في المشفى، انقلبت المشفى رأسًا على عقب فور دوي صوت توقف جهاز القلب، الذي أعلن عن توقفه بعد محاولات كثيرة لعودته للحياة، لكنها باءت بالفشل وأعلن عن حالة وفاة حسان الخليلي. لم يستوعب مراد ما سمعه، كيف أن يكون حسان داخل المشفى كل تلك المدة ولم يعلم عن وجوده شيء؟ سأل مراد الطبيب الذي كان يتابع حالته: _كيف يكون حسان الخليلي إهنه ومحدش يدرى؟ هز الطبيب كتفيه بحيرة: _أهله هما اللي رفضوا نعرف حد. قطب جبينه بدهشة وسأله:
_أهله مين؟ فكر عادل قليلًا ثم أجابه: _تقريبًا اسمه خالد ومشفتوش تاني بعدها غير النهاردة. تلاعب الشك بقلب مراد، ثم عاد لمكتبه يحاول الاتصال بجواد. حاول مرة وأخرى لكنه لا يجيب، فقرر الاتصال بعامر كي يفهم منه ما يحدث وأين هم من ذلك. ***
دلف عامر منزله وهو يشعر بالسرور لعودة ابنه وزوجته، ويقضي مع عائلته التي لم شملهم بعد طول عناء لحظات حلم بها كثيرًا. فاليوم سيطمئن على ياسمين مع زوج يستحقها، ويأخذ زوجته ويعود مع جواد للمزرعة كي يكون قريبًا من والده، فرغم كل شيء لن يستطيع الابتعاد وتركه وحيدًا. دلف المطبخ فيجد زوجته وابنته يتناقران كعادتهما على نوعي الطعام: _يا الله منك ياسمين، ما بيصير هيك!
لازم تتعلمي كل الأكلات، راح تعيشي هون لوحدك مع زوجك ولازم انتي بنفسك تعملي هيك شغلات. نظرت إليها بيأس وقالت: _يا أمي الله يرضى عليك، دي أكلات لبناني متمشيش عندنا هنا، لو هتعلم هتكون أكلات مصرية. _لا بدي أعلمك كل الأكلات كرمال تكوني ملهمة بكل شيء، خلينا نبدأ باللبناني. _وبعدها لكم عاد هتفضلوا إكدة كيف ناجر ونجير؟ قالها عامر وهو يتقدم من ياسمين يقبل رأسها، وقالت كندا:
_أي عامر، بدي أعلمها كل شيء، لازم تتعلم هيك شغلات كرمال زوجها زي ما كنت بعمل معك. ضحك عامر بسعادة عندما تذكر لحظاتهم معًا داخل المزرعة وإصرارها على إعداد الطعام لهما: _فكرتيني بالأيام دي، يلا الله يسامحه اللي كان السبب. المهم آدم كلمني دلوقت وجالي أنه راجع مع عمته بالطيارة لجل ما يوصلوا على طول، وبكرة هنكتب الكتاب إن شاء الله. ابتسمت كندا بسعادة: _يا رب تكون زواجة الهنا إلهم.
انتبهوا لصوت هاتف عامر الذي أعلن عن اتصاله، فأخرجه من جيبه فيتفاجأ بمراد. اندهش من اتصاله ثم أجاب: _السلام عليكم. رد مراد من الجانب الآخر: _وعليكم السلام، فينك يا عمي؟ اندهش عامر أكثر وأجاب بترقب: _في مصر، خير يا ولدي؟ علم مراد بأنه لا يعرف شيئًا فوقف حائرًا لا يعرف ماذا يفعل: _أنا بكلمك من المستشفى، البقاء لله. انقبض قلب عامر ولم يفهم ما يقوله: _البقاء لله في مين؟ اندهش مراد أكثر ورد بحيرة:
_أنت متعرفش إن الوالد كان تعبان ومحجوز في المستشفى؟ تسارعت وتيرة دقاته ولم يستطع سؤاله عما إذا كان والده هو المقصود أم لا، وأردف مراد: _مات من ساعة إكدة. سقط الهاتف من يد عامر وهو لا يستوعب ما سمعه الآن. كاد أن يسقط لكن يدا ياسمين وكندا أمسكتا يده وساعداه على الجلوس على المقعد، وسألته كندا: _شو بك عامر؟ سألته ياسمين بخوف: _مين اللي مات؟ لم يستطع الرد فقالت كندا بقلق: _عامر ما تتركنا هيك، قول شو في؟
_صحيلي جواد بسرعة، جوليله لازمن ننزل الصعيد لأن جده مات. لم يستوعب كلاهما ما سمعاه وخاصة ياسمين التي سألته بعدم استيعاب. *** لم يستوعب جواد بدوره ما سمعه الآن ونظر إليها بعدم استيعاب: _أنت بتجولي ايه؟ هزت رأسها بألم: _مراد لسة مكلم أبوك دلوقت وهو اللي جاله. عاد جواد لغرفته يبحث عن هاتفه فيجد اتصالات كثيرة من مراد ويحيى. اتصل بمراد الذي لم يعطه فرصة للرد: _إيوه يا مراد، ايه اللي بيحصل بالظبط؟ انتهى مراد
من معاينة حسان وقال بثبوت: _أني معرفتش غير دلوقت إن جدك في المستشفى من فترة طويلة، والنهاردة القلب وقف وللأسف مجدرناش نعمله حاجة. زم جواد فمه دلالة على مدى سخطه عليهم وقال بقوة: _أوقف أي إجراءات هتتعمل لحد ما أرجع. أغلق الهاتف ونظر لتوليب التي خرجت من المرحاض وهي تنظر إليه بقلق: _في ايه يا جواد؟ ضغط على شفتيه يحاول السيطرة على حريق قلبه وقال بأمر: _جهزي نفسك عشان راجعين التل.
لم يترك لها فرصة لسؤاله عن شيء ودلف المرحاض وأغلق الباب خلفه بقوة. ارتدت توليب حجابها وخرجت تبحث عن ياسمين كي تفهم منها، فوجدتها تلملم ملابسها وتبكي بألم. تقدمت منها لتربت على كتفها وتتمتم بتأثر: _البقاء لله يا ياسمين. تطلعت إليها ياسمين بألم مغمغمة: _مش متخيلة يا توليب إني حسان الخليلي يتمحي في لحظة من الدنيا إكدة.
ألقت نفسها داخل حضن توليب وأخذت تبكي بحزن، فرغم جبروته وقوته إلا إنها تكمن له حبًا واحترامًا. لم تجد توليب الكلمات التي تهون بها عليها، لذلك اكتفت بضمها وتركتها تبكي حتى دلف جواد وهو يقول بأمر: _يلا عشان حجزت طيران.
ساعدتها توليب في تجهيز حقيبتها ثم خرجوا جميعًا من المنزل متجهين إلى المطار. لم تكف ياسمين عن البكاء، أما كندا فلم يرف لها جفن وهي تتذكر قسوة ذلك الرجل وجبروته معها. لم تسامحه ولن تفعلها وستظل تبغضه حتى آخر رمق لها. وجواد الذي جلس في مقعده بملامح مبهمة لا توضح شيئًا. أما عامر فقد كان الندم حليفه لتركه كل ذلك الوقت ولم يسأل عليه مطلقًا، تركه في يد أحفاد يعلم جيدًا مدى كرههم له. ظل كل واحد بتفكيره حتى وصلوا للبلدة.
وأثناء خروجهم من المطار أمسكت توليب في يد جواد، لا تعرف إذا كانت تدعمه أم تطلب منه الدعم. تطلع إليها بنظرته المبهمة والتي لا توضح شيئًا، ثم نظر أمامه بصمت مطبق. نظر عامر لزوجته وقال: _أني اتصلت على السواق عشان يوديكم القصر وأني وجواد هنروح المستشفى لجل ما نخلص الإجراءات. تبدلت ملامح كندا وتمتمت برفض: _ما بقدر عامر، خليني أروح عـ المزرعة أفضل. هم بالاعتراض لكن جواد تحدث بحكمة:
_خليهم يروحوا على المزرعة دلوقت، إنما ياسمين هتروح تحضر العزا في القصر. تنفست توليب الصعداء وقد شعرت بعودة الدماء لوجهها بعد أن رفع عن كاهلها ذلك الحمل الثقيل. توقفت سيارتان أمامهما فصعدت توليب وكندا وكذلك ياسمين، والسيارة الأخرى لجواد وعامر. *** اقتحم خالد وعدي مكتب مراد عندما رفضت المشفى تسليمهم جثمان حسان بأمر من مراد، فصاح به عدي: _أنت ازاي تمنعنا ناخد جدنا من أهنه؟ تطلع إليهم مراد بفتور:
_أني ممنعتش حد، كل الحكاية أن عامر بيه هو اللي أمر بإكدة، الموضوع ده أني مليش صالح بيه. ازداد غضب خالد أكثر وتحدث بانفعال: _وهو يا دوبك افتكر أنه ليه أب يسأل عليه. نهض مراد من مقعده وتقدم منه ليحدثه بمغزى: _وهو ده بقى اللي جاي يحجج فيه. ضرب على كتفه بقوة وتابع بتهديد مبطن: _وفي حاجة رايد أعرفها لك، إن في حاجة اسمها آداب استئذان لأن الموضوع ده بيعصبني جوي، وأنت متعرفش أني لما بتعصب بعمل أيه؟
لم يرتح خالد لمغزى حديثه ولهذا التزم الصمت، أما عدي فقد هدر به: _أوعى تفتكر إن عشان ليك نسبة في المستشفى دي هيديك الحق تتصرف كيف ما بدالك فيها... قاطعه مراد بقوة أجفلتهم: _كلمة زيادة وهخرجك برة المستشفى خالص وهمنع دخولك فيها، واتفضلوا برة عشان جواد كلمني وجاي عشان يستلم جده هو وأبوه. هم عدي بالرد عليه لكن خالد منعه فهو يعلم مراد جيدًا لا يهدد دون تأكيد، فانسحبوا بهدوء تاركين مراد ينظر إليهم باستهزاء.
دلف عامر وجواد المشفى مارًا من جوار أولاد عمه ناظرًا إليهم بتوعد، ودلف غرفة مراد. أما عامر فقد تقدم منهم وأمسك بتلابيب خالد وتحدث بغضب: _لولا إننا في مستشفى والناس عينها علينا كنت عرفتك مقامك صح، بس حسابنا هيكون في البيت. نظر إلى عدي وقال بحدة: _كنت فاكرك راجل بس طلعت أحقر منه.
خرج جواد مع مراد من الغرفة وتوجهوا لغرفة حسان، لكن قدم جواد توقفت على أبواب الغرفة. لا يتخيل هيئة حسان وهو مستلقٍ على الفراش دون حراك. تلك الهيبة وذلك الجبروت لم يتخيل يومًا أن يمحيهم الزمن بلحظة كتلك. كان يظن دائمًا أن ذلك الرجل لن يموت، وإذا مات سيكون قبله ولن يرى تلك اللحظة. نعم ناقمًا عليه ويحمله مسؤولية ما حدث له، لكن لا يعرف لما يشتاقه تلك اللحظة، لما يرفض أن يرى حسان الخليلي في ذلك الوضع.
ازدرد لعابه بصعوبة وهو يدلف الغرفة يقدم قدمًا ويؤخر أخرى حتى رأى جسده الساكن على ذلك السرير. لم يستوعب حتى الآن وعقله يرفض بشدة ما يراه أمامه. يظن الجميع أن كل شيء قد انتهى بموته، ولا يعلموا بأن الأمر ابتدأ بموته، أو بمسمى أفضل قتله.
انتهت الإجراءات وها هو يخرج محمولًا على الأكتاف ويذهب لمثواه الأخير. الجميع حوله، منهم من جاء بدافع الواجب، ومنهم بدافع الأجر والثواب، ومنهم من جاء كي يشمت به، ومنهم من تعجب لأمر الإنسان يعيش حياته أما ميسر أو مخير وبالنهاية يكون مجبر على الاستلقاء داخل ذلك المكان الموحش.
رفض جواد مساعدة أحد له بحمل جده ووضعه في مكانه المنشود، فرغم كل شيء لن يسمح أن يكون جده حملًا ثقيلًا على أحد. وها هو يتركه كحال الجميع ويرحل، لأول مرة يشعر بالضعف، لأول مرة يشعر بالوحدة وكأن جده من كان يستمد منه القوة والصلابة. أراد أن يعود إليه ويظهر ضعفه أمامه ويطلب منه السماح لتركه بين يدي تلك الوحوش. تذكر حينما طلب منه العودة وكأنه لا يأمن غدره ويود أن يتحامى به وكيف خذله ورفض العودة إليه. نعم أخطأ وظلم وهو أكثر من عانى بظلمه، لكن قلبه الآن يسامحه، لا يتذكر سوى حاجته إليه.
*** عادوا إلى القصر ليقيموا العزاء، وقد عاد فايز وزوجته عندما علموا بالأمر، وكذلك كندا وتوليب الذين ذهبوا مجبرين كي يكونوا بجوارهم في تلك اللحظة. كندا تعلم جيدًا مدى تعلق زوجها بوالده رغم كل شيء فعله معهم، ولذلك وافقت على الذهاب ورؤية تلك المرأة التي شاركت في تعذيبها وحرمانها من أولادها. لكنها اليوم تدخل بكبرياء وتجلة. وقفت أمام كريمة التي بادلتها النظرات بأخرى حاقدة ناقمة وقالت بتشفي:
_البقاء لله كريمة، أول ما جواد ابني خبرني قلت ما بيصير لازم أعمل الواجب وأعزيكي أنت كنة ها البيت الأرملة والمطلقة ولا شو رأيك؟ _جاية تشمتي في الموت؟ هزت كندا رأسها بنفي: _لا ها الشئ ما بيصير فيه شماتة، الشي الوحيد اللي جاية أشمت فيه زي ما بتقولي هو أنت كريمة. تقدمت منها خطوة أخرى وتابعت:
_جاية أعرفك إني بقيت صاحبة ها القصر زيك، لااا أكتر بكتير منك. الأرملة والمطلقة ما إلها شي، إنما أنا بما إني كنة ها القصر فأحب أقولك أنك ضيفة عندي والضيف له واجبه واحترامه، وأكون صريحة أكتر أنا كنت رافضة إني أرجع لـ ها القصر، بس بعد ما شوفتك قررت أرجع وأعيش هون مع بنتي وكنتي. تظاهرت بالتذكر وتابعت: _آه نسيت أقولك إن جواد راح يرجع القصر من ها اليوم، راح نتجمع مثل الأول يا كريمة خانو.
تركتها كندا وجلست على أحد المقاعد تأخذ العزاء، وكريمة تنظر إليها بحقد أعمى. لم تتخيل أن تعود غريمتها وأن تتبجح بموت حسان الخليلي. التزمت الصمت مجبرة فهي حقًا ليست في موضع قوة ولا أحد يعرف ما تخبئه وصية حسان. بعد انتهاء العزاء تقدمت نعمة التي بعثها جواد للقصر هي ووالدتها كي يبقوا بجوار توليب وكندا: _ست توليب، جواد بيه خلاني أطلع الشنط في الأوضة لو رايدة ترتاحي شوية. قالت ياسمين:
_اطلعي ارتاحي أنت، هو العزا خلص ومفيش داعي تفضلي قاعدة إكدة. وافقت توليب وصعدت معها الغرفة لعدم شعورها بالراحة في ذلك المكان. ولكن فور دخولها للغرفة ازداد شعورها بالنفور من ذلك القصر وتلك الغرفة خاصة. تود أن تعود لمنزلهم في المزرعة وينعموا بدفئه، لكن برودة ذلك المكان تجعلها تشعر بالاختناق. لكن عليها التحمل قدر الإمكان لأجل زوجها.
فتحت الخزانة فوجدت ملابسها قد وضعت داخلها وكذلك ملابس جواد. قامت بتبديل ملابسها وأخذت هاتفها كي تخبر والدها ووالدتها بأمر العزاء، فقد تناست ذلك الأمر. انتبهت على دخول كريمة دون أن تطرق الباب فنهضت توليب قائلة: _أظن إن الأفضل تخبطي الأول قبل ما تدخلي. تقدمت منها كريمة وهي تنظر إلى منامتها التي أظهرت مدى جمالها وقالت بغيرة: _وأنت بقى اللي هتعرفيني أدخل أوضة بنتي كيف؟ أجفلت توليب إثر معرفتها لكنها استطاعت
إخفاءها وقالت بثبات: _ما عادش أوضة بنتك، دي أوضتي أنا، واللي يدخل فيها يدخل باستئذان. انفعلت كريمة من ردها ودنت منها أكثر وهي تقول بحدة: _أوعى تفتكري إن وجودك إهنه هتمحي بيه ذكريات بنتي، شمس هتلاقيها معاكي في كل مكان. أشارت على الغرفة وأردفت:
_الأوضة دي بنتي اللي اختارتها على ذوقها، وحتى الفرشة اللي نايمة عليها دي بنتي نامت عليها قبلك. بسريرها ومرايتها ودولابها، كل حاجة فيها بنتي سابت ذكرى فيها، حتى جواد هي أول زوجة وأول واحدة يلمسها ويخلف منها، أنت بس آخرك تاخدي اللي تركته وراها. كانت توليب تنظر إليها بجمود وملامح لا تظهر تلك النيران التي استطاعت تلك المرأة أن تشعلها بداخلها، لن تسمح لها بالتشفي بها فقالت توليب بثبوت:
_وأنا راضية باللي بنتك سابته، وكفاية عليا إني أول حب في قلب جواد. أنا اللي حبها في الوقت اللي كانت بنتك زوجة ليه وهو مجبر عليها. أنا اللي لمسته ليا لمسة كلها حب ورضى مش مجرد تراضي وخلاص. أنا اللي مستعد يحط الدنيا كلها بين إيديا عشان ابتسامة حب مني مش العكس أبدًا. استطاعت أن تحقق مبتغاها وأشعلت النيران في قلب كريمة، والتي كشرت عن أنيابها وهي تكشف عن شعرها وتقول بتوعد:
_وحياة ده وما يبقى على حرمة إن ما طلعتك من البيت ده زي ما طلعت حماتك من قبليكي. ابتسمت توليب باستفزاز وتمتمت بتروٍ: _عادي، أعلى ما في خيلك اركبيه، واتفضلي بقى عشان جوزي زمانه راجع ويا دوب الحق أغير هدومي. إن كانت النظرات تقتل لكانت توليب غارقة بدمائها الآن. خرجت من الغرفة وتركت توليب تنظر إلى الغرفة باختناق، لما فعل بها ذلك؟ لما قبل عليها أن تسكن تلك الغرفة التي سكنها مع زوجته الأولى؟
نظرت إلى الفراش وهي تتخيل أوقاتهم معًا.. المرآة التي وقفت أمامها تتزين له، والخزانة التي كانت تضم ملابسهم معًا. هل كانت تختار ملابسه كما تفعل هي؟ هل كان يختار لها ملابسها وتتغنج عليه كما تفعل هي؟ أغمضت عينيها تحاول جاهدة إخراج تلك الأفكار من رأسها. هي وحدها حبيبته، لم يعشق قبلها ولن يفعل بعدها فليس هناك بعد. هي له وهو لها، ولن تسمح بشيء يعكر صفو حياتهم. لن تتخلى أبدًا مهما حدث ومهما قيل لها. عليها التحمل لأجله.
جلست على المقعد وشعور غريب يجتاحها. تارة تشعر بأنه حنين لمنزلهم بالمزرعة، وتارة أخرى لأوقاتهم التي قضوها في رحلتهم، وتارة أخرى بالهرب من ذلك القصر وإجباره على العودة لحياتهم داخل منزلهم.
انتفضت توليب فور أن سمعت خطواته خارج الغرفة وأسرعت إلى الفراش تتظاهر بالنوم كي لا يرى عذابها. أغلق الباب فور دخوله وأخذ ينظر إليها وهي تتظاهر بالنوم. يبدو أنها غير راضية عن حياتها داخل القصر، وهو أيضًا لكن فُرض عليه البقاء وعليها مساندته. أخذ ملابس له ودلف المرحاض كي يأخذ حمامًا باردًا يهدئ تلك النيران المشتعلة به، ثم خرج يندس بجوارها آخذًا إياها إلى صدره كي ينعم بدفئها وأغمض عينيه ليغرق في سبات عميق.
فتحت عينيها عندما لاحظت انتظام أنفاسه وأخذت تنظر إليه نظرة إشفاق يغلفها العتاب. هي تعلم جيدًا مدى بغضها لذلك المكان، وتعلم أيضًا أن هناك سبب خلف عودته وأخفاه عنها. نظرت لخصلاته المبللة والتي كحاله دائمًا يتركها هكذا تبلل الوسادة أسفل رأسه. وضعت أناملها على وجهه ترسم خطوط ملامحه بحب ثم تمتمت بخفوت: _مش هسيبك لحظة واحدة، حتى لو رميت نفسك في النار هرمي نفسي وراك.
عاد مراد من العزاء فيجد المنزل في سكون تام. تقدم من الدرج ليصعد غرفته لكنه تفاجأ بحركة داخل المطبخ. تقدم منه فيجد نور واقفة أمام الموقد. حمحم كي لا يفزعها فالتفتت لتنظر إليه بحيرة. _دكتور مراد في حاجة؟ هز رأسه بنفي وتحدث بروية: _لا، أنا بس كنت راجع من برة لقيت صوت في المطبخ، جولت أكيد أنتي. أخفضت عينيها بإحراج راقه هو وجلس على المقعد قائلًا: _بس لو مفيهاش إساءة أدب ممكن تحضريلي حاجة خفيفة إكدة لأني ما أكلتش من الصبح.
_بس أنت كدة هتستني ربع ساعة على الأقل عشان أنا بعمل بيتزا ولسة داخلة الفرن. _نستنى، إيه المشكلة؟ جلس يراقبها وهي تتحرك داخل المطبخ وتضع الأطباق أمامه. ثم تقدمت من الفرن لتخرج ما بداخله فتقدم منها كي يخرجه بدلًا منها كي لا تؤذي حالها. فتتفاجأ به خلفها وكاد القالب أن يسقط من يدها وربما يصيبه فحاولت تفاديه بمسكه جيدًا لكنه أبعدها فيسقط أرضًا وتتناثر محتوياته. _أ... أنا.. آسفة.
قالتها نور بارتباك بسبب قربه منها ومالت لتلتقطها لكنه منعها. _بتعملي إيه؟ سيبيها، المهم أنتي كويسة؟ أمسك يدها يتأكد من عدم إصابتها لكنها سحبتها بإحراج. _آه كويسة، ثواني هعملك حاجة غيرها.
عاد يجلس على مقعده وهو ينظر إليها بحيرة. اقتحمت حياته وقلبتها رأسًا على عقب وجعلت ذلك القلب الذي لم يعرف الحب يومًا يهيم بعشقها. وهي أيضًا مهما حاولت إخفاءه فيبدو واضحًا عليها. ظل يراقبها حتى انتهت أخيرًا ووضعت الطعام أمامه على الطاولة. ثم جلست قبالته وقالت بمرح كي تخفي به ارتباكها: _دوق بقى وقولي رأيك. تطلع إلى الطعام أمامه وقال بمزاح: _أقول رأيي في إيه؟ في البيض بأنواعه مثلًا؟ زمت فمها بغيظ وغمغمت:
_أنا عملت كدة عشان عارفة إنك بتتعشى حاجات خفيفة، بس لو عايز حاجة تقيلة هتاكل أحلى أكل من إيديا. ابتسم مراد لطريقتها في الحديث وأنها تهتم بما يفضله وقال بمكر: _وبما إنك خابرة إن عشايا خفيف، خابرة إيه تاني؟ ارتبكت نور وتهربت قائلة: _ثواني هعملك القهوة. نهضت مسرعة وشرعت في عمل القهوة ووضعتها على الموقد فتتصلب في مكانها عندما وجدته خلفها يمد يده ليغلق الموقد ويتمتم بجوار أذنها: _بس أنا مش بشرب قهوة في وقت متأخر زي إكدة.
ازدردت لعابها بصعوبة وهي تشعر بأنفاسه تلفح عنقها ويده تلمس يدها كي يديرها بين ذراعيه وتطلع لعينيها التي اهتزت نظراتها بوجل وتمتم بغيرة محبة وهو ينظر لخصلاتها التي تركتها متحررة دون حجاب: _وبعدين ينفع تخرجي من أوضتك وأنتي كاشفة شعراتك إكدة؟ ازداد ارتباكها أكثر وتمتمت برهبة: _أنا عارفة إن مؤيد نايم وأنت مش هترجع دلوقت فعشان كدة خرجت من غير طرحة. أبعد خصلاتها عن وجهها ليضعها خلف أذنها وغمغم برغبة وهو ينظر لعنقها
الذي كانت تخفيه بخصلاتها: _ما تعمليش إكدة تاني والحجاب ما يتجلعش غير في أوضتنا. رمشت بعينيها مرات متتالية ورددت بدهشة: _أوضتنا؟ أومأ لها بوله: _آه أوضتنا من بعد النهاردة، أنا اديتك فرصة تتقبلي الوضع بس أنتي اللي معاندة. أخفضت عينيها بأسف وتمتمت باقتضاب: _مينفعش. سألها بحيرة وهو يحتويها بعينيه: _ليه؟ تجمعت العبرات داخل عينيها وهي تتذكر ما تعرضت له:
_صدقني أنا مبقتش إنسانة طبيعية، قسوة الحياة خلتني حطام مش أكتر، مبقتش بعترف بوجود الحب من أساسه ولا عاد عندي قلب يحب، وفوق كل ده سلمى متستاهلش مني كدة. تأثر مراد بدموعها وتمتم بثبات: _ومين قال إن الحب مش موجود؟ لأ موجود ومنقدرش ننكر، بس الحب بيبقى موجود بين الزوجين فقط، قبل كدة بيبقى وزر حتى لو اكتمل بالجواز بيبقى بدايته غلط فينتهي برضه بغلط. وبالنسبة للثقة مش أي حد ندهاله لازم يكون حد يستاهلها.
محق في كل كلمة نطق بها وكم أرادت أن يعود بها الزمان كي تغير ذلك المصير الذي وقع عليها، لكن حينها لم تكن لترى مراد ولا تعلقت به بذلك الشغف. _للأسف كلامك صحيح وعرفته متأخر أوي. _وكل شيء خلقناه بقدر، مكتوبلك إنك تبقي أرملة أخويا وتيجي البلد وأشوفك وتشوفيني.
تاهت في عينيه التي ترى فيهما حب ولهفة لم تراهما من قبل. كان ينظر إلى محياها بعشق جارف ودقات قلبه تهدر بعنف. تطلع إلى عينيها التي تخفي بها عشقها له وشفتيها التي تود أن تنطق بالكثير لكنها مترددة. لا يبالي فقد علم من عينيها ما يحتج عليه عقلها فلم يعد يطيق صبرًا.
مال عليها بتروٍّ يلثم ثغرها بتروٍّ وهدوء كي لا تنفر منه. أما هي فقد كانت تتخبط في مشاعرها فعقلها يأبى ما يحدث ويتمرد على قلبها ومشاعرها اللذين يطالبانها بالغوص في بحور ذلك العشق الحلال دون خوف، دون شعور بالخزي من نفسها. استسلمت لذراعيه التي تقربها منه لكن عقلها لم يتركها وظل يذكرها بما مرت به فأخذت العبرات تتجمع بعينيها حتى تساقطت على وجنتيها. ابتعد عنها مراد عندما لاحظ دموعها وتطلع إليها بشغف وغمغم بصوت أجش:
_ما تخافيش يا نور أنا بحبك. انتهت مقاومتها عند تلك النقطة وتاهت معه في دوامة عشق لم تشعر بمذاقها من قلبها. ولم ينتبه أحد منهم لتلك التي تنظر إليهم بدموع قهر وألم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!