مرت الأيام والموعد يقترب. وهي تستعد لذهابها فور وصول نتيجة التحليل. ستعود إلى القاهرة في منزلهم، ويحدث ما يحدث. لكن لن تقبل بالبقاء معه تحت سقف واحد بعد ما حدث. أما مراد، فنظرت العتاب التي رآها في عينيها لا ترحمه. حتى شعر بالخجل من فعلته، وخاصة عندما علم حقيقة الأمر من صديق آسر. بأنه كان يتلقى العلاج في الخارج. والأدهى من ذلك أنه اتخذ تلك الفتاة كحقل تجارب. ظل يستغفر ربه ويدعوا له بالرحمة والمغفرة.
لن يخبر أحد بهذا الأمر، وعليه أن يصلح ما أفسده أخيه. أما سلمى، فقد راودها الشك وهي تراه أغلب الوقت شاردًا. يتظاهر بالنوم، لكنها تعلم جيدًا بأنه يفكر في أمره. لقد صدق والدها حينما أخبرها بأن ذلك اليوم آتٍ لا محالة. وها قد جاء الوقت التي ستجبر فيه على التنازل ومشاركته مع أخرى. ولن تستطيع الرفض. وكيف ذلك وهو لم يرفضها بعد اكتشافهم لذلك المرض الذي سلبها أعز ما تملك وحرمها من الإنجاب. فلما لا تضحي بدورها كما فعل هو.
كما إن تلك الفتاة تبدو جيدة ولن تظلمها. ذهبت إلى غرفتها كما تفعل كل يوم وتجلس معها لتهون عليها. فقد شارفت على انتهاء شهرها السادس وما زالت ترفض الذهاب للطبيب. طَرقت الباب ودخلت بعد أن سمحت لها نور بالدخول. فوجدتها جالسة على الفراش بوجوم كعادتها. "صباح الخير يا نور." أجابت دون أن ترفع بصرها إليها. "صباح النور." دنت منها لتجلس بجوارها وتحدثت بروية. "مش ناوية تروحي للدكتور برضه؟ هزت رأسها بنفي دون النطق بشيء.
"يا بنتي لازم تروحي عشان تطمني على البيبي، مينفعش اللي بتعمليه ده." ردت باقتضاب وهي على نفس وضعها. "لما تظهر نتيجة التحليل." "نتيجة التحليل كلنا واثقين فيها، حتى مراد نفسه. بس هو عمل كدة من الصدمة مش أكتر. ده حتى مش فاكر النتيجة هتطلع إمتى." "هتطلع بكرة وبعدها همشي ومش هتشفوني تاني." زفرت سلمى بضجر من التطرق في ذلك لأمر كل يوم وتحدثت بيأس. "يابنتي فكري بالعقل شوية، هتروحي فين؟
وإزاي هتقدري تقعدي لوحدك وانتي في الظروف دي، وهتصرفي عليه وعليكي منين؟ لم تفكر نور في ذلك الأمر وهي لن تستطيع العمل وهو بتلك الأشهر الأخيرة من حملها. فتمتمت بروية. "ربنا مبينساش حد." "ونعم بالله، بس إحنا لازم نفكر بالعقل شوية. سهام لو ظهرتي قدامها مرة تانية مش هترحمك، ولو فكرتي توصلي لأبوه هتعيدي نفس التجربة من تاني." ردت نور وهي على نفس الوتيرة. "مش هروح عندهم، وهروح لأهل بابا في إسكندرية." "وهتقولي ليهم إيه؟
"الحقيقة واللي يحصل يحصل، أنا كده ولا كده ميتة." "بس إنتي كده بتظلمي ابنك وبتظلمي خالتي اللي الروح ردت فيها تاني لما ظهرتي، ليه تموتي حفيدها اللي ربنا بعتهولها عوض على صبرها." لم تجب نور والتزمت صمتها. فأردفت سلمى. "على الأقل سيبيها تطمن عليكم وتشوف حفيدها، وبعدين امشي." نظرت إليها نور بحيرة وقارنت بينها وبين سهر التي تدفعها للذهاب دائمًا. وسألتها. "وإنتي مستفادة إيه من كل ده؟
المفروض ترفضي وجودي زي سهر وتغيري على جوزك مني." ابتسمت سلمى بمرارة وتحدثت بمثابرة. "تقصدي يعني عشان مش بخلف؟ شعرت نور بالحرج من نفسها وقالت باعتذار. "أنا آسفة حقيقي، أول مرة أعرف حاجة زي دي. أنا بس بتكلم بدافع غيرتك مش للسبب ده أبدًا." أومأت لها قائلة بتفاهم.
"عارفة إنك متعرفيش، بس حاجة تانية عايزاكي تعرفيها. حتى لو ده حصل والظروف حكمت بكدة فأنا واثقة إن مراد عمره ما هيظلمني ولا هيظلمك. مراد آه بيبان شديد وعصبي، بس حقيقي مفيش أطيب ولا أحن منه." لاحت الحزن بعينيها وهي تتابع.
"أنا قبل ما اتخطب لمراد تعبت أوي والدكاترة اكتشفوا إني عندي ورم في الرحم ولازم يستأصلوه. طبعاً موضوع زي ده يحصل مع بنت لسه متجوزتش كان بمعدل الإعدام. مين هيرضى يتجوز واحدة بظروفي. فجأة لقيت مراد جاي بيطلبني وده بقى كان حلم حياتي مكنتش مصدقة نفسي، بس محبتش أظلمه معايا وطلبت منه أنه يشوف حياته مع واحدة غيري. بس هو رفض واتمسك بيا وعجل بفرحنا عشان يكون جانبي وأنا بعمل العملية. متخلاش عني ولا سابني لحظة واحدة، والنوع اللي زيه عمره ما يظلم أبداً."
حاولت الابتسام لكن الذكريات المؤلمة نثرت الحزن على ملامحها وتمتمت بلهجة يشوبها الألم. "كنت ديمًا بستكتره على نفسي وأحياناً بحس إني ظالمة. إيه اللي يجبره يعيش مع واحدة في ظروفي مفيش أمل أنها تكون أم. طلبت منه كتير إنه يتجوز بس هو كان بيرفض. صدقيني مراد إنسان اللي زيه بقوا قليلين أوي. فكري في كلامي كويس وبلاش تهور." خرجت من الغرفة تتبعها نظرات نور التي تأثرت بها، لكنها ستظل على موقفها ولن تبقى في ذلك المنزل بعد ما حدث.
*** في مكتب أدهم. جلس توفيق على المقعد أمامه وتحدث بضجر. "أنا خلاص يا أدهم مبقتش قادر أتحمل الوضع ده، البنت بقالها تلات شهور مش عارف عنها حاجة وكل فين وفين لما أسمع صوتها. ارجوك اتصرف." ضغط أدهم على الجرس فدخلت مديرة المكتب. "نعم يا فندم." "كوباية ليمون لو سمحتي يا أمل." "تحت أمرك." خرجت المديرة وتحدث توفيق بحدة. "ليمون إيه اللي هتعمله، أنا عايز أطمن على بنتي." نهض أدهم ليجلس على المقعد المقابل له وتحدث بهدوء.
"اهدى بس وخلينا نتكلم بهدوء. أولًا أنا عرضت عليك في الأول إنها تسلم نفسها وأنا وعدتك إنها هتخرج منها براءة لأن ده دفاع عن النفس، القاضي بيحكم من أول جلسة. بس إنت رفضت خوف من أسبوعين هتقضيهم في الحبس، فلازم نتحمل لحد الراجل ده ما يفوق من الغيبوبة ويعترف بكل حاجة." "إمتى بس؟ ده بقاله شهرين وكل ما أسأل الدكتور يقولي مقدرش أحدد." دلفت المديرة ووضعت العصير أمام توفيق ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها.
حمل أدهم الكوب وناوله لتوفيق. "اتفضل اشرب وخلينا نتكلم بهدوء." أبعد الكوب عنه وتحدث برفض. "مفيش هدوء وبنتي بعيدة عني ومعرفش عنها حاجة، وحتى مانع حد مننا يروح لها." تنهد أدهم بتعب وغمغم بتسويف. "لازم يا عمي، لإننا مش ضامنين. أهل الولد ده مش ساكتين وبيدوروا وراكم عشان يعرفوا مكانها ويبلغوا عنها واحنا مش عايزين نجازف. نطمن بس إنه فاق من الغيبوبة وبعدها نتصرف زي ما إحنا عايزين."
وافق توفيق على مضض وظل يتابع حالته مع ذلك الطبيب الذي أصبح يشك في أمره. *** وقفت تنظر إليه من خلف شرفتها وهو يداعب حصانه ككل صباح. ما زال على نفس قوته، لم تغير إعاقته أي شيء. لا يزال ذلك الماهر الذي يتمتع بفروسية وشجاعة لم تراها من قبل. كانت تتابع سباقات الخيل باستمرار، لكن لم ترى في بسالته أحد. نعم تغير كثيرًا وأصبح حاد الطباع قليل الكلام، لكن لم تغير نظراته الجامحة حنانه وطيبته التي هي جزء أساسي في شخصيته.
وما ضايقها أكثر هو عدم ارتدائه العباءة التي كانت تزيده هيبة ووقار. كانت تتمنى أن تكون بجواره في تلك المحنة لتهون عليه، لكن لم يشاء القدر أن ينصف وليدهم وألقاه في غيابت الجب قبل أن ينمو ويزدهر. تتذكر كيف تلقت حقيقة زواجه وكيف أخفض حينها عينيه بحزن، ماثل حزنها وقد يكون أشد وأقوى. أصرت في ذلك اليوم على الذهاب ولم يستطع أحد أن يثنيها عن قرارها. فظن الجميع حينها بأنها تفعل ذلك من صدمة الحصان التي تعرضت لها.
والأدهى من ذلك إصراره على توصيلهم لمحطة القطار. وكيف كانت نظراته لها في المرآة بين الحين والآخر. ونظرة الوداع التي رمقها بها وهو يطالعها من نافذة القطار. وكيف لاحظ والدها كل ذلك ورفض حينها ذلك الحب وأصر على التخلص منه. لكن كيف ذلك وقد تمكن منها وظل يكبر حتى ملأ قلبها وتمكن منه. تظاهرت بالنسيان، لكن حينما تشاهد مسابقة الخيل تتذكره وتعود تلك اللحظات لمخيلتها تطرقها بلا هوادة.
أخرجها من شرودها دخول ياسمين وهي تحمل يزن الذي أسرع إليها فتلتقطه هي بابتسامة مشرقة. فقالت ياسمين وهي تشاهد تعلقه بها. "أول ما صحي من النوم فضل يعيط عليكي." تطلعت إليه بابتسامة. "هو كمان وحشني أوي، بقاله فترة بينام بعيد عني." تقدمت ياسمين منها فلاحظت بأن توليب كانت تقف تشاهد جواد. لكنها لم تندهش فقد تأكدت من مشاعرها تجاه أخيها في مواقف كثيرة. فقالت بمكر.
"أصل جواد بيحب يطمن عليه قبل ما ينام. مكنش هينفع يقلقك كل شوية ويخبط عليكي." لاحظ يزن والده من الشرفة فأشار إليه وناداه بصوته الهادئ. "بابا." ضحك الاثنين وقالت ياسمين بخبث. "إيه رأيك تاخده وتنزلي عند جواد؟ تجمدت ملامحها واخفضت عينيها بحزن وهي تتمتم بخفوت. "مينفعش، لازم أكون بعيدة ومحدش يشوفني." "بس جواد عمره ما هيعمل حاجة تضرك، بالعكس إني واثقة إنه لو عرف هيساعدك ومش هيتأخر عنيكي." نظرت إليها لتقول برجاء.
"ارجوكي يا ياسو سيبيني براحتي، ولو زهقتي مني أنا…." قاطعتها ياسمين بتوبيخ. "عيب عليكي، إنتِ خابرة زين غلاوتك إنتي وإلين عندي، وبعدين إنتي مهونة عليا الوحدة اللي أنا فيها. أديكي شايفة جواد من وقت اللي حصل وهو قافل على نفسه وجليل الحديث. أنا اللي مش عارفة لما تمشي هعمل إيه؟ دون إرادة منها وجدت عينيها تنظر إلى جواد وتمتمت بكلمات غير مفهومة. "هيتعاد من تاني بناره وعذابه."
نزلت ياسمين بيزن لوالده والذي كان سعيد بمشاهدة والده على ظهر الخيل. حتى أنه ظل يبكي ليصعد على ظهره كوالده. أخذه جواد بحرص ووضعه أمامه وبدأ يترك له اللجام والطفل سعيد بذلك التحول بعد أن كان حبيسًا داخل القصر. أما هي فقد ظلت تشاهدهم من خلف النافذة بشرود. ماذا ستفعل بعد الرحيل؟ هل سيعاد ذلك العذاب؟ أم سيضاف عليه عذاب السجون. *** عاد وهدان من عمله مساءً فينتبه لصوت أطفاله الصاخب داخل المطبخ.
وضع المفاتيح على الطاولة وتقدم منهم بقلق ليجدهم جالسين على الأرض وحياة بجوارهم تزين معهم قطعة الحلوى التي أعدتها لهم. انتبهت الصغيرة لوجود والدها فنهضت لتسرع إليه وهو يسألهم. "بتعملوا إيه؟ لم تستطع حياة الرد ونهضت شاعرة بالاحراج من دخوله دون أن ينبههم لوجوده. جذبت الحجاب من على الطاولة ووضعته على خصلاتها فقالت زينة بسعادة. "النهاردة عيد ميلادي وخالتي عملت تورتة عشان تحتفل بيه."
نظر وهدان إلى حياة التي اخفضت عينيها بإحراج وسأل ابنته. "وليه مجولتيش، كنت جايبتها واني جاي بدل التعب ده." نهضت حور لتحتضن حياة وهي تقول بسعادة. "خالتي حياة هي اللي طلبت نعملها مع بعض، بس قمر وجعت الأولى وعملنا غيرها وكانت أحسن منها." قالت زينة بسعادة. "أنا اللي ساعدت خالتي." ردت حور بامتعاض. "إنتي معملتيش حاجة غير إنك سقطتي البيض، واني اللي اشتريت الحاجات من الدكان اللي جنبنا." ردت زينة بغيظ.
"إنتي جايباهم ناقصين واني اللي كملت الباقي." أوقف وهدان جدالهم قائلاً. "خلاص عرفت مين اللي عمل، كلكم شاركتوا فيها." تمتمت قمر وهي تلف ذراعيها حول عنقه. "وأني." ضحك الجميع بسعادة. ونظر وهدان إلى حياة بامتنان لنشر السعادة في قلوب أطفاله. فتتهرب هي من مرمى عينيه قائلة. "يلا يا بنات نجهز العشا عشان تناموا." أخذ وهدان قمر وخرج من المطبخ كي يمنع عنها الحرج. لكن ابنته أرادت مشاركتهم فتركها لهم وذهب لغرفته كي يأخذ حمام دافئ.
وخرج بعدها ليجد بناته يضعون أطباق الطعام على الطاولة الصغيرة. كانوا يتسابقون على حمل الأطباق بسعادة لم يراها على وجوههم من قبل. جلسوا جميعاً في أماكنهم يتناولون طعامهم ولم يكفوا عن التحدث بشأن الحلوى التي شاركوا فيها وكل واحدة منهم تعيد ما فعلته مرة وأخرى. وهو يرمقها بين الحين والآخر بإعجاب. أما هي فقد ظلت تتجاهل نظراته من شدة الإحراج حتى انتهوا. وأسرعت البنات مرة أخرى في المشاركة بتنضيف المكان كي يستعدوا للاحتفال.
ودون أن ينتبهوا وجدوا قمر تحمل قالب الكيك. فاغمضت حياة عينيها باستسلام كي لا تشاهد سقوطها مرة أخرى. فضحك وهدان ونهض ليأخذ منها القالب وقال بسرور. "جات سليمة المرة دي." فتحت حياة عينيها براحة وتمتمت. "الحمد لله." بأجواء مبهجة مر الاحتفال بعيد ميلاد زينة والتي لم تحتفل به منذ وفاة والدتها. فيشعر ذلك المنزل الصغير المعبق برائحة زهرة الأقحوان بالسعادة والسرور بعد حزن دام لأكثر من عامين.
انتهوا أخيرًا وساعدت الأطفال للإيواء إلى فراشهم وظلت بجوارهم حتى أغمضوا أعينهم. خرجت لتدلف المطبخ كي تنظفه مرة أخرى. واندهش هو من فعلتها فتقدم من المطبخ يقف على أعتابه يشاهدها وهي تنظف الأطباق التي نظفتها صغيرته منذ قليل. فسألها بحيرة. "هي مش زينة أصرت تنضفهم هي؟ ليه بتعمليهم تاني؟ انتبهت حياة لوجوده وقالت بحرج وهي تباشر ما تفعله. "مردتش أزعلها وأقولها إنهم مش مغسولين زين. وجلت لما تنام هغسلهم تاني."
ابتسم بصبو ووجد نفسه يراقبها وهي تتنقل كالفراشة في المكان. وتساءل. ماذا لو كانت زوجته حقيقة وهو واقفًا ينتظرها حتى تنتهي من عملها ثم يحملها ويعود بها لغرفتهما. يعود كل يوم من العمل يبحث بقلبه عنها قبل عينيه ثم يأخذها لأحضانه. شعر بأنه لن يستطيع الوفاء بوعده وسيحنث به يومًا. لكن لن يكون سوى برضاها. انتبهت لمراقبته له فالتفتت إليه لتسأله بارتباك. "محتاج حاجة أعملهالك؟ ابتسم بحب وتحدث بامتنان.
"لا بس كنت رايد أشكرك على السعادة اللي مليت البيت بوجودك." شعرت بالاحراج من حديثه وتمتمت برهبة وهي تنشف يديها. "إني معملتش حاجة، إنت خابر إني بحب الأطفال وبعتبرهم حاجة كبيرة جوي ولازم يتعاملوا معاملة تانية غير إني اتعالجت بيه. لأن أمي ماتت وأني في سنهم كده وخابرة جد إيه بييجي صعب الفراغ اللي الأم بتسيبه." لاح الحزن على ملامحها وتابعت بألم. "يمكن ألاقي اللي يعوض ابني حرمانه مني." "إن شاء الله هيجمعك بيه قريب جوي."
أومأت بصمت وقد زاد شعورها بالاحراج عندما تصلبت نظراته على محياها. فقررت الانسحاب من أمامه ومن قلبها أيضاً واسرعت إلى غرفتها. *** في القصر. جلس كلا من عدي وخالد ويحيى في حديقة القصر وقد تم تحديد موعد زواج يحيى وسيلين. فقال عدي ليحيى. "ها يا يحيى خلصت كل حاجة؟ أومأ له وتحدث بتعب. "مكنتش أعرف إن الموضوع متعب كده، بقالي أسبوعين مرتحتش واصل." ربت خالد على كتفه وقال بمغزى. "المهم يكون بفايدة الآخر وميكتش نصيبك زي نصيبي."
لم يتقبل عدي حديث أخيه وقال باستنكار. "نصيبك كان زين جوي بس إنت اللي ضيعته منيك بغبائك." كرمقه خالد بحدة وقال بانفعال. "لو إنت مكاني مكنتش هتجول كده." "كلنا كنا مكانك واتجوزنا غصب عنينا بس مخناش ولا فكرنا نعمل كده ورضينا بناصيبنا. كان ممكن بأسلوبك ومحبتك تخليها تعشقك وتتمسك بيك بس إنت اللي وصلتها للحالة دي." تدخل يحيى. "اهدوا يا جماعة اللي حصل حصل وخلاص ويا عالم يمكن البعد ده يجربهم أكتر من بعض."
نظر إليه خالد وقال ساخرًا. "هو بيقول كده لأن يسر طيبة وبتتمناه الرضا. وأكبر دليل شمس أختك شوف كان بتحب جواد قد إيه ومع ذلك عمره ما حبها." "بس مظلمهاش ولا خانها." ضحك خالد باستهزاء وتحدث بسخرية. "أومال البنت اللي جت الفرح دي وكان هيموت عليها وهي ماشية مع أبوها ده كنت تسميه إيه؟ "وإنت ليه مبصتش إنها ضيفة وجاية تحضر فرح أخته وحصانه اللي عمل فيها كده، إني نفسي كنت هعمل اللي عمله." أكد يحيى حديثه.
"دي حقيقة أي واحد منا كان هيعمل كده." عاد خالد بظهره للوراء وهو يقول. "ولما هو كده مجعدها عنده المدة دي كلها ليه؟ عقد عدي حاجبيه مندهشًا وسأله. "هي مين؟ "البنت إياها، أنا بنفسي اللي موصلها للمزرعة عنده ولساتها عنده وعايش حياته معاها. ويمكن هو اللي عمل كده في أختك عشان يخلاله الجو معاها." لم يقبل يحيى حديثه هذا وقال برفض لاتهامه.
"لأ طبعاً، إني عارف جواد زين مستحيل يعمل كده. وبالنسبة للبنت دي عادي، هو مش هيقضي حياته من غير جواز." أكد عدي. "إني صحيح على خلاف معاه بسبب اهتمام جدي بيه، بس هو ميعملش كده واصل." "اهتمام جدك بيه بس؟ والمزرعة اللي أخدها وهي تعتبر تلت ثروة جدك كلها لأ، وكمان بكرة بعد عمك ما يموت هيورث كمان يعني نص الثروة هتكون بتاعته." لم يستطيع أحد منهم التحدث فهو محق في ذلك الأمر. فعاد الحقد يأخذ مكانه داخل قلوبهم وتابع خالد بتوعد.
"بس والله ما هخليه يتهنى بيهم وبكرة أفكركم." هزت فايقة رأسها بيأس من هؤلاء الشباب الذين لا يفعلوا شيء سوى النظر في حياة جواد. عادت لداخل غرفتها عندما انفتح الباب ودلف فايز الذي تعجب من استياءها وسألها وهو يخلع عباءته. "مالك يا فايقة في إيه؟ تقدمت منه لتأخذ منه العباءة وتضعها في الخزانة وهي تجيب. "على ولاد أخوك اللي مش راضيين يسيبوا جواد في حاله، وكمان ابنك بقى زيهم." جلس على المقعد وقال بتعب.
"هما باصين للمزرعة اللي أبوي كتبها باسمه، ناسيين إنه أكتر واحد تعب فيها. ولو أبوي عارف أنه ميستاهلهاش مكنش عمل كده." جلست فايقة بجواره وقالت باستياء. "وإن جينا للحج ده كان تمن السنة اللي قضاها مع بنت أخوك اللي كانت مخليه حياته جحيم. الله يرحمها بقى ويسامحها، اذكروا محاسن موتاكم." "كله من كريمة هي اللي بتلعب في دماغ عيالها ومجوياهم من ناحيته، ربنا يهديها." قالت فايقة بتأثر.
"بصراحة الواد ده صعبان عليا جوي، عاش حياته كله في ظلم. من أمه وأبوه اللي كان سايب كريمة تجسى عليه وبعدها مراته واللي حصله. بس أكيد ربنا شايله حاجة زينة تعوضه عن كل ده." نهضت من جواره. "هقوم أحضرلك العشا." خرجت من الغرفة فتجد ابنها متوجهًا إلى غرفته فاوقفته قائلة. "تعالى يا يحيى عايزة أتكلم معاك شوية." دنى منها يحيى وقال باحترام. "أكيد يا ست الكل اتفضلي." اغلقت باب غرفتها جيدًا ثم تحدثت بامتعاض.
"بلاش ترمي ودنك لولاد عمك ويجسوك على جواد، هو ميستاهلش منك كده." "لأ يا أمي، إني مش مطاوعهم ولا حاجة، إنتي خابرة زين معزة جواد عندي. بس اللي متفقين فيه معروف ومش هنتنازل عنيه، بعد إذنك." تركها ودلف غرفته فتهز فايقة رأسها بيأس منه وذهبت لوجهتها. *** خرج مراد من المختبر وهو ينظر للظرف بين يديه. لا يعرف ماذا يفعل. اليوم سترحل كما أخبرته من قبل ولن يستطيع منعها. وكيف يمنعها وقد وافقها منذ أن طلب منها عمل التحاليل.
ظل واقفًا أمام السيارة يفكر. هل سيتركها تذهب ويتحمل نتيجة خطأه؟ أم يطلب منها البقاء بعد أن يقدم اعتذاره لها؟ تنهد بتعب واستقل سيارته وانطلق بها إلى المنزل والتفكير لا يتركه. أما هي، فقد أعدت حقيبتها تنتظر مجيئه وإعلان النتيجة أمام الجميع. وحينها سترحل دون عودة. لا تنكر بأن الأمر أصبح شاقًا عليها بعد أن تعلقت بوالدته وبسلمى التي تحاول التخفيف عنها ومؤيد الذي يعاملها بكل احترام وتقدير.
لكن عليها الذهاب لأجله هو أيضًا كي لا تكون سببًا في هدم حياته. فقد كانت تلاحظ غيرتها المفرطة كلما رأته يحدثها أو يسأل عن حالها. فالحل الأنسب هو رحيلها. طرق الباب فعلمت حينها بهويته فحملت حقيبتها ودنت من الباب تفتحه فتجده واقفًا أمامها ويمسك بين يديه الظرف. وغمغم وهو يبعد عينيه عنها. "إني جاي عشان أقولك إني مفتحتش الظرف ولا محتاج أفتحه لإني خابر النتيجة زين." اتسعت عينيها بصدمة عندما رأته يمزق المغلف وغمغم بثبوت.
"ملوش لازمة عندينا. فبالتالي مفيش خروج من هنا. البيت ده بقى بيتك خلاص وإنتي بقيتي واحدة منا مينفعش تهملينا وتمشي." هم بالانصراف لكنها أوقفاته بحدة. "استنى عندك." توقف مكانه وسألها بهدوء. "خير؟ قطبت جبينها بعدم تقبل لتغيره وتمتمت بحدة. "وإنت فاكر باللي عملته ده هتخليني أغير رأيي؟ "أنا عملت إيه؟ "إنتي قولتي لما أعرف النتيجة هسمحلك إنك تمشي وأنا معرفتش ومش رايد أعرف، يبقى مفيش وعد هيتنفذ." رفعت حاجبيها وهي تسأله بتهكم.
"بالبساطة دي؟ رفع بصره لأول مرة وكأنه أصبح باستطاعته النظر إليها ثم يتمتم بنفي. "مفيش بساطة ولا حاجة. إني جاي أعتذر عن اللي قولته كان وقت صدمة وخلاص." ظلت نور على نفس وجومها وسألته بفتور. "وإيه اللي غير رأيك؟ أشاح بعينيه وكأن مدته انتهت لهذا الحد وقال بثبوت. "أنا رأيي زي ما هو فـ اللي عملتيه لأنه غلط كبير إنما أنا بتكلم في إني اتهمتك في نسب ابنك مش أكتر وده اللي أنا بعتذر عنه." "ولو قلتلك لأ؟
عاد بنظره إليها وتمتم باستنكار. "مبقاش ينفع لإن في روح بتجمعنا. عوض عن أخونا اللي اتحرمنا منه وإني قوللتلك هتعيشي معانا معززة مكرمة ومحدش هيدوسلك على طرف بعد النهاردة." كانت سلمى تستمع إليهم وتلاحظ نظرات زوجها لنور والتي تراه يفعلها لأول مرة مع امرأة، حتى زوجة أخيه مما جعل الشك يصبح يقين. فظلت واقفة تنظر إليهم تنتظر ردها حتى فاجأتها. "…"
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!