في غرفة ياسمين وإلين. ظلت تبحث عن هاتفها فلم تجده بالغرفة. فقالت إلين: _ممكن يكون وقع منك تحت. هزت رأسها بنفي. _لأ، أني متأكدة إني طلعت بيه. فكرت قليلًا ثم قالت بحيرة: _مش عارفة؛ خليني انزل ادور وخلاص. _تمام، وأنا هواصل الرن لحد ما تلاقيه. ترجلت ياسمين الدرج وهي تنادي نعمة، التي أسرعت إليها وسألتها: _شوفتي الفون بتاعي؟ هزت رأسها بنفي ثم قالت وهي تخرج حافظة من صدرها: _لا والله، بس لجيت دي وجلت هبجى اديها لجواد بيه.
أخذت ياسمين الحافظة ونظرت إليها بحيرة ثم قالت برجاء: _طيب معاش يا نعمة، دوري عليه لحد ما اعرف المحفظة دي بتاعت مين؟ أومأت نعمة وذهبت للبحث عنها. أما ياسمين فقامت بفتحها كي تعرف هوية صاحبها، فتتفاجئ بصورة آدم على البطاقة باسم ماجد حسن الصوان. انقبض قلبها بشدة وظلت تتأكد من الاسم والصورة مرارًا وتكرارًا. إذًا فهو لا يدعى آدم كما يدعي، وقد كان يخدعهم طيلة تلك السنين. هزت رأسها كأنها تحاول استيعاب ما يحدث.
من هذا الشخص، وكيف تمكن من خداع حسان الخليلي بتلك البراعة؟ والأدهى من كل ذلك، خداعه لها. إذًا لم يعشقها كما كان يدعي، وربما أوهمها بذلك لغرض في نفسه، أو أنه يود الوصول لشئ. انتهى آدم من أخذ الملفات التي طلبها منه جواد وخرج من المكتب كي يلحق القطار المتجه إلى القاهرة. هم بالخروج من المنزل، لكنه صادف ياسمين أمامه. اخفض عينيه والتزم بوعده لها وهم بالمرور، لكنها منعته وهي ترفع الحافظة بوجهه: _اتفضل، المحفظة وقعت منك.
رفع عينيه إليها وقد فهم من تعبيراتها أنها رأت بطاقة الهوية. هم بالولوج، لكنه أمسك ذراعها يمنعها: _ياسمين، اسمعـ… قاطعته ياسمين بانفعال وهي تسحب ذراعها من يده: _تفهمني إيه، وانت طلعت واحد كداب، ضحك علينا وغشنا كلنا. شعر آدم بالخطر عندما علت صوتها، فقال برجاء: _وطي صوتك وتعالي، اني هفهمك كل حاچة. صاحت به ياسمين: _مش عايزة افهم، هي كل حاچة وضحت جدامي، بأنك غشيت الكل وأنا أولهم. نفي آدم اتهامها وتحدث بصدق:
_صدجيني يا ياسمين، انتي الوحيدة اللي كنت صادج معها، اني خبيت عليكي بس مخدعتكيش، وانتي واثقة من مشاعري ليكي زين. هزت رأسها بنفي وقالت بمرارة: _بعد اللي شوفته ده، مبجتش واثقة في أي حد في حياتي. لاحظ آدم اقتراب حامد، فقام بجذبها عنوة لداخل المكتب رغم تمنعها وأغلق الباب خلفه. نزعت ياسمين ذراعها من يده وقالت باندفاع: _انت ازاي تمسك دراعي وتسحبني بالشكل ده، انت نسيت انت نفسك؟ لم يغضب منها لعلمه بأنها تفعل ذلك من حرقتها،
وقال بنفي: _لا يا ياسمين، منسيتش نفسي ولا حاچة، ولأني منسيتش نفسي فأني وسطيكم دلوجت، وطول ما اني عارف أنا مين، هفضل وسطيكم لحد ما انتجم من اللي ظلمني. قطبت جبينها بحيرة وسألته بعدم فهم: _تجصد إيه بحديتك ده؟ لم يعد يستطيع إخفاء الأمر عليها بعد الآن، وقال بثبوت: _أجصد حسان الخليلي، اللي جتل أبويا جدام عينيا وموت امي بحصرتها عليه. اتسعت عينيها بذهول مما يحكيه وتمتمت بعدم اقتناع: _انت كداب.
_لأ مش كداب، أنا ماجد حسن الصوان، ابن عمتك ياسمين حسان الخليلي. رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول استيعاب ما تسمعه أو الاستيقاظ إذا كانت بحلم عجيب: _اني أكيد بحلم، يا إما انت واحد مچنون ومش خابر هو بيجول إيه. أكد لها وهو يخرج شهادة ميلاده من الحافظة وقدمها لها قائلاً: _أقرأي زين وشوفي اسم الأم واتأكدي بنفسك. بيد مرتعشة، أخذت ياسمين الورقة واطلعت عليها بشك حتى تأكدت من كل شيء. وهنا تابع آدم:
_ابوي كان شغال عنديكم زيي سواج. حب عمتك وهي حبته، ولما جدك عرف ربطه في الشجرة وجلده وبعدين طرده من البلد كله. بس عمتك كانت غيرك واتمسكت بيه بعد اللي حصل من أبوها وهربت واتچوزته. وبعد ست سنين من التنجلة في البلاد، جدر حسان يوصلهم، ولما أبوي أخدنا وحاول يهرب بينا لحجه في الطريج وجتله جدام عنينا كلنا. غشت المرارة حلقه وهو يتذكر ذلك اليوم. _مرأف ببنته اللي بتترجاه يسيبه، ولا رأف بطفل عمره خمس سنين.
أمي متحملش الصدمة، ومعرفش وجتها إيه اللي حصلها، لأنه أمر عمك وجدي يخدها للعربية. ورفع سلاحه جصادي، بس عمتي ميلت على رجله تبوسها وتترجاه أنه يسبني، وانها هتاخدني لمكان بعيد ومش هيشوفني واصل. وبعدها بيومين جالنا خبر موتها. كبرت وأني جوايا نار، مفيش حاچة هتخرچها غير إني أشوف حسان مذلول جدامي، وأني اللي مرأفش بيه واجتله باديا. وجتها قررت اعيد الحكاية واجرب من واحدة من أحفاده وأخليها تسلمني نفسها عشان أكسره وأذله. تبدلت
ملامحه للين وتابع بصدق: _بس أول ما شوفتك كل حاچة اتبدلت وحبيتك انتي، وجتها قررت العب على شمس بس مجدرتش اخونك، وخصوصاً إني جربت من جواد وعرفت انها مخطوبة ليه. كل مدى حبك جوايا بيزيد، وكنت على استعداد انسى كل حاچة مقابل إنك تكوني من نصيبي، بس وجتها صدمتيني لما عرفت إنك وافجتي تتزوچي خالد.
كانت صدمة كبيرة، اخدت وجت طويل لحد ما جدرت افوج منها، وبعدها حصلت حادثة جواد، قررت إني أرچع لانتقامي لما عرفت إن خالد هو اللي لعب في فرامل العربية عشان يخلص من جواد. وعشان إكدة جربت من جواد أكتر، وهو الوحيد اللي آمنته على سري، وقرر أنه يجف معايا. لم تستوعب ياسمين كل تلك الأحداث دفعة واحدة، وقد اختفى الدم عن وجهها. هل كان أخيها يعلم بكل ذلك؟ والأدهى، هل كان يعلم بأن خالد هو السبب في ذلك الحادث ورغم ذلك تركه دون عقاب؟
هزت رأسها بنفي، هي تعلم أخيها جيدًا، لا يغفر ولا يسامح. فسألته بشك: _يعني جواد كان خابر بأن خالد اللي كان سبب في موت أخته وبتر رجله، ومع ذلك سابه إكدة؟ ابتسم بمرارة وقال بنفي: _لاه مسبوش ولا حاچة، بس مستني الوجت المناسب عشان يخرچ كل اللي يعرفه. همت بالتحدث، لكنه تركها وغادر من المنزل، وهي تنظر إليه بحيرة حتى اختفى من أمامها. أخرجها من شرودها صوت نعمة التي دلفت غرفة المكتب وهي تقول بفرحة: _لجيت تليفونك يا ست ياسمين.
لم تبالي ياسمين به وتركتها وأسرعت إلى غرفتها. انقبض قلبه بخوف ونظر إلى توليب التي شحب وجهها وهي تنظر إليه بخوف. وقال يطمئن نفسه قبل أن يطمئنها: _متجلجيش، مفيش حاجة إن شاء الله. جذب مئزارها وناولها إياه قائلاً: _البسي ده وادخلي الحمام بسرعة. وافقت وقلبها ينقبض بخوف. وقامت بارتدائه وأخذت ملابس لها من الخزانة وذهبت للمرحاض. أما هو فانتظر دخولها، ثم نهض بدوره وأخرج ملابس له ودلف مرحاض الغرفة الملحقة.
دقيقة واحدة وسمع طرق حاد على الباب وصوت نعمة تقول بهلع: _الحج يا جواد بيه. خرج جواد من المرحاض وارتدي قميصه بثبات رغم ما يعتمل بداخله. ثم نظر ناحية المرحاض يتأكد من عدم خروجها وفتح الباب ليجد نعمة تقول بهلع: _الحكومة تحت وبيسألوا على ست توليب. أومأ لها بروية: _طيب ادخلي وخليكي معها لحد تجهز. لم تفهم نعمة شيء وأخذت تنظر إليه، وهو ينزل الدرج بكل هدوء حتى تقدم من الضابط وليقول بثبوت: _خير يا حضرت الظابط؟
تفاهم الضابط مع حساسية الوضع وتحدث بقلة حيلة: _بصراحة مش عارف اقولك إيه، بس المدام متهمة بجريمة قتل وجالنا بلاغ بالقبض عليها. زم جواد فمه دلالة على مدى صعوبة سيطرته على أعصابه، فمن المؤكد أن خالد من قام بفعلها. فتحدث بقوة: _بس ده مش حقيقي. _والله ده مش بايدي، دي جناية لو جنحه كان ممكن اساعد. ترجلت توليب وهي ترتدي نقابها. ونظر إليها جواد بقلب منفطر. وقفت أمامه بعيونها التي ترجوه أن ينقذها، لكنه وقف أمامها
مقيد اليدين وغمغم بألم: _متخافيش، أنا معاكي ومش هسيبك. انقلب المنزل رأسًا على عقب وهم يروا توليب تصعد سيارة جواد بعد أن أصر على عدم صعودها سيارة الشرطة. لم يتركها توفيق وتميم وذهبوا خلفهم لقسم الشرطة. في القصر. صدحت ضحكة خالد تدوي في غرفته عند وصوله خبر القبض عليها. وقال لهاتفه: _بس يبقا كدة وقع تحت مخاب الأسد. _…… جلس على المقعد يضع قدم على الأخرى وقال بسخط: _لااا، سيبه لما يستوي أوي عشان لما نقدم عرضنا يوافق. _……
دلفت كريمة مما جعله يستأذن الرجل وأغلق الهاتف. نظرت كريمة إليه بترقب: _اوعى تقول…؟ أومأ لها بسرور: _حصل، ويومين بالظبط وهتلاجيه بيبوس الايدين عشان نساعده. تقدمت منه لتقول بتروي: _لا براحة على الآخر، بلاش نستعجل، سيبها تتحبس وناري تبرد شوي وبعدين جدم عرضك. وافقها خالد بشر: _وحياتك لخليه يچيني زاحف عشان اساعده، ووجتها هفكر إن كنت اساعده ولا لأ. _بس اهم حاجة إنك تجبره يطلجها جبل ما تخرچ، لجل ما اشمت فيه زين.
تذكر خالد عندما دلفت عليهم الغرفة ومدى جمالها. فتمتم بشر: _وحياتك لاخليه يطلجها واتزوچها اني بعديه. في قسم الشرطة. وقف جواد أمام مكتب الشرطة وقلبه بالكاد ينبض. نظر إلى آدم الذي ظل معه ولم يتركه وقال بثبوت: _آدم، وجودك هنا ملوش لزوم، لازمن ترچع القاهرة. خرج المحامي وخلفه توليب. فاسرعت سلوى تحتضن ابنتها ببكاء: _بنتي. ربتت توليب على كتفها وقالت بثبات رغم كسرتها: _اطمني يا ماما، أنا كويسة. تقدم منها توفيق وتميم:
_متقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله خير. نظرت إلى جواد الذي وقف ينظر إليها بعينين واثقتين من إظهار براءتها. فتقدمت منه تمسك يديه وتقول بصبر: _إن شاء الله هخرج منها بأسرع وقت. تساقطت دموعها رغماً عنها. ولم يبالي هو بأحد وأخذها داخل أحضانه يشم عبيرها كي يحتفظ به داخله ويكون أنيسه في بعدها. أحاطت عنقه وهي تدفن رأسها في تجويفه. ويضغط عليها كأنه يريد زرعها داخل صدره ويهرب بها بعيدًا. خرجت من حضنه بعد فترة وهي تحاول الابتسام:
_أنا عشمي في ربنا كبير وأكيد هينصرني. قاطعهم خروج الضابط وابتعد جواد عنها قليلًا ليسأل الضابط: _هي كدة هتنزل الحبس؟ هز الضابط كتفيه بعتذارًا: _للأسف مفيش في ايدي حاجة اعملها، وبعدين هما اربعة وعشرين ساعة بالكتير وهتترحل على نيابة القاهرة، بس كل اللي ادر اعمله أنها متبيتش في الحبس وتبات في غرفة خارجية مع إن الموضوع صعب وممكن يضرني. _طيب ممكن تفضل معانا شوي؟ أومأ مؤكدًا: _تحت أمرك. أشار لأحد العساكر:
_خليهم يتفضلوا في المبيت بتاعي. دلفت كندا المنزل وأغلقت الباب خلفها بحدة ثم ألقت حقيبتها على الأريكة وقد انتهى صبرها عند تلك اللحظة. ارتمت على الأريكة وأجهشت في البكاء وصورة أولادها لا تترك مخيلتها. خطوات بسيطة فصلتها عنهم ولم تستطيع حتى الاقتراب منهم. إلى متى ستظل على ذلك الحال؟ ظهر عامر أمامها وهو منفعل بشدة: _ممكن اعرف إيه اللي عملتيه ده؟ رفعت وجهها إليه وتحدثت بحدة: _شو تقصد؟ نهضت لتقف قبالته وتابعت بقوة:
_تقصد مشان قلت اشوف ولادي؟ ولا مشان حضرت فرح ابني متل الغريبة؟ صرخت به بأعلى صوتها: _قولي عامر مشان شو؟ مشان ابني اللي بترت رجله وتركتوه في المزرعة لحاله؟ ولا بنتي اللي ضيعتوها ودمرتوا حياتها؟ وحابسني هون مشان ابوك ما يعرف إني رچعت لحياتك من تاني. تابعت بقهر: _خمس سنين وانا هون محبوسة بين أربع حيطان بتجيني مرة كل اسبوعين ولا شهر وانت خايف ومرعوب لحدا يشوفك ويخبر بيك.
خبيت علي حادث ابني وطلاق بنتي وچاي هلا تقول ليش اچيتي؟ هزت رأسها بألم: _ما عاد فيني اتحمل عامر، حقيقي ما عاد فيني. اسبوع بالكتير وراح أرچع لولادي وعرفهم كل شي. يعلم جيدًا بأنها محقة في كل كلمة، لكن ماذا يفعل في والده الذي إن علم بعودتها فلن يرحم كلاهما. تقدم منها ليربت على كتفها مهدئًا إياها، لكنها نفضت يده عنها بعيدًا وتمتمت بحدة: _بعد ايدك عني، لا تلمسني. أشار لها بيديه:
_طيب اهدي وخلينا نتكلموا بالعجل، تفتكري ده وجت ينفع إنك تواچهي عيالك فيه؟ جولتلك جبل سابج لازمن نختار الوجت المناسب عشان تظهري فيه. _بقالك عشر سنين بتسمعني هدول الكلمتين، مع إن اچت فرص اكتير وانت ضيعتها. قطبت جبينها بعدم استيعاب وغمغمت: _كيف چالك قلب تبعد عن ابنك في هيك لحظة؟ ليش منعتني إن أكون چنبه في اكتر وقت محتاچني فيه؟ كيف طاوعك هل القلب القاسي إنك تتخلى عن ابنك في هيك محنة وتتركه لحاله؟ صرخت به:
_شو ها القلوب اللي ما بتعرف الله وبتكسر في خلق الله هيك. بكت بحرقة: _أنا ما بدي منكم شي غير ولادي، ولادي اللي دمرتم حياتهم وقضيتوا عليهم وانت عايش حياتك كيف ما بدك، زوچة هناك وزوچة هون منتظره چيتك، بس خلاص ما عاد فيني اتحمل اكتر من هيك. يومين بالكتير وارچع البلد واضل مع ولادي وما حدا بيقدر يفرقنا، راح احكيلهم كل شي واولهم حقيقة چدهم، وانت من بعد ها اليوم ما إلك وچود في حياتي. ضيق عامر عينيه متسائلًا: _كيف يعني؟
_يعني تطلقني. انفعل من كلمتها وصاح بهدر: _شكلك اتچنيتي. _ما نچنيت بس عقلت، ما راح أدي دور العشيقة مرة تانية، مرمية هون وخايف حدا يشوفني ولا يعرفني وبتچيني من سلم العاملين كأنك چاي لواحدة من الشارع مو مرتك وأم ولادك، بتبقى چنبي وفي حضني وترن عليك وما تقدر تتركها. إنما أنا ما ترد طول ما هي چنبك. بتبات كل ليلة معها وانا هون لحالي.
كذبت علي وقولتلي إن چوازك منها حبر على ورق وهو حقيقة وخلفت منها كمان، بيكفي كذب عامر وأخرچ من حياتي ما عاد فيني اتحمل غدرك وكذب لحد هون وبيكفي. سقطت على الأريكة وأخفت وجهها بين يديها وأجهشت في البكاء. رق قلبه لها ودنى منها يجلس بجوارها وتمتم بتعاطف: _صدجيني اني كنت بعمل كل ده خوف عليكي، ابوي لو عرف إنك رچعتي لحياتي مش هيسيبنا في حالنا وهيفرجنا تاني. رفعت وجهها إليه بانفعال وقالت بغضب:
_ولما انت مو قدران تحميني دخلتني حياتك ليه؟ ولما بعدت عن اذاكم رچعتني تاني ليه؟ أنا كنت چاية لشوف ولادي بس انت اخدتني غصب ورچعتني إلك وخفيتني هون، شو بدك مني عامر؟ شو بدك تعمل اكتر من هيك؟ مشان الله اتركني لحالي. هز رأسه برفض وتمتم وهو يدنوا منها: _مجدرش يا كندا، مجدرش اكمل في حياة انتي مش فيها. _خلص، يبقى رچعلي ولادي. جواد بيقدر يحميني منهم إذا بخبره الحقيقة. زفر عامر بانفعال: _محدش يجدر يجف جصاده، صدجيني.
هزت رأسها بخيبة أمل وهي تراه على نفس نهجه: _لن يتغير، عامر، هتضل خايف هيك طول عمرك. صاح بها وهو ينهض من جوارها: _مش خوف على نفسي، ده خوف عليكي، افهمي الله يرضى عليكي. _ما بدي افهم شيء، يومين وراح اروح لچواد احكيله، بدك تعيش معانا في المزرعة تعى ما بدك وتعمل لخاطرها زي ما بدك. نهضت بغضب ودلفت غرفتها مغلقة الباب خلفها بحدة. جلست ياسمين على الفراش بكمد لا تصدق ما حدث منذ قليل.
نظرت لإلين التي تحاول التواصل مع أخيها لكن هاتفه قيد الإغلاق. ألقت الهاتف على الفراش وهي تقول بضيق: _للأسف قافل فونه. طمأنتها ياسمين، لكن كمن تطمئن نفسها: _متجلجيش، المحامي ده كبير قوي، وإن شاء الله هتطلع منه. رن هاتف ياسمين واند هشت عندما وجدت جهازه من خالد. نظرت إليه بحيرة وقالت: _عايز إيه ده؟ سألتها إلين: _مين ده؟ _خالد. _طيب ردي، يمكن في حاجة مهمة. شعرت بالقلق عندما عاود الاتصال فقالت إلين:
_يا بنتي ردي، يمكن حاجة تخص موضوع توليب. أجابت عندما رن للمرة الثالثة فسمعته يقول: _انزلي، أنا تحت. عقدت حاجبيها مندهشة وسألته: _تحت فين؟ رد بفتور: _في المزرعة، هيكون فين يعني، انزلي مستنيكي. انتابها الخوف من حضوره في ذلك الوقت خاصة، وقالت بارتباك: _بس جواد مش اهنه، ومينفعش اجابلك هو مش موجود. لاحظت في صوته لهجة تهديد: _انزلي لأن الموضوع يخص مراته. أنهى جملته وأغلق الهاتف ليزداد خوفها منه. نظرت لإلين التي ربتت
على يدها وتحدثت بمصابرة: _متخافيش، مش هيقدر يعملك حاجة، ولو عايزاني انزل معاكي تمام. هزت رأسها برفض: _لأ، خليكي انتي بعيد، أنا هنزل اشوفه عايزني ليه وهرجعلك، بس خلي بالك من يزن. نزلت للأسفل وهي تتحلى بشجاعة زائفة. وجدته واقفًا أمام الدرج ينتظرها. ازدردت جفاف حلقها بصعوبة وهي تتقدم منه لتقول بتروي: _خير؟ ما كانت لتخطئ في تلك النظرة التي رمقها بها، لكن لن يجدي نفعاً مهما حاول. أبعدت عينيها عن مرمى
عينيه مما جعله يقول بعتاب: _للدرجة دي مش طايجة تشوفيني؟ رمشت بعينيها تحاول الثبات وردت بفتور: _مفيش داعي لحديت ملوش عازة، جول چاي ليه وجواد مش أهنه؟ زفر بقوة وتقدم منها خطوة، ارتدتها هي للخلف وقال بهدوء: _تمام، ندخل في الموضوع على طول. _أني ممكن أخرچ مرات جواد من السجن واطلعها براءة، ومش بس إكدة، أني جادر اخرچها من النيابة نفسها مش من المحكمة. قطبت جبينها بدهشة وسألته بشك: _والمقابل؟
ابتسم لفطنتها ونظر بعينيها الزيتونية باشتهاء وتمتم بتهديد مبطن: _ترچعيلي مقابل خروچ مرات أخوكي من السجن ولم الفضيحة. اتسعت عينيها بصدمة ولم يرحمها، بل تابع: _وأني جادر البسها بدل التهمة اتنين وابينها أنها متفجة معاه، ولما اختلفوا وهددها خلصت عليه، الموضوع كله في يدك، عايزاها تخرج بكرة من النيابة كان بها. مش عايزاها برضه كان بها، فكري زين وردي عليا. استيقظت نور من غفوتها على وخز في ذراعها.
فتحت عينيها لتجده مراد يحقنها ببعض الأدوية. ابتسم لها قائلاً: _صباح الخير. أومأت له بصمت وحاولت النهوض، لكنه منعها: _خليكي زي ما انتي، إن قومتي هتقعي، انتي ماكلتيش حاجة من امبارح والادوية اللي أخدتيها كتيرة أوي هتسببلك دوخة. أومأت له وتطلعت إليه لتلاحظ مدى إرهاقه. فتمتمت باحراج: _أنا بقيت كويسة، ممكن تروح ترتاح في البيت، أنا متعودة اخدم نفسي وأنا تعبانة. انتهى مراد من وضع المحلول وجلس على المقعد متحدثًا برتابة:
_واني كمان متعود على إكدة، أحياناً بطبق باليومين. المهم إننا اطمنا والحمد لله بجيتي افضل بكتير. حمحمت باحراج عندما لاحظت نظراته وقالت: _يعني ممكن اروح. هز رأسه بنفي وتحدث بجدية: _لاا، جدامك يومين على الأجل، احنا سيطرنا بس على الحمى، لكن هي موچودة ومش هجدر أخرجك إلا لما اطمن لول. طرق الباب ودلفت سلمى ومعها أمال وسهر. شعرت بالسعادة لمجيئهم. واهتمامهم الزائد جعلها تقاوم ذلك التعب الذي يلازمها.
حتى مراد الذي تبدل كثيرًا وأصبح يهتم بها. كان يسألهم عن نوعية الطعام بدقة، ورغم ذلك لم ينسى سلمى من اهتمامه، بل زاد منه حتى جعلها تنحي ذلك الشك جانبًا. وعندما جاء مؤيد اجتمعوا في جو عائلي كانت تحلم به واستطاعت بعد عناء الوصول إليه. تحدث مراد بارهاق: _طيب بما إن مؤيد رچع هروح أنا نام شوية لإني شيفت بالليل. ذهب مراد إلى غرفته وما ان أغلق الباب حتى صدح رنين هاتفه. وهو وهدان: _السلام عليكم.
_وعليكم السلام، فينك يا دكتور مراد؟ شعر مراد بالقلق من لهجته وسأله باهتمام: _في المستشفى بتسأل ليه؟ _مرات جواد بيه اتجبض عليها. قطب جبينه بعدم استيعاب: _انت بتجول إيه؟ _ده اللي سمعته دلوجت من العمال في المزرعة. _طيب اجفل واني هروح اشوف في إيه. أغلق الهاتف وقام بتبديل ملابس المشفى وخرج مسرعًا كي يقف بجوار صديقه. في القسم. نظر المحامي إلى جواد وقال بجدية:
_زي ما قلتلك، القضية سهلة ومعانا الاثبات إنه كان شروع في قتل، ولو مدام حضرتك مهربتش كانت القضية انتهت في خلال أيام. لأن آثار التعدي عليها كانت لسة موجودة، لكن هنقول قدر الله وماشاء فعل. رد توفيق باقتضاب: _بس أنا خفت عليها من الحبس وقلت اشيل انا الليلة بدالها. _على العموم بكرة هنشوف رأي النيابة. نهض قائلاً: _هستئذن أنا دلوقت ونتقابل بكرة. خرج المحامي ونظر توفيق لزوجته وابنه: _تعالوا نقعد برة شوية.
خرجوا جميعاً وظل جواد معها. فألقت نفسها داخل أحضانه تشكو إليه مصابها. رفع عنها نقابها وابعد وجهها عنه لينظر إليه قائلاً بقوة: _متخافيش، هخرچك منها وده وعدي ليكي. يمسح دموعها بابهامه وتابع بثقة: _أنا واثق إن ربنا هيجف معانا ومش هيخذلنا. لاحت ابتسامة لم تصل لعينيها وأومأت له. فتابع بمزاح: _وبعد ما تخرجي مستني منك تعويض على اليومين اللي هتبعديهم دول، واليوم عندي بيتحسب بشهر، اتفقنا؟ جارته في مزاحه وتمتمت بخفوت:
_بس شهر كتير، دي مزايدة مقدرش عليها. امسك يدها يقربها من فمه يطبع عليها قبلة محبة وغمغم برتابة: _هتجدري، طول ما انا چانبك هتجدري على كل حاجة. طرق الباب يخرجهم من أحلامهم. فقد حان موعد الفراق حتى لو لدقائق، فأنه يعد فراق بالنسبة له. ابتعد عنها بصعوبة ونهض ونهضت معه. خرج كلاهما وأخذ ينظر إليها وهي تبتعد أمامه ولا يستطيع فعل شيء لها. ألم يفوق الوصف وقلب هاجر موضعه وهو واقفًا مكبل الأيدي.
نظر لتلك اليد التي ربتت على كتفه ولم تكن سوى يد مراد. تطلع إليه بعيون غائمة أرهقت قلب مراد حزنًا عليه. في الخارج. انتهى جواد من سرد كل شيء ومراد يستمع إليه باهتمام: _دي كل الحكاية. فكر مراد قليلًا ثم تحدث بجدية: _اني اعرف دكتور كبير متخصص في الحالات دي، هروح اتصل عليه النهاردة ونروح بكرة نشوف الحالة بالظبط لأن أربع شهور دي متطمنش. تنهد جواد بتعب شديد وتمتم بثبات وهو ينظر إلى القسم:
_بس أني متابع حالته وبيوصلني اخباره باستمرار. _اني برضك هشوف الدكتور ده ونتأكد أكتر. مر ذلك اليوم على الجميع بصعوبة بالغة. ما عدا حسان الذي وقف أمام شرفة مكتبه ويرسم ابتسامة رضا على وجهه وقد اقترب إلى ما سعى إليه. وقد كان له ما أراد عندما وجد سيارة جواد تصطف أمام القصر وترجل منها وعلى وجهه سخط لم يراه به من قبل. ظل على وضعه حتى عندما اندفع جواد وأغلق الباب خلفه بعنف، فتزداد ابتسامة حسان. وخاصة عندما تحدث جواد بغضب:
_انت اللي بلغت عنيها؟ التفت حسان إليه وتحدث بهدوء مدعيًا عدم معرفته بالأمر: _بلغت عن مين؟ تقدم منه مراد ليقف أمامه وغمغم بحنق: _مرتي. سار حسان لمقعده وجلس عليه قائلاً بثبوت: _مكنش ينفع ابلغ عنيها وهي بجيت من عيلة الخليلي، مع إني كنت اتمنى انه يحصل جبل سابج. رفع جواد سبابته في وجهه وغمغم بحدة: _لو كنت فاكر إنك بالطريجة دي هتخليني ابعد عنها واطلجها يبجى بتحلم. عاد حسان بظهره للوراء ورد بصدق:
_بس أني مش رايدك تطلقها، بالعكس اني موافج انها تفضل على ذمتك وكمان هخرجها من القضية كيف الشعرة من العجين. توقف عن التحدث كي يرى وقع كلماته عليه ثم تابع: _بس على شرط. عقد حاجبيه متسائلًا فتابع حسان: _ترچع للجصر. خرج مراد من غرفة العمليات وهو يشعر بألم شديد يجتاح كامل جسده. لا يعرف لما شعر بحنين يأخذه لذلك الطفل الذي أخذ قلبه منذ أن وضعته الممرضة بين يديه واختلطت دقات قلبه بقلب الصغير.
ساقته قدماه لغرفة الحضانات ونظر إليه من خلف الزجاج بابتسامة عريضة. تقدمت منه الممرضة تسأله إذا كان يود حمله. فوافق بكل ترحيب. وضعته الممرضة بين يديه فينبض قلبه بقوة وهو ينظر إلى وجهه البريء. ابتسم الطفل بغير تعمد وفتح عينيه فيخفق قلب مراد بقوة له. قربه منه ليطبع قبلة على جبينه الرخو وتمتم بحبور: _آسر مراد العمري. جاءت الممرضة لتأخذه قائلة: _كفاية كدة. وافق مراد على مضد واعطاه لها ثم ذهب لغرفة نور.
كان الجميع معها يحسوها على تناول الطعام لكنها أبت تناوله متعللة بألم معدتها. _السلام عليكم. رد الجميع السلام وتقدم منها يجس نبضها: _عاملة إيه دلوجت؟ ردت بروية: _الحمد لله أحسن. نظر للطعام الذي لم يمس وقال بمغزى: _احسن كيف، وانتي رافضة تاكلي، وبعدين إكدة مش هتعرفي تجفي على رچليكي وتشوفي آسر. انتبه الجميع للاسم وأولهم أمال: _آسر؟ تقدم من والدته يطبع قبلة على جبينها وقال مؤكدًا: _أيوه يا أمي، سميته آسر.
امتعض وجه نور وقالت بحدة: _بس أنا مش موافقة. نظرت آمال إليها بعتاب: _ليه يا بنتي، مش كفاية اتحرم من نسب ابوه، هيتحرم كمان من اسمه. أجابت نور بتعصب: _قلت لأ، وده قراري ومش هتراجع فيه. همت آمال بالاعتراض لكن مراد منعها: _سيبيها يا أمي من حجها، هي أمه واحج بأنها تسميه كيف ماهي رايدة. نظر إلى نور وتابع بمحايدة:
_وده برضك حفيدها من ابنها اللي عاشت عمرها كله محرومة منه، وما صدجت ولجيت عوضه، حتة منه بلاش انتي كمان تحملي عليها. ردت نور باستنكار: _أنا بحمل عليها؟! عشان رفضت إني اسمي أبني على اسم ابوه اللي خدعني ودمرني وعيشني معاه في الحرام؟! تجمعت الدموع داخل عينيها وتابعت بألم: _اللي كنت بالنسبة له اداة تجارب مش أكتر، مستني مني افرح وانسى اللي حصل. ربت سلمى على يدها وتحدثت بتأثر: _بس يا نور، اللي فات مات واحنا ولاد النهاردة.
ردت نور بانفعال: _لأ، مـ ماتش ولا هيموت، اللي عمله معايا عمره ما هيتنسي. تحدثت آمال بعتاب: _يعني مش فاكرة أي حاچة زينة عملها معاكي؟ _إيه اللي عمله معايا يخليني اوافق ان اسمه يتعاد تاني في حياتي؟! لأ مستحيل أوافق وده قرار نهائي. وقف مراد ذلك الجدال برزانة: _طيب خلينا نفض الموضوع ده عشان منضغطش عليها وهي تعبانة إكدة، يلا هبعت لمؤيد ياچي ياخدكم عشان تروحوا. سألته سلمى بلهجة تخفي عتاب: _برضه هتبات هنا؟ نظر إليها قائلاً:
_الليلة عندي شيفت زي ما جلتلك والصبح إن شاء الله هسافر القاهرة وهرجع آخر النهار. سألته آمال بدهشة: _ليه يا ولدي، خير؟ _خير إن شاء، بس في حالة هروح اشرف عليها وهرجع على طول، بعد اذنكم. في القصر. تطلع جواد إليه بشك وتحدث بقوة: _ولو جلتلك مش موافج؟ رفع حسان حاجبيه رادًا بفتور: _يبجى اني عملت اللي عليا لحد إكدة. _يعني هتسيب مرات حفيدك تتسجن؟! _اني جدمت شروطي وانت اللي رفضتها. أسند جواد يديه على المكتب وقال بهدوء قاتل:
_وانت شروطك دي متلزمنيش، قولتهالك قبل سابج القصر ده معدش ليا حاجة فيه. أنهى حديثه وخرج صافقاً الباب خلفه بعنف. ظهرت ابتسامته رضا على وجه حسان وأخرج هاتفه ليجرى اتصالاً: _واضب عـ اللي بتعمله وأول ما ياچي الوجت المناسب خلص عليه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!