الفصل 27 | من 33 فصل

رواية التل الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
15
كلمة
5,906
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

هكذا زفت البشرى إليها، وخرجت توليب وهي لا تصدق أن براءتها ظهرت أخيرًا. نظرت بكل الحب الذي تحمله بداخلها إلى جواد، الذي فتح لها باب السيارة وقال بحب: "اركبي." لم تسأله إلى أين، فقد سلمت له أمرها وليفعل كما يشاء. صعدت للسيارة وهي تنظر إليه نظرة يملؤها الرضا. أخذ هو مقعده وتولى القيادة، بعد أن تحدث إليها بحنو: "لو تعبانة نامي شوية، لأن المشوار قدام طويل، بعدها هتبقى سهرة للصبح."

لم تسأله، بل تركت له زمام حياتها يديرها كيفما يشاء، وتمتمت بنعاس وهي تتثائب: "أنا فعلًا مجهدة أوي وعايزة أنام." أغلق نوافذ السيارة وفرد المقعد الذي تجلس عليه كي يجعلها تستريح، وتحدث بروية: "نامي براحتك، وارفعي النقاب، العربية متفيمة." ابتسمت وهي تنظر إليه بهيام، وتمتمت بخفوت: "ارفعها شوية لإني عايزة أتملى منك شوية قبل ما أنام."

أومأ لها وقام برفع المقعد قليلًا كي تستطيع النظر إليه بأريحية، وظلت على ذلك الحال حتى غلبها النعاس ونامت. *** في غرفة مراد، كان مستلقيًا في فراشه عندما بعث إليه جواد يخبره بما تم، وأنه سيغلق هاتفه فترة كي لا يقلق عليه. أغلق مراد الهاتف بحبور، وتطلع إلى سلمى التي خرجت من المرحاض، وقال: "مرات جواد خرجت النهاردة." "بجد؟ طيب خليني أكلمها." وضع هاتفه على المنضدة ونهض قائلاً: "بلاش دلوقتي، لما يرجعوا أبقى روحوا باركوا له."

تركها ودلف المرحاض، فتبحث سلمى عن هاتفها فلم تجده. أخذت هاتف مراد كي ترن عليه، فتتفاجئ بتلك الخلفية التي وضعها على هاتفه، ولم تكن سوى صورة آسر الصغير. مما جعلها تشعر بالقهر على حالها. هي تعلم جيدًا مدى اشتياقه لطفلٍ له، وربما ذلك يعد سببًا آخر لزواجه من نور. تركت الهاتف من يدها عندما انفتح باب المرحاض، وابتسمت مرغمة كي لا يشعر بشيء، وسألته: "هتروح المستشفى النهاردة؟ وقف أمام المرآة يمشط خصلاته، ورد باقتضاب: "لأ."

أومأت له وخرجت من الغرفة بعد أن أبدلت ملابسها. أما هو، فقام بالاتصال على المشفى كي يطمئن على طفله، ثم خرج من الغرفة. تطلع إلى غرفة نور، وتساءل هل مازالت نائمة أم باتت بنوم متقطع كما حدث معه. طرق على غرفتها بخفوت كي لا يزعجها إذا كانت نائمة. انتظر لحظة واحدة وهم بالذهاب، لكنه توقف عندما انفتح الباب، وخرجت له وهي تحكم حجابها حول وجهها الذي زاده الحجاب جمالاً وجاذبية، فتمتم بابتسامة: "صباح الخير." بادلته الابتسام

بأخرى يغلفها الخجل: "صباح النور." لم يجد مراد كلمات يبرر بها رغبته برؤيتها، وتمتم بثبات: "أنا قلت تنزلي تفطري معانا بدل ما تفطري لوحدك." أومأت له بصمت، فأومأ بدوره ونزل للأسفل، وهو يشعر بقلبه يرفرف بسعادة لم يختبرها من قبل. دلف غرفة الطعام، فيجد سلمى وسهر توضبان الطاولة، ووالدته جالسة على مقعدها. ألقى عليهم السلام، ثم تقدم من والدته ليقبل يدها: "كيفك يا ست الكل؟ ردت آمال بابتسامة: "بخير طول ما انت بخير يا ولدي."

جلس على مقعده، وقال مؤيد لزوجته: "ياريت يا سهر تبعتي لنور تفطر معانا، بلاش تفطر لوحدها." قاطعه مراد بثبات: "خليها، هي نازلة دلوقتي." تطلعت سهر لسلمى، التي تظاهرت بعدم الاهتمام، رغم نيران الغيرة التي بدأت تزداد بداخلها. دَلَفَت نور، والتي لم تسترد عافيتها بعد، لكنها لم تريد رفض الرجاء الذي رأته بعينيه. "صباح الخير." رد الجميع صباحها، وساعدتها سهر لتجلس على المقعد المقابل لمراد، وجلست سلمى بجواره. ابتسمت آمال بترحيب،

وربتت على يدها قائلة: "حمدلله على سلامتك يا بنتي." ردت نور بحب: "الله يسلمك يا طنط." قامت آمال بوضع بعض الأطعمة في طبقها، لكن مراد منعها: "أمي بلاش الأكلات دي الله يرضى عليكي، إحنا ما صدقنا." تطلع إلى نور، وقال بحزم: "التزمي بالتعليمات اللي جلتلك عليها لحد ما تستردي صحتك زين." أومأت له بصمت، شرعت في تناول الطعام الذي سمح لها به، وسلمى تضغط على شفتيها كي تهدئ من نيرانها. ***

فتحت توليب عينيها لتجد أن السيارة توقفت، وعيني جواد ترمقها بولع. ابتسمت وهي تنظر إلى عينيه بشغف، وسألته بصوتها الناعس: "وصلنا؟ أومأ لها وهو مازال يتأمل ملامحها: "من نص ساعة." اتسعت ابتسامتها، وسألته: "وليه مصحتنيش؟ يده ليملس على وجنتها بولع: "كنت بملي عينيه منكِ، كنتِ وحشاني جوي." شعرت بالسعادة لكلماته، وتابع بهمس: "كنت بتمنى أقوم من النوم ألاقي وشك اللي كيف الجمر ده قدامي، ومصدقت لقيت الفرصة." تحولت نبرته لمكر:

"ينفع أضيعها؟ هزت رأسها بدلال: "تؤ، مينفعش." أخذ هاتفه ليضعه في جيب سترته، وهو يقول بخبث: "بما إنك وافقتي يبقى اتحملي." ترجل من السيارة وتوجه ناحيتها ليفتح لها الباب ويساعدها على الخروج، فتجد نفسها أمام فندق كبير في مدينة شرم. انبهرت حقًا بالمكان، ونظرت إليه بتساؤل: "إحنا جايين هنا ليه؟ أجاب بتروي وهو ينظر لعينيها بعشق: "انتي ناسيه وعدي ليكي؟ ضيقت عينيها متسائلة بمزاح: "أي وعد فيهم؟ انت وعدتني بكتير الصراحة."

"إحنا فينا من اللوع، بس ماشي يا ستي خلينا ننفذ أول وعد فيهم، هتعرفيه دلوقتي. أما التاني هو شهر عسل بس هنختصره شوية نخليهم أسبوعين." لم تجد الكلمات التي تصف بها مدى ولعها به، فتمتمت بصدق: "حتى لو يومين هيكونوا بالنسبة لي عمر بحاله." راقته برقتها وكلماتها التي اخترقت قلبه منذ أول كلمة نطقت بها، فأراد أن يتذوق تلك الشفاه التي تخرج تلك الكلمات المحبة، لكنه زم فمه باستياء وتمتم:

"أنا بقول نخلي الكلام ده فوق أحسن، لأني مش قادر أستنى أكتر من كده." أخذ يدها ودلف للداخل. توجه إلى موظفة الاستقبال، وقال برتابة: "مفتاح الجناح لو سمحتي." نظرت الموظفة إلى توليب بابتسامة، وأعطت جواد المفتاح وهي تقول: "ألف مبروك يا آنسة توليب." رغم دهشة توليب، إلا أنها ردت بتهذيب: "متشكرة." أخذ جواد المفتاح وأمسك يد توليب وسار بها ناحية المصعد، وسألته توليب بحيرة: "هي بتقول مبروك على إيه؟ رد جواد بغرور:

"على إنك متجوزة واحد زيي أكيد، بتحسدك وهتموت وتكون مكانك." زمت فمها بغيظ، وغمغمت بتوعد: "ماشي، لما ندخل أوضتنا." ازداد مكره وهو يسألها: "هتعملي إيه؟ "اعملي بروفة دلوقتي وعرفيني." توقف المصعد قبل أن تجيبه، وانفتح الباب، فتتفاجئ بذلك الكم الهائل من الورود المتناثرة بكل مكان. نظرت إلى جواد بعدم استيعاب، وغمغمت بحيرة: "إيه الورود دي كلها؟ تابع جواد مكره وهو يخرج بها من المصعد: "مش عارف، باين في فرح هنا في الفندق."

لم تصدقه، وسألته بمكر مماثل: "والعروسة بتحب ورد التوليب برضه؟ وقف جواد أمام باب الجناح، وهو يجيبها: "عادي يعني." فتح الباب وتنحى قليلاً ليسمح لها بالولوج، ثم أغلق الباب خلفهم، وقد وقفت توليب تنظر إلى المكان الذي أضيئ بشموع معطرة بكافة الألوان. وصوته الدافئ يهمس بجوار أذنها: "أول وعد إني أعملك فرح محدش حلم بيه قبل كده." استدارت لتنظر إليه، ومازالت لا تستوعب ما تراه عيناها، وسألته: "فرح؟ أومأ لها بحب، فقالت بحيرة:

"بس إحنا عملنا فرح فـ…" قاطعها جواد: "بس أهل أبوكي ميعرفوش ولا أصحابك وجيرانك، لازم كل اللي شك لحظة واحدة في براءتك يتأكد إنك أنقى بنت في الدنيا." لم تجد الكلمات التي تصف بها مدى تأثرها بحديثه، وهمت باحتضانه، لكنه منعها بلهجة رجاء: "لأ أرجوكي، إني مانع نفسي بالعافية. ادخلي اجهزي، وإني هدخل الأوضة التانية هغير فيه." تطلع في ساعته وتابع: "قدامك نص ساعة بالكتير وتكوني جاهزة، كل حاجة هتحتاجيها موجودة جوة."

أومأت له بتفاهم، ودلفت الغرفة، لتجد فستان أبيض محتشم موضوعًا على الفراش، وحجاب مع نقاب. أغمضت عينيها بسعادة، ثم دلفت المرحاض كي تأخذ حمامًا دافئًا وتبدل ملابسها. جلس جواد على الأريكة ينتظر خروجها، وهاتفه لم يكف عن الرنين: "وبعدين بقا." نهض كي يطرق بابها يستعجلها، فيتفاجئ بها تخرج من الغرفة بذلك الثوب الأبيض، وتخفي وجهها بالنقاب.

لم يظهر منها سوى سموّها، ورغم ذلك استطاعت أن تجعل قلبه يسقط صريع دفئهما، وكأنها علمت مدى تأثيرها عليه، إذ تقدمت منه لتدعس بلا رحمة على قلبه الذي هدر بعنف، وكلما تقدم منه كلما اشتدت وتيرته، حتى رفع راية الاستسلام أمام سطوتها الغازية. وقفت أمامه، وعينيها تنظر إلى من ملك القلب بنظرة واحدة. هو حبيبها، من غنى القلب باسمه، وتهاذى الهوى بعشقه. لا حبيب روح سواه، ولا مالك قلب غيره.

بيد واهنة مد يده ينزل نقابها، فيظهر أمامه وجهها الملائكي بابتسامتها التي أنهت على ما تبقى من ثبات، وثارت مشاعره تطالبه بروي ظمأه من شهدها، فيلبي تلك الرغبة، ويميل على شفتيها يأخذها بقبلة حانية، كأنه يخشى عليها من حدة مشاعره، فيزداد عطشه لأكثر وأكثر، وكلما ارتوى كلما ازدادت رغبته بالمزيد والمزيد. ابتعد مرغمًا، وتطلع بعيونها الساحرة، وتمتم بوله:

"مش قادر أبعد، بس مضطر عشان الناس اللي مستنيانا تحت، وأوعدك إني أعوضك عن كل ثانية بعدتيها عني." خرجت معه من الجناح، ودلفوا المصعد للدور العلوي. وعند خروجها، وجدت توفيق ينتظرها وحيدًا: "بابا." قابلها توفيق بابتسامته الحانية، وفتح ذراعيه لها، فتسرع إليه تحتضنه بحب، تحت أنظار جواد الممتعضة، فقد أصبح حقًا شديد الغيرة عليها: "ألف مبروك يا حبيبتي." ابتعدت توليب قليلاً، وردت بحب:

"الله يبارك فيك يا بابا، كنت فاكرة إني هلاقيك مستنيني قدام النيابة." تطلع إلى جواد، وقال بغيظ: "أعمل إيه في جوزك، أصر أننا نسبقه هنا، وجايبين الناس معانا من بدري." "المهم يلا بقا عشان اتأخرنا عليهم." دَلَفَت توليب للقاعة، فوجدت الجميع في انتظارها. أهل والدها، وأصدقاؤها، وجيرانها، وكل من تعرفه. كما وعدها، حفل أسطوري رفع به من شأنها أمام الجميع. واختار لها إنشادًا إسلاميًا كي لا يضايقها.

كانت سعادتهم لا توصف، ولم يعد شبح الخوف يسيطر عليهم. كانت ياسمين تنظر إلى باب القاعة تنتظر قدومه، لكنه لم يأت. كيف ذلك؟ وقد سمعت جواد وهو يطلب منه المجيء، وقد وافقه. ماذا حدث له؟ وكأنها علمت بها، إذ وجدته يدلف من الباب ببدلة سوداء لاقت به كثيرًا، فدق قلبها بعنف عندما وجدتـه يتقدم منها، فتزدرد لعابها بصعوبة، وشهقت رغماً عنها حينما وجدته يمر من أمامها ليصافح والدها.

رمشت بعينيها تحاول الثبات أمامه وعدم إظهار مدى شوقها له. أما آدم، فقد ظل طوال الوقت ينظر إليها بين الحين والآخر، ويعلم أنها ما زالت غاضبة منه، لكنه لن ييأس وسيظل يطلب العفو حتى تغفر له. واصل عامر عتابه: "بس المفروض كنت تيجي وتخبرني بكل شيء، مكنش ينفع اللي انت عملته." تنهد آدم وتمتم بجدية:

"زي ما جلت لجواد قبل كده إني مكنتش رايد حج ولا غيره، بس كنت رايد آخد حق أبويا اللي حسان قتلته قدام عينيه، بس اللي معملتش حسابه وجعت فيه، وده اللي خلاني أسمع حديث جواد وأتراجع." عقد عامر حاجبيه بحيرة، وسأله: "إيه هو؟ رد آدم بجدية مقتضبة: "ياسمين." *** لم يعد جواد يستطيع الانتظار أكثر من ذلك، وأنهى ذلك الحفل، وأخذ عروسه وصعد غرفتهما بعد أن ودع الجميع.

فتح جواد الغرفة، وهمت توليب بالدخول، فتشهق بفزع عندما وجدت قدميها في الهواء، وصوت جواد يقول بخبث: "أول مرة عديناها، لكن المرة دي لأ." دلف بها وأغلق الباب بقدمه، وأخذ يلتف بها بسعادة لم يشعر كلاهما بمثلها من قبل.

كانت ضحكتها تملئ الغرفة، وأخيرًا أنزلها لتستقر قدماها على الأرض، لكنه لم يتركها، بل حاوطها بتملك، ورفع نقابها وألقاه بإهمال على المقعد، تلاها حجابها، ليسترسل شعرها بخصلاته البنية على ظهرها وكتفها في هالة تخطف الأنفاس. بعد خصلاتها التي حاوطت وجهها، ووضعها خلف أذنها، وهو يتمتم بهيام: "أنا مش عارف انتي عملتي فيا إيه؟ علقتيني بيكي بجنون من غير ما أعرف حتى ملامحك، وفضلت سنتين بتعذب ليل نهار لحد ما ظهرتي في حياتي من تاني."

كانت تستمع إليه بحب، وقلبها يخفق بوله، وتابع حديثه: "زي ما يكون كنت عايش من غير قلب، ورجعلي برجوعك من تاني." مال عليها يطبع قبلة على عينها: "كنت راسمهم بقلبي وروحي وخيالي، عمرهم ما فرقوني لحظة واحدة." طبع أخرى على وجنتها، وتابع: "متعرفيش أنا اتعذبت في بعدهـ…" وضعت توليب يدها على فمه تمنعه من تكملة حديثه، وقالت بوله: "بلاش نفكر في اللي راح، خلينا في النهاردة." قبل أناملها الموضوعة على فمه، ثم وضعها على قلبه،

وتمتم بحشرجة: "من النهاردة أنا ليكي انتي." وبسمة على ثغرها يقبله بشوق ولهفة كي يروي ظمأه. لكنه كلما ارتوى كلما شعر بالظمأ أكثر وأكثر. وهي مستسلمة بين يديه، بل سعيدة بتلك المشاعر التي خصتها به وحده. كان يضمها إليه بحنو، كأنه يخشى عليها من حدة يديه. لكن لم يدم طويلاً، وبدأ ينثاق إلى مشاعره التي لم تكف ولم تهدأ، بل طالبت بالمزيد والمزيد، حتى استكانت بعد فترة طويلة على الفراش، ونامت على كتفه وذراعيه تحيطها بتملك عاشق.

*** استيقظت توليب لتجد نفسها وحيدة في الفراش، وقد حل الليل، ليعم الظلام الغرفة إلا من ضوء خافت. فتحت الإضاءة التي بجوارها، ونهضت بتكاسل، لتتفاجئ بزهرة التوليب الحمراء موضوعة بجوارها، وتحمل ورقة صغيرة مكتوب بها: "هتلاقي شنطة في الضلفة الأولى، فيها فستان البسيه وتعالي في الصالة، مستنيكي." طوت الورقة بين أناملها، وقلبها يخفق بقوة. قربت الزهرة من فمها لتشم عبيرها، ويتغلغل داخلها بنشوة، ثم استقامت لتدلف المرحاض.

خرجت بعد قليل، وتقدمت من الخزانة لتفتح ضلفتها الأولى، فوجدت ثوبًا معلقًا بها بلون فيروزي، بالكاد يصل لركبتها، وباكتاف عارية تمامًا، كثوب الزفاف. لكنه يسلب الأنفاس برونقه. وحذاء مشابه له. وقفت أمام المرآة وهي تنظر إلى هيئتها بإعجاب. وقد أظهر ذلك الثوب قدها الممشوق، وتناسب لونه مع بشرتها ناصعة البياض. وشعرها الغزير الذي رفعته لأعلى برابطة أحكمت حريته، وأصبح أسيرًا لديها.

وضعت أحمر شفاه قاني اكتفت به فقط، ونظرت برضا لصورتها بالمرآة، ثم وقفت على الباب وقلبها يخفق بشدة. وضعت يدها على المقبض، ولم تستطع فتحها، تملك الجرأة لذلك. تذكرت بأنها لم ترتدي الحذاء. عادت لتضع قدمها به، لتجد صعوبة بالسير به، فهي لم تعتد ذلك النوع من الأحذية عالي الكعب، فشعرت بأنها على وشك السقوط. استطاعت بعد عناء تنظيم سيرها، حتى وصلت للباب.

خرجت من الغرفة، لتجده واقفًا أمامها ببذلته السوداء، كسواد ليل عينيه الحالك، وشعره القاتم. سلب أنفاسها بوسامته الطاغية، والتي تسلب العيون إليه أينما ذهب. لكن تلك المرة أشد وأقوى، وقد أضفى عليه ضوء الشموع بضوئها الخافت سحرًا خاصًا، وكأنه خارج من إحدى كتب الأساطير اليونانية. تهادت إليه بخطوات جاهدت أن تكون ثابتة، وهو أصبح كالمسحور ينظر إلى هيئتها بأنفاس لاهثة. وتمتم بعينيه الهائمة: "رفقًا بي صغيرتي."

لكنها واصلت تعذيبه، وتقدمت منه لتقف أمامه وهي مأخوذة بسحر اللحظة. ازدرد لعابه بصعوبة، وغمغم بحشرجة: "يبقى فكريني أقطع الفستان ده بعد ما تخلعيه." ابتسمت بغرور من تأثيرها عليه، وسألته بدهاء: "ليه بس التبذير ده! ده باين عليه غالي أوي." أيد حديثها: "من جهة غالي، فهو غالي جوي، بس تأثيره ممكن في مرة يوقف جَلبي." أخذ هاتفه من على الأريكة، وقام بتحميل أغنية إليسا "مكتوبة ليك".

امتعض وجهها لسماع الأغاني، لكنها لم تشأ أحزانه، وتركته يفعل ما يشاء. لف خصرها بيديه ليقربها منه، ويرقص معها على أنغام تلك الأغنية. كانت عينيه تحتوي عينيها بتملك، وتتناغم خطواتهم مع نغم الأغنية، قبل أن تضع رأسها على صدره لتسمع نبضات قلبه الرتيبة، ويكتمل كل شيء من حولهما.

وبعد انتهاء الأغنية، أبعدها عنه قليلاً كي ينظر إليها، ثم مد يده ليحرر خصلاتها من ذلك الأسر، ويغزو تلك الرابطة التي أصبحت عدوه اللدود، فتثور خصلاتها مهللة بتحررها، وتسقط على أكتافها، فتكتمل تلك اللوحة التي أتقن الخالق رسمها. "أنتِ لي… نقطة على أحرف كلماتي لم تكتب لأحد من قبلك… لاكون لكِ كلمات كتبت بحروف من لؤلؤ ونقاط من ذهب، لا تقال إلا لكِ، وما مرت علي مسامع وهمسات العاشقين.

أنتِ لي… نوراً يضيء ظلماتي ويشع نور طرقاتي وينشلني من عتمات أيامي وحزن ليالي… لأكون لك قمر وضياء وشمسا تضيء وتزهو لياليكي وأيامك. أنتِ لي… حديث بلا صوت يحادث قلبي وقلبك… لا يفهم أحرفه وكلماته وعشقه سوى همسات قلبي ونبض دقاتك. قلبا ودفأ وأمانا وسكنا وطمأنينة لروحي وحنين وعشقا. أكن لكي همسا وحديثا وعالم لم تدسه خيالاتك ولا أفكارك. كوني لي… دربًا بغير انتهاء، أكن لكي صاحبك الذي خلق معك لهذا السفر.

فلو كان الواقع أنهارا وبحورا تبعدك عني… جعلت لكي من الخيال والكلمات جسورا من الحب والهوى تلتقي بها طرقاتنا ونسير معا في أدربها. كوني لي… عشقا وسكنا، أكن لكي حياة وأمانا. فأنا أحبكي وأعشق حروف اسمك… ولا أتغنى إلا بكلماتك وهمسك لي… خاطرة بقلمي Rasha Saber" طرق الباب ليخرجهم من تلك اللحظات الساحرة، فابتعد عنها مرغمًا وهو يقول: "ادخلي جوه دلوقتي."

أطاعته بتفاهم، ودلفت الغرفة مغلقة الباب خلفها، وهي لا تصدق السعادة التي تعيشها معه. فتح الباب بعد قليل وهو يمد يده لها: "تعالي." تشابكت أيديهم وهم يتقدمون من طاولة الطعام التي شملت كل الأصناف التي تفضله. نظرت إليه بحيرة، وسألته: "عرفت إزاي إني بحب الأصناف دي؟ ابتسم بحب وهو يرفع يدها ليقبلها، وتمتم بحبور: "تقصدي السلطة الخضار اللي من غير طماطم؟ ولا البوريك التركي بالكاتشب؟ هزت رأسها بغنج:

"تؤ، دول درجة تانية، إنما الدرجة الأولى المشويات اللي على الفحم دي." جذب يدها وأجلسها على المقعد، وهو يقول بتروي: "طيب اهدي كدة وبلاش الدلع ده، لأني ميت من الجوع." جلس قبالتها، وأمسك الشوكة ليغرزها في قطعة اللحم، وقربها من فمها: "دوقي وجولي رأيك." أخذت القطعة بأسنانها، ثم مضغتها بتلذذ، وتمتمت بمرح بلهجته الصعيدي: "حلو جوي جوي جوي، ما دام من يدك يا جواد بيه." ضحك رغماً عنه، وتحدث بحدة مصطنعة:

"بتسخري مني على لهجتي يا بنت المدن انتي." هزت كتفيها بنفي: "لأ مش تسخيرة، بس أحيانًا كتير مش بفهمها." "بس لهجة المنيا سلسة كتير عن لهجة المحافظات الجبلية." "وإحنا ليه ما نخلينا في السلاسة كدة." هز رأسه بيأس منها: "سلاسة؟ ماشي يا ست، نمشيها في السلاسة." أخذت شوكتها ووضعتها في قطعة البوريك، وقربتها من فمه: "طيب دوق دي بقا من إيد بنت المدن زي ما بتقول." نظر لليد التي تحمل الشوكة، وغمغم بمكر: "بس دي شوكة مش إيد."

زمت فمها بغيظ منه، وتركت الشوكة من يدها، والتقطت القطعة بأناملها لتقربها من فمه، لكنه ظل ثابتًا مكانه ولم يدنُ منها. رمقته بغيظ، وغمغمت: "قرب." رفع حاجبيه يتصنع الاندهاش: "إيه قرب دي؟ ما تجربي انتي، أومال أنا جايبلك الكعب العالي ليه؟ "أنا لو قربت عن كده هقع على الأكل." "وماله نجيب غيره، ولا أقولك قومي أحسن وتعالي أكّليني وارجعي تاني." تركت القطعة من يدها عندما لاحظت مكره، وتمتمت: "خلاص، كل لوحدك." تمتم

جواد بمكر وهو ينظر لثغرها: "واهون عليكي أنا جعان جوي وعايز أول حاجة آكلها تكون من يدك." تنهدت بيأس منه، ثم نهضت وأخذت القطعة بيدها ودنت منه، لكنها في لحظة وجدت نفسها تجلس على ساقيه، وتمتم بوله وهو ينظر لعينيها برغبة: "كده الأكل هيكون أحلى بكتير." أخذ ثغرها في قبلة بث فيها مدى ولعه بها الذي لم يهدأ ولن يهدأ، بل يزداد ويزداد، حتى أصبح غير محتمل.

وكلما فكر في الابتعاد يجد نفسه يعود إليها، كأنها هواءه الذي لا يستطيع الامتناع عنه. بعد وقت طويل، وضع جبينه على خاصتها، وتمتم بانفاس متقطعة: "مش عارف انتي عملتي فيا إيه." كانت تستمتع أيضًا بسحر تلك اللحظة، وردت بتيه: "انت اللي عملت فيا إيه؟ أنا بقيت مسلوبة الإرادة تمامًا." أبعد رأسها عنه قليلاً لينظر لشموسها الذهبية، وتمتم باحتواء: "كنت فاكر إن لما نتجوز اللهفة دي هتهدى شوية، بس لقيتها بتزيد كل يوم عن اللي قبله."

"بحبك يا توليب، ومش عايز أي حاجة بعد كده من الدنيا غير وجودك جنبي." نظر للطعام وتابع: "يلا بقا نكمل أكل، عشان فعلاً جبت آخري." شرع في إطعامها، وكذلك هي، ولم يكف عن كلمات الغزل التي تجعلها تبتسم بحياء، ثم أخذها في جولات عشقه اللامتناهية. كانت تهاتف يزن وياسمين كل يوم مكالمة فيديو كي تطمئن عليه، وهو يبكي ويطلب منهم العودة، فتهدئه وتوعده بالعودة بأسرع وقت. في الصباح، استيقظت توليب قبله، ليتسنى له النظر إليه وهو نائم.

كانت ملامحه هادئة مطمئنة، وكأنه راحة بعد إرهاق. تعيش معه أجمل لحظات يدونها التاريخ. لكن ما يؤرقها هو تحفظه بالنسبة لقدمه. يظل يخفيها عنها بكل الطرق، ولا يتركها لمرمى عينيه. لكن لما؟ ذلك الأمر لم يشكل عائقًا أمامها مطلقًا، بل لم تبالي به، وأحيانًا أخرى تتناسى ذلك الأمر. مدت أناملها ترسم خطوط وجهه، وتمتمت بهمس: "لو تعرف بحبي أد إيه، مكنتش فكرت لحظة واحدة إن حاجة زي دي تكون عائق في حياتنا."

أخذت يده تقربها من فمها وتقبلها بوله، ثم تابعت: "بحبك يا جواد، بحبك أوي." رمش جواد بعينيه قبل أن يفتحها، وتتهادى له صورة محياها، فتلوح ابتسامة رضا على وجهه، وتمتم بنعاس: "هي الساعة كام دلوقتي؟ ردت بابتسامة وهي تضع قبلة أخرى على يده: "طول ما أنا جنبك مش ببص فيها إلا عشان وقت الصلاة وخلاص." رفع يده لينظر بساعته، وغمغم بضيق: "اتأخرنا جوي…." عقدت حاجبيها مندهشة: "اتأخرنا على إيه؟ رد بابتسامة عريضة:

"هتعرفي، بس قومي جهزي نفسك الأول." أومأت له بتفاهم، لعلمها بحاجته للانفراد كي يتحرك بحرية دون أن تراه بقدمه. دلفت الحمام وأخذت حمامًا سريعًا، ثم لفت المئزر حولها وخرجت من المرحاض بعد أن أصدرت صوتًا يدل على قدومها. عند خروجها، وجدته يرتدي منامته القطنية، ويحمل ملابس الخروج ليرتديها بالداخل، ودلف المرحاض بعد أن طبع قبلة على خدها.

انتهت من ارتداء ملابسها، ثم خرج جواد وهو بأبهى صوره، يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا مماثلًا له، وأخذ يمشط خصلاته التي عكست بياض ملابسه وبشرته الخمريّة. نظر لانعكاس صورتها في المرآة، وسألها: "بتبصيلي كده ليه؟ ردت بابتسامة أصبحت لا تفارق وجهها: "خايفة أمشي معاك، البنات يخطفوك مني." استدار لينظر إليها، وتقدم منها يحتويها بذراعيه، يقربها منه وهو يداعب وجنتها بأنامله: "تعرفي إني بحمد ربنا إنك منتقبة؟ قطبت جبينها بحيرة:

"ليه بقا؟ همس بجوار أذنها: "لأن مكنتش هقبل أبدًا إن واحد غيري يشوف الجمال ده، الجمال ده ليا لوحدي." "يلا بقا ننزل لأننا اتأخرنا فعلاً، عايزين نبدأ اليوم من أوله." جذبها وخرج بها من الغرفة، وهي تسأله: "طيب عرفني بس إحنا رايحين فين؟ "هتعرفي كل حاجة، بس اصبري." *** عاد مراد من المشفى، فيجد نور جالسة في حديقة المنزل في وجوم. تقدم منها ليلقي السلام، ثم جلس على المقعد المقابل لها، وهو يسألها: "مالك شكلك مضايجة."

تنهدت نور بتعب، وتمتمت بألم: "بصراحة تعبت، عايزة أشوف ابني، وانت مانعني أروح له." صحح لها مراد: "أنا مش مانعك، بس عارف إنك لو شوفتيه مش هتجدري تبعدي وتسبيه، أنا نفسي لما بشوفه بيبقى صعب عليا جوي أسيبه وأمشي، وإني مش رايد تعيشي اللحظة دي." ابتسم لها وهو يتابع: "وبعدين متجلجيش، الدكتور طمني وجال إنه ممكن يخرج في خلال اليومين الجايين دول." لم ينتهِ عبوسها، وعلم حينها بأنها لن تهدأ حتى تراه. فقال باستسلام:

"بس لو مصرة جوي معنديش مانع، قومي غيري هدومك ويلا نروح." تهلل وجهها، وتمتمت بفرحة: "بجد؟ أومأ لها بتأكيد: "بجد، يلا بقا قبل ما أغير رأيي." هزت رأسها بسرعة، ثم نهضت لتسرع لغرفتها تبدل ملابسها. خرجت من الغرفة، فتصطدم بسلمى التي كادت تسقط: "إيه يا بنتي، في إيه براحة." اعتذرت منها نور: "أسفة، مأخدتش بالي، بس مراد وافق إني أشوف آسر، وعشان كده خرجت بسرعة."

حاولت سلمى الابتسام رغم حزنها، وأخذت تنظر إلى نور وهي تسرع بالذهاب مع زوجها. لأول مرة تنطق اسمه، وكأنها اعتادت عليه. نزلت للأسفل كي تشغل نفسها بعيدًا عن ذلك الألم. *** على شاطئ البحر الأحمر. توقفت سيارة جواد على جانب الطريق، ونظر إلى توليب التي نظرت إليه بحيرة: "إحنا جايين هنا ليه؟ رفعت إصبعها في وجهه، وقالت بتحذير: "أوعى تقول هننزل البحر، أنا بخاف منه." لاحت ابتسامة أخفى خلفها حزنًا دفينًا، وتحدث بنفي:

"لأ متخافيش، مش هننزل، بس خلينا نتمتع به ولو من بعيد." ترجل من السيارة وفتح لها الباب لتترجل بمساعدته، وساروا حتى وصلوا أمام يخت فاخر، فأشار له الحارس: "اتفضل يا بيه، اليخت جاهز زي ما أمرت." أومأ له وأخذ منه المفاتيح، وساعد توليب في الصعود إليه، وقد ظهر الخوف عليها من رؤية الماء. تنفست الصعداء عندما وصلت للأعلى، وهي تقول: "أنا مش عارفة ليه جبتنا هنا، أنا بخاف أوي من البحر." صعد بها عند عجلة القيادة، وقال مطمئنًا

إياها: "متخافيش، طول ما أنا معاكي." أشار لها على الدرج، وقال بهدوء: "انزلي الأوضة اللي تحت، هتلاقي شنطة على السرير فيها فستان البسيه وتعالي." وافقته دون اعتراض، وترجلت للأسفل، فوجدت غرفة نوم صغيرة، وحقيبة موضوعة على الفراش، فتقدمت منها وقامت بفتحها، فتجد بها ثوبًا وردي اللون بحمالات وقصيرًا. اندهشت كيف يطلب منها أن ترتدي مثل ذلك الثوب وتخرج به.

تحرك اليخت، مما جعلها تفهم مبتغاه، وقامت بتبديل ملابسها وتمشيط خصلاتها، وانتظرت قليلاً حتى يتوغل أكثر داخل البحر، ثم صعدت إليه. كان واقفًا أمام عجلة القيادة يحركها بحرفية. فتقدمت منه وهي مأخوذة بسحره، وعندما لاحظ اقترابها، ابتسم بوله وهو يتأمل ذلك الثوب الذي طغى بكل جبروت على قلبه الذي لم يعد باستطاعته التحمل.

كانت النسمات تداعب خصلاتها، فيتطاير حولها في هالة تسلب الأنفاس، فلم يجد كلمات تصف بها شعوره تجاهها، فقام بجذبها وأوقفها أمامه، واضعًا رأسه على كتفها، وتمتم بجوار أذنها: "بتجننني." أسلبت انفاسه مرة أخرى بضحكتها، فأخذ يدها ليضعها على عجلة القيادة، ويحيط هو خصرها مستمتعًا بخصلاتها التي تتطاير حولهما. تمتم بهمس: "قلت نجضي يوم ميتنسيش في البحر قبل ما نرجع بكرة." نظرت إليه تسأله برقة: "يعني خلاص أسبوعين العسل خلصوا؟

جذبها أكثر لأحضانه، وتمتم بتجوّف عنقها بعد أن طبع قبلة عليه: "أيامنا كلها عسل، بس انتي وشطارتك." هزت كتفيها بنفي: "بس العكننة بتكون من الراجل مش الست." طبع قبلة أخرى في تجويف عنقها، وتمتم بعشق: "وهي العكننة هتيجي مادام برجع من شغلي ألاقيِك في أوضتي ومستنياني، وانتي زي الجمر كده." أوقف جواد اليخت ولفها إليه، وتابع: "طول ما انتي بتحبيني زي ما بحبك كده، عمر الحزن ما هيدخل بينا." وضعت ذراعيها حول عنقه، وتمتمت بشغف:

"وأنا عمر حبك جوايا ما هيقل أبداً، هيفضل في ازدياد لحد آخر يوم في عمري." يرد على كلماتها المعسولة، لكن بطريقة أخرى. طريقة لا يعرفها سوى العشاق. لم يترك شفتيها إلا عندما لاحظ حاجتها للتنفس، فابتعد عنها مرغمًا، ووضع جبينه على جبينها يلتقط انفاسه بصعوبة: "انتي ناوية على إيه معايا؟ مسحت وجهها في صدره، وتمتمت بانفاس متقطعة: "ناوية أخليك متبعدش عني لحظة واحدة." "انتي جد الكلمة دي؟ أومأت برأسها دون النطق بشيء، فتمتم بتوعد:

"يبقى تتحملي بجاحي." حملها بين يديه، ونزل بها لأسفل ليعيش معها جولة حب أخرى من جولاتهم العاشقة. وقفت تستند بيديها على حافة اليخت، وهي تتأمل المنظر من حولها. انتبهت تلك الأنامل التي أحاطت عنقها بقلادة رقيقة تحتوي على قلب من الأحجار الكريمة باهظة الثمن. انتهى جواد من غلقها، ولفها إليه لينظر إلى جيدها، وتمتم باحتواء: "مكنتش أعرف إنه هيكون بالجمال ده عليكي." نظرت إلى القلادة بانبهار، وقالت بحب:

"جميلة أوي بصراحة، ذوقك راقي أوي." "أكيد، مادام اخترتك يبقى ذوقي عالي جوي." ابتسمت إليه بوله: "بس دي غالية أوي." هز رأسه بنفي: "مفيش حاجة تغلى عليكي، المهم تكوني مبسوطة." ضمت نفسها إليه، وتحدثت بصدق: "بس أنا سعادتي مش في الهدايا دي، أنا سعادتي في حبك ليا مش أكتر." ملس بانامله على خصلاتها، وتمتم بحبور: "يبقى هتعيشي حياتك كلها سعادة." أمسكت يده لتنظر إلى الساعة، وقالت بقلق:

"جواد، إحنا كده اتأخرنا أوي، ساعة بالكتير والليل…." قاطعها جواد: "إحنا مش هنمشي غير الصبح، أنا عامل حسابي إننا هنبات هنا الليلة، والصبح إن شاء الله هنرجع على البلد." ارتبكت قليلاً وهي تنظر للخلاء حولهم: "بس أنا خايفة." رفع حاجبيه يتصنع الاندهاش: "هتخافي وأنا معاكي؟ هزت رأسها بنفي، وتمتمت باستنكار: "لأ مش قصدي بس…." قاطعها بلهجة بثّت فيها الأمان: "مبصش، أنا مأمن كل حاجة كويس، مستحيل أخاطر وانتي معايا."

في المساء، استلقت توليب على ذراع جواد الذي فرده لها كي تضع رأسها عليه، وأخذت تحدثه عن قصص تلك النجوم. نظر إليها بشك: "إزاي واحدة في تدينك زيك وتعترف بالكلام الفاضي اللي بيقولوه الناس ده." "ومين قالك إني بعترف بيه؟ "اومال جمعتي المعلومات دي بناءً على إيه؟ هزت كتفيها ببساطة: "دي شوية هلس كدة بسلي نفسي بيهم." ردد كلمتها بعدم استيعاب: "كمان هلس؟ وايه كمان يا هانم؟

"ولا حاجة، سيبك من كل ده، يزن وحشني أوي، وكمان الخيل، أول ما نوصل تكمل درس ركوب الخيل اللي بدأناه مع بعض." تغيرت ملامح جواد مما جعلها تقلق، وسألته: "مالك وشك قلب كده ليه، أوعى تقول مش هنرجع بكرة." أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه وهو يقول بهدوء: "لأ هنروح بكرة." قطبت جبينها بحيرة: "اومال في إيه؟ سحب ذراعه من أسفل رأسها وجلس ينظر للأفق البعيد أمامه: "لأننا مش هنرجع المزرعة." زاد من حيرتها وتابع: "هنرجع القصر…"

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...