "أكيد." نظر مؤيد لنور وقال بهدوء: "كملي أكلك، انتي مقامك من مقامهم ومقامك هنا وسطنا وابن أخوي يتربى مع ولادنا. غير كده مفيش حديث تاني هيتقال." هزت رأسها بنفي: "أنا مش عايزة أكون سبب في أي مشاكل تحصل في البيت وعشان كده طلبت إني أستقل لوحدي، بس دكتور مراد رفض." سبقه مؤيد بالحديث قائلاً باستنكار: "أنا جلتلك مكانتك من مكانتهم ومكانك هنا وسطنا وابن أخوي يتربى مع ولادنا. غير كده مفيش حديث تاني هيتقال."

امسكت سلمى يدها تحسها على البقاء فجلست على مضض. طلبت منها آمال البقاء…… في غرفة مؤيد. ظلت تزرع الغرفة ذهاباً وإياباً والعيرة تتآكلها. على من ترسم تلك المرأة؟ على مراد والذي من السهل جدًا الإيقاع به لظروف زوجته، لكنه شديد التعصب. أم مؤيد الذي يهتم بها أكثر من اهتمامه بزوجته؟ لا، لن تصمت وتقبل بتلك المهزلة. عليها أن توقفها عند حدها كي لا تفكر في مؤيد.

انتفضت بوجل عندما انفتح الباب ودلف مؤيد صافقاً الباب خلفه بحدة ونظراته لا تبشر بخير، وخاصة عندما سألها بهدر: "إيه اللي عملتيه ده؟ ارتبكت سهر وقالت بتلعثم: "أ… أنا…" هدر بها: "انتي إيه؟ سيبتي سلمى ودلوقتي مسكتي في نور؟ هزت رأسها تنفي اتهامه: "أنا عمر ما كان بيني وبين سلمى حاجة، هي اللي حساسة وبتاخد كل كلمة بحساسية. إنما دي أنا جاية أغار عليكي منها." اقترب منها بسرعة الفهد وجذبها من ذراعها يعنفها: "انتي إيه؟

مفيش فايدة فيكي، غيرتك دي مش عايزة تخلصي منها." جذبت سهر ذراعها من يده وقالت بتأكيد: "أيوه بغير عليكي زي أي واحدة ما بتغير على جوزها وأي واحدة مكاني هتعمل كده." "وليه سلمى مجالتش زيك رغم أن وضعها مختلف عنك؟ "ومين جالك إن سلمى مش بتتعذب بوجودها؟ بس هي لازم تسكت وتداري عشان شايفة إن مكانتها مهزوزة، إنما أنا لأ." رفع مؤيد إصبعه في وجهها وتحدث بلهجة حازمة وحادة:

"هما كلمتين مفيش غيرهم، لإن الحديث معاكي زي قلته. يا إما تروحي وتعتذري ليها دلوقتي، يا إما تاخدي بعضك وتروحي على بيت أبوكي ووجتها مش هترجعيه تاني. انتي هنا زيك زيها، وليها زي ما ليكي، وزي ما واجب عليها تحترمك انتي كمان تحترميها. قدامك حل من الاتنين." اتسعت عينها بصدمة وهو يضعها أمام حلين أصعب من بعضها فقالت…….

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...