الفصل 1 | من 7 فصل

رواية التوأم الفصل الأول 1 - بقلم راغدة

المشاهدات
24
كلمة
1,854
وقت القراءة
10 د
التقدم في الرواية 14%
حجم الخط: 18

يجلس بكل أناقة ببدلته الرمادية المفضلة له وقميصه الأبيض وربطة العنق الحمراء. شعره مصفف بعناية ولحيته المشذبة التي تزيده جاذبية.

رفع قدح قهوته التي ينبعث منها البخار ورائحتها الزكية. وبتلك اللحظة الفارقة لم يسعه إلا الفرار للذته وملاذه. يفضي إليه كل ما يلم بقلبه. يحتسي قدحاً من القهوة اللذيذة مع مكعبات من الشوكولاتة الناعمة التي تاخذه إلى عالم الكمال. مع ارتشاف أول قطرة من قدحه المفضل. لعلها تحلي مرارة القهوة ومرارة واقعه وماضيه ومرارة الفراق. ارتشف عدة رشفات يحاول كبح فكره وقلبه عنها. ولكنها كالوباء الذي انتشر واستحال العلاج منه.

خلع نظارته الطبية ومسح عينيه. وحين أزال يده نظر خارج المقهى لينصدم بوجودها. كانت على الرصيف المقابل بابتسامتها الجذابة الآسرة للقلوب. بيدها عدة لوحات تعطيها لرجل يقف أمامها يبادلها الابتسام. مسح عينيه ثانية وارتدى نظارته ونظر متمعناً لينتفض مسرعاً للخارج يصرخ بصوته كله: "نادو نادو".

حاول عبور الشارع ولكن كانت السيارات تمر بسرعة من أمامه. كان يتنفس بقوة وهو يشير للسيارات للتوقف. وما أن عبرت آخر مركبة وعبر الشارع للرصيف حتى اختفت. كأنها لم تكن. شد شعره وزفر بقوة وهو ينادي باسمها وعيناه تدور بالمكان بأكمله باحثة عنها. ولكنها كأنها تبخرت. كأنها لم تكن. اقترب من أحدهم وكان يعزف بـ كـمـانـه. يضع قبعته أمامه يلقي له المارة بضعة جنيهات. "لو سمحت يا أخ" هز الشاب حاجبه وهو يشير بعينيه للـ قـبـعـة.

نظر مراد للقبعة وسحب من جيبه مبلغاً من المال وقال له: "المبلغ ده قصاد جواب لسؤال". نظر الشاب للمال ووضع كـمـانـه جانباً وهو يمد يده يأخذ المال. ولكن مراد بقي متشبثاً بالمال وقال: "كان في بنت هنا معاها لوحات تعرفها؟ هز الشاب رأسه بنعم. "تعرف راحت فين؟ هز الشاب رأسه. شد مراد المال. فقال الشاب: "بس أعرف هتيجي امتى". أرخى مراد المال. أدخل الشاب المال بجيبه وقال: "نيرمين بتيجي كل خمسـتاشر يوم بتبيع لوحاتها وتمشي".

ابتسم مراد بمرارة وقال: "هي بقا اسمها نيرمين؟ "بتقول حاجة؟ استدار مراد وعاد للمقهى وعيناه مسلطة بالاتجاه الآخر. عائداً بذاكرته عام مضى. *** دخل شركته بخطى سريعة وواثقة تحت نظرات الموظفين دون أن يعطيهم أدنى اهتمام. ودلف للمصعد. وقف يعدل ربطة عنقه ويتأكد من أناقته. وما أن توقف المصعد حتى خرج ووقف أمام مكتبها يتأمله. "صباح الجمال يا حبيبتي" نادين وهي تزيح خصلات شعرها المنسدل على

وجهها بابتسامة رائعة قالت: "صباح الورد يا حبيبي، اتأخرت النهارده". مراد وهو يتحسس وجنتها بأصابعه: "كنت عند المحامي خلصت كل العقود". ازدادت ابتسامتها وقالت باندفاع: "بجد يا مراد؟ "وجد الجد كمان. وكلها أسبوع بالكثير وتبقي شريكة حياتي بكل حاجة". نادين بدلع وهي تلعب بربطة عنقه: "أنا بحبك أوي يا مراد". مراد وهو يمسك يدها يرفعها لشفتيه يقبلها: "وأنا بموت فيكي يا قلب مراد". نادين وهي تتحرك نحوه بدلع حتى

التصقت به وبصوتها اللعوب: "طب والموضوع اللي قالك عليه بابا؟ أحاط خصرها بيده ورفع يده الأخرى بالحقيبة وقال: "المبلغ كله هنا يا قلبي". ألصقت شفتيها على وجنته وقبلته بنعومة ويدها تمتد بخفة تمسك بالحقيبة من يده. كان مغمض العينين يستمتع بقبلتها التي تحولت من وجنته لشفتيه حتى أصبح كالمغيب. ابتعدت بخفة عنه تاركة إياه بعالم آخر لا يود الخروج منه بعد أن أصبح هو وقلبه أسيراً لها.

زفر مراد وقال: "أمتى يوم الخميس ييجي وتبقي مراتي؟ نادين: "هانت يا حبيبي، كلها كام يوم". مراد: "إحنا لازم نخلص كل شغلنا عشان هاخدك ونلف العالم كله، أنا هعيشك أيام عمرك ما هتنسيها". ابتسمت نادين وقالت له وعيناها تطالعه بإغراء واضح: "ده أنت اللي هتعيش أيام عمرك ما تخيلت تعيشها ولا عمرك هتنساها". اقترب مراد منها وقبلها بشغف وقوة ولم يبتعد عنها إلا حين شعر أنه سيفقد السيطرة على نفسه.

دلف مكتبه وتبعته معها الأوراق التي تحتاج توقيعه. تناول قلمه وبدأ بتوقيعهم دون قراءته. نادين بمكر ويداها تمسد كتفيه: "مش هتقراهم يا حبيبي؟ مراد: "مش انتي قرياهم يبقى خلاص". استدار بكرسيه يحتضن خصرها بيديه وراسه بحضنها: "أنا بثق فيكي أكتر من نفسي يا نادين". أكملت تمسيد كتفيه وعنقه وانتقلت لرأسه تداعبها وهي تبتسم ابتسامة عريضة. ولكنها لم تكن أبداً ابتسامة عشق بل كانت خبيثة ماكرة.

أسبوع واحد فقط وجاء اليوم المنتظر يوم زفافه من معشوقته. كان يرتدي بدلة سوداء تغمره سعادة لا توصف. وقف أمام مرآته للمرة التي لا يعرف عددها يتأكد من شكله قبل هبوطه للقاعة. وفي الغرفة الأخرى كانت تجلس بفستانها الأبيض بكامل زينتها والثقة تعلو ملامحها. تلمع عيناها بنظرة انتصار وكأنها حققت أكبر انتصاراتها. دلف والدها وليد وطلب من الميكاب أرتيست أن تتركهم هي ومساعداتها. وبالفعل لم يبق إلا هو مع ابنته. "جاهزة يا حبيبتي؟

"أيوه يا بابا". أخرج وليد من جيبه زجاجة صغيرة وأعطاها لها: "كده كله تمام". وضعتها بحقيبة يدها البيضاء الصغيرة: "بابا أنت خلصت كل حاجة مش كده؟ "متقلقيش، ساعة بالكتير وكل حاجة هتكون بحسابنا اللي برا". "يلا يا عروسة". ابتسمت وهي تتشبث بذراعه وتسير بجانبه. يقف بهيئته الخاطفة للأنظار وسط القاعة ينتظر وصول عروسه. وما أن تسلطت الأضواء على مدخل القاعة وفتح بابها على وسعه حتى شعر بأنفاسه تتسارع ودقات قلبه كأنها طبول.

دلف والأنوار مسلطة عليها تسير بخطى واثقة وابتسامتها لا تفارق وجهها. أما هو فكان يتأملها بوله وعشق واضح للجميع. وما أن اقتربت حتى اختطلها من يد والدها واحتضنها بقوة. بدأ الحفل برقصة للعروسين. جذبها نحوه بتملك وهو يراقصها. وكأنها لعبة بيده يحركها كما يشاء. تاركة إياه ينعم بشعور السيطرة المؤقتة. وكل ما يشغل تفكيرها ما سيحدث بعد ذلك. انتهى الحفل وانفض الحضور وصعد العروسين لجناحهم. وقبل أن يدخلوه اقترب

وليد من مراد وقال بنزق: "مراد يا حبيبي أنا عارف إنك عريس بس في ورق محتاج إمضاء". "دلوقتي يا عمي؟ "أصل طيارتي الفجر ومش هقدر أجل". "هو ده وقته يا بابا". "خلاص براحتكم بس كده هنخسر الصفقة دي". "خلاص يا حبيبتي هوقعهم بسرعة أهو". مد وليد القلم لمراد الذي وقع الأوراق سريعاً وعيناه على عروسه. اختفى وليد من أمامهم بسرعة. حمل مراد نادين ودلف بها لجناحهم. كان يشعر بفرحة كبرى وأخيراً أغلق بابا عليهما.

حملها وأخذ يدور بها وصوت ضحكاته ملأت الغرفة. وضعها على السرير وجلس بجوارها ينظر لها يتأمل كل شبر بها يتفحصها غير مصدق أنها معه وبين يديه وعلى سريره. وأخيراً أصبحت زوجته واكتمل حلم عاشه منذ شهور عدة. قبلها قبلات متتالية بشغف وعشق ورغبة تعمقت قبلاته. لم تعد تقوى على السيطرة على نفسها وحصونها تنهار وأصبحت من موقع قوة وسيطرة إلى موقع الضعف والاستسلام.

كادت أن تسلم نفسها له من فرط حماسته واندفاعه. ولكن صدحت كلمات والدها وكأنه يهمس بأذنها بقوة. "شغلتنا دي عاوزة قوة وإياكي تكوني لقمة سهلة وتسلمي نفسك لأي حد عشان مش هيكون في حد خسران باللعبة دي غيرك". دفعته بضعف من صدره وقالت بخفوت: "مراد". نظر لها وجد وجهها مصبوغاً باللون الأحمر وعينيها تتهرب من عينيه. جلى صوته وقال: "أنا هروح أغير هدومي بالأوضة التانية". قبل جبينها وأخذ منامته وخرج.

زفرت براحة بعد خروجه واضعة يدها على موضع قلبها تحاول تهدئة دقاتها. اغتسلت وأبدلت ثيابها سريعاً وأحضرت كوبين من العصير وجلست تنتظره. دق الباب وفتحه وجدها ترتدي قميص نوم أبيض قصير تبدو به بأبهى حلة. جلس بجوارها ممسكاً خصلات شعرها المنسدل على كتفيها. أمسكت كوباً من العصير وأعطته له. ارتشفه سريعاً وعيناه لا تحيد عنها. اقترب منها وضمه لصدره. وما هي إلا دقائق وكان يسحبها إلى السرير.

استيقظ مراد وهو يشعر بألم يكاد يفتك برأسه. وعيناه تبحث عنها في أنحاء الغرفة فلم يجدها. حاول أن يتذكر ما حدث ولكن كل شيء ضبابي. ناداها كثيراً لم تجب ولكنه وجد ورقة صغيرة موضوعة بجانب السرير. التقطها بسرعة وقرأ ما بها ليشعر بصدمة تجتاحه. تتردد صداها في داخل أفكاره. كيف خدعته؟ كيف استطاعت خداعه طوال هذه المدة دون أن ينتبه وهو رجل الأعمال الذي شق طريقه بنفسه منذ صغره.

عاد من شروده والتقط هاتفه مفتاح سيارته. تاركاً بعض المال على الطاولة ثمن قهوته. عاد لمنزله وما زال يفكر في لقائهما. كيف ظهرت أمامه بعد طوال هذه المدة بعد عام كامل. بحث عنها طوال هذه المدة ولم يجدها. يا للسخرية. وجدها أمامه بالصدفة البحتة بعد أن شعر باليأس. جلس على مكتبه وأخرج من درجـه المغلق ملفاً وفتحها. أخرج منها ورقة واتكأ على كرسيه وعيناه تنهش حروف كلماتها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...