الفصل 31 | من 33 فصل

رواية التل الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي

المشاهدات
19
كلمة
4,535
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

استيقظت توليب لتجد نفسها وحيدة في الفراش. اعتدلت لتبحث عنه في الغرفة، لكن لا أثر له. نهضت وهي تشعر بألم شديد في رأسها. نظرت في ساعتها فوجدتها الثانية ظهراً. كيف واصلت النوم حتى ذلك الوقت؟ ولما تركها جواد وأين هو؟ امسكت هاتفها كي تتصل به، لكن أوقفها طرق الباب. سمحت له بالدخول، فإذا بها نعمة. "صباح الخير يا ست توليب." "صباح النور يا نعمة." "ست كندا تحت وبتجولك يلا عشان الغدا چاهز."

وافقت توليب بعد تردد وشعور الأختناق يزداد بداخلها. قامت بتبديل ملابسها ونزلت لغرفة الطعام فتجد الجميع ملتف حول المائدة. وعندما رأتها كندا قالت بترحيب وهي تنظر لكريمة بسخرية: "أهلاً بكنتي تعي حبيبتي چواد رافض يقرب من الأكل إلا لما تيچي." شعرت بأن نظرات الجميع مسلطة عليها، مما جعلها تنظر لجواد الذي يوليها ظهره بعتاب. ثم تقدمت لتجلس بجواره فتقابل نظراتهم، لكنها اجفلت حينما رأته وكأنه شخص آخر وليس جواد زوجها وحبيبها.

عاد لصلابته وجموحه، مما جعل الخوف يزحف لقلبها. "ايه تولي الاكل مو عچبك اخلي البنات تعملك متل ما بدك." هزت توليب رأسها برفض وتمتمت: "لأ متشكرة." شعرت في تناول الطعام رغم عدم وجود شهية لها. نهض خالد وهو يقول بفتور: "بعد الفطار عايزكم في مكتب جدي لان عبد الجواد المحامي اني بعتله وچاي دلوجت." اندهش الجميع وسأله عامر: "خير يا ابن اخوي في حاچة تستدعي الإجتماع ده؟ ببرود وهو يخرج من الغرفة: "هتعرفوا دلوجت."

كانت نظرات كريمة لكندا نظرات فوز وانتصار، وكأنها تعلم ما يود ابنها التحدث بشأنه. لم تنم سلمى تلك الليلة وظلت مستلقية على الفراش وصورة زوجها وهو يقبل أخرى تحتل مخيلته. لن تستطيع التحمل، واهمة إن ظنت أن بإمكانها التحمل، فهي تشعر بخنجر ذو حدين يمزق أحشاؤها. رن هاتفها لتجده والدها، مما جعلها تشعر بالقلق، فلم يهاتفها منذ رحيلها عنهم. أجابت بيد مرتعشة وقلبها ينبض بعنف. "صباح الخير يا…." لم تكمل كلمتها حتى سمعت

صوته الهادر يقول بغضب: "انا تحت انزلي افتحي." ازدادت انقباضة قلبها وقبل أن تستفهم منه أغلق الهاتف دون أن ينطق بكلمة أخرى. نهضت مسرعة وأبدلت ثيابها وذهبت إليه كي تفهم سبب تلك الزيارة. استيقظت نور، لكنها لم تجرؤ على فتح عينيها ورؤيته بجوارها. لقد التزم حقاً بوعده ورفض أن يقترب منها، لكنه أعاد قرانه بها إذا طلبها للزواج، وهي قبلت بذلك كي لا يكون هناك شك في زيجتهم.

لم يناموا سوى بعد صلاة الفجر، وظل كلاهما يحكي للآخر عن حياته. مرات كثيرة كان يستيقظ على صوت آسر وينهض هو كي يحمله ويطعمه دون أن يوقظها. كانت تنظر إليه وهو يلاطفه كأنه طفله حقيقة وليس ابن أخيه أو طفل أجبره على تحمل ذلك الوزر بأن ينسبه إليه. ظلت تتظاهر بالنوم خاصة عندما شعرت بعينيه تخترقها وصوته الدافئ يقول: "صباح الخير." فتحت عينيها بعد تردد وهي تشعر بالاحراج منه وتمتمت برهبة: "صباح النور." ابتسم مراد عندما لاحظ

خجلها منه وتمتم بمزاح: "ينفع إكدة تنيميني من غير عشا؟ ازدردت جفاف حلقها وغمغمت بإحراج: "انا سبتلك الأكل وطلعت بس انت اللي رفضت تتعشا و…." لم تستطيع نطقها، مما جعل ابتسامته تزداد اتساعاً وسألها بمكر: "و ايه؟ كملي." اصطبغ وجهها احمراراً ولم تستطيع النطق. لاحظ على محياها ندم تحاول إخفاءه، فضيق عينيه بشك وسألها بحيرة: "ندمانة؟ اهتزت نظراتها وشعرت بأن ردها سيحسب عليها، فأخفت شعورها بالندم وتمتمت برتابة:

"مش ندم بس حاسة إني بخون سلمى، صحيح محصلش بينا حاجة بس نومك معايا على سرير واحد خلاني أحس بالخيانة." نظرت لعينيه وتابعت بألم: "سلمى…." قاطعها مراد بحزم: "سلمى مراتي وليها مكانتها اللي مفيش حاچة هتغيرها، حتى لو اتزوچت مليون واحدة غيرها وهي عارفة مكانتها كويس أوي. أنا نفسي عمري ما فكرت اتچوز عليها لا عشان خاطر عيال ولا كلام فاضي من ده، لأن لو مكتوبلي اولاد يحملوا اسمي هيحصل، لو مش مكتوب لو اتجوزت ميت واحدة."

لانت لهجته وهو يتطلع إليها. "شيلي الموضوع ده من دماغك وبلاش تفكري فيه، سلمى طيبة وبتحبك، جربي منها أكتر، حسسيها إن آسر ده مش ابنك لوحدك ده ابنها كمان، خليه يعوضها عن الأمومة اللي اتحرمت منها، وأوعي في يوم تجرحيها حتى لو بدون قصد. جولتلك سلمى ليها مكنتها في قلبي ومفيش حاچة ممكن تغيرها." اومأت له، لكن بداخلها لا تقبل ذلك الوضع. كيف ستنظر إليها بعد الآن وقد شاركتها زوجها.

انتفض كلاهما على ذلك الصوت الذي هز المكان، ونهض مراد مسرعاً كي يعرف ما يحدث في الأسفل. "قولتلك لمي هدومك ويلاقالها." وفي لـ سلمى التي طلبت منه برجاء: "ارجوك يا بابا وطي صوتك، انت فاهم الموضوع غلط." ترجل مراد الدرج وهو ينظر إلى وفيق بغضب. "أظن أن البيت ليه حرمته ولا انت متعرفش حاچة زي دي؟ تطلع إليه محسن بسخرية وقال: "وانا بقا مستني واحد زيك يعرفني؟ دنى منه مراد وهو يهدر به: "اتكلم بأدب ولاحظ انك في بيتي."

بادله محسن الغضب: "لما تلاحظ انت كمان انك بتكلم واحد اد أبوك وكان حماك." قطب مراد جبينه بحيرة ونقل بصره بينه وبين سلمى وسأله بعدم فهم: "تجصد ايه بكان حماك دي؟ تقدم محسن خطوة منه وقال بتحدي: "معناه إنك هتطلق بنتي ودلوقت." تحدثت سلمى بدهشة: "بابا انت بتقول ايه؟ رد وفيق باحتدام: "بقول اللي كان لازم يحصل من اول ما اتجوز عليكي، اوعى تفتكري إن الدكتور بتاعك ده كان متجوزك حب فيكي…." قاطعه مراد بغضب:

"كلمة زيادة وهطردك برة البيت ده." تجمع من في المنزل على أصواتهم ومؤيد الذي تقدم منهم يهدئ من شدتهم. "في ايه يا چماعة استهدوا بالله إكدة." رد محسن بغضب: "كنت مستهدي بالله وساكت وراضي ان بنتي تتجوز غصب عني وتبعد بالشكل ده، بس إن يكون ليها ضرة ده اللي مقبلش بيه وهترجع معايا دلوقت، ياإما بقى نفتح الصفحات القديمة." عقدت سلمى جبينها بدهشة وسألته: "صفحات ايه اللي بتتكلم عنها؟ انقبض قلب مراد وجذب سلمى لجواره وغمغم بانفعال:

"سيبك منه ده عايز يفرق بينا." نظرت سلمى لعينيه الذي ظهر فيهما الارتباك، ثم نظرت لوالدها وسألته بشك: "فهمني صفحات ايه؟ نظر محسن لمراد بتحدي وتمتم بقوة: "الباشا اللي وقفتي قصادي واتحدتيني عشانه اخدك شفقة، او بمعنى اصح اتحرج من أمك لما اترجته يتجوزك لما اكتشفنا مرضك، وهو اتحرج يرفض بعد ما الدكتور أكدله إن حالتك صعبة ولازم يشيل الرحم، يعني لولا أمك اللي رخصتك وضغطت عليه مكنش هيتجوزك ولا هيعبرك أصلاً."

اهتزت نظراتها وشعرت بأن الدنيا تلتف بها. كانت تشك بذلك منذ أن تقدم لها، رغم أنه لم ينظر إليها يوماً. كان يخبرها بأنه يحبها، لكن لم ترى ذلك الحب في عينيه، لكنها دائماً تكذب إحساسها وتوهم نفسها بذلك الحب الواهم. هم مراد بالاعتراض، لكنها عافته من الكذب وقالت بصوت مهزوز: "متقولش حاجة، أنا اللي كنت غبية وكدبت احساسي وصدقت إنك بتحبني." قاطعها مراد بإصرار: "بس إني فعلاً بحبك." هزت رأسها بنفي وقالت بحزن:

"ده مش حب يا مراد، ده كان عطف أو بمعنى تاني مودة، لكن عمر الحب ما كان في قلبك تجاهي. أنا مش زعلانة منك بالعكس، أنا حبي ليك زاد أكتر وأكتر، بس للأسف مش هقدر أكمل معاك بعد اللي عرفته." ضيق عينيه بشك وسألها بجدية: "معناه ايه حديثك ده؟ أخذت نفس عميق كي تهدئ به من آلمها وتمتمت بألم: "يعني تطلقني زي ما قال بابا وكفاية أوي لحد كدة." جذبها مراد من ذراعها وصاح بها: "شكلك اتچنيتيه." هزت رأسها بنفي وتمتمت بخفوت:

"متجننتش يا مراد، بس عايزة أحتفظ باللي باقي من كرامتي، وبعدين أنا سيباك مع اللي قلبك فعلاً اختارها." "أنا…." قاطعته بأن وضعت يدها على فمه وقالت بحزن: "أوعى تكدب عشان متحملش وزرك، انت فعلاً محبتش غير نور، وبصراحة هي تستاهل، ولو الظروف غير كدة كنا هنعيش أنا وهي مع بعض أخوات جامعهم قلب واحد وكبير زي قلبك يا مراد." تاهت في بحور عينيه وهي تتابع بآسى:

"أنا كنت بحسد نفسي عليك في كل دقيقة بعيشها معاك، بطبطك وحنيتك وقلبك الكبير." تدحرجت الدموع من عينيها وتابعت: "أنا عمري ما هنساك يا مراد وهتفضل في قلبي العمر كله. بس صدقني مش هقدر أكمل معاك بعد اللي عرفته، سيبني أمشي وطلقني لأني مش هقدر أتحمل أكتر من كدة، لو في قلبك ليا معزة حقيقي طلقني." أصابه الوجوم ملامحه وسألها بجمود: "ولو قولتلك لأ؟ أجابت بعد برهة: "همشي مع بابا ومش هتشوفني تاني أبداً." "يعني هتعصي أوامري؟

"لمرة واحدة في حياتي." قال بتهديد: "لو خرجتي من البيت ده هتدمري كل حاجة بينا." أومأت له رغم صعوبتها وتابع هو تهديده: "هعتبر إنك بعتيني واتخليتي عني وأنا محتاجلك؟ أغمضت عينيها بألم ثم أومأت وتابع هو ضغطه الذي زادت حدته لعنادها: "هعتبر إنك مدخلتيش في حياتي عشان تخرجي منها؟ أخذت شهيق عاليا وأومأت له وهي تبتعد لتقف أمام والدها وغمغمت بصوت مهزوز: "طلقني يا مراد لو رفضت هتكون بتحكم عليا بالعذاب أرجوك طلقني."

تطلع إليها برجاء: "سلمى بلاش تسمحيله يدمر حياتنا." هزت رأسها بنفي وتمتمت باستنكار: "بس ده قراري أنا مش هو، أنا فعلاً عايزة أبعد." "يعني ده قرارك النهائي؟ أومأت له: "اه قراري النهائي." في مكتب حسان. جلس الجميع منتظر مجيئ عبد الجواد المحامي. سأله عامر: "طب عرفنا لول سبب الجعدة اللي ملهاش عازة دي." عاد خالد بظهره للوراء وهو يقول بتعالي: "هتعرفوا دلوجت متستعجلش يا..يا عمي."

طرق الباب ودلف المحامي وألقى عليهم السلام والدهشة واضحة عليه. مسألهم بحيرة وهو يجلس على المقعد: "خير يا جماعة." أخرج خالد ورقة من جيبه ونهض ليقدمها للمحامي. "اتفضل اقرأ الورقة دي وجولهم." أخذ عبد الجواد الورقة وتطلع فيها ليقرأ محتواها بسخرية ثم تحدث: "دا عقد تنازل من جدك بكل أملاكه ليك انت." اندهش الجميع والتزموا الصمت وكأن على رؤوسهم الطير، لكن عامر وفايز أول من رفضوا ذلك. "ايه اللي انت بتجوله ده؟

"أكيد الورقة دي مزورة." رد المحامي بثبوت: "الامضة صحيح، بس في حاجة انت مش واخد بالك منها." تطلع إليه الجميع بشك وتابع هو: "إنك جدك لا يملك شيء عشان يتنازل عنه." قطب خالد جبينه بعدم استيعاب. ونهض عدي قائلاً بانفعال: "هو ايه اللي بيحصل بالظبط؟ قال يحيى بدوره: "انا مش فاهم حاجة ياريت توضحوا أكتر من كدة." التزم جواد الصمت ولم يحرك ساكناً، وأخذ يشاهد ما يدور بتروي. وضع المحامي حقيبته على الطاولة أمامه وتحدث بصلابة:

"بصراحة مكنتش اتخيل أبدًا إنكم تفتحوا موضوع زي ده تالت يوم الوفاة، بس بما إنكم اللي فتحتوه يبقى نخرج كل المستندات." لم يفهم أحد منهم شيء وتابع عبد الجواد: "الحاج حسان الله يرحمه قبل ما يموت كتب كل حاجة باسم جواد حفيده، يعني هو مكنش يملك حاجة لما مضى على الورقة دي." عاد الصمت يسيطر على الجميع، إلا من جواد الذي كان يتوقع ذلك الشيء. وأول من خرج من صمته هو فايز الذي نهض قائلاً برضا:

"إني أصلًا مش منتظر حاجة من التركة دي والفلوس اللي بتاچيني من أرضي مكفيني وزيادة، بعد أذنكم." نظر ليحيى وقال بأمر: "تعالى معايا." هم يحيى بالرفض، لكنه كررها بحزم: "جولت تعالى معايا." وافق يحيى على مضض وخرج مع والده من الغرفة، وفور أن أغلق الباب قال بانفعال: "انت ازاي يابا تسكت على المهزلة دي؟ رد فايز بحكمة: "هتعرف كل حاجة بس مش دلوقت، أهم حاجة إنك تبعد عن المواضيع دي ومتتحدتش فيها مع حد واصل، فاهم ولا لاه."

هام يحيى بالاعتراض، لكن فايز هدر به: "فاهم ولا لاه؟ وافق يحيى مجبراً: "فاهم." وكان خروج فايز وولده إشارة للجميع بالعودة لرشدهم، وأولهم خالد الذي تقدم من المحامي ينظر للأوراق بشك. ثم نظر للمحامي قائلاً بغضب: "الأوراق دي مزورة أكيد ده نصب منك انت وال…." قاطعه جواد الذي أمسكه من تلابيبه غمغم به بتحذير: "كلمة زيادة وهرميك برة القصر ده وهخلي أصغر عامل فيه يمنعك من دخوله." صاح به عدي:

"يعني ايه تسرق حجنا قدام عنينا ونجف نتفرج عليك؟ أزاح خالد من أمامه ثم التفت إليهم بكبرياء: "والله الحديث ده يتجال لجدكم مش ليا، وبعدين ايه اللي مزعلكم إكدة؟ أظن كل واحد فيكم سرق ونهب بما يكفي من الأرض والمصنع، وإن كان حد له حق في الحديث معايا فهما عمي وأبوي، إنما لا انت ولا أخوك ليكم حاجة أهنه." صاح به عدى: "ايوة سرقنا زي ما انت كمان سرقت جدك وخليته يكتبلك المزرعة باسمك، واللي لوحدها بنص الثروة كلها."

انفعل جواد من اتهامه، لكن عليه أن يحاربهم بسلاح الهدوء كي يزيد من نارهم. "والله أنا مطلبتش حاجة منه، هو جدم عرضه وأني وافجت." رد خالد باحتدام: "خلاص يبجى تكتفي بالمزرعة وتدينا حقنا." رد جواد بثبوت: "ملكمش حق عندي، كل اللي ليكم إنكم تسكنوا اهنه في القصر معززين مكرمين، وأي حد هيعارض يتفضل مع السلامة." لم يسمح المحامي لعامر بالتحدث والدفاع عن ابنه كي لا يظهر متحيزاً له: "ابعد انت برة الموضوع زي فايز ما عمل." غمغم برفض:

"ابعد كيف وانت شايفهم واقفين كيف جدامه." "أنا واثق في جواد وعارف أنه هيعرف يكتمهم." وافق عامر والتزم الصمت يشاهد ابنه كأسد حكيم يدير أموره بتؤدة ورتابة، وخاصة عندما تابع جواد: "انتو مهما كان ولاد عمي ومش هقدر أرميكم في الشارع، مع أنكم لو مكاني كنتوا عملتوها، كل حاجة هتمشي كيف ما كان جدكم عايش ومفيش حاجة هتتغير، إنما لو لقيت أي غدر منيكم." تقدم منهم ليتابع بتهديد:

"هخليكم تطلعوا بالهدومة اللي عليكم وانتو خبرين زين اللي ممكن أعمله فيكم، يعني نهدى إكدة وبلاش عناد." في الخارج. كان الجميع جالسًا في بهو المنزل يريد أن يعرف ما يحدث بالداخل، إلا كريمة التي كانت تجلس بأريحية وتنظر لكندا بسخرية. "يا الله من ها المخلوقة ليش ها النظرات وكأنها بتتشفى فيني؟ تحدثت ياسمين بضيق: "احنا لازم نرجع المزرعة، إني مش طايجة أستنى أكتر من إكدة." هزت كندا رأسها برفض:

"لااا لك ما صدقت وچاتني الفرصة عشان انتقم من ها الشريرة وافش خلقي فيها، راح نمشي بس شوي." نظرت لتوليب التي تنظر إلى المكتب بقلق على زوجها وقالت: "شو بك توليب ليش سرحانة كل هاالقد؟ نظرت إليها توليب بضيق: "أنا مش مرتاحة هنا، من وقت ما دخلت القصر وأنا مخنوقة، عايزة أبعد." ربتت كندا على يدها وتحدثت بتأثر: "بعرف ها الإحساس، جربته من قبل واستمريت فيه تسع سنين شوفت فيها الويل، بس أنا معك وما راح أترك حدا يضايقك إبنوب."

خرج الجميع من غرفة المكتب واللهيب يخرج من أفواههم، وكل واحدٍ منهم صعد لغرفته ما عدا جواد الذي ذهب للخارج. نظرت لكندا وقالت بحزن حاولت إخفاءه: "معلش يا طنط أنا هطلع أوضتي أرتاح شوية." نهضت بدورها عندما وجدت كريمة تصعد خلف ابنها: "وأنا كمان بدي أرتاح شوي بعد حرقة الأعصاب هاي." صعدت مع توليب وبقيت ياسمين وسيلين، التي ما إن رحلت والدتها حتى تقدمت من ياسمين وتمتمت بإحراج:

"ياسمين أنا عارفة إنك واخدة على خاطرك مني بس صدجيني إني…." قاطعتها ياسمين بثبوت: "متبرريش حاجة يا سيلين، إني خابرة كل حاجة وخابرة إنها منعاكي عنينا وخاصة بعد طلاقي من خالد، بس أنا وجواد فاهمين ده زين ومقدرينه." ابتسمت سيلين بسعادة غامرة وتقدمت منها تحتضنها بحب. ثم ابتعدت عنها قليلاً وتمتمت بحبور: "إني مبسوطة جوي إنكم رجعتوا من تاني." ربتت ياسمين على يدها وقالت بامتنان:

"وأني كمان مبسوطة إني شوفتك، بس للأسف إحنا اهنه فترة مؤقتة وراجعين المزرعة تاني." لاح الحزن على ملامحها وتمتمت بآسى: "كان نفسي أعيش معاكم بس رجوع أمك لخبط كل حاجة. بس ممكن أقولها إني رايدة أقعد مع أبوي شوي وأجيلكم." "انتي طالق." لم ينتظر لحظة واحدة وتركهم دالفاً غرفة مكتبه صافقاً الباب خلفه بعنف. أما هي فقد تطلعت لآمال التي نظرت إليها وقالت بعتاب: "ليه عملتي إكدة؟ مسحت دموعها وتمتمت بألم: "صدقيني كدة أفضل ليا وله."

صعدت غرفتها ونظرت آمال لمحسن وقالت باشمئزاز: "انت عامل زي الشيطان تلف حوالين الإنسان لحد ما تخليه يدمر نفسه بإيديه، بنتك كانت عايشة وراضية بحياتها ليه تخليها تهد بيتها بإيديه وتملى دماغها بكلام فارغ." صم محسن أذنيه عن حديثها وقال باحتدام: "والله دي بنتي وأنا بدور لها على الأصلح ليها." تعجبت آمال من حديثه وسألته: "وهو الصالح عندك إنك تدمر حياتها؟ رد بتعند وهو يشيح بوجهه بعيداً عنها:

"أنا هبني حياتها اللي ابنك دمرها، هخليها تسافر عند أخوها وتبعد عن ابنك نهائي ويبقى كدة مفيش حاجة تربطنا بينا وأقدر أرجع صداقتي بعاصم." تطلعت إليه بسخرية وقالت بتهكم: "قول كدة بقى، على العموم بكرة تندم ويبقى تقول آمال قالتها." في غرفة سلمى. دلت نور وهي تحمل آسر بين يديها كي تستطيع التأثير على سلمى واقناعها بالعدول عن ذهابه. تقدمت منها لتقول بعد تردد: "سلمى أنا آسفة ارجوكي خليكي انتي وأنا هنسحب من حياتك."

انتبهت لها سلمى وقامت بأغلاق الحقيبة وتقدمت منها لتنظر للطفل بابتسامة صادقة. وقالت بحب: "صدقيني يا نور، أنا اللي لازم أنسحب مش انتي، مراد محتاجلك انتي أكتر مني، وصدقيني القرار ده انتي ملكيش يد فيه. بس صعب أوي على واحدة في ظروفي تتحمل وضع زي ده. سيبيني أحتفظ باللي باقي من كرامتي، وبالنسبة لعلاقتنا هتفضل زي ما هي مش هتتغير، هكلمك كل يوم عشان أطمئن عليكم وعلى آسر." همت نور بمعارضتها، لكن سلمى منعتها بإصرار:

"أرجوكي يا نور بلاش تضغطي عليا لأن مفيش حاجة هتغير قراري." حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة وهي تحاول الثبات أمام الجميع كي لا ترى شفقتهم عليها. لم يخرج من مكتبه بل ظل ينظر إليها من شرفته حتى صعدت السيارة وانطلقت بها. ليلة أخرى من العذاب داخل تلك الغرفة، ولهذا أصرت أن تأخذ توليب يزن لينام معها. وكأنه أيضاً لا يرتاح لذلك المكان، إذ ظل يبكي فترة طويلة قبل أن يخلد للنوم.

وضعته توليب في فراشه وعادت هي تجلس على الأريكة تنظر إلى الفراش بوجوم. وتتساءل، كيف كانت شمس تنام بجواره؟ هل تنام على صدره كما تفعل هي؟ هل كان ينظر إليها بتلك السعادة التي يرمقها هي بها بعد انتهاء جولاتهم؟ أغمضت عينيها تنفض تلك الأفكار من رأسها واستغفرت ربها مراراً وتكراراً. لماذا تسمح تلك الهواجس أن تعكر صفو حياتهم؟ لكن أين ذلك الصفو؟ ومنذ أن عادوا من القاهرة وهي تشعر بالاختناق، وكأن القصر رغم اتساعه يضيق بها.

عاد جواد من الخارج فيجدها جالسة على المقعد بوجوم. يعلم جيداً بأنها لن تتحمل البقاء داخل تلك الغرفة خاصة، لكن عليها التحمل لأجله. دنى منها يجلس بجوارها وجذبها بذراعه رافعاً رأسها إليه وغمغم بعتاب: "ينفع برضك أرجع أوضتي ألاقي مراتي مبوزة إكدة." حاولت الابتسام لكنها لم تستطع وتمتمت بعتاب: "مش هنا يا جواد، مش في مكان واحدة تانية عاشت فيه قبلي." تنهد جواد وعاد بظهره للوراء وتحدث بتعب:

"إني كمان مكنتش رايد أرجع الأوضة دي بالذات، بس مجدميش حل تاني." قطبت جبينها بحيرة وسألته: "ليه؟ ايه اللي يجبرك تعيش في مكان مش مرتاح فيه وتعذبني معاك؟ ضغط على شفتيه يحاول التروي وعدم الانفعال: "توليب جولتلك مجبر واتحملي عشان خاطري." نظرت إليه بحيرة وتمتمت: "لأمتى يا جواد، انت متعرفش أنا بضغط على نفسي أد إيه وأنا بتخيل لحظاتك مع شمس في الأوضة دي، كانت بتنام جنبك إزاي؟ بتصحى إزاي؟ قطبت جبينها وهي تتابع:

"أنت نفسك كنت بتتعامل معاها إزاي؟ جذبها لحضنه وتمتم باحتواء وهو يحاوط وجهها بين يديه:

"توليب أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة بس إنك أول حب في حياتي وأخر حب، علقتي بشمس كانت روتينية مفيهاش أي عواطف وهي كانت خابرة إكدة زين، ومن وقت ما عرفتك وحبيتك مجربتش منها ولا لمستها. الأوضة اللي انتي بتسألي عن حياتي فيها، فتجدري تجولي أنها جحيم بالنسبة ليا، وكل ما أقرر أبعد تترجاني وتوعدني أنها هتتغير. أدتها فرصة واتنين وعشرة بس كانت عارفة إن يزن هو نقطة ضعفي وعشان كدة بتضغط عليا بيه. حياتي مع شمس عمرها ما كانت وردية. انتي بس اللي بعيش معاها أجمل أيامي، صدقيني وشيلي الأوهام دي من دماغك."

هزت رأسها بنفي وتمتمت بخفوت: "مش قادرة يا جواد مش قادرة." ملس بابهامه على شفتيها وتمتم باحتواء: "طول ما أنا معاكي هتجدري." قربها منه ليأخذ ثغرها في قبلة بث فيها مدى احتياجه لها، لكنها لم تستطيع التجاوب معه. وضع يده خلف عنقها يتحسسه كي يهدئ من روعها، لكنها لم تستطيع. ابتعد عنها وانفاسه تتلاحق وتطلع إليها متسائلاً: "مالك؟ نهضت من أمامه وتوجهت إلى الفراش متمتمة بتهرب: "تعبانة شوية وعايزة أنام."

لم يضغط عليها رغم احتياجه لها وقام بخلع قميصه وألقاه على المقعد بحدة ثم دلف المرحاض. في غرفة خالد. صاحت به كريمة وهو جالسًا على الفراش يضع رأسه بين يديه: "انت بتجول ايه يا مخبول انت؟ يعني ايه كتب كل حاجة باسم چواد؟ رفع وجهه إليها وتحدث باحتدام: "والله بجا هو ده اللي حصل." هزت رأسها بعدم استيعاب وغمغمت بسخط: "يعني اللي سعيت وراه طول السنين دي هيروح إكدة لابن كندا؟

بعد ما حاربت عشان أطفشها من البيت وأتجوز عامر وأخلف منه بالإجبار كل حاجة تروح إكدة في رمشت عين؟ ضغط خالد على قبضته بغضب وغمغم بسخط: "والحل ايه دلوجت؟ إني بجول تجتله ونخلص منه وإكدة يزن هيورث كل حاجة وهنبجى إحنا المتحكمين في ورثه." رفضت كريمة اقتراحه وتمتمت بخفوت:

"لا ده ميشفيش غليلي، إحنا نقتل مرته لول ونسيبه يتعذب جبل ما نخلص عليه، لأننا لو قتلناه لوحده هي هتورث مع حفيدي وهتشاركنا في كل حاجة، نخلص منها لول وبعدها يبجى نفكر نخلص منه كيف؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...