في اليوم التالي، كعادتها، توليب تظل مستيقظة طوال الليل حتى صلاة الفجر، وتظل في سبات حتى الثانية ظهراً وقت تناول الغداء. جلس جواد على رأس الطاولة حيث كان يجلس جده، مما جعلها تجلس بعيدة عنه. ولم تسلم كريمة من كندا التي لم تترك فرصة إلا وتعاندها بها، كما كانت تفعل هي من قبل.
بعد انتهاءهم من الغداء، خرج جواد. ولم تتردد توليب وخرجت خلفه. رأته وهو يذهب للحديقة الخلفية، حيث رأته بها أول مرة يمتطي حصانه ويمرح به داخل السياج. ابتسمت للذكرى، وخاصة عندما وجدته يدلف الإسطبل ويخرج منه أحد الأحصنة ويمتطيه، فعلمت حينها بأنه يشعر بالضيق. وقفت أمام السياج تنظر إليه بوله، وهو لم يتفاجئ بها وكأنه يعلم بأنها ستأتي خلفه. وقف أمامها بحصانه الذي لم يعرف الهدوء وظل يتحرك معترضاً على وقوفه. قال جواد بابتسامة:
"إيه رأيك نبات النهاردة في المزرعة؟ اتسعت عيناها بفرحة: "بجد؟ أومأ لها: "بجد." نظر في ساعته وقال: "نص ساعة وتكوني چاهزة؟ هزت رأسها بنفي: "نص دقيقة." ضيق جواد عينيه وتحدث بخبث: "بس المكافأة تكون بزيادة، خايف متجدريش عليها." زمت فمها بحنق وهي توليه ظهرها كي تعود للقصر: "منحرف." ضحك جواد وأخذ ينظر إليها حتى دلفت القصر، ثم أخرج هاتفه وقام بإجراء مكالمة. وعندما جاءه الرد، تحدث بجدية:
"ميعادنا الليلة دي في المزرعة في المكان اللي اتفاجنا عليه، وتجيب الفيديو معاك." أنهى حديثه ثم أغلق الهاتف. أخذت توليب حقيبتها الصغيرة ونزلت للأسفل، فتجد كندا تصعد الدرج. "مسا الخير يا تولي، شايلة شنطاتك ورايحة على وين؟ ردت توليب بفرحة: "رايحة المزرعة مع جواد، هنابت هناك النهاردة وهاخد يزن معايا." هزت رأسها برفض: "لا ما بيصير، روحوا انتو انبسطوا ويزن راح يضل معي." امتعضت توليب. فطمئنتها كندا:
"لا تقلقي عليه، يزن بعيوني. روحي انتي وانبسطي مع چوزكا." أومأت توليب وخرجت من القصر حيث كان ينتظرها جواد بالسيارة، وانطلقوا بها للمزرعة. *** ظل مراد حبيساً داخل مكتبه لا يود الخروج منه. يعاتب نفسه لما طاوعها ووافق على الطلاق، هي جريحة ولا تعرف ما تقوله. ولكن لما هي أيضاً طاوعت والدها ووافقت على البعد؟
لم يجرحها يوماً، وكان عطوفاً معها، ولم يبخل عليها بعواطفه ولا باهتمامه، بل كان يعاملها بكل حب واحترام. لم يتزوج لأنه يود الإنجاب، بل لأنه رغماً عنه أحب، ولن يترك قلبه لعشق محرم، ولذلك أعلنه في النور كي لا يحمل وزراً يغضب به ربه. هو حقاً لا يريد ذهابها، بل يود بقاءها، فهي تملك حيزاً كبيراً داخل قلبه. لكنها خذلته وطاوعت والدها. أخرجه من شروده صوت الباب ودخول نور وهي تحمل طفلها. حاولت الابتسام، فخرجت ابتسامتها
باهتة وتمتمت برتابة: "بقالي فترة يا في المستشفى يا في المكتب، قلت نيجي أنا وآسر نسلم عليك." ابتسم مراد وهو ينظر لآسر، ومد يده ليأخذه منها وتطلع إليه بحب. والتفكير في الأمر لا يرحمه. ماذا لو فشلت خطته؟ وماذا سيفعل إن ضاع منه؟ رفع عينيه لنور وتحدث بجدية: "بتثقي فيا؟ قطبت جبينها بدهشة ثم قالت بحيرة: "اكيد، بس إيه لزمته السؤال ده؟ التزم الصمت قليلاً ثم نظر إليها قائلاً: "لو بتثقي فيا، غيري هدومك وتعالي معايا."
لم تفهم شيئاً من حديثه وقالت: "طيب، هنروح فين؟ "هتعرفي كل حاجة بعدين." وافقت نور، وفي خلال نصف ساعة كان ينطلق بسيارته ذاهباً بهم إلى القاهرة. *** وقفت في شرفة غرفتها تنظر إلى المكان باشتياق. انتبهت ليدي جواد الذي احتضنت خصرها من الخلف وقال هامساً بجوار أذنها: "وحشتيني." التفتت بين ذراعيه كي تنظر إليه وتمتمت بسعادة بالغة: "وانت كمان يا جواد وحشتني أوي أوي، اخيرًا رجعنا بيتنا."
ابتسم بحب وقام برفع نقابها وتلاه حجابها، وترك شعرها ينسدل حولها بحرية. فقالت باستياء: "جواد، إحنا في البلكونة، ممكن حد يشوفني." طمأنها بابتسامته الساحرة: "متجلجيش، محدش اهنه واصل، اديتهم أجازة عشان نكون براحتنا." ضيقت عينيها بمكر: "اه، شكلك عايز تكرر شقاوة ليلة الحنة." ضحك جواد بسعادة وتمتم بحبور: "بالظبط إكدة، ويلا بجا خلينا نبدأها بدري." "لأ، خليني أعمل عشا خفيف الأول لتجوعني زي المرة اللي فاتت."
"ماشي يا ستي، وأنا هروح أجهز الأحصنة لحد ما تخلصي." خرج جواد، وأبدلت توليب ملابسها بملابس عبارة عن (هوت شورت) وبلوزة بدون أكمام، وأسدلت شعرها بحرية على ظهرها، وخرجت من الغرفة كي تحضر طعام العشاء. بعد الانتهاء، وضعت الطعام على الحامل وخرجت به ناحية السياج، وقد كان جواد يتأكد من وضع السرج حول فرستها.
رمش بعينيه وهو يراها تدنو منه وهي تحمل الطعام بتلك الهيئة التي خطفت أنفاسه وجعلت قلبه تزداد وتيرته. حورية سقطت عليه من السماء كي تكون عوضاً له عن الجفاء الذي عانى منه طوال أعوام. وكلما اقتربت منه كلما زادت وتيرته حتى اجتازت السياج.
وضعت الطعام على طاولة صغيرة جانب السياج، ثم تقدمت من جواد بابتسامتها التي أنهت على ما تبقى به من ثبات. وما إن اقتربت منه حتى خطفتها يداه وقربها من صدره كي يأخذ شفتيها في قبلة أعادت إليه أنفاسه التي أسرتها تلك الأميرة التي خرجت له من إحدى قصص الأساطير. كان يحتويها بذراعيه الحانية وكأنها قطعة زبد يخشى أن تذوب بين يديه. لكن اشتياقه وحاجته إليها جعل قبلاته أكثر ضراوة، وهي مستسلمة برحابة بين يديه.
ابتعد عنها قليلاً عندما لاحظ حاجتها للهواء، لكن عينيها التي تطلعت إليه بوله جعلته يعيد الكرة ويأخذها في قبلة أشد وأقوى. بعد وقت ليس بقصير، وضع جبينه على خاصتها وتمتم بأنفاس متقطعة: "عملتي فيا إيه؟ ليه بتعذبيني بالشكل ده؟ تطلعت إلى عينيه التي ترمقها بعشق جعل قلبها يرفرف بسعادة وتمتمت بهمس أشعل لهيب قلبه: "ولسة هتشوف مني عذاب أشد من كده." رفع حاجبيه متسائلاً بمكر: "أفهم من كده إن المكافأة هتكون مضاعفة؟
هزت رأسها بخجل وهي تتهرب بعينيها، لكنه أمسك ذقنها ليجبرها على النظر إليه وتابع بخبث: "إن نجحتي هنيجي هنا كل أسبوع، وإن فشلتي فهتكون كل أسبوعين." ردت بلهفة: "هنجح." ضحك جواد وقال بتحذير: "وإن استسلمتي هيكون فيها غرامة، أنا مش بحب الاستسلام." ضربته بخفة على كتفه وقالت بغيظ: "طيب سيبك بقا من الانحراف ده وخلينا نتعشى." تقدمت من الطاولة وقامت بوضع الطعام في الأطباق، فتطلع إليه جواد وقال بمزاح:
"يعني بجالك ساعة والآخر عملتي بيتزا." هزت رأسها بمرح: "هي أخدت مني وقت صحيح، بس طعمها حكاية." جلس على المقعد وهو ينظر إلى ملابسها وغمغم بإعجاب: "بس حلو اوي الهوت شورت ده، شكلنا النهاردة هنعمل عرض أزياء للهدوم اللي مشفتهاش لحد دلوجت." زمت فمها بغيظ: "هو ده برضه من ضمن المكافأة؟ جذبها لتجلس على ساقه وغمغم بجوار أذنها: "ده الأهم، يلا اكليني."
شرعت توليب في إطعامه وهي تسمع منه كلمات غزل أطربت بها أذنها وجعلتها تشعر بأنها ملكة متوجة على عرش قلبه. وبعد الانتهاء، أخذها ليساعدها على امتطاء فرستها. "امسكي اللجام كويس." أمسكت توليب اللجام وهي تتمتم برهبة: "بس أنا خايفة تجري." طمأنها بصبو: "متقلقيش، الفرسة دي بالذات هادية أوي، عشان كده اخترتها ليكي." امتطى جواد حصانه بمهارة ثم تقدم منها وهو يقول بتروي: "حركي رجلك براحة عشان الفرسة تتحرك."
وكزتها توليب بهوادة فبدأت بالتحرك لتسير على خط السياج بجوار جواد. كان الأمر ممتعاً بالنسبة لها، وهو استطاع أن ينحي آلمه جانباً ويستمتع بوقته معها.
كانت مستلقية بجواره، واضعة رأسها على صدره العريض. يشاهدها وهي نائمة وأنفاسها المنتظمة تداعب صدره. انتبه لأهتزاز هاتفه فعلم هوية المتصل. رفع رأسها بتروي عن صدره وأعاده على الوسادة، ثم أنسل من جوارها وقد رفع الغطاء عليها ودلف المرحاض. خرج بعد قليل من الغرفة وتوجه إلى حصانه كي يمتطيه وانطلق به ناحية التل حيث كان آدم بانتظاره. أوقف حصانه بجواره وتحدث بجدية: "عملت إيه؟
"زي ما جولت، اتفجت معاه إنه يجدم الورج باسم واحد ميت وجالهم إنه مسافر وعمل توكيل له، والمشروع هيكون باسمه وهنربط كلمتنا معاهم بعقد شراكة." "طيب، وبالنسبة للفيديو عملت فيه إيه؟ "چاهز معايا زي ما طلبت." أخرج فلاشة من جيبه وأعطاها لجواد وتابع: "لو كنت فاكر إن اللي حصل لحسان خلى ناري بردت، تبجى غلطان. إني كنت رايح أجتله بيدي، بس غيري سبجني ليه."
"بس اللي حصل ده هو أشد انتجام، إنه يتجتل على يد أقرب الناس له. صدجني، هو ده الانتقام الحقيقي. اليووم اللي هتمضي العقد فيه، هتكمل انتجامك من خالد وهتاجي وجتها تاخد حجك وتطلب ياسمين زي ما طلبتها مني." "تمام." انطلق آدم بحصانه وعاد جواد لزوجته فيجدها مازالت نائمة. أبدل ملابسه ثم اندس بجوارها يعيدها إلى أحضانه، فتشعر هي به وتضع رأسها في تجويف عنقه، وواصلت نومها. ***
ظلت سلمى حبيسة غرفتها، مهما حاول الجميع إخراجها منها، لكنها تأبى ذلك. غداً ستسافر إلى أخيها في أمريكا لتكمل دراستها، ربما الانشغال بها ينسيها ذلك الألم الذي استوطن قلبها. فهل ستجد من يهون عليها ذلك الألم؟ *** ظلت نور طوال الطريق في صمت مطبق وهي لا تدري إلى أين وجهتهم. حاولت معه كي يخبرها، لكنه يرد باقتضاب بأنهم على وشك الوصول. حتى توجه إلى منزل عاصم. انقبض قلبها خوفاً ونظرت لمراد الذي أوقف السيارة أمام المنزل
وسائلته بعدم استيعاب: "انت جايبني هنا ليه؟ تنهد مراد بتعب وقال بثبوت: "انتي مش بتثقي فيا؟ هزت رأسها بنفي وقالت: "لحد هنا وهفقد الثقة في أي حد." زم فمه دلالة واضحة على مدى ضيقه وقال بهدوء: "نور، خلينا نتكلم بالعقل. ابنك من حقه ياخد اسم أبوه، بحيث بكرة لما يكبر ويعرف الحقيقة ميتأثرش عليه. على الأقل لما يسأل عن أبوه وجوازك منه، نقدر نقوله كانت في ظروف تمنع إننا نسجل الجواز. وبعدين هو له حقوق ولازم ياخدها."
لم تقتنع نور وقالت بخوف: "ولو عاصم أخده مني؟ طمأنها بحكمة: "متجلجيش، إني هكون معاكي ومش هتخلى عنكم. ومفكرتش أواجهك بيه إلا لما اتأكدت إن ده الوقت المناسب. عاصم مبجاش كيف لول، من وقت موت ابنه وهو انكسر، وأخته اللي بقت متحكمة فيه. من حجة إنه يعرف بحفيده، وأني أشيل من على كتفي وزر إني مش حمله." انقبض قلبها خوفاً وظنت بكلماته تلك أنه يتخلى عنهم، فغمغمت بتوجس: "أفهم من كده إننا بقينا حمل تقيل عليك وعايز تخلص منه؟
تحدث مراد لأول مرة بما يجول بقلبه قائلاً بصدق: "بالعكس، ربنا وحده اللي يعلم باللي جوايا. انتو بجيتوا كل حياتي، عيلتي الوحيدة. بس للأسف الظروف بتحكمنا وبتخلينا نعمل حاجة غصب عنينا. إني مش هسيبك ولا هسيب آسر يبعد عني لحظة واحدة، بس لازم نعمل اللي يرضي ربنا أولاً وبالأصول ثانياً. ومتخافيش، مش هيقدر يعمل غير اللي احنا رايدينه."
أومأت نور بصمت وترجلت معه وهي تحمل طفلها، لكن لم ترحمها تلك الذكريات التي اقتحمت مخيلتها. انتابتها قشعريرة أصابت جسدها، لكنها هدأت فور أن أحاطها مراد بذراعه يبث بها الأمان وقال بقوة: "جولتلك متخافيش، إني معاكي." دلفت نور معه وطرق مراد الباب، فينفتح الباب بعد قليل وتظهر اعتماد التي ما إن رأتها حتى ابتسمت لها بترحيب: "نور، ازيك؟ كنتي فين؟ دورت عليكي كتير أوي."
لكن قاطع حديثها دخول مراد وذلك الطفل الذي قد أخذه منها عندما لم تستطع السير. ونقلت اعتماد نظرها بينهم بحيرة، وقال مراد: "عاصم بيه موجود؟ أومأت اعتماد بحيرة وقالت: "آه موجود، اتفضل." دلف مراد وتقدمتهم اعتماد إلى غرفة عاصم، وهي لا تعرف ماذا يحدث ومن ذلك الطفل وكيف تعرفت نور على مراد. طرقت الباب وسمح لها عاصم بالدخول، فاستأذنت اعتماد منهم: "ثواني، هعرفه الأول."
دلت اعتماد ونظرت نور لمراد بخوف، فطمئنه بنظراته. وخرجت اعتماد لتشير لهم بالولوج. دلف مراد ونور، والتي هالها هيئة عاصم الذي فقد قوته وأصبح هزيلاً قعيد مقعد متحرك. ألقى مراد السلام عليه: "ازيك يا عاصم بيه." رد عاصم بصوته الواهن: "أهلاً يا مراد، اتفضل." أشار لها مراد بالجلوس، فجلست بوجل. ثم تحدث عاصم: "إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه؟ نهض مراد ليتقدم بآسر منه، ثم وضعه بين يديه وهو يقول: "ده حفيدك، ابن آسر الله يرحمه."
تسارعت دقات قلبه عند نطقه بتلك الكلمة وتطلع إلى ذلك الصغير الذي تركه مراد بين يديه وسأله بتلعثم: "انت بتقول إيه؟ حفيد مين وابن مين؟ "آسر كان متجوز نور في السر، وفي اليوم اللي اكتشف فيه حملها عمل الحادثة فيه وانتهت حياته. ولما سهام عرفت الحقيقة هددتها وطلبت منها إنها تبعد، يا إما هتأذيها. وجات عند أمي وعاشت معانا." هدر قلب عاصم من حديثه ولاح الشك على ملامحه، مما جعل مراد يقول برتابة:
"وأوعى تفتكر إننا جايين عايزين حاجة، كل الحكاية إننا جايين نعرفك عشان نخلي ذمتنا ونكون عملنا اللي علينا." تطلع عاصم لوجه ذلك الطفل، والذي يشبه آسر إلى حد كبير، وكأنه نسخة مصغرة منه. لم يشك بكذبهم، فهو يعلم مراد جيداً، لكنه أراد التأكد: "وإيه اللي يثبت كلامك؟ رد مراد ببساطة: "تحليل الدي إن إيه وقسيمة الجواز اللي معانا."
أخرج مراد العقد من سترته وقدمه لعاصم، الذي تناوله بيده الأخرى وتأكد من إمضاء ولده، مما جعل الدموع تتساقط من عينيه. لم تصدق نور أن ذلك الرجل يصبح بذلك الضعف، مما جعلها ترفق بحاله، وخاصة عندما قال بحزن: "جيتوا متأخر أوي، بعد ما خسرت كل حاجة." رد مراد بجدية: "واحنا مش جايين عايزين حاجة غير إن ابن آسر يتسجل باسمه. أنا كتبته باسمي مؤقتاً لحد ما أقدر أوصلك، وأول ما لقيت الفرصة جيت عشان أطلب منك تعترف بيه."
تطلع عاصم لحفيده بحزن شديد، ثم قال بثبوت: "للأسف، أنا بقيت عاجز ومش هقدر أعمل حاجة، بس هخلي المحامي بتاعي هو اللي يعمل الإجراءات كلها بسرية ومن غير ما حد يعرف، لأن لو سهام عرفت ممكن تأذيه." رفع الطفل ليقبله وتابع بألم: "عشان كده، الموضوع ده لازم يبقى سر بينا ومحدش يعرفه. أنا عندي مبلغ كبير في البنك وبيت في أمريكا محدش يعرف عنهم حاجة، دول هيكونوا في أمانتك أنت يا مراد. عايز ابني يرتاح في تربته وارتاح أنا كمان."
لم تستطع نور الصمت أكثر من ذلك، وقالت برفض: "بس ابني مش محتاج حاجة غير اسمه وبس، خلي فلوسك مش عايزينها." رد عاصم بهدوء: "بس ده حقه." "ابني ملوش حقوق عندك لأن والده متوفي، واحنا مش محتاجين صدقة من حد." هم عاصم بالحديث، لكن مراد سبقه:
"لأ يا نور، ليه حقه في جده، وخصوصاً إنه الحفيد الوحيد، وده حقه ولازم ياخده. خليه لما يكبر يعرف إنه له كيان مستقل بيه هو، وميحسش لحظة واحدة إنه عال على حد، حتى لو أخوه. أنا قادر إني ابنيله مستقبل له لوحده وأقوله إنه من أبوه، بس أنا مش عايزه يعيش مخدوع." أومأت له نور باستسلام، ثم قال مراد لعاصم: "أنا رضيت ضميري وجيت عشان أعرفك بالحقيقة، ودوري انتهى لحد كده، والباقي هيكون عليك انت." أومأ عاصم، ثم نظر لحفيده وتمتم:
"كتر خيرك، لحد كده والباقي عليا أنا. بس الأول هتروحوا للمحامي اللي هقولكم عليه عشان نور تعمله توكيل، وإن شاء الله في خلال أيام شهادة ميلاده الحقيقية هتكون معاكم، بس زي ما قولتلكم، الموضوع يفضل سر بينا." خرجت نور ومراد من المنزل، وقد شعرت براحة تجتاحها. نظرت لمراد بامتنان لما يفعله معهم، وقالت بصدق: "متشكرة أوي يا مراد، مش عارفة لولا وجودك في حياتي كنت عملت إيه." ابتسم مراد ورد بهدوء:
"أنا معملتش حاجة تستاهل شكر ده، واجبي، وعلى الأجل أكفر عن ذنب أخويا. يلا بجا خلينا نرجع بسرعة." وافقت نور وذهبت معه للمحامي لتمضي على التوكيل، وقامت بعمل التحليل كي يستطيع إثبات نسب الطفل به، وعادوا إلى التل. *** استيقظت توليب في الصباح، أثر تلك الرائحة التي داعبت أنفها. فتحت عيونها بتثاقل، فتجده جالساً ينظر إليها بحب. "صباح الورد." ابتسمت توليب بنعاس وتمتمت بخفوت: "صباح النور، هي الساعة كام؟ داعب
وجنتها بأناملة ورد بولع: "إحنا بجىنا الضهر، وحضرتك نايمة ولا على بالك." تمتمت بكسل: "إحنا نمنا قبل الفجر وكملتش حاجة، وقمت صليت، يعني برضه ملحقتش أنام." اتسعت ابتسامته وهو يراها تقاوم النعاس. وما إن همت بالنهوض حتى أعادها ليميل عليها وهو يقول بمكر: "أنا عودتك على كده؟ هزت كتفيها بدلال وتمتمت بغنج: "تؤ، بس أنا جعانة." تمتم بهمس قبل أن يأخذها لعالمه: "بعد الاصتباحة الأول." ***
في السيارة، ظلت توليب عابسة وعاد إليها الشعور بالاختناق. كان جواد يرمقها بنظراته شاعرًا بها، وهو أيضاً يبادلها ذلك الشعور، لكن عليها أن تتحمل لأجله. عادوا إلى القصر ووجدوا كندا في استقبالهم: "أهلين حبيبي، حمد لله على سلامتكم." قبلتها توليب بابتسامة لم تصل لعينيها وسألتها: "فين يزن؟ "فوق مع ياسمين." دلفت متحججة بيزن، وتطلع جواد على إثرها، وكذلك كندا التي قالت بتعاطف:
"انت بتضغط عليها جواد، ما فيها تضل بـ هالغرفة مكان واحدة تانية أكتر من هيك." تنهد بتعب شديد وتمتم بثبات: "ده أمر مفروض عليها ولازم تتحمل." ربت على كتفها وقال: "ياسمين لازم تبعد عن الجصر، مينفعش تفضل فيه أكتر من إكدة. النهاردة تاخديها وترجعوا المزرعة." تنهدت كندا براحة: "لك تسلميلي حبيبي، أخيرًا راح ارتاح من ها العقربة." "وتطلع مين العقربة دي؟ انتبه كلاهما لكريمة التي تقدمت منهم، فردت كندا بكيد وهي تتظاهر بالفزع:
"بسم الله، لك دخيلك يا كريمة، فزعتيني والله." تطلعت إليها كريمة بحقد دفين وتمتمت بسخرية: "بعد الشر عليكي من الخضة. خير، الجعدة اهنه مش عاجباكي؟ ابتسمت كندا باستفزاز وتمتمت بتروي: "مين قال هيك؟ القاعدة هون بترد الروح، بس أنا بدي تغيير. يومين هون في القصر ويومين في المزرعة، وقدمهم بالقاهرة ويمشي الحال. بس دخيلك يا كريمة، لا تنقي فيها كرمال بتحسس كتير من النق تبعك."
تركتها ودلفت للداخل، وكذلك جواد الذي تبعها للداخل كي لا يرى تلك المرأة. *** في غرفة خالد، أغلق الهاتف ونظر لعدى بسعادة: "الحمد لله، الموضوع تم وهنروح بكرة نمضي عقد الشراكة." ضغط عدى على شفتيه بقلق ثم سأله: "انت مالي يدك من الناس دي؟ إني مش مطمن." جلس خالد على المقعد واضعاً قدم فوق الأخرى قائلاً:
"لأ اطمن، أنا شوفت الموقع بنفسي وشوفت الناس اللي مقدمة زيينا كده. وبعدين إحنا هندي الشغل لمقاول، ويا ودبك هنموله واحنا قاعدين في بيتنا، وتلتين المكسب هيكون لينا." فكر عدى قليلاً والقلق لا يرحمه، وعاد يسأله: "طيب، ولو نصب علينا؟ "هينصب علينا كيف، وبينا عقد شراكة وشيكات هتتمضي." "يعني انت مالي يدك منه؟ انت خابر إن الفلوس دي كل اللي معانا دلوقت." أومأ له بثقة كبيرة:
"اطمن جوي، متجلجش، كل حاجة ماشية كيف ما إني رايد. الصبح هسافر القاهرة أمضي العقود وأحول جزء من الفلوس للمقاول، والباقي للمواد اللي هيحتاجها." عاد الشك يساوره وسأله: "طيب، ليه مطلبتش من المقاول ده يصرف على الشغل ونتحاسب على اللي دفعه ومكسبه؟ رد خالد بزهق: "لأن لو عملنا كده هناخد إحنا التلت بس، وهو هياخد الباقي." "بس على الأجل هنكون ضامنين حقنا." اعتدل خالد في جلسته ورد بملل:
"وممكن برضه تستلم أنت الشغل وتجف عليه وتاخد المكسب كله. ها، إيه رأيك؟ "ما انت خابر إني مفهمش حاجة في المقاولات." "يبجى تسكت وترضى، وكفاية إن الخسارة هتكون بعيدة عنينا وهو اللي هيشيلها لو لا قدر الله حصل حاجة." وافق عدى رغم ذلك القلق الذي يساوره، وقرر ترك الأمر بيد أخيه، ربما تنجح تلك المرة. *** في غرفة ياسمين، جلست توليب على الفراش تنظر إليها وهي تجهز حقيبتها وقالت بحزن: "يعني خلاص هتمشوا وتسيبوني لوحدي؟
أغلقت ياسمين حقيبتها ثم جلست بجوار توليب وقالت بتأثر: "انتي خابرة يا تولي إني مجدرش أقعد أكتر من كده، وخصوصاً إن خالد نظراته ليا مش بتطمني. وبعدين هيكون عندك حجة إنك تاجي المزرعة على طول." تنهدت بتعب شديد وتمتمت برهبة: "بس أنا خايفة، الحياة هنا صعبة أوي، مش قادرة أتقبلها." ربتت على يدها وتحدثت بروية:
"شوفي، أنا واثقة إن جواد زيكِ وأكتر كمان، وإن فيه حاجة في دماغه. أول ما يحققها هيسيب القصر ويرجع المزرعة من تاني، وبكرة تجولي ياسو جالتها." ابتسمت توليب رغم مرارة بعدهم عنها، ونهضت معها لتصلها للخارج. ظلت تنظر إلى السيارة وهي تبتعد بهم. ثم عادت للداخل لتبحث عن نعمة. دلت المطبخ فتجد نعمة تباشر عملها، فطلبت منها بإحراج: "معلش يا نعمة، كنت عايزة حاجة دافية أشربها لأن معدتي تعبانة شوية." أومأت لها نعمة:
"من عينيّه يا ست توليب، ارتاحي انتي وإني هجيبها وآجي دلوقت." ابتسمت توليب وقالت بامتنان: "تسلميلي يا نعمة." خرجت توليب من المطبخ، ووضعت نعمة القدر على النار، فدخلت كريمة تسألها: "بتعملي إيه؟ "بعمل حاجة دافية لست توليب." "طيب، روحي شوفي خالد بيه هيتغدى دلوقت ولا لأ." تركت نعمة القدر على النار وأخرجت كريمة زجاجة صغيرة من يدها بعدما تأكدت من خلو المكان، ثم قامت بإفراغ محتواها داخل القدر وخرجت من المطبخ. ***
وطئت الطائرة أرضية المطار وترجلت منها سلمى تبحث عن أخيها الذي أخبرها بأنه سينتظرها أمام المطار. ظلت تتلفت حولها لكن لا أثر له. انتبهت لصوت خلفها يقول بمرح: "لسة زي ما انتي، متغيرتيش أبداً." التفتت سلمى خلفها لتجده وائل، صديق حازم، أخيها، فقالت بدهشة: "وائل، عرفتك من صوتك." ضحك وائل وقال برحابة: "صوتي بس؟ ردت سلمى بابتسامة: "لأ، انت كمان متغيرتش. أومال فين حازم؟ "طيب، تعالي أوصلك الأول وأحكيلك."
وافقت سلمى واستقلت مقعدها داخل السيارة وسألته: "قولي بقا، قلقتني." انطلق وائل بسيارته وقال بهدوء: "مفيش يا ستي، كل الحكاية إن اتضغط شوية في الشغل وعشان كده طلب مني آخدك من المطار. إيه، مضايقة؟ هزت رأسها بنفي: "لأ خالص، أنا قلقت عليه مش أكتر." "لأ، اطمني وتعالي بقا أعزمك على الغدا في مطعم مصري، بس إيه، من الآخر." تبدلت ملامح سلمى وتمتمت برفض: "لأ، معلش، أنا عايزة أروح، لأني تعبانة من المشوار."
أومأ لها وائل بتفاهم، فهو لن يفرض عليها مشاعر رفضتها هي من قبل. نعم، مازال عاشقاً لها وقد ازداد فور رؤيتها بعد تلك المدة. توقف أمام مبنى صغير وقال: "ثواني، هنزل أجيب الولاد من الnursery." ترجل من السيارة وعاد بعد قليل وهو يحمل طفليه التوأم، ثم وضعهم في المقعد المخصص لهم. تطلعت إليهم سلمى بحب وسألته: "ولادك؟ انطلق بالسيارة وهو يجيب بهدوء: "آه ولادي، بجيبهم nursery الصبح وأنا رايح الشغل وأنا راجع باخدهم."
اندهشت سلمى وسألته: "أومال مامتهم فين؟ "مامتهم يا ستي معجبهاش العيشة مع إنسان راجعي ومتخلف، فقررت تتنازل عنهم مقابل الطلاق وسابتهم ورجعت بلدها." نظرت إلى الطفلين بتعاطف وقالت: "وانت إيه اللي خلاك تجوز إنجليزية؟ نظر للطريق أمامه وتمتم باقتضاب: "النصيب."
ظلت سلمى تداعب التوأم، والذين لم يبلغوا الثلاث أعوام. واندشت كيف استطاعت التنازل عنهم بتلك السهولة. فقد عاشت تحلم بأن يكون لديها أطفال، ولن تستطيع حينها الابتعاد عنهم لحظة واحدة، فكيف إذا استطاعت تلك المرأة الابتعاد عن أطفالها، وخاصة إذا كانوا بتلك الوداعة. أوقف وائل سيارته أمام منزل حازم، ثم نظر إليها قائلاً: "حمد لله على السلامة." ابتسمت بمجاملة: "الله يسلمك. انت رايح لحازم؟ "لأ، هروح عشان الولاد." وجدت سلمى صعوبة
في تركهم وتمتمت بتردد: "ما تسيبهم معايا وتروح انت شغلك." "لأ، ارتاحي انتي دلوقتي، وبالليل هبقى اجيبهملك وآجي." وافقت على مضض وأخذت المفتاح من وائل ودلفت المنزل. *** طرقت نعمة الباب ودلفت بعد أن سمحت لها توليب بالدخول. "اتفضلي يا ست توليب، عملتلك أعشاب زينة جوي هتريحك دلوقت." ابتسمت توليب بمجاملة: "متشكرة يا نعمة، تعبتك معايا." "تعبك راحة، إني أخدمك بعينيّه."
عاد طرق الباب، فذهبت نعمة لتفتح، فوجدت سيلين تندفع بسرعة وتغلق الباب خلفها. اندهشت توليب من فعلتها وظنت أنها دلفت لتتدارى من أحد ما، عدا نعمة التي تعلم سبب فعلتها. حمحمت سيلين بإحراج وتقدمت من توليب لتصافحها بود: "إني سيلين، أخت جواد وياسمين. أكيد لسة فاكرينه." نهضت توليب من جلستها وابتسمت بترحيب: "آه، فاكراكي كويس. وجواد كان دايماً بيحكيلي عنك." خرجت نعمة كي تتركهم معاً، وقالت سيلين بإحراج:
"إني آسفة إن كنت معرفتش أرحب بيكي أول ما جيتي، بس انتي خابرة أمي... قاطعتها توليب بتفاهم: "أنا فاهمة ومقدرة، وبلتمس العذر لمامتك. أنا برضه بالنسبة لها أخدت مكان بنتها." دلف جواد ومعه يزن، والذي كعادته يسرع لأحضان توليب فور رؤيتها. اندهش جواد عندما وجد سيلين وقال بمزاح عندما تقدمت منه لتقبله: "جلبك جمد إكدة، ميتى مش خايفة من كريمة؟ ضحكت سيلين وقالت بثقة:
"متجلجش، هي خرجت من شوية وجلت آخدها فرصة وأقعد مع توليب شوية، بس خلاص حضرتك الملائكة." قالت توليب برجاء: "خليكي معانا شوية؟ تمتمت بأسف: "لأ، معلش، خليها وقت تاني." قبلت توليب ويزن وخرجت من الغرفة. نظر جواد إليها وقال بتروي وهو يتقدم منها: "لساتك زعلانة؟ ابتسمت توليب رغم المرارة التي تشعر بها وقالت بحب: "لأ، مش زعلانة، بس بحاول أتاقلم على الحياة في القصر ده." دنى منها أكثر ليحتويها هي وطفله الذي ألقى رأسه على كتفها
يناشد النوم وقال بحب: "انتي خابرة زين إنك انت ويزن أهم حاجة في حياتي كلها، ولا لأ." أومأت برأسها وقالت: "عارفة." "خلاص يبجى خليكي واثقة إني عمري ما هعمل حاجة تضايقك أو تضرك مهما حصل، بس الموضوع محتاج شوية صبر. منك، تصبري معايا ولا لأ." ردت برضا: "هصبر عشانك، ولو رميت نفسي في النار." رفع أنامله ليمررها على وجنتها وتمتم باحتواء: "وأني أوعدك إني هعوضك عن كل ثانية عانيتي فيها." نظر للكوب الموضوع على المنضدة وسألها:
"مشربتيش ليه؟ تطلعت إليه توليب وقالت: "مش بحب أشرب الحاجة وهي سخنة، بستنى لما تهدى شوية." أخذ منها يزن وهو يقول بهدوء: "طيب، هاتي يزن أنيمه، وانتي اشربيه." أخذت توليب الكوب وشرعت في تناوله، فما زال الألم معها في ازدياد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!