ظل مراد يعيد قراءة ذلك المحتوى مرارًا وتكرارًا وهو لا يستوعب ما يراه. أخذ يبحث في المختبرات الأخرى والنتيجة مماثلة. "سلمى! صدح صوته في المنزل جعل سلمى تسرع الخطى إليه بقلق وهي تراه واقفًا بحالة لم تراه بها من قبل. "في إيه يا مراد؟ أشار لها بالصعود قائلاً بأمر: "اطلعي جدامي." لم تفهم منه شيء لكنها طاوعته وصعدت معه للطابق الثاني وقال بحدة وهو يشير ناحية غرفة نور: "خبطي عليها." سألته بوجل: "طيب في إيه طمني." صاح بها:
"جولتلك خبطي من سكات." أومأت له مجبرة وطرقت على الباب حتى فتحت لها نور، وحينها نحى سلمى من أمامه ودفع الباب ليقف أمامها ويشير لها بالأوراق التي بيده وتمتم بسخط: "ممكن تفهميني إيه اللي موجود في الورقة دي." نظرت للأوراق التي بيده ثم رفعت بصرها إليه لتسأله: "أوراق إيه مش فاهمة." رفع الورقة أمام عينيها وتحدث بحنق: "أوراق بتقول إن آسر أخويا عقيم ولا يستطيع الإنجاب، يبقى ده معناه إيه؟ ذهب وهدان إلى منزل عمها كي يعيد طلبه.
رحب عمها بشدة وقد أخبرته حياة بموافقتها. "أهلاً يا ولدي اتفضل." دلف وهدان وهو مخفض بصره وتمتم بامتنان: "يزيد فضلك يا حاج." جلس في المضيفة وبعد حديث طويل قال وهدان بثبوت: "أني جاي النهاردة عشان أعرف ردكم على طلبي." ابتسم صالح وهو يربت على كتفه وقال مازحاً: "مستعجل على إيه مش لما تشرب الشاي الأول." رد وهدان بابتسامة: "اعذرني إني سايب البنات لوحدهم لأن خالتهم مشغولة اليومين دول ومش هتجدر تكون معاهم."
بعد قليل دلفت حياة وهي تحمل القهوة بين يديها ووضعتها على الطاولة وهي تمتمت بصوت خافت: "السلام عليكم." رد الاثنين سلامها: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته." وأضاف عمها: "اجعدي يا حياة لأن الكلام اللي هجوله ده لازمن تكوني شاهدة عليه." ألقت نظرة إلى وهدان الذي بادلها النظرات بأخرى هادئة بثت الاطمئنان بداخلها وقالت بثبوت: "حاضر يا عمي." سألها صالح رغم معرفة اجابتها:
"وهدان جاي عشان يعرف رأيك وجبل أي حاجة هو محتاج أم لأولاده تعوضهم عن الحنان اللي اتحرموا منه. دول بنات ومحتاجين راعية خاصة، محتاجين صدر كبير وحنين لأنهم لو ملقوش ده في بيتهم هيدوروا عليه بره وهيكون ذنبهم في رقبتك. شايفة نفسك جدها نتوكل على الله ونوافق لو شايفة نفسك مش جدها يبقى ترفضي ويا دارك ما دخلك شر." لا تنكر بأن حديثه أربكها لكن هي عاشت ذلك الحرمان وتود أن تعوض تلك الفتيات كما وجدت من يعوضها.
رفعت عينيها إلى وهدان الذي انتظر اجابتها فوجدت فيهما احتياج حقًا فلم تستطع الرفض وتمتمت بخفوت: "موافقة." سعد قلبه قبل محياها الذي أعلن عن مدى فرحته، لكنها قلبت كل شيء رأساً على عقب عندما اردفت: "بس هكون أم للبنات مش زوجة." جرحته بحديثها وخاصة أمام عمها، والتي ما فعلت ذلك إلا لكي يكون شاهدًا عليه فهذا يدل بأنها لا تثق به. فغمغم عمها باحراج من وهدان: "بس يابنتي…" قاطعه وهدان بثبات:
"مفيش بس ده حقها واني مجدرش أغصب عليها." اهتزت نظراتها وشعرت بأنها أخطأت في ذكر ذلك الأمر مرة أخرى بعد أن أخبرته من قبل وأعطاها موافقته. فعادت عنادها: "وإن ابني رجع هيعيش معايا." وافقها بصدق: "هيكون زي ابني وأخ للبنات." أعجب صالح بذلك الرجل وربت على كتفه متحدثاً بفخر: "صدق اللي قال اللي خلف مامتش. ربنا يجعل قدمها قدم سعد عليك يا ولدي."
"إن شاء الله، بس كنت رايد أعجل بالفرح، رايد يكون الخميس الجاي يعني بعد أسبوع عشان خالتهم هتتزوج كمان أسبوعين." نظر صالح إلى حياة ينتظر رأيها، فتمتمت بهدوء: "اللي يشوفه عمي." "واني موافق." نهضت حياة بحرج واستأذنت منهم وأسرعت بالخروج تتبعها عين وهدان الذي أقسم بداخله أن يعوضها عن ذلك العذاب الذي عاشته. لم تستوعب نور معنى حديثه وسألته بعدم استيعاب: "انت بتقول إيه مش فاهمة." زم فمه دلالة على مدى صعوبة تحكمه
في غضبه وغمغم بانفعال: "زي ما سمعتي. وصلتني تحاليل بتقول إن آسر أخويا ميقدرش يخلف، يبقى ده معناه إيه؟ اتسعت عينيها بصدمة كبيرة لا تتخيل ما يحدث، كيف ذلك وهي تحمل طفله في أحشائها. هل يقصد بأنها خائنة أم ماذا. "مش بيخلف إزاي وأنا حامل منه؟ رفع حاجبيه مؤيدًا: "ده بقى اللي رايد أعرفه. مادام هو مش بيخلف يبقى حامل كيف؟ عقدت حاجبيها بصدمة وسألته باندفاع: "انت كداب والتحاليل دي مش حقيقة." نظر إليها بسخط ومد
يده بالاوراق وهو يهدر بها: "اتفضلي اتأكدي بنفسك وبعدين اتهميني بالكدب، وخصوصاً إن العقم عندهم وراثة. أبوه مخلفش غيره وكانت بعد عمليات كتيرة ومتكررتش تاني رغم إنه اتزوج بدل المرة خمس مرات بس محصلتش تاني. وعمه اللي مات بنفس النظام." يده بالاوراق وتابع بأمر: "اتفضلي اتأكدي الأول." أخذت الأوراق من يده وأخذت تنقل عينيها من ورقة لأخرى وكلها بالفعل تثبت ذلك. رفعت بصرها إليه: "التحاليل دي مش صحيحة."
تدخلت سلمى التي تشاهد الموقف بصدمة وقالت باقتراح: "ياريت نهدي ونفكر بالعقل. والعقل بيقول إننا نعمل تحليل دي إن إيه عشان نقطع الشك باليقين ونقفل صفحة الشك دي نهائي." مازالت لا تستوعب شيئًا مما يحدث ولا الحقائق التي تظهر تباعًا خلف بعضها بأنها كانت مجرد وسيلة للوصول لمبتغاه، أو بشكل أدق فأر تجارب. ولذلك كان يسألها دائمًا بحجة أن الحمل هو وحده من سيجبر والده على الموافقة.
محال أن يكون ما تمر به حقيقة بل مسلسل هابط تجسدت هي دور بطلته. رفعت عينيها إلى سلمى التي خفضت عينيها بإحراج، وذلك الذي يشيح بوجهه بعيدًا عنها مدعيًا للتدين وهو أبعد ما يكون عنه. عليها الذهاب من هذا المكان وتلك المرة دون رجعة. لا تريد البقاء تحت ضغط مستمر مع ذلك الرجل الذي يتصيد لها الأخطاء. فقالت بثبات رغم ما يعتمل بداخلها من نيران: "وأنا موافقة إننا نعمل التحليل بس بشرط." ضيق عينيه متسائلًا: "شرط إيه؟
أجابت بقوة زائفة: "التحليل هيتعمل النهاردة وبعد ما تظهر النتيجة وتتأكدوا إنه ابن أخوك وقتها همشي من البيت ده ومحدش منكم يمنعني." أجفل من حديثها والثقة التي تتحدث بها مما يدل بأنها حقًا صادقة، لكن تلك التحاليل صحيحة فهو طبيب ومتأكد من صحتها. فعاد إليه شكه وغمغم بموافقة: "واني موافق." نظر إلى زوجته وقال بحدة: "أنا مستنيكم تحت في العربية." خرج مراد ونظرت سلمى إليها بإحراج وتمتمت:
"أنا آسفة لو كنت جرحتك بالاقتراح ده بس أنا واثقة فيكي وعشان كدة حبيت أنهي أي شك جواهم من ناحيتك بالطريقة دي." أغمضت نور عينيها تحاول منع عبراتها من النزول وقالت بألم: "صدقني من وقت ما عرفت حقيقته مبقاش يفرق معايا أي شيء. بالعكس أنا مبسوطة أوي إني عرفت الحقيقة، صحيح متأخر بس عرفتها وخلاص." ربتت سلمى على كتفها ولم تجد شيئًا تقوله فالتزمت الصمت وخرجت من الغرفة.
أخذها بسيارته وذهب بها إلى معمل خارج البلدة كي لا يعلم أحد بذلك الأمر. يعلم جيدًا بأنه سيجد صعوبة بذلك خاصةً بأنه أمر غير قانوني لكن عليه ذلك كي يمحو أي شك بداخله. لكن ماذا إذا كانت صادقة حقًا وقررت الذهاب؟ هل سيسمح برحيلها؟ انقبض قلبه عن تلك النقطة. لكن لما؟ نظر لانعكاس صورتها في المرآة ولاحظ الحزن المرتسم على وجهها وكم آلمه رؤيتها بتلك الحالة. وجه نظره للطريق أمامه واستغفر ربه ودعاه أن يدله على الحقيقة.
توقف عن التفكير عندما وصل أمام المعمل ونظر إلى زوجته قائلاً: "خليكم هنا لحد ما أجيلكم." دلف للمشفى وذهب لقسم التحاليل ليقابل الدكتور المختص في تلك الحالات وأراد أن تكون المقابلة سرية. دلف معه مكتبه وتحدث الدكتور: "اتفضل حضرتك." جلس مراد وهو يشعر بإحراج كبير لكنه اجتازه وتحدث بعملية: "أنا دكتور أطفال وكنت جاي بناءً على طلب أم رايدة تثبت نسب عشان الزوج متوفي وعايزة تعمل تحليل الدي إن إيه عشان الميراث." هز الدكتور
رأسه بتفاهم وتحدث بجدية: "بس الموضوع ده مش بيمشي سهل زي ما انت فاهم. ده لازم هياخد إجراء قانوني غير إن…" قاطعه مراد بثبات: "أنا عايز الموضوع يمشي بسرية تامة عشان الشوشرة وأنا جاهز في كل اللي تؤمر بيه." فكر الدكتور قليلًا ثم تحدث بجدية: "طيب كده عايزين عينة من العم أو الجد." شعر مراد بالحرج وتمتم برتابة: "هو اللي موجود عم من الأم مش من الأب." عدل الطبيب من وضع نظراته وتحدث بتريس: "تمام، هما جاهزين دلوقتي؟ "آه جاهزين."
"خلاص أنا هكلم الدكتورة نهلة تاخد عينة من دم الجنين." نهض مراد وذهب إليهم قائلاً بأمر: "اتفضلوا." ترجل الاثنين وذهبت نور معه لتجري التحليل. لا تصدق بأنها وافقت على تلك المهزلة، كان عليها أن تنسحب بهدوء لكن ما فعلته هو الصواب. إذا كان عليها الذهاب فلتذهب مرفوعة الرأس لا هاربة تحت أنظارهم. نظرت إلى الطبيبة والتي تحمل الإبرة التي ستأخذ بها العينة فشعرت بغصة مؤلمة في قلبها يفوق ذلك الألم الناتج عن أخذ العينة.
لكن هي أخطأت وتجني ثمار ما زرعته. فلتتحمل إذًا. بعد الانتهاء رفضت نور يد سلمى التي قدمتها للمساعدة. أبت أن تستند على أحد. فقد فقدت الثقة في كل شيء حولها. عادت إلى المنزل وتوجهت إلى غرفتها لتبكي في الخفاء. لن تسمح لقلبها أن يظهر ضعفه أمامهم فيكفي ما رآه حتى الآن.
أما هو فقد قرر العودة للمشفى كي ينشغل بعمله ولا يفكر في ذلك الشعور الذي أصبح يراوده منذ أن رآها تخرج من المعمل بتلك الانكسار، وقد ازداد الخوف بداخله من صدقها. استدار بسيارته وتوجه إلى المشفى ولم يعود تلك الليلة منها. بل فضل المبيت بها كي لا يعود ويجد فرصة للتفكير في الأمر. شعور غريب قد خالطه لا يعرف ماهيته.
كل ما يعرفه بأنه أخطأ باتهامها فمن الممكن أن يكون تعالج أثناء وجوده في أمريكا ولهذا لف شباكه حول تلك الساذجة التي لا تملك خبرة في الحياة كي يأخذها حقل تجارب. فمن هذه حتى تقف أمام عاصم الهلالي. لكن إذا كانت حقًا صادقة وأصرت على الذهاب كيف سيتحمل ذلك البعد؟ مهلاً. ولما لا يتحمله؟ فهي مجرد فتاة عابرة مرت من أمامه. وضع رأسه بين يديه والتفكير بالأمر لا يرحمه. ماذا فعلت به تلك الفتاة؟ لما اقتحمت حياته التي كان راضيًا بها.
كان قلبه يهدر بعنف وشعور الخوف يكتنفه من رحيلها. رفع رأسه ينظر للفراغ أمامه. هل ما يشعر به الآن…… هز رأسه بنفي هو لم يختبره يومًا كيف يعرفه الآن. ليس أكثر من مجرد تعاطف. فما يفكر به هو ضرب من الجنون. نعم هو يفكر في أمر الزواج بها كي ينتشل ابن أخيه من عار سيظل ملازمًا له طوال عمره. لكن أيضًا لن يستطيع جرح سلمى وهي لا ذنب لها سواء فيما تعرضت له أو فيما أجبر هو عليه.
نهض من مكتبه ونظر من الشرفة وهو يدعو ربه أن ينتشله من تلك العقبة. والأدهى من ذلك هو ذلك القلب الخائن الذي دق لغير مالكه. هذه هي الحقيقة التي يرفض عقله الاعتراف بها. لكن قضي الأمر. مرت أيام أخرى بشقاء على قلوب الجميع. بين توليب التي أصبحت تتدارى في غرفتها كي لا يراها. وإن صادفته تخفض عينيها كي لا يخترقهما بنظراته ويعرفها.
أما هو فقد ظل حائرًا بين قلبه الذي يؤكد له بأنه لم يكن مخطئًا عندما تعرف عليها وبين عقله الذي صدق حديثهم بأنها فتاة أخرى وليست هي. لكن تلك الندبة التي رآها على يدها لم يكن ليخطئ بها مطلقًا. وفي نفس الوقت قد تكون حادثة مشابهة. فقد أكد له ذلك الرجل بأنها تزوجت وسافرت مع زوجها ولم تعود حتى الآن. ومراد الذي أخذ يفكر في أمر تلك الفتاة التي أرهقت قلبه بنظرات عتاب منها وهي تخرج من المعمل، لم ترحمه من وقتها وظلت تأرق منامه.
وسلمى التي بدأت تشعر بالقلق إزاء حالته تلك، فهي لا تعرف حتى الآن ما ينتوي فعله. إحساس غريب أصبح يراودها بأنه لن يتركها ترحل إن أثبتت براءتها وأنه يخطط لأمر ما. ماذا ستفعل حينها؟ هل ستقبل بقراره؟ أم تنسحب بكرامتها كما يخبرها والدها. وحياة التي تعلقت بالفتيات وقت أن جاءوا مع والدهم للتعرف عليها فعلمت حينها بأن الدنيا بدأت توارب لها باب السعادة. فلأول مرة تشعر بأنها مسؤولة عن حق وأصبح لوجودها شأن.
وها قد جاء يوم عقد القران ولأول مرة تشعر بالرضا عن شيء تفعله. تم عقد القران وها قد جاء موعد ذهابها معه. رمشت بعينيها عندما وجدتة يتقدم منها ومعه عمها كي يأخذها. رفعت عينيها إليه عندما توقف أمامها ينظر إليها ببشاشة وتمتم بحبور: "چاهزة؟ اهتزت نظراتها بوجل وعادت تنظر إلى عينيه دون إرادة منها تبحث داخلهم عن قسوة أو بغض مخفي كالذي رأته من قبل وكذبت عينيها. لكن الأدهى أنها لم تجد سوى سعادة وفرحة يحاول إخفاءها.
فوجدت نفسها تومأ له دون قول شيء. وكأنه بانتظار حركتها تلك فاتسعت ابتسامته وأشار لها قائلاً باحتواء: "طيب اتفضلي." خرجت حياة معه وكان آدم ينتظرهم بسيارة جواد الذي لم يستطع الحضور كي لا تشعر حياة بالحرج منه. كانت ضربات قلبها تهدر بقوة وهي تترقب كل نظرة منه ويده التي يقبضها ويبسطها لا تعرف إذا كانت دلالة على فرحته أم رفضه لما يحدث. وكأن آدم علم بما يدور بخلدهم فظل يحدثهم طوال الطريق يخفف من وطئة ضغوطهم.
حتى وصلوا إلى منزله. هدأت القلوب وقتها ووجدت نفسها تنظر إلى منزله وكأنه جنتها. أبسط بكثير من ذلك المنزل الذي سكنته مع زوجها الأول لكنه دافئ تخرج منه نسائم حب معطرة بزهور الأقحوان. ترجلت من السيارة ووقفت تنتظر إنهاء حديثه مع آدم ثم استدار إليها قائلاً: "اتفضلي زمان البنات لسه صاحيين مستنيينك." أومأت له بثبات رغم ارتباكها ودلفت معه لتجد البنات بالفعل مستيقظين ومعهم خالتهم التي نظرت إلى حياة ببغض وقالت باقتضاب
وهي تنهض لتستعد للذهاب: "مبروك." نظرت حياة إلى وهدان كأنها تستنجده بالرد نيابة عنها فقال بتهذيب: "الله يبارك فيكي." رمقت حياة بغيرة واضحة وغمغمت بحنق: "أني كنت ناوية أخد البنات معايا لجل ما تكونوا براحتكم بس هما موفجوش." تحدث وهدان بمثابرة: "كتر خيرك بس انتي خابرة زين إن بناتي مش هيباتوا بره حضني." نظرت لحياة وتمتمت بسخرية: "ما خلاص انشغل بغيرهم وربنا يستر من اللي جاي."
خرجت من المنزل بعد أن ودعت الفتيات وصفقت الباب خلفها بعنف. أجفل حياة قبل الفتيات. تطلع إليها مبتسمًا وتحدث بلهجة حانية: "متخديش في بالك منها، ده أسلوبها في الحديث مع الكل." أومأت له بتفاهم وتمتمت بحرج: "طيب أني هدخل أحضر العشا عشان ياكلوا جبل ما يناموا." نظرت إلى زينة وقالت بابتسامة مشرقة: "تاجي تجهزي معايا؟ أومأت زينة بسعادة: "أيوه أني بعرف أعمل كل حاجة."
أخذ وهدان ينظر إليها وهي تتحرك داخل المطبخ وتعاونها زينة بفرحة. كم افتقد ذلك الجو الأسري منذ رحيل زوجته، وخاصة عندما اجتمعوا ليتناولوا عشاءهم. كانت تطعم الصغيرة بيدها وتنتبه لطعام الأخرى وبعدها ساعدتهم بتبديل ملابسهم والاستعداد للنوم. ساد الصمت أرجاء المنزل الصغير بنومهم وأخذت حياة تنظر حولها ناحية الغرف ولم تملك الجرأة لتسأله عن غرفتها. لكنه علم بذلك فتقدم منها ليتحدث بعقلانية: "ممكن نتحدت شوية."
ازدردت لعابها بوجل وقد تلاعبت بها الظنون من أن يكون قد أخلف بوعده لها. ولاحظ وهدان ارباكها فصحح لها: "متجلجيش من حاجة أنا عند وعدي ليكي بس كل الحكاية إني رايد تنامي معايا في الأوضة." …….. وقف حسان أمام النافذة في مكتبه يفكر في قصة تلك الفتاة والتي استطاع بعد عناء أن ينحيها من حياة حفيده. ما الذي جعلها تعود إليه مرة أخرى؟ ولما في ذلك الوقت خاصة؟ هل عادت عندما علمت بموت زوجته؟ أم إنها مصادفة وليس أكثر من ذلك.
فمنذ أن أخبروه بوجود فتاة صديقة لياسمين في المزرعة حتى أيقن حينها بأنها تلك الفتاة فحفيدته لا تعرف غيرها. اندهش عندما بدلت اسمها ولم تخبره بهويتها وتأكد بأن حفيده أيضًا لم يتعرف عليها. ولكن لاما ضير في وجودها بجانبه الآن فقد رحلت حفيدته ولن يظل هكذا. وقد تكون هذه فرصته للموافقة عليها مقابل عودته للقصر. عليه أولاً أن يعرف سبب تخفيها وبقائها كل ذلك الوقت في البلدة.
لم يقتنع بقصة أداء والديها لأداء العمرة مؤكد هناك شيء آخر وسيعمل على معرفته. فتلك الفتاة تعد بطاقة رابحة الآن وعليه أن يستغلها جيدًا. أما جواد فما زالت تشغله وتؤرق مضجعه. هي؟ أم لا؟ وإذا كانت هي لما تخلت عن نقابها رغم أنها تمسكت به بقوة عندما أصيبت ولم تقبل بطلب الطبيب لخلعه كي يرى إصابة وجهها، وحينها بعث جواد لإحدى الطبيبات كي تعاينها. لو لم تقم الطبيبة بمعالجة ذلك الجرح بخياطة تجميلية لاستطاع معرفتها فورًا.
فلاش باك. وقف ينتظر خروج مراد من غرفتها والذي خرج إليهم يطمئنهم: "متجلجوش الچرح اللي في ايديها عميق صحيح بس صغير مش كبير وأنا خيطته دلوقتي وسيطرت على النزيف بس واضح إن فيه جرح في وشها لكن رافضة ترفع النقاب جدامي." انقبض قلبه خوفًا عليها وقال بقلق واضح: "طيب شوفلنا أي دكتورة يا مراد بسرعة." اندهش الجميع من لهفته مما جعله يعدل من موقفه: "دي ضيفة ومش رايدين ضرر ليها وأبوها زمانه في الطريق عايزين نطمنه عليها."
اقتنع الجميع ما عدا مراد لكن ليس وقته الآن. أخرج هاتفه واتصل على إدارة المشفى: "ابعتلي الدكتورة وسام بسرعة." تطلع إلى جواد بشك وتحدث بمغزى: "دقيقة بالكتير وهتيجي، تعالى انت بقى أشوف جرحك ده وأعرف حكايته." في غرفة مراد انتهى أخيرًا من تضميد جرحه ثم خلع قفازيه ونظر إليه بشك: "إيه حكايتك يا ابن الخليلي؟ شكلك مش عاجبني." نهض جواد من مقعده وجلس على الكرسي المقابل لمراد وتحدث متهربًا: "حكاية إيه ما انت خابر بكل حاجة."
"وعشان كده بسألك لهفتك على البنت دي مش مريحاني." ابتسم بألم لم يستطع إخفاءه: "لا ارتاح جوي لأن اللي زي مش مكتوب عليه الفرح." تأثر مراد برد صديقه وتحدث بعقلانية: "انت اللي معذب حالك، جلتلك حاول تحبها وترضى بحياتك معاها عشان حتى ابنك ولا بنتك اللي جايين." تطلع إليه جواد بابتسامة مليئة بالأسى: "مش غريبة شوية لما انت اللي تقول كده؟ رد مراد ببساطة وهو يعود بظهره للخلف: "ومين جالك إني مش راضي؟
بالعكس أنا سعيد جداً بحياتي معاها رغم إن فيه اختلاف بيني وبينك، انت بكرة بالكتير هتكون بالنسبالك أم ابنك إنما أنا لا مفيش مقارنة." ضيق جواد عينيه بشك: "رايد تفهمني إنك مش هتفكر في يوم من الأيام إنك تتزوج عشان تخلف؟ تحدث مراد بصدق: "لأ عمري ما هفكر أظلمها. هي بتعمل المستحيل عشان تسعدني فمش هقدر إن أجرحها بحاجة زي دي وأكون سبب تعاستها." نظر جواد إلى صديقه بإعجاب وتحدث باعتزاز:
"مع إني مش معاك في اللي بتجوله بس ربنا يوفقك." انتبه جواد لصوت توفيق بالخارج فقال لمراد: "أبوه جاه هروح أطمنه." وفور خروجه تفاجأ بشمس واقفة بجوار عدي تسأل عنه وصادف ذلك خروج توليب من الغرفة وانتهى الأمر فور أن أسرعت إليه شمس بلهفة: "جواد حبيبي انت بخير؟ لم ينسى تلك النظرات التي تنقلت بينه وبين شمس وبين جوفها الممتلئ فتتحول نظرات الصدمة لأخرى عاتبة قبل أن يسقط قلبه حين سقطت هي بين يدي والدها.
عاد من ذكرياته على صوت هاتفه فنظر إلى المتصل فيجده مراد: "السلام عليكم." اعتدل جواد من فراشه ورد بهدوء: "وعليكم السلام. كيفك؟ "بخير الحمد لله، انت فين دلوقت؟ "في المزرعة." "طيب نص ساعة وهكون عندك جهز الخيل لحد ما أشيلك." أغلق جواد الهاتف ونهض ليرتد ساقه ثم خرج من الغرفة. …….. اتسعت عين حياة بصدمة وقبل أن تتلاعب بها الظنون قال برزانة:
"وجبل ما عقلك ياخد لبعيد هفهمك. كانت خابرة إن البنات لسه صغيرين وأكيد هيتعرضوا لاستجواب من خالتهم وستهم عن اللي بيحصل في الدار ومش عايز حد يشك إن جوازنا مش طبيعي، هتنامي معايا في الأوضة بس هتنامي على السرير وأنا هنام على الكنبة." عادت ترمش بعينيها دلالة على مدى ارتباكها وشعرت بأنها ربما تكون طريقة يستطيع أن يصل بها لمراده. وعندما لاحظ ذلك تابع بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها:
"وأنا بعيد كلامي وبقولك متخافيش لأن حاجة زي دي مش هتيجي كده، إن مكنتش بالتراضي يبقى ملهاش لازمة عندي. ادخلي غيري هدومك وأنا هستناكي لحد ما تخلصي." وافقت حياة وشعر هو بالسعادة لثقتها به وأقسم أن يكون أهلًا لتلك الثقة. …….. جلس مراد مع جواد بعد جولة قضاها الاثنين على الخيل. علم جواد بأن هناك ما يشغله. فهو لا يأتي إلى المزرعة إلا لكي ينسى. ولهذا لابد من وجود خطب ما يؤرقه. "إيه اللي حصل؟
قالها جواد بحيرة جعلت مراد يشتد وجومه فهو لا يعرف ماذا يقول. لن يستطيع فضح أمرها أمامه صديقه وهو صِدقًا يود أن يستمع إلى نصائحه. فرغم أن صداقتهم اهتزت منذ أن شارك مراد في العملية لكنه لن ييأس وسيظل خلفه حتى يسامح. فقد رفض قرار الأطباء حينها لكنه حقًا لم يجدوا حلاً آخر ولذلك قام بإجراءه. تنهد مراد بتعب وتطلع إليه بحيرة: "مش عارف، بس كل الحكاية إن بين يوم وليلة كل حاجة في حياتي اتبدلت." لم يضغط عليه
جواد وتركه يتحدث إذا أراد: "آسر أخويا كانت متجوز من ورا أبوه، كان خايف يعرف ويأذيها وعشان كده مسجلش العقد." عقد جواد حاجبيه متسائلًا: "عرفي؟ أنكر مراد مسرعًا: "لأ، بس دلوقتي بتلاقي المأذون راكن دفتر على جنب كده للجوازات اللي زي كده، بيكتبها للي بيزوجوا بناتهم قبل السن القانوني ولما بتوصل للسن المناسب بيعملوا عقد جديد. بس المشكلة إن هي متعرفش حاجة عن كل ده وهي دلوقتي حامل." "وأهلها رأيهم إيه في حاجة زي دي؟
"والدها متوفي ووالدتها توفت بعد حادثة أخوي." "يبقى مفيش جدامك حل تاني." فهم مراد ما يرمي إليه صديقه لكنه ما زال يفكر في مشاعر زوجته. "وجوزي؟ "بس الضرورة بتحكم أولًا العقد ده يعتبر مزور يعني لو فكرت تثبت به الطفل المأذون هيروح في داهية وممكن ينكر حاجة زي دي. ده إن جدرت توصله." زم مراد فمه باستياء وغمغم بضيق:
"كل حاجة اتعقدت من حوالي ومش عارف أتصرف إزاي، سلمى متستاهلش إني أجرحها. وفي نفس الوقت مش هقدر أحافظ على أمانة أخوي." "اتحدث معاها وفهمها إن مفيش حل تاني وبعدين هيكون جواز صوري عشان تثبت الطفل فيه باسمك، يا إما هيعيش حياته كلها بوصمة عار في بلدنا هنا، خليها تضحي مرة زي إنت مضحيت." "ولو رفضت؟ "لو شايف إن مرات مؤيد ممكن ترحمها اقنعه يشيل الليلة بدالك."
_امتطى جواد حصانه بعد ذهاب مراد وانطلق به ناحية التل فوجد آدم ينتظر بحصانه على مشارفه. أوقف جواد حصانه وتحدث بقوة: "عملت إيه؟ رد آدم بجدية: "زي ما جولت بالظبط. حامد اللي بينقل كل الأخبار لجدك ولما طلب مني أنقله أخبارك كان قاصد يتأكد من صدقه، وخالد وعدي الفلوس اللي اختلسوها من المصنع قدموها في أسهم لشركة المحمدي بس لسه ممضوش العقود." أومأ جواد وتحدث بتوعد: "كده حسابهم أجل
أوينظر إليه بجدية وتابع: "انت هتاخد الفلوس اللي حولتهالك وتشتري أنت الأسهم دي بسعر أعلى وتفضل هناك لحد ما ييجي الوقت المناسب اللي هترجع فيه." "بس إني جولتلك جبل سابج إني مش هخطي خطوة واحدة بره التل جبل ما أنتقم لأبويا وأمي من حسان."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!