ترجلت من السيارة وهي تخفي وجهها الذي برغم سنها الذي تعدى عقدها الخمسين إلا أنها ما زالت بجمالها الهادئ وعيونها الزيتونية. تقدمت من المنزل وقلبها يرفرف بأجنحته. ولما لا، أخيرًا يمكنها رؤية أولادها عن كثب. دَلَفَت المنزل وعيناها تجوب المكان برهبة حتى صادفت أم نعمة، تلك المرأة الطيبة والتي أوصاها على أولادها قبل رحيله. لم تعرفها أم نعمة، فقد أخبرها عامر بأنها قريبة لهم تود حضور الزفاف. فقالت بترحيب:
_أهلًا يا ست هانم، اتفضلي. ردت كندا بلهجتها اللبنانية: _كيفك أم نعمة؟ والله اشتقتلك. نظرت إليها أم نعمة بصدمة ولم تستطع الرد. رفعت كندا نقابها كي تؤكد لها: _شو بك؟ ما تذكرتيني؟ ابتسمت بسعادة وهمت بالترحيب بها، لكنها تراجعت وتلفتت حولها بوجل. ثم جذبتها لأحدى الغرف وأغلقت الباب خلفها. تطلعت إليها بسعادة: _ست كندا، حمد لله على السلامة. ابتسمت بامتنان لشعورها الجميل: _الله يسلمك أم نعمة، اشتقتلك أكتير.
_وأني كمان، وربنا شاهد. بدعيلك في كل وقت بجمعك بولادك. تنهدت كندا بألم: _وينهم ولادي؟ ما حدا منهم بيعرفني ولا حتى سأل عليّ. أخدوا قسوة جدهم. نفت أم نعمة: _محدش منهم نسيِك، بس هما كاتمين حبهم ليكي چواتهم، وأكتر ست ياسمين. ارتبكت أم نعمة وتمتمت بقلق: _بس انتي مش خايفة حد يشوفك ويبلغ حسان بيه؟ _ما تقلقي بنوب، ما حدا راح يعرفني. أنا چاية كرمال أشوف أولادي وأشاركهم فرحتهم لأول مرة.
_المشكلة أن فايز بيه ومرته موچودين وممكن يعرفوكي من صوتك. ربتت على ذراعها: _قلتلك ما تقلقي، راح تمر بخير. انتي راح تقدميني على إني قريبتك وخلص، راح يمشي الحال. استسلمت أم نعمة رغم قلقها عليها، وذهبت معها حتى وصلت إلى مكان قريب من جواد. كان لرؤيته بتلك السعادة مفعول السحر عليها، وتناست خوفها وكل شيء. ولا تذكر شيء سوى فرحته. أخذت تنظر إليه من بعيد وهو ينظر إلى زوجته بسعادة كبيرة.
الآن اطمأن قلبها وتستطيع الرحيل بعد أن ارتاح قلبها وهدئت نيرانه. نظرت إلى ياسمين، النسخة المصغرة منها، بعيونها الزيتونية ووجهها الهادئ. حزنت على حاله وما أوصله له ذلك الرجل الذي قضى على أولادها. ابتعد عامر عن المكان بعد أن أشار لها بالمجيء خلفه. كانت تود في تلك اللحظة ضرب تعقلها عرض الحائط والذهاب لأولادها وتنعم معهم بتلك السعادة. لكنها ستسمعه هذه المرة، وستكون الأخيرة.
ذهبت خلفه حتى وصل بها إلى مكان منعزل. ونظر إليها بامتعاض من تهورها وقال معنفًا: _انتي ازاي تتهوري وتيجي لحالك إكدة؟ وكمان انتي بعملتك دي ممكن تدمري كل حاجة. ضاق بها ذرعًا ولم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك، وقالت بانفعال: _بيكفي عامر، بيكفي. ما فيني أتحمل أكتر من هيك. ما فيني أضل صابرة وسنة ورا سنة بعيدة عن ولادي. وكل مرة تقولي هانت، خلص. ما بقا عندي طاقة لكل ها الضغوط. أنا بدي ولادي. تنهد عامر بيأس ثم تحدث بجدية:
_بس ده مش وجته. لو ابنك عرف إنك جيتي، هتضيعي فرحته. لأنه شايفك الأم اللي سابته واتخلت عنه. _مو حقيقي، وانت بتعرف هيك شي. بيك اللي هددني بالفضيحة وأنه هيسفر ولادي في مدرسة خاصة وما راح أعرف وين طريقهم. ما ترك شي إلا وهددني بيه. ولما سجن خيي في تهمة باطلة، كان لازم أنسحب. لازم ابني يعرف هيك شي، وإني ما تخليت عنهم. *** ارتبك مراد عندما وجدها أمامه وحمحم قائلاً: _نور فاقت ولا لسة؟ لاحظ نظرات العتاب التي تخفيها
داخل عينيها وردت بثبوت: _لسة. أنا جاية أقولك إن جسمها سخن أوي. لم يستطع إخفاء لهفته عليها، وتركها وأسرع داخل الغرفة ليطمئن عليها. تحسس جبينها فوجد حرارتها بالفعل مرتفعة. ازداد قلقه وذهب إلى مكتبه يبحث عن أدواته، ثم عاد إليها ليقوم بفحصها. وبالفعل وجد حرارتها مرتفعة. بدأ حقنها بخافض للحرارة وبعض الأدوية الأخرى داخل المحلول. فهي تبدو أمامه حُمى نفاس.
كانت سلمى تنظر إلى لهفته واهتمامه بحيرة. فهي لم تراه يومًا قلقًا بهذا الحد، حتى أثناء عمليتها لم ترى بعينيه تلك النظرات. نعم، لم يتركها لحظة واحدة ولم يتخلى عنها، لكن كأنه واجب وعليه الالتزام به. نظر في ساعته وقال لسلمى بهدوء: _أني هتصل على مؤيد وتروحي معاه. همت بالرفض، لكنه منعها: _وجودك ملوش عازة دلوجت. روحي وطمني أمي وخليكي چانبها. شعرت بأنه يريد أن يكون معها لحالهم، فوافقت على مضض وعادت مع مؤيد.
أما هو، فقد ظل بجوارها لا يفارقها لحظة واحدة. حرارتها ما زالت مرتفعة وهو يجاهد بكل الطرق كي تنخفض، لكن لا فائدة. سمع همهمات تخرج منها. نهض مقتربًا منها ويحدثها بشغف: _نور، انتي سمعاني؟ لم تجب. عاد يجس حرارتها فيجدها كما هي، ووجهها يتصبب عرقًا. ضغط على زر بجانب الفراش فدخلت بعد لحظات الممرضة تسأله: _نعم يا دكتور؟ _هاتيلي كمادات مايه بسرعة. _حاضر. خرجت الممرضة وأضاف بعض الأدوية في المحلول، ربما تخفف الحرارة ولو قليلاً.
جاءت بعد قليل وهي تحمل وعاءً به ماء ومعها محرمة، ووضعتهم على المنضدة. _حاجة تاني يا دكتور؟ _لا، متشكر. اتفضلي انتي. جلس مراد على السرير بجوارها، ثم مسح العرق عن وجهها. والذي لفت انتباهه بهذا القرب: ملامح هادئة جميلة، لكن تتحول لشراسة عندما تنفعل. ثغرها الذي لم تعرف الابتسامة طريقًا له. أنفها الذي يحكي عن شموخ ووحدة. خصلاتها السوداء كسواد ليل عينيها. بشرتها ناصعة البياض وطابع الحسن الذي زادها جمالاً.
لما ألقاها القدر أمامه؟ وأي لعنة سقطت عليه؟ عادت تهمهم بكلمات غير مفهومة، وكأنها تشكو لمنامها ما مرت به. امسك يدها يطمئنها ويخبرها بأنها لن تكون وحيدة بعد الآن. دقات قلبها أصبحت رتيبة، خلاف قلبه الذي بات معلنًا عن غزو لن تفلح قوته الواهنة في التصدى له. وكيف يجابه وهو أعزل ولم يخوض مثل تلك الحرب من قبل. وحده ذلك العقل الذي كان فارسه القوي، ولكنه أصبح هزيل كورقة في مهب ريح أمام سطوتها.
الآن فقط يستطيع أن يعلنها ولن يخفيها بعد الآن. *** انتبهت توليب لشروده وعينيه التي تنظر للأمام كأنه ينتظر أحد ما. _جواد، انت روحت فين؟ انتبه جواد لها: _ها، معاكي يا قلبي. كنتي بتقولي ايه؟ رمقته بغيظ وغمغمت بتوعد: _هو احنا بدأنا زوغان من أولها؟ ابتسم جواد وتطلع لعينيها التي يعشقها وغمغم بمكر: _أزوغ مين دا؟ أني ما صدجت ولسة لما نطلع أوضتنا هأكدلك أكتر. بس جوليلي أني جولتلك إنك طالعة كيف الجمر؟ هزت
رأسها بنفي فيتمتم هو بخبث: _غلطان، ولازم أكفر عن ذنبي وأجولهالك بالبصمة بس لما نطلع. زمت فمها بحنق وهمت بتعنيفه، لكنه منعها بتحذير مرح: _اوعاكي، لأنك لسة مشوفتيش عقابي بيبطى جاسي جوي. مهتجدريش عليه. تطلعت إليه بحيرة وسألته: _هو انت ليه تفكيرك منحرف كدة؟ _وانتي ليه بتفهمي كلامي بانحراف إكدة؟ اومال فين حسن النية؟ أغمضت عينيها بيأس منه ثم غمغمت بتوعد: _بس لما نطلع فوق…. قاطعها جواد بمكر: _هتعملي ايه؟
ولا اقولك بلاش تقولي، فاجئيني أحسن. تنهدت توليب وقررت الصمت كي لا تسمح له بالتمادي. انتهى الحفل ونهض جواد بعروسه ودلف بها للداخل. ثم نظر لإلين وياسمين قائلاً: _طلعوها أوضتها وخليكم معها. أنا چاي دلوجت. اندهشت توليب وسألته: _هتروح فين؟ ابتسم لها يطمئنها: _اطمني، أني چاي دلوجت. لم تفهم شيء وأخذت تنظر إليه حتى دلف إحدى الغرف وأغلق الباب خلفه. أخرج جواد الهاتف من سترته وقام بالاتصال على أحد الأرقام. وعندما
أتاه الرد قال بدون مقدمات: _الست المنتقبة اللي ظهرت دي واختفت مرة واحدة، مين هي؟ _هي ركبت تاكسي دلوجت وطالعة من المزرعة. _اطلع وراها بالعربية وشوفها رايحة فين. _حاضر يا بيه. أغلق الهاتف وزم فمه بحيرة. من هذه المرأة؟ ولما تسللت خلف والده واختفى الاثنان؟ فتح الباب ودلف والده الذي اندهش من وجود جواد وسأله بحيرة: _جواد! انت بتعمل ايه أهنه وسايب عروستك. تطلع إليه جواد بوجوم قليلًا ثم رد بثبوت:
_كان عندي مكالمة مهمة وكنت مستني أخلصها. قطب جبينه بحيرة وسأله: _مكالمة ايه اللي أهم من مراتك؟ روح لها بلاش تسيبها لوحدها. هز جواد رأسه بنفس الوجوم ثم تركه وصعد لزوجته. في الغرفة، ساعدت إلين وياسمين توليب بخلع الكاب تحت امتعاضها وقالت بحدة: _أنا مش عارفة انتو عايزينني أقلعه ليه؟ نظرت إليها ياسمين بإعجاب: _لأن الفستان جميل أوي والكاب مداريه. وبعدين انتي خلاص بجيتي في أوضتك. أيدت فايقة رأي ياسمين:
_صحيح يا بنتي، انتي في أوضتك والليلة فرحك. بلاش تجيدي نفسك إكدة وعيشي اللحظة. تحول حديثها لرجاء: _وارجوكي خلي بالك من جواد، واوعاكي تجرحيه بكلمة حتى لو مش مقصودة. لأنه حساس جوي. ابتسمت توليب وقالت بتأكيد: _عمري ما هزعله. ولأن ببساطة جواد بقى كل حياتي. طرق جواد الغرفة فخرجت إليه ياسمين تلاها إلين وزوجة عمه التي باركت له بصدق: _ألف مبروك يا ولدي. مراتك زي القمر. أومأ لها بامتنان ثم جاءت ياسمين تحتضنه بحب وتمتمت:
_ألف مبروك يا حبيبي. _الله يبارك فيكي يا ياسمينا. ابتعدت عنه وهي تقول بمكر: _أقنعتها بمعجزة. ربنا يعينك عليها. خرجت والدتها وهي تنظر إليه بفتور متمتمة: _مبروك. لم يجيبها وأكتفى بإيماءة من رأسه، فتركته ودلفت غرفتها مغلقة الباب خلفها. تداركت زوجة عمه الموقف وقالت برتابة: _أكيد زعلانة على فراق بنتها. بصراحة، ربنا يعينها. قالت إلين بمزاح: _ربنا يعيني أنا. هي كدة دلوقت مش هتلاقي غيري تنكد عليه. ضحكوا جميعاً وذهبوا للأسفل.
وضع جواد يده على المقبض وقلبه ينبض بقوة. فتح الباب ببطء، كأنه يخشى على قلبه من فتحه دفعة واحدة فيتوقف حينها عن نبضه. تهادت إليه بطلتها التي أسلبت لبه حتى توقف عن التنفس للحظات وهو يراها بذلك الجمال. ظل واقفًا كالمسحور، كأن تعويذة العشق ألقت بثقلها على قلبه فيسقط صريعًا لهواه. تقدم خطوة كي يغلق الباب خلفه، لكنه ظل ثابتًا بعدها.
فقد هاله انعكاس ضوء الشموع على هيئتها التي تحبس الأنفاس، والورود المتناثرة في كل مكان، وأحرفهم التي كتبت بمختلف أنواع الأزهار على ذلك الفراش الوثير. لن يقترب مرة واحدة كي يرأف بقلبه. فالآن فقط يتحقق حلمه ولن يستعجل توثيقه. أما هي، فقط شعرت بالحياء من نظراته العاشقة وأخذت تلف ذراعيها العاريتين بيدها. وقد أخذها جواد دعوة صريحة للاقتراب. هيهات أن يكون كل ذلك حلم. وإذا كان؛ فعليه أن يغتنم كل ثانية تمر به.
دنى منها حتى فصلت بينهم خطوة واحدة، ووضع يده أسفل ذقنها كي يرفع وجهها إليه وينظر داخل عينيها متمتمًا بتيهة: عيناكي رُحمها قساها أهدابها منتهاها، شفتاكي لا تلين قلبكي دقاته مستكينة، لا يرأف بقلب العليم مد يده ليمسك يدها وما زال ينظر داخل عينيها وتابع بحشرجة: أبحث بعينيكِ عن دواء من داء جعلني صريع الهوى بسهامها ورحمة من قلب أصاب قلبي بالجنون. بحبك.
مال على يدها يقبلها بحب ووله. وعاد لعينيها، وحينها انتهى ثباته وتقدم منها الخطوة الفاصلة. وبلحظة كانت بين ذراعيها يبثها بحنو وهدوء عذاب أعوام مرت به وهو يحلم بتلك الليلة، والتي أقسم أن يغتنم كل ثانيةً بها. وإن كان حلمًا فليكن إذًا، لا يهم. نعم، أولاً برحيقها، وبعدها يحدث ما يحدث. كان هادئًا معها، يسيطر على لهفته عليها، متفهمًا لبراءتها. يحاول إخماد رغبته التي تطالبه بالفوز بها الآن، لكن عليه التروي كي لا يفزعها.
ابتعد عنها قليلًا عندما لاحظ حاجتها للتنفس. فوضع جبينه على خاصتها وتمتم بأنفاس متقطعة: _ترفقي بي، فأنا لم أعد ذلك الفارس بسيفه القاسي. بل أصبحت شخصًا عديم الجدوى أمام سطوة عينيكي. رفقًا بقلبٍ لم يعد يملك من أمره شيئًا. عاد إلى شفتيها يحكي لها عن قصة عشقه وولعه بها، وهي تحاول بصعوبة بالغة طرد تلك الذكريات من رأسها. لقد أقسمت أن تعيش تلك اللحظة معه ولا تدع شيئًا يعكر صفوهم، لكن لا فائدة.
كانت قبلاته هادئة محبة رغم لهفتها، ولكن يبدو أن تلك الذكريات أقسمت على التفريق بينهما. الآن وقد كان لها ما أرادت. إذ ابتعدت عنه قليلًا عندما جالت بخاطرها تلك الذكريات وتمتمت بإحراج: _خلينا نصلي الأول، وبعدين نتكلم. تفاهم جواد مع خجلها وقال بحب: _تمام. هدخل الحمام أغير، وانتي غيري هنا براحتك. أومأت له بصمت. ثم راقبته وهو يتقدم من الخزانة ويخرج ملابسه القطنية له، ودلف المرحاض.
أما هي، فقد حاولت طرد تلك الأفكار من رأسها وأن تنعم بدفئه، لكن تبدو أنها سيطرت عليها بإحكام. وتساءلت: هل سيكون الموقف مشابهًا؟ هزت رأسها بنفي. بالطبع لا، فجواد يحبها ولن يفرض نفسه عليها. المشهد يعاد أمامها، حتى إنها أغمضت عينيها تحاول جاهدة أن تتخلص منه. لكن لا فائدة. صوته الذي صدح داخل أذنها، ونظراته البغيضة تعريها من ملابسها. فضمت ذراعيها حول جسدها كأنها تحميه.
وأنفاسه الكريهة تضرب صفحة وجهها فتجعلها تشعر بالاشمئزاز من نفسها. جلست على الأرضية عندما انتهى ثباتها وقوتها الزائفة، وأخذت تنتفض بخوف. خرج جواد من المرحاض وهو ينشف خصلاته، فينتبه لأنزوائها بجانب الفراش تخفي وجهها بين ذراعيها وجسدها ينتفض بشدة. ألقى المنشفة من يدها وأسرع إليها يجثو على ركبتيه أمامها وقال بخوف شديد: _توليب، مالك يا حبيبتي. صرخت عندما لامست يده ذراعيها، مما جعله يفهم ما تمر به. فابتعدت
يده عنها وتمتم بتروي: _طيب، أهدي. متخافيش، انتي معايا. محدش هيقدر يأذيكي. لم تخف ارتجافتها، بل شعر بازديادها، فتابع بحب: _حبيبتي، انتي في أمان معايا ومفيش حاجة هتحصل إلا بموافقتك ورضاكي. هزت رأسها بنفي وهي تضع يديها على أذنيها، لا تريد سماع شيء. جلس بجوارها وأخذها لحضنه رغم رفضها ومحاولاتها بالابتعاد، لكنه لم يترك لها فرصة للابتعاد وهمس بجوار أذنها: _حبيبتي، متخافيش. أني چانبك ومش هسمح لحاجة تأذيكي. اهدي ومتخافيش.
هدأت رجفتها بعد حديثه وتابع وهو يملس على خصلاتها: _طول ما أني عايش، اطمني وخليكي خابرة زين إني مش هسمح لحاجة تمسك ولا تأذيكي. *** استيقظ مراد الذي غفى على الأريكة بجوار الفراش على صوت نور الواهن. نهض من فوق الأريكة وهو يشعر بألم من تلك الوضعية وتقدم منها يسألها: _كيفك دلوجت؟ رفعت عينيها بتثاقل وتمتمت بخفوت: _ابني. طمئنها بثقة: _ابنك زين، الحمد لله. متجلجيش عليه. قام بتبديل المحاليل لها، ثم عاد يجلس
بجوارها وسألها باهتمام: _أحسن دلوجت؟ ازدردت جفاف حلقها وتمتمت بوهن: _ألم شديد في جسمي. _ده طبيعي بعد ولادتك الصعبة دي. الحمد لله إنها مرت على خير. أومأت له بصمت. كانت تجاهد كي ترفع عينيها، وكأن شيئًا ما يجثم عليها. سألته: _فين سلمى؟ _روحتها مع مؤيد. نهض ليأخذ كوبًا من الماء من فوق الطاولة وتقدم منها ليضع يده أسفل ظهرها يرفعها ويساعدها على الارتواء. لم ترفض، بل كانت تشعر بحاجتها للماء. ويبدو أنه شعر بها.
كان الدوار قد اشتد عليها بعد تحركها، فأعادها مراد للاستلقاء مرة أخرى وعاد هو لمقعده. _دايخة؟ أومأت له بصمت. ضغط على الزر فدَلَفَت الممرضة بعد قليل، فقال بثبوت: _تعالي ساعديها تاخد دوش بارد عشان السخنية تنزل. رغم اندهاش الممرضة من طلبه، إلا أنها وافقت وقامت بمساعدتها على النهوض ودلفت بها المرحاض. *** استيقظ جواد ليجد أنهم غفوا في أماكنهم على الأرضية.
أبعد رأسه الذي يستند على رأسها كي ينظر إليها، فوجدها مستكينة على كتفيه بهدوء رغم ما مرت به منذ قليل. أبعد خصلاتها عن وجهها وطبع قبلة محب على جبينها. يبدو أنها استيقظت أيضاً، إذ رفعت رأسها عن كتفه ونظرت إليه بخجل من نفسها. ابتسم لها يطمئنها وتمتم باحتواء: _قلقتك؟ هزت رأسها بنفي وتمتمت بإحراج: _أنا صحيت قبلك بس مردتش أتحرك عشان متقلقش. أسفة لو كنت زعلتك مني. اعتدل جواد في جلسته كي ينظر إليها وقال بتروي:
_أني مزعلتش ولا حاجة. كل الحكاية إني خفت عليكي. كل اللي يهمني راحتك وسعادتك. أي حاجة تانية تتأجل، لسا قدامنا العمر طويل. ابتسمت لتفاهمه ونظرت إليه بكل الحب الذي تحمله له وتمتمت بخفوت: _وأنا مش عايزة حاجة من الدنيا دي غير سعادتك. أومأ لها بحب ثم نهض وساعدها على الوقوف. _طيب يلا غيري هدومك وخلينا نبدأ حياتنا بالصلاة. أني هدخل أوضة يزن لحد ما تجهزي وتناديلي.
أخذ هاتفه ودلف الغرفة الملحقة لغرفتهم وجلس على المقعد ليجري تلك المكالمة. _أيوة يا حمدان، عملت ايه؟ _زي ما أمرت جنابك. مشيت وراها، لجيتها رايحة محطة القطر اللي رايح القاهرة، بس… قطب جبينه بدهشة وسأله: _بس ايه؟ تمتم الرجل بعد تردد: _لجيت عامر بيه جاي برضك ودخل نفس الكابينة اللي هي فيها. ازدادت حيرته، لكنها لم تدوم طويلاً وقال بأمر: _تروح وراهم تراقبهم من بعيد لبعيد لحد ما ينزلوا وتشوف ايه اللي هيحصل.
أغلق الهاتف وأخذ يفكر في أمر تلك المرأة. ولما تسللت خلف والده واختفوا بعيدًا؟ مرت نصف ساعة وهو مكانه، حتى مل حقًا من الانتظار والملل. بعد برهة أصبح قلقًا. فتح الباب فيتفاجأ بها أمامه ترتدي ثوب الصلاة ويبدو أنها واقفة منذ فترة. قالت بارتباك: _أنا جاية أقولك يالا عشان الصلاة. تبسم وجهه بحب وأومأ لها، ثم أخذها ووقف على سجادة الصلاة ليؤدوا صلاتهم. في الخارج، ظلت سلوى تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكأنها تترصد له أي خطأ.
خرج توفيق يبحث عنها عندما لاحظ غيابها، فوجدها واقفة أمام غرفته. انزعج من فعلتها وتقدم منها يجذبها إلى غرفتهم وأغلق الباب خلفهم وقال بحدة: _انتي واقفالهم كدة ليه؟ ردت سلوى باستياء: _عايزة أطمن على بنتي. وحضرته قافل فونها. _وانتي مالك ومالهم؟ هما حرين يقفلوها يفتحوها براحتهم. هتفت بانفعال: _لأ، مش براحته. كان لازم يخليها تطمنا بالفون حتى. مينفعش يسيبنا لحد دلوقت كدة. انفعل توفيق من ردها وقال بحدة: _هي داخلة عمليات؟
ده واحد ومراته يوم فرحهم. مستنية منهم ايه؟ رفع سبابته في وجهها وتابع بتحذير: _سلوى، أنا بحذرك تدخلي في حياتهم. ردت سلوى باندفاع: _يعني ايه مدخلش في حياتهم؟ دي بنتي. _وبنتك اختارت حياتها بنفسها. بلاش انتي تدخلي فيها. ولعلمك الصبح هنرجع القاهرة. همت بمقاطعته، لكنه منعها بحزم: _ولا كلمة تاني. أنا مش هسيبك تخربي على بنتك عشان الكلام الفارغ اللي في دماغك ده. عاد إلى فراشه ليستلقى عليه وتركها هي تزم غيظها رغماً عنها. ***
عاد مراد إلى غرفته فوجد الممرضة تساعدها على الاستلقاء بعد أن تحممت وأبدلت ملابسها بملابس أخرى. وسألها باهتمام: _عاملة ايه دلوجت؟ جذبت الممرضة الغطاء عليه وأجابته: _الحرارة هديت شوية، بس منزلتش أوي. تقدم منها ليعيد المحلول إلى يدها وقال بثبوت: _هتنزل بعد ما تخلص المحلول ده إن شاء الله. هتيلها حاجة دافية تشربها، ونص ساعة وهاتي الأكل. خرجت الممرضة وغمغمت نور برفض: _لأ، أنا مش بحب أكل المستشفيات. ارجوك بلاش.
جلس على المقعد بجوارها: _بالعكس، أكل المستشفيات بيبقى صحي وفي ناس بتشرف عليه. هزت رأسها بنفي وتمتمت باستنكار: _مش بحبه. ارجوك متضغطش عليا. نظر في ساعته وقال بهدوء: _باقي نص ساعة بالظبط والفجر يأذن، وأكلم أمي أطمنها وأخليها تبعتلك أكل من البيت. تطلعت إليه نور بامتنان وشعور غريب يجتاحها وتمتمت بخفوت: _متشكرة أوي. عقد حاجبيه متسائلًا: _على ايه؟ ابتسمت له رغم وهنها وردت بهدوء: _على وقفتك معايا. ظهرت ابتسامته التي تراها
لأول مرة وتمتم باحتواء: _مفيش داعي للشكر. انتي بجيتي مرتي، وده حقك عليا. تبدلت ملامحها للألم وتمتمت بحزن: _أنا عارفة إني جيت بوظت حياتكم، وبالأخص انت وسلمى. بس صدقني، مكنش قدامي حد غيركم. أنا من وقت بابا ما توفى واحنا بقينا لوحدنا. أهل بابا كنا بنشوفهم مرة كل خمس سنين. مكنش حد منهم بيسأل عننا. سقطت دموعها بغزارة وهي تتابع:
_وافتكرت بجوازي منه هيعوضني عن الحرمان ده، وعشان كدة وافقت. بس أقسم لك إني مكنتش أعرف أنه حرام ولا كل الحاجات اللي قلت عليها. لأني ببساطة ملقتش حد يعرفني كل ده. بس عقاب ربنا كان شديد أوي. غلطت وكنت سبب في موت أمي، وفي لحظة لقيتني في الشارع…. قاطعها مراد بتأثر وهو يمسك يدها يطمئنها: _خلاص، أهدي. دي مرحلة وعدت، بلاش تفكري فيها. هزت رأسها بنفي وردت ببكاء: _للأسف صعب أوي أنساها، لأن كل يوم بيمر بشتاق فيه لأمي.
ربت على يدها التي يحتويها وقال بثبوت: _كلنا بنخطأ، بس الأهم إننا نتوب وتكون توبة نصوحة. وبعدين انتي خلاص بقيتي واحدة منا. بجى ليكي أم دايمًا بتحاميلك، وأخ ممكن يجي عليا عشان خاطرك. وأخت أخدتيها لصفك، وسلمى برضك بتعتبرك أخت ليها. مسحت دموعها بألم: _ودي أكتر حاجة بتعباني، لأن سلمى متستاهلش مني كده. تنهد مراد بألم: _هي متستاهلش مننا كلنا، بس للأسف دي سنة الحياة. نامي دلوجت، وسيبي كل حاجة عليا.
ربت على يدها مرة أخرى ونهض خارجًا من الغرفة، وهي تفكر في معنى حديثه. *** وقفت توليب أمام المرآة داخل المرحاض تحاول إقناع نفسها بأنه زوجها ويجب عليها طاعته. لقد انتظر تلك الليلة طويلاً ولا يحق لها أن تكسر فرحته. شدت من لف مئزرها حول خصرها وظلت تهدئ ضربات قلبها حتى قررت الخروج من المرحاض، فلن تظل به طوال الليل. خرجت فوجدته مستلقيًا على الأريكة وقد أخذ الملل منه مبلغه.
انتبه لخروجها أخيراً وهي تلف خصرها بذلك المئزر الطويل والذي لفته بإحكام حولها. أراد أن يمحو خجلها، فقال بمغزى: _أنا من رأيي ترجعي للازدال من تاني. نهض ليتقدم منها وتابع بمكر: _يعني بجالي ساعة قاعد لحالي بفكر فـ اللي هتلبسيه وهيئته ولونه، والآخر جيتي مكفنة حالك إكدة. زمت فمها بحنق وهمت بالعودة، لكنه جذبها إليه مسرعاً: _لااا، أرجوكي بلاش دا. أني ما صدجت وخرجتي. أني راضي ياستي.
ضحكت توليب واحتواها بين يديه يقربها منه ليقبل جبينها وهو يقول بولع: _بحبك، وانتي؟ _وأنا إيه؟ _بتحبيني؟ أومأت برأسها بصمت، لكنه لم يقبل بتلك الإيماءة: _عايز أسمعها. تهربت بعينيها، لكنه منعها ورفع وجهها إليه يرجوها بعينيه أن تريح قلبه وتقولها. نطقتها بكل الحب الذي تحمله بداخلها: _بحبك يا جـ…. لم يتركها تتابع وقاطعها بقبلة أطاحت بعقلها وجعلتها تستسلم لغزوه النازي.
عادت إليها تلك الذكريات، لكنها قاومت، وتركته يفعل ما يشاء. هي أقسمت أن تعوض نفسها وتعوضه عن ذلك العذاب، وعليها أن توفي بقسمها. كان رؤوفًا بها، هادئًا لعلمه بما مرت به. محى من عقلها تلك الأفكار التي تركها ذلك البغيض، والذي أقسم أن يذيقه فنون العذاب. وكلما تشنج جسدها، كلما ازداد احتواءه لها، حتى تعود تتجاوب معه وتنسى. وبعد وقت طويل استكانت بين ذراعيه تحيط صدره بذراعه.
نظرت توليب إلى النافذة المغلقة وقطرات المطر تسيل على زجاجها في الغسق. رفعت عينيها إليه تسأله برقة: _بتحب المطر. نظر إليها بابتسامته الساحرة: _أكيد، مين ميحبش المطر. عادت تضع خدها على كتفه وقالت بشغف: _أنا بقا بحب المطر أوي أوي. كنت أول ما أعرف أنها بتمطر، كنت أهرب من ورا ماما وأطلع السطوح وأفضل أتنطط تحتها. وفي مرة بابا شافني وأنا بتسحب وبفتح الباب لقيته بيقولي: استني عندك، رايحة فين؟ خفت لماما تسمعه،
شديته لبرة وبعدين قلتله: _عايزة أطلع فوق عشان أشوف المطر. واترجته ميقولش لماما. وافق وطلع معايا وحكالي عن المطر والغيوم وقالي إن أبواب السماء في الوقت ده بتكون مفتوحة والدعوة بتكون مجابة. كنت صغيرة ومكنتش عارفة أدعي بإيه. لحد ما دلوقتي. ملس بأناملة على خصلاتها وسألها: _وعرفتي؟ أومأت له بصمت. _ايه هي؟ قالت بآسى: _إن قضيتي تتحل وأعيش معاك طول العمر. هم بالرد عليها بطريقته، لكنه تراجع عندما سمع سرينة الشرطة. ***
عاد مراد إلى غرفته فوجد الممرضة تساعدها على الاستلقاء بعد أن تحممت وأبدلت ملابسها بملابس أخرى. وسألها باهتمام: _عاملة ايه دلوجت؟ جذبت الممرضة الغطاء عليه وأجابته: _الحرارة هديت شوية، بس منزلتش أوي. تقدم منها ليعيد المحلول إلى يدها وقال بثبوت: _هتنزل بعد ما تخلص المحلول ده إن شاء الله. هتيلها حاجة دافية تشربها، ونص ساعة وهاتي الأكل. خرجت الممرضة وغمغمت نور برفض: _لأ، أنا مش بحب أكل المستشفيات. ارجوك بلاش.
جلس على المقعد بجوارها: _بالعكس، أكل المستشفيات بيبقى صحي وفي ناس بتشرف عليه. هزت رأسها بنفي وتمتمت باستنكار: _مش بحبه. ارجوك متضغطش عليا. نظر في ساعته وقال بهدوء: _باقي نص ساعة بالظبط والفجر يأذن، وأكلم أمي أطمنها وأخليها تبعتلك أكل من البيت. تطلعت إليه نور بامتنان وشعور غريب يجتاحها وتمتمت بخفوت: _متشكرة أوي. عقد حاجبيه متسائلًا: _على ايه؟ ابتسمت له رغم وهنها وردت بهدوء: _على وقفتك معايا. ظهرت ابتسامته التي تراها
لأول مرة وتمتم باحتواء: _مفيش داعي للشكر. انتي بجيتي مرتي، وده حقك عليا. تبدلت ملامحها للألم وتمتمت بحزن: _أنا عارفة إني جيت بوظت حياتكم، وبالأخص انت وسلمى. بس صدقني، مكنش قدامي حد غيركم. أنا من وقت بابا ما توفى واحنا بقينا لوحدنا. أهل بابا كنا بنشوفهم مرة كل خمس سنين. مكنش حد منهم بيسأل عننا. سقطت دموعها بغزارة وهي تتابع:
_وافتكرت بجوازي منه هيعوضني عن الحرمان ده، وعشان كدة وافقت. بس أقسم لك إني مكنتش أعرف أنه حرام ولا كل الحاجات اللي قلت عليها. لأني ببساطة ملقتش حد يعرفني كل ده. بس عقاب ربنا كان شديد أوي. غلطت وكنت سبب في موت أمي، وفي لحظة لقيتني في الشارع…. قاطعها مراد بتأثر وهو يمسك يدها يطمئنها: _خلاص، أهدي. دي مرحلة وعدت، بلاش تفكري فيها. هزت رأسها بنفي وردت ببكاء: _للأسف صعب أوي أنساها، لأن كل يوم بيمر بشتاق فيه لأمي.
ربت على يدها التي يحتويها وقال بثبوت: _كلنا بنخطأ، بس الأهم إننا نتوب وتكون توبة نصوحة. وبعدين انتي خلاص بقيتي واحدة منا. بجى ليكي أم دايمًا بتحاميلك، وأخ ممكن يجي عليا عشان خاطرك. وأخت أخدتيها لصفك، وسلمى برضك بتعتبرك أخت ليها. مسحت دموعها بألم: _ودي أكتر حاجة بتعباني، لأن سلمى متستاهلش مني كده. تنهد مراد بألم: _هي متستاهلش مننا كلنا، بس للأسف دي سنة الحياة. نامي دلوجت، وسيبي كل حاجة عليا.
ربت على يدها مرة أخرى ونهض خارجًا من الغرفة، وهي تفكر في معنى حديثه. *** استيقظ جواد ليجد أنهم غفوا في أماكنهم على الأرضية. أبعد رأسه الذي يستند على رأسها كي ينظر إليها، فوجدها مستكينة على كتفيه بهدوء رغم ما مرت به منذ قليل. أبعد خصلاتها عن وجهها وطبع قبلة محب على جبينها. يبدو أنها استيقظت أيضاً، إذ رفعت رأسها عن كتفه ونظرت إليه بخجل من نفسها. ابتسم لها يطمئنها وتمتم باحتواء: _قلقتك؟ هزت رأسها بنفي وتمتمت بإحراج:
_أنا صحيت قبلك بس مردتش أتحرك عشان متقلقش. أسفة لو كنت زعلتك مني. اعتدل جواد في جلسته كي ينظر إليها وقال بتروي: _أني مزعلتش ولا حاجة. كل الحكاية إني خفت عليكي. كل اللي يهمني راحتك وسعادتك. أي حاجة تانية تتأجل، لسا قدامنا العمر طويل. ابتسمت لتفاهمه ونظرت إليه بكل الحب الذي تحمله له وتمتمت بخفوت: _وأنا مش عايزة حاجة من الدنيا دي غير سعادتك. أومأ لها بحب ثم نهض وساعدها على الوقوف.
_طيب يلا غيري هدومك وخلينا نبدأ حياتنا بالصلاة. أني هدخل أوضة يزن لحد ما تجهزي وتناديلي. أخذ هاتفه ودلف الغرفة الملحقة لغرفتهم وجلس على المقعد ليجري تلك المكالمة. _أيوة يا حمدان، عملت ايه؟ _زي ما أمرت جنابك. مشيت وراها، لجيتها رايحة محطة القطر اللي رايح القاهرة، بس… قطب جبينه بدهشة وسأله: _بس ايه؟ تمتم الرجل بعد تردد: _لجيت عامر بيه جاي برضك ودخل نفس الكابينة اللي هي فيها. ازدادت حيرته، لكنها لم تدوم طويلاً
وقال بأمر: _تروح وراهم تراقبهم من بعيد لبعيد لحد ما ينزلوا وتشوف ايه اللي هيحصل. أغلق الهاتف وأخذ يفكر في أمر تلك المرأة. ولما تسللت خلف والده واختفوا بعيدًا؟ مرت نصف ساعة وهو مكانه، حتى مل حقًا من الانتظار والملل. بعد برهة أصبح قلقًا. فتح الباب فيتفاجأ بها أمامه ترتدي ثوب الصلاة ويبدو أنها واقفة منذ فترة. قالت بارتباك: _أنا جاية أقولك يالا عشان الصلاة.
تبسم وجهه بحب وأومأ لها ثم أخذها ووقف على سجادة الصلاة ليؤدوا صلاتهم. في الخارج، ظلت سلوى تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وكأنها تترصد له أي خطأ. خرج توفيق يبحث عنها عندما لاحظ غيابها، فوجدها واقفة أمام غرفته. انزعج من فعلتها وتقدم منها يجذبها إلى غرفتهم وأغلق الباب خلفهم وقال بحدة: _انتي واقفالهم كدة ليه؟ ردت سلوى باستياء: _عايزة أطمن على بنتي. وحضرته قافل فونها. _وانتي مالك ومالهم؟ هما حرين يقفلوها يفتحوها براحتهم.
هتفت بانفعال: _لأ، مش براحته. كان لازم يخليها تطمنا بالفون حتى. مينفعش يسيبنا لحد دلوقت كدة. انفعل توفيق من ردها وقال بحدة: _هي داخلة عمليات؟ ده واحد ومراته يوم فرحهم. مستنية منهم ايه؟ رفع سبابته في وجهها وتابع بتحذير: _سلوى، أنا بحذرك تدخلي في حياتهم. ردت سلوى باندفاع: _يعني ايه مدخلش في حياتهم؟ دي بنتي. _وبنتك اختارت حياتها بنفسها. بلاش انتي تدخلي فيها. ولعلمك الصبح هنرجع القاهرة. همت بمقاطعته، لكنه منعها بحزم:
_ولا كلمة تاني. أنا مش هسيبك تخربي على بنتك عشان الكلام الفارغ اللي في دماغك ده. عاد إلى فراشه ليستلقى عليه وتركها هي تزم غيظها رغماً عنها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!