الفصل 33 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
15
كلمة
5,195
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

وضع جواد ابنه في فراشه ودلفت توليب المرحاض. ابدل ملابسه قبل أن تخرج وجلس على الفراش، فانتبه لهاتفه الذي رن مظهرًا رقم أم نعمة. اندهش من اتصالها فقد كانت معه منذ قليل. أجابها بحيرة: _خير يا أم نعمة في حاجة؟ ردت بارتباك: _هي ست توليب جنبك؟ ازدادت حيرته أكثر ونظر إلى المرحاض قائلاً: _لأ، في الحمام. خير؟ التزمت الصمت قليلًا ثم قالت بخوف:

_بصراحة أنا شفت الست كريمة بتطلع من جيبها إزارة صغيرة أكدة وبتفضيها في الغلاي اللي كنت بعمل فيه الأعشاب لست توليب، وأنا شوفتها بالصدفة واستنتها لما مشيت ودلقتهم وعملت غيرهم. انقبض قلب جواد خوفًا، لكنه رد بثبات: _طيب خلي عينك عليها، وأي حاجة لتوليب أنتِ اللي تعمليها بنفسك. _من غير ما تقول، أنا هخلي بالي زين.

أغلق الهاتف فور أن وجد توليب تخرج من المرحاض ومازالت تلك القبضة تحتل قلبها. أخذ ينظر إليها وهي تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها. ماذا لو لم تنقذها أم نعمة؟ ماذا لو ضاعت منه؟ كيف يعيش بدونها؟ يبدو أنه أخطأ عندما جاء بها لذلك القصر، لكنه أيضاً كان يخشى عليها وأراد أن تكون أمام عينيه تلك الفترة العصيبة. ماذا يفعل الآن؟ فإن سلمت تلك المرة، فربما لن تسلم الأخرى.

انتهت من تمشيط خصلاتها ثم تقدمت من الفراش لتنام بجواره، لكنها اندهشت عندما لاحظت وجومه وسألته: _جواد، في حاجة؟ انتبه لها ورد بنفي: _مفيش. قطبت جبينها بحيرة: _أومال مالك؟ رد جواد بانفعال: _جلتلك مفيش. ثم أولاها ظهره وتظاهر بالنوم. اندهشت توليب من انفعاله، لكنها التزمت الصمت واستلقت في جانبها وهي تنظر إليه بحيرة.

أما هو، فلم يستطع النوم تلك الليلة وظل يراقبها ويفكر كيف يستطيع حمايتها وكيف يتعامل مع تلك المرأة وأولاده. لن يستطيع أن يبلغ عنهم رغم أفعالهم الدنيئة، ولا يستطيع أيضاً تركهم يتمادوا في أفعالهم. عليه أن يضع حل لتلك المهزلة وينقذ زوجته من بطشهم. *** ظلت كريمة تزرع غرفتها ذهابًا وإيابًا تندهش كيف لم يتفاعل السم معها. هل لاحظها أحد وأبدل المشروب؟ هزت رأسها بنفي، فهي واثقة بأنها كانت وحيدة في الغرفة.

إذًا، لمَ لم تتأثر بمفعوله؟ ربما لم تتناوله أو سُكب منه. لن تستسلم، وإن فشلت تلك المرة، ستكررها. *** في منزل حازم. دعى وائل على العشاء، وسعدت سلمى بمجيء أطفاله والذين عوضاها عن تلك الوحدة التي غلفتها منذ طلاقه. لاحظ وائل تعلقها بالأطفال وتعلقهم هم أيضًا بها، فقال حازم بسعادة: _تعرف إني أول مرة أشوف سلمى مبسوطة كدة؟ تطلعت إليه وائل بروية وقال بثبوت:

_هي برضه اللي مرت به مكنش سهل، أي واحدة مكانها كانت هتنهار ومش هتقدر تتحمل. أيد حازم حديثه قائلاً: _فعلًا مرت بظروف صعبة أوي، وخصوصًا حرمانها إنها تكون أم، بتبقى أصعب حاجة على الست. سخر وائل من حديثه وقال: _على أساس إن طليقتي لما اتنازلت عن ولادها مقابل حريتها مكنتش ست؟ _ده لأن اختيارك كان غلط من الأول. مكنش ينفع تتجوز واحدة متحررة وتقيدها بمبادئ رجل شرقي، طبيعي إنها هتتخلى عن كل شيء مقابل حريتها. أومأ له بتأكيد:

_عندك حق. عاد بنظره لسلمى وتابع: _بس المرة دي أنا واثق في اختياري، بس يارب توافق. فهم حازم تلميحه وقال بمغزى: _والله كله وشطارتك. نظر إليه بتحدي وقال: _هنشوف. لم تتقبل سلمى فكرة ذهابهم، فقالت لوائل: _إيه رأيك تسيبك من قصة الحضانة دي وتجيبهم عندي الصبح ولما ترجع تاخدهم؟ أعجب وائل بتلك المبادرة، لكنه قال بمغزى: _بس أنا مش عايز أتعبك. هزت رأسها بنفي: _مفيش تعب ولا حاجة، المهم يكونوا معايا.

تطلع وائل إليها بامتنان جعلها تخفض عينيها بإحراج، ثم انسحبت بهدوء ودلفت للداخل. *** مرت الأيام وجواد يتعامل معها بجفاء، وهي لا تعلم سبب ذلك. حاولت أن تعرف منه السبب، لكنه لم يخبرها، بل يتجاهل حديثها دائمًا. أصبحت العلاقة بينهم شد وجذب، وفي النهاية يأخذها بالليل بين ذراعيه عندما يتأكد من نومها. يعلم جيدًا بأنه يضغط عليها، لكن لابد من ذلك حتى تنتهي مهمته.

وفي يوم عاد في المساء فيجدها مستلقية في الأريكة وآثار الدموع على أهدابها. تقدم منها ينظر إليها بتعاطف، وكم أراد في تلك اللحظة أن يأخذها داخل أحضانه ويعتذر لها عن كل كلمة نطق بها. لكن عليه أن يظل على طريقته معها. دلف المرحاض كي يبدل ملابسه، ثم خرج بعد قليل. تقدم منها ليوقظها: _توليب، قومي نامي على سريرك. ردت توليب دون أن تفتح عينيها: _أنا مليش سرير عشان أنام عليه، لو سمحت سيبني. تنهد بتعب ثم عاد حديثه:

_بقولك ارجعي سريرك، متعصبنيش. لم تستطع توليب التحمل أكثر من ذلك، فنهضت لتقف قبالته وتغمغم باحتدام: _وإن اتعصبت هتعمل إيه أكتر من اللي بتعمله؟ حبس وحبستني، تتعصب على الفاضي والمليان، واتعصبت بتنام كل ليلة وبتديني ضهرك، وعملت فاضل بتخليني آكل زي الكلاب لوحدي في الأوضة ومانعني أخرج منها. إيه تاني معملتوش؟ آلمه قلبه لحديثها ونظرات العتاب التي ترمقه بها. تحدث بقوة: _بلاش حديد كتير ملوش لازمة واركعي سريرك.

كفى، لن تقبل ذلك التحكم بعد الآن، فصاحت به: _مش هنام على السرير ده، لأني مش جارية عندك تشيلها من هنا تحطها هنا ومتتكلمش ولا تعارض. أنا خلاص جبت آخري ومبقتش قادرة أتحمل. كل مرة أقول غصب عنه مضغوط والتمسلك ألف عذر، بس لحد هنا وخلاص جبت آخري. الأوضة دي مش هبات فيها تاني، حتى لو اضطريت إني أسيب القصر كله وأنام على الطريق، بس مش هبات فيها وأنا شايفة شمس في كل ركن عيني بتيجي عليه. جذبت إزار الصلاة وقالت بتعند:

_أنا هنام في أوضة ياسمين ومش هدخل الأوضة دي تاني. جذبها جواد من ذراعها وتحدث بانفعال: _أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين؟ جذبت ذراعها من يده وردت بتعند: _قولتلك مش هقعد في الأوضة دي ثانية واحدة بعد النهاردة. انفعل جواد أكثر وغمغم بتحذير: _متعنديش قصادي وخلي الليلة دي تعدي على خير. صاحت به توليب بوجع: _وأنا مصرة على رأيي، مش هفضل في الأوضة دي مهما عملت.

لانت ملامحه حين رأى بعينيها نظرات وجع آلمته، ثم جذبها إليه وقد اندهشت من تحوله، وخاصة عندما وجدته يهمس بجوار أذنها: _حقك عليا. أفزعت حينما وجدت همسه يتحول إلى قبلات لم تقبلها أو تتجاوب معها. قربها إليه أكثر وهو يحيط خصرها بتملك، وقد ضايقه عدم تجاوبها معه، ما جعل قبلاته تزداد حدة. وضعت يدها على صدره تمنعه، لكن كان مغيبًا، لا يريد سوى إشباع رغبته. _جواد، أنت بتعمل إيه؟ سيبني.

لم يبالِ وظل يواصل تقبيله الحاد، ثم حملها بالإجبار ووضعها على الفراش. _جواد، اوعى تعمل كدة. لاحظت لوهلة نظرة آسف في عينيه، سرعان ما محاها وعاد إليهم الجموح وهو يغمغم بصوت حاول جعله حادًا: _إني جوزك وأعمل اللي رايده، وأنتِ عليكي طاعتي وبس. حاولت الفرار، لكنه لم يترك لها فرصة وانقض عليها بشراسة لم تراها به من قبل. أخذها بقوة وعنف جعلها تبكي ودموعها تنزف بغزارة على وجنتيها.

وكان لرؤية دموعها مفعول السحر عليه، فمد أنامله يمحي دموعها، لكنها أشاحت بوجهها بعيدًا عن يده. تابع ما يفعله، لكن برقة ولطف بعد أن انتهى جواد، ثم ابتعد عنها ليستلقي بجوارها ويوليها ظهره كي لا يرى فضاحة فعلته. كان شديد القسوة معها، لكن سيأتي الوقت الذي يعتذر به عن كل أفعاله. الأهم أن يعلم الجميع بأنها لا تشكل نقطة ضعف بالنسبة إليه. أما هي، فلم تجف دموعها وظلت تذرفها حتى أذن الفجر.

تسللت من جواره ودلفت المرحاض كي تغتسل وتصلي فرضها، ثم قامت بتبديل ملابسها وحملت يزن وخرجت به من الغرفة. وما إن أغلقت الباب حتى فتح جواد عينيه ونظر إلى الباب بوجوم. أخذ هاتفه واتصل بأحد رجاله المكلف بحراسة القصر وقال بأمر: _سيبها تخرج من القصر، بس خليك معها بالعربية ومتسبهاش لحد ما القطر يطلع.

أغلق الهاتف ووضعه على المنضدة، ثم نهض ليقف في شرفته وينظر إليها وهو يراها تستقل السيارة وتنطلق مبتعدة عن القصر وعن قلبه الذي يطالبه بمنعها. لكن عليه تركها حتى تنتهي مهمته. أما توليب، لم تكف عن البكاء وقد شعرت بأنها تركت قلبها معه. هل ظنت بأنها ستستطيع البعاد عن دائرته؟ واهنة إن ظنت ذلك. أخذت تنظر ليزن الذي مازال نائمًا لا يدري شيئًا مما يحدث حوله.

شعرت بأنها أخطأت لتخليها عنه، لكن عليه أن يشعر بالفقد كي لا يعيد ما فعله. لم تنس ما حدث وتلك القسوة المهينة لكرامتها. ضمت يزن لحضنها أكثر، وكأنها تشكو إليه ما فعله والده بها. *** لم يحاول مراد فرض مشاعره عليها وتركها حتى تكون مستعدة لذلك. كانت مستلقية بجواره وخصلاتها تفترش الوسادة بتملك. مد يده ليتلمس ملمسه الناعم، وعينيه تحتويها بحنان. الآن فقط يستطيع أن يقولها صراحة. يعشقها حد الجنون.

فتحت نور عينيها لتتفاجأ به ووجهه مقابل لوجهها، وعيناه تنظر لعينيها بنظرات عشق باتت واضحة. وهي أيضًا لا تنكر أنها أصبحت عاشقة لذلك المراد، ولما لا، وكل شيء يفعله يعلو من قيمته بقلبها. بادلته الابتسام بأخرى يغلفها الخجل، فقال مراد بحب: _صباح الخير. اهتزت نظراتها عندما شعرت بعينيه تخترق عينيها، وردت بحياء: _صباح النور. أفزعت عندما وجدت أنامله تملس على وجنتيها التي اصطبغت باللون الأحمر القاني، وتمتم بخفوت:

_تعرفي إنك بتبقي جميلة أوي لما بتخجلي. اخفضت عينيها بإحراج، فيتابع هو: _بتبقي زي الملايكة. لا تعرف لما تذكرت سلمى في ذلك الوقت، خاصة مما جعلها تسأله: _ممكن أسألك سؤال وتجاوبني بصراحة؟ أومأ لها لعلمه بما تود سؤاله: _مش ناوي ترجع سلمى؟ هي بجد وحشتني أوي. التزم الصمت قليلًا ثم رد بهدوء:

_أنا أكتر واحد عارف سلمى زين، وعارف كويس إن بعد الكلام اللي سمعته مستحيل تفضل على ذمتي ثانية واحدة. هكون صريح وأقولك إني حقيقي بعزها ولها مكانة كبيرة في قلبي وعمري في يوم ما فكرت أطلقها. بس لما الكلام ده اتقال قدامكم كلكم كان طبيعي إنها تصر على الطلاق، وافتكرت إنها بالطريقة دي بتحافظ على كرامتها، رغم إني عمري ما سامحت حد مسها بحرف سواء بقصد أو من غير قصد.

_بس هي غصب عنها، الصدمة هي اللي خلتها تعمل كدة، بس هي أكيد هدت دلوقتي ولو روحتلها أكيد هترجع. _ومين جالك إني معملتش كدة؟ أني لحقتها قبل ما تسافر وطلبت منها ترجع معايا، بس هي أصرت على رفضها وسابتني وسافرت. اندهشت نور لعدم معرفتها بهذا الأمر وسألته: _ليه مأخدتنيش معاك؟ كنت هقدر أقنعها بآسر. ابتسم مراد لمدى طيبتها وقال بروية:

_لأني عارف زين إن مفيش حاجة ممكن تأثر عليها غير صدق مشاعري من ناحيتي، بس هي رفضتها وعرفت وقتها إن سلمى حججي اتغيرت. بكى آسر مما جعلها تنهض لتذهب وتحمله، وقد كانت فرصة جيدة للهرب من نظراته. *** ظلت طوال الطريق تفكر به وتبحث عن سبب لقسوته تلك الفترة. هي لم تشك بحبه لحظة واحدة، لكن أيضًا حائرة ماذا فعلت حتى تستحق منه تلك المعاملة. لم تخطئ عندما أخبرته بعدم تقبلها للبقاء في تلك الغرفة. نظرت ليزن الذي مازال نائمًا.

أخرجت هاتفها واتصلت بأخيها تميم، وما إن أجابها حتى قالت بوجوم: _تميم، استناني في محطة القطر. _آه، ربع ساعة والقطر هيوصل. أغلقت الهاتف وعادت لشرودها وقلبها مازال يعاتبها على تخليها عنه، لكن عليها ذلك كي تجعله يشعر بخطئه. توقف القطار وخرجت توليب لتجد تميم في استقبالها. اندهش عندما لاحظ احمرار عينيها وهم بسؤالها، لكنها قالت بحزم: _لو سمحت يا تميم، مش عايزة أي أسئلة دلوقتي. وافقها تميم وقال بتعاطف: _خلاص يا حبيبتي تعالي.

حمل عنها يزن، والذي لم تستطع تركه مع تلك العائلة وأخذته معها. وضعت سلوى الطعام على الطاولة وقالت لتوفيق الذي خرج من غرفته: _توفيق، اتصل على تميم وشوفوا راح فين، ده قالي خمس دقايق وجاي. دلف توفيق المطبخ ليتناول كوبًا من الماء وقال بغيظ: _ولما هو خرج بتحطي الأكل ليه دلوقتي؟ _اعمل إيه، عمال يقول جعان واعملي الأكل لحد ما أرجع. انفتح الباب ودلف تميم، فقال توفيق: _أهو جاه و…

توقف عن الحديث عندما وجده يحمل يزن وتوليب تدلف خلفه في وجوم. ترك الكوب من يده وتقدم منها ليرحب بها رغم قلقه: _توليب، إيه المفاجأة الجميلة دي؟ حمد الله على السلامة. رفعت توليب نقابها لتصافحه وابتسمت له رغم مرارتها: _الله يسلمك يا بابا. لم يحتاج لفطنة كي يعرف سبب حالتها من عينيها وصوتها. خرجت سلوى من المطبخ عندما سمعت صوتها وقالت بحبور وهي تتقدم منها لتحتضنها: _توليب، وحشتيني أوي يا حبيبتي. بادلتها توليب

الاحتضان وقالت بثبوت: _وأنتِ كمان يا ماما. نظرت للباب المغلق وسألتها: _أومال فين جوزك؟ اهتزت نظرات توليب وتمتمت بروية: _هييجي بعدين، بعد إذنكم أنا تعبانة من الطريق وعايزة أرتاح. قال توفيق: _طيب اتغدى معانا الأول وبعدين ارتاحي. نظرت توليب إلى الطعام بامتعاض وقالت برفض: _لأ، مليش نفس. همت بأخذ يزن، لكن تميم رفض قائلاً: _سيبيه، خليني آكله وأنتِ ادخلي ارتاحي. أومأت توليب ودلفت غرفتها، فنظرت سلوى لتوفيق بشك وقالت:

_صدقت كلامي؟ بنتك جاية زعلانة. تنهد توفيق باستياء وغمغم: _وأنتِ إيه عرفك؟ ما هي قالتلك تعبانة من الطريق مش أكتر. _دي بنتي وأنا عارفاها، أكيد زعلانة. _ماشي يا ستي زعلانة، خليها بقى ترتاح دلوقتي ولما تفوق يبقى أفهم منها. لم تكف توليب عن البكاء لحظة واحدة وهي ترى تبدل حاله دون أن تعرف سبب لذلك. حتى أنه لم يتصل ليعرف أين هي أو يحاول بأي طريقة الاطمئنان عليها.

لم يستطع قلب توفيق تركها دون الاطمئنان عليها، وفي المساء طرق على بابها طرقات خفيفة كي لا يقلقها إذا كانت نائمة. دلف عندما سمحت له بالدخول، فوجدها جالسة على الفراش وتخفي عينيها عنه. تقدم منها ليجلس بجوارها وتحدث برتابة: _كنت عارف إني هلاقيكي صاحية، وعارف كمان إنك مستحيل تنامي إلا لما تشكيلي الأول. تهربت بعينيها منه وتمتمت بخفوت: _صدقني يا بابا، أنا كويسة، مفيش حاجة. _أنا مش جاي أضغط عليكي، بس جاي أطمن، وده من حقي.

أخذت توليب نفسًا عميقًا كي تهدئ به روعها، وقالت بصوت مهزوز: _صدقني مفيش حاجة، كل الحكاية إننا زعلنا عادي، بس… تجمعت العبرات في عينيها عندما تذكرت ما حدث، ورفعت عينيها لوالدها تشكوا إليه ما آلم بها، وتمتمت من بين دموعها: _جرحني أوي يا بابا، مش هقدر أسامحه. ربت توفيق على كتفها عندما أجهشت بالبكاء، وقال بحكمة:

_عادي يا تولي، أي اتنين متجوزين بيحصل بينهم خلافات، وخاصة بداية الزواج. وبعدين ليه تحكمي عليه من غير ما تسألي عن السبب؟ هزت رأسها بألم وتمتمت ببكاء: _حاولت أعرف منه، بس مش بلاقي رد غير التجاهل. _وده أكبر دليل إن فيه حاجة شاغلاه ومش عايز يشغلك بيها، وهنا كان دورك إنك تقربي منه وتخففي حمله بحبك واهتمامك بيه، مش في أول مشكلة تهربي وتسبيه، وكمان من غير ما تعرفيه. مسحت دموعها وهي تنفي اتهامه:

_بس أنا مهربتش منه، أنا هربت من المكان اللي حسيت إن بيموتني بالبطيء فيه. رد توفيق بتفاهم:

_أنا عارف إن صعب عليكي تتواجدي في مكان كانت فيه واحدة قبلك، بس لو فكرتي كويس هتعرفي إن وجودكم في القصر ده مؤقت، وأنتِ عارفة كويس إن جواد كاره ده أكتر منك، وأنتِ دورك إنك تتحملي معاه. بنات الأصول يا توليب لازم يتحملوا مهما كانت الصعوبات اللي بتواجههم، لأنها مهما طولت مش بتدوم. أنتِ غلطتي لما سبتي جوزك، مع إنك كنتِ قادرة تعاقبيه وأنتِ في مكانك. نهض من جوارها وقال بثبوت:

_أنا هروح أجيبلك العشا، لأن باين عليكي مكنتيش بتاكلي كويس. لم تعارضه رغم عدم رغبتها في الطعام، لكنها تعرفه جيدًا، لن يتركها حتى تأكل. دلفت توليب المرحاض لتغسل وجهها، وقد شعرت بالغثيان ينتابها. أسرعت للحوض وأفرغت ما بداخلها حتى شعرت بالدوار من فراغ معدتها. غسلت وجهها وقد زادت حدة الدوار لديها، فاستندت على الجدار وعادت لفراشها. *** في القصر. جلس جواد على مكتب جده ليتجسد أمامه هيئة حسان بقوته وجبروته.

فتح الباب ودلف منه خالد وعدي وكريمة، واللذان استدعاهم في مكتبه. تطلعت إليهم كريمة وهي تدلف الغرفة بسخط لم تستطع إخفاءه، مما جعله يبتسم باستخفاف وأشار لهم بالجلوس. _اتفضلوا اجعدوا، لأن الحديث هيطول حبتين. اعترض عدي بحدة: _بس أنا معنديش وقت… قاطعه جواد بقوة: _جلت اجعد ومش هعيدها تاني. أشار له خالد بالجلوس، وكذلك فعلت كريمة. فتح جواد أحد الأدراج وأخرج منها فلاشة ووضعها في الجهاز الإلكتروني (اللاب توب)

، وقام بالضغط عليه، فيظهر أمامهم ذلك المقطع الذي جعلهم يتسمروا في أماكنهم. ارتبك خالد لعلمه بما يحتويه وقال بانفعال: _الفيديو ده متفبرك ومش حقيقي. طرق الباب ودلف آدم، مما جعل خالد يسرع ليغلق الجهاز وصاح به: _أنت إزاي تدخل كدة من غير ما حد يسمحلك. تطلع إليه آدم وهو يتقدم منه ليعيد فتح الجهاز وهو يقول بفتور: _متخافش قوي كدة، أنا اللي مصور الفيديو بنفسي و أنا اللي بعته لجواد. انقبض قلب خالد وغمغم بانفعال:

_ده مش حقيقي، وحتى مش قانوني، ولو قدمته دلوقتي مش هيعترفوا بيه. نهض جواد ليتقدم منه حتى وقف قبالته وقال بثقة: _لأ، من الجهة دي اطمن، أنا مش بفكر أقدمه للشرطة ولا حاجة، رغم إني لو قدمته دلوقتي… وضع يده على عنق خالد وتابع: _مفيش حاجة هتمنع إن حبل المشنقة يتلف حوالين رقبتك، لأنه جه وقت إصرار وترصد. بس بما إننا أهل وآدم منا وعلينا، جولنا نلم الموضوع بينا. نهض عدي الذي لم يشاهد باقي الفيديو، فلم يدري ما يحدث،

وقال بانفعال: _مين ده اللي منا وعلينا بصفته إيه؟ رد آدم بانفعال: _بصفتي إني حفيد حسان الخليلي، زيي زييكم. انصدمت كريمة وشحب وجهها عندما سمعت كلمته، فهي كانت على علم بوجود ابن لياسمين ابنة حسان، لكن لم تتخيل أن يكون هو ذلك السائق، والذي إن علم بأنها من دلت حسان على مكانهم فلن يرحمها، والأدهى من ذلك كشفه لجريمة ابنها. عقد خالد حاجبيه مندهشًا وسأله: _أنت بتقول إيه؟ حسان مين اللي تبقى حفيده؟ رد جواد هذه المرة:

_أيوه، ده يبقى آدم حسن الهليلي، جوز عمتك ياسمين، الله يرحمها. ساد الصمت بين الجميع، وكل واحد يدور بخلده آلاف الأسئلة. ينهي جواد تلك الحيرة قائلاً: _وجاء الوقت اللي تظهر فيه الحقيقة. نظر لعدي الذي أشاح بوجهه بعيدًا عنه، وتابع: _وأولهم السرقة اللي شاركت فيها أنت وأخوك ورحتوا تشغلوها مع واحد نصب عليكم الآخر. ثم تقدم من خالد وقال بخزي: _وأنت اللي قتلت جدك بيدك وحاولت تسرق كل حاجة من غير ذرة ضمير. نظر عدي لخالد

بعدم استيعاب وسأله بذهول: _قتل؟ أكد جواد بسخرية: _أيوه، قتل بعد ما أمضاه على تنازل وجام خنقه بالمخدة بكل برود. دلوقت قدامه حل من الاتنين، يخرج من القصر ده وميعتبش ناحيته، وهسيبله الفلوس اللي الراجل ده سرقها منك، يا إما هقدم الفيديو ده للشرطة ومش هيهمني. وبالنسبة للورث، كل واحد هياخد حقه بما يرضي الله، وأولهم آدم. اعترض خالد الذي أصبح كطير جريح وقال باحتدام: _وهو ياخد بصفته إيه؟ إن كنت أنا منعتني عن حقي.

رد جواد بنفس نهجه: _وأنت هتاخد بصفك إيه؟ مفيش فرق. لو هنتكلم بالصفة والشرع، فالورث ده يتجسم على أبوي وعمي، وإحنا مندخلش فيه. بس عشان جدي أمّني على التركة دي ولازم يكونوا بعاد عشان ميعرفوش حقيقة ابن أخوهم اللي قتل أبوهم، فكان لازم يكون سر بينا. المحامي جاي دلوقتي عشان يوثق كل حاجة، ومعاه أبوي وعمي. أي كلمة هتتقال هعرفهم الحقيقة وأخليهم يتصرفوا معاك. رمق كريمة التي جلست بكمد تنتظر دورها، فتقدم منها وهو يقول بسخط:

_وبالنسبة لعملتك أنتِ ومحاولة قتلك لمرتي، فدي هيكون ليها حساب تاني. إنك تخرجي زي ابنك من القصر ده بالهدوم اللي عليكي، وتعيشي عند أخوكي اللي أكلتي حقه زمان، ده إن جابلك عنده. ولولا الفضيحة كنت حبستك أنتِ وابنك، بس للأسف هعمل حساب لعمي اللي في تربته وأبني اللي مهما كان واحد زي ده يبقى خاله. نظر لعدي وتابع حديثه:

_أما بالنسبة للي كان أخ وصاحب ورمى ودنه للشيطان وبقى واحد زيه، هياخد حقه، ومسمحله إنه يعيش في القصر، بس عشان خاطر مرته وابنه، أما سيلين هتيجي معايا المزرعة ومش هتخرج منها إلا يوم فرحها. وآدم هكتب المصنع باسمه حقه وعوضه عن أبوه وأمه اللي اتحرم منهم وماتوا قدام عينيه. حد عنده اعتراض؟ لم يستطيع أحد منهم التفوه بكلمة، وحينها طرق الباب ودلف المحامي ومعه عامر وفايز، والذي علم بدوره حقيقة آدم.

لم يرفض أحدًا منهم قرار جواد، وأخذ كل واحدٍ منهم نصيبه. وبعد الانتهاء تقدم خالد من جواد وتحدث بتوعد: _هخليك تندم على كل اللي عملته ده يا… يا ابن جوز أمي. خرج خالد وكريمة من القصر بانكسار وخزي، وسيلين تنظر إليهم ببكاء، لكنها تعلم بأن هذه نهاية كل ظالم. ألقت نفسها في حضن عامر، والذي بدوره احتضنها وربت على ظهرها بكلماته حانية. أما آدم، الذي ظل مع جواد بمكتبه وقال بجدية:

_أنا سكت ومردتش أتكلم قدامه، بس أنا مش عايز حاجة من مال حسان، ولا يلزمني مهما حصل. أنا هرجع بلدي لبيت أبويا وأرضه، وده آخر كلام عندي. اندهش جواد وتحدث بجدية: _بس ده حقك. تحدث آدم بصدق: _أنا حقي في حسان هو ياسمين، مش رايد غيرها، ولو وافقت تعيش معايا في بيتي هكون اكتفيت من الدنيا ومش رايد حاجة تاني منها. ازداد إعجاب جواد به، لكنه قال بحزم:

_بس برضه حقك هيفضل باسمك زي ما هو، ولو مش عايز أرباحه، تقدر تعمل بيه عمل خيري يكون صدقة جارية على روح عمتي. وافقه آدم وتابع جواد: _طبعًا مش هينفع نعمل فرح والجو ده، هنكتفي بكتب كتاب وخلاص. أومأ له آدم بتفاهم وتحدث بصدق: _وأنا راضي طالما هتكون معايا. *** دلفت سلوى وهي تحمل الطعام لتوليب كما طلب منها توفيق، وألا تتحدث معها بشيء كي لا تضايقها. _يلا يا حبيبتي عشان تاكلي، أنتِ شكلك مأكلتيش حاجة من الصبح.

نظرت توليب لنوعية الطعام باشمئزاز وكتمت أنفاسها قائلة: _لأ، أرجوكي يا ماما، مليش نفس. وضعت الطعام على الفراش أمامها وقالت بإصرار: _مينفعش كدة، لازم تاكلي حاجة، على الأقل اشربي كوباية اللبن دي. تناولت الكوب لتقربه منها، لكن توليب لم تتحمل رائحته وأسرعت للمرحاض، وقد عاد إليها القيء أعنف من قبله. أغمضت سلوى عينيها باستياء وقد علمت سبب حالتها. خرجت توليب بعد قليل وقد ظهر عليها الشحوب، مما أكد شك سلوى، وسألتها باحتدام:

_أنتِ حامل؟ قالتها سلوى بحدة جعلت توليب تنتبه لحالتها. فعادت سلوى تسألها: _ردي عليا، أنتِ حامل مش كدة؟ اهتزت نظراتها وشعرت بقلبها يهدر بقوة. وضعت يدها على جوفها إراديًا وتمتمت برهبة: _أكيد لأ. انفعلت سلوى أكثر من ردها وقالت باحتدام: _يعني إيه لأ، وحاجة زي دي واضحة قدامي. دلف توفيق على صوتها وقال ناهراً إياها: _في إيه؟ مالك ومالها؟ أنا بقولك أكليها ولا أتخانق معاها؟ تطلعت إليه بامتعاض وهي تقول بحدة:

_بنتك حامل يا أستاذ؟ نظر إليها توفيق بامتعاض وقال بانفعال: _فين المشكلة؟ أنا مش فاهم. ردت سلوى باندفاع: _المشكلة يا أستاذ إنها جاية زعلانة وهي مكملتش شهرين، أومال بعد سنة هيعمل فيها إيه؟ ليه تربط نفسها بواحد… قاطعتها توليب بانفعال: _ماما، لو سمحتي، دي حاجة بيني وبين جوزي ومحدش غيرنا يتدخل فيها. مشاكلنا بنحلها مع بعض، يعني خليكي برة الموضوع ده. لم تتحكم سلوى في أعصابها وتقدمت منها تجذبها من ذراعها وقالت بانفعال:

_أنتِ فاكرة نفسك عشان اتجوزتي تبقي حرة نفسك؟ أنا أمك يا هانم وليا إنّي أدخل في حياتك لو شايفة إنك مش عارفة تمشيها. وبعدين أنتِ ناسيه إن عندك دراسة هتروحيها إزاي وأنتِ حامل؟ لم يستطع توفيق الصمت أكثر من ذلك وقال بأمر: _هي كلمة واحدة هقولها، سيب البنت واطلعي برة. زمت فمها بغضب وهمت بالتحدث، لكنها تركتهم وخرجت من الغرفة وصفقت الباب خلفها بحدة. انتهى ثبات توليب وأجهشت في البكاء، فتقدم توفيق منها ليربت

على كتفها وتمتم باحتواء: _متزعليش من مامتك، أنتِ عارفة أسلوبها. مسحت دموعها التي تنزل بغزارة وتمتمت بخفوت: _أنا مش بعيط زعلانة منها، أنا مستغربة إنه مفكرش يسأل عليا ولا يعرف أنا فين، زي ما يكون ما صدق وخلص مني. رغم تأييده لاتهامها، لكنه تحدث بحكمة:

_متحاوليش تفهميني إنه محسش بيكي وأنتِ بتقومي من جنبه ولا وأنتِ بتاخدي ابنه وتمشي. أنا معرفتي بيه سطحية صحيح، بس أنا عارف أنا جوزت بنتي لمين وواثق إنه مستحيل يسيبك تمشي من غير ما يكون مطمن عليك. هو له حق ما يسألش، لأنك غلطتي لما مشيتي من غير ما تعرفيه. كان ممكن إنك تروحي المزرعة عند أمه، كان هيبقى أفضل بكتير من إنك تسحبي نفسك وتسيبي البلد ولوحدك كمان. في النقطة دي بالذات أنا بلتمسله العذر. الصبح إن شاء الله هتكلم معاه، وأنتِ حاولي تضغطي على نفسك وتاكلي أي حاجة خفيفة كدة ونامي، متقلقيش على يزن، هو مبسوط مع تميم أوي.

أومأت توليب وخرج توفيق من الغرفة، فتعيد هي الكرة ما إن نظرت إلى كوب اللبن. نكمل بكرة مع الخاتمة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...