جلس على مكتبه وأخرج من درجه المغلق ملفًا وفتحه. خرجت منه ورقة واتكأ على كرسيه وعيناه تنهشان حروف كلماتها. "مازالت رائحتها تعبق بين ثنايا طياتها... كتبت لهم:
"مراد، أكيد أنت مش مستوعب إيه وأنا فين وعملت كده ليه، بس أنا مش هسيبك بحيرتك أبدًا. اسمي مش نادين، بس مش هقدر أقولك اسمي الحقيقي. كمان شوية هتاخد أكبر مفاجأة في حياتك، وزي ما وعدتك عمرك ما هتنساني أبدًا وهفضل ذكرى بعقلك قبل قلبك. بس عاوزة أقولك حاجة مهمة، صدقني أنت دخلت قلبي والحكاية مش شخصية أبدًا. أنت كنت زيك زي غيرك، الاختيار جه عليك وأنا ببساطة نفذت. ببساطة أنت ممكن تكون ضحية، بس أنا واثقة فيك وإنك تقدر تقف على رجليك من تاني.
أتمنى ما تشوفنيش تاني ومتدوررش عليَّ، لأنك مش هتلاقيني. مع حبي. اموووووه." زفر بقوة وهو يذكر اتصال محامي الشركة يصرخ به أن كل أسهم الشركة بيعت وتم تحويل كل السيولة إلى سندات لا يمكن تتبعها. أعاد رسالتها للملف الخاصته وأخرج الصورة الوحيدة لهما وهو يبتسم على غبائه، فهو صدق كرهها للتصوير. رغم جمالها الآخاذ ورضخت له في أحد الأيام ووقفت خلفه وأظهرت جزءًا من وجهها وهي تغمز بعينها.
رغم خداعها له، إلا أن قلبه القابع بين أضلعه يأبى أن يحررها من داخله. ما زالت متربعة على عرش قلبه بكل شموخ. تلك النصابة السارقة لم تكتفِ بسرقة أمواله التي كد وتعب بها، بل سرقت قلبه، ولم يستطع استعادة أي منهما. ولكن، رغم هذا الحب، إلا أنه أقسم أن يجدها وينتقم منها أشد انتقام، ليس لأجل ماله، فهو على قناعة أن المال يمكن تعويضه، ولكن لقلبه الذي ذاق المرارة والألم لبعدها.
خمسة عشر يومًا داوم على الذهاب لنفس المقهى، يجلس بانتظار اللحظة التي ستظهر به. وجاء اليوم المنتظر وظهرت به وهي تحمل لوحات بيدها كما أخبره ذلك الشاب. وقفت في نفس المكان وهي تعرض اللوحات على قارعة الطريق، تبتسم للمارة وهي تجذبهم لرؤية ما تعرضه. وضع فنجان قهوته ومشى بخطوات ثابتة واثقة نحوها، يحاول كبح دقات قلبه عن الخفقان. وقف خلفها واستنشق عطرها يملأ به جوفه ليهمس لنفسه: "غيرتي بارفانك زي ما غيرتي حاجات كتير."
"نادو." همس بها. التفتت وما زالت ابتسامتها تزين ثغرها وقالت بصوتها الذي اشتاقه: "تحب تشتري لوحة؟ "يا لها من مخادعة وممثلة بارعة. واللوحات دي مين رسمها؟ قالت بسرعة: "أنا، بص دي لوحة للبحر وقت الغروب. ودي صورة أطفال بيلعبوا." أخذت تثرثر كثيرًا وهو لا يستمع لما تقول، بل ينظر لها مستمتعًا ومشدوهًا بملامحها وقوة ثباتها. ينتظر انهيارها، اعترافها، اعتذارها. ولكنها مستمرة بالثرثرة وكأنها لا تعرفه.
استشاط غضبًا وهو يرى عينيها خالية من أي تعبير. أمسك معصمها بقوة جعلها تصرخ بألم وهي تصرخ به: "سيبني، أنت اتجننت!!! لم يعرها أي انتباه وسحبها خلفه أمام أعين المارة الذين لم يبالوا بها. أجبرها على الصعود بسيارته وهو يصرخ بها: "اخرسي، اخرسي واركبي وإلا أقسم بالله لهندمك وأدفعك الثمن غالي." وصل لمنزله وأنزلها غير عابئ ببكائها وتوسلاتها، ودلف بها مغلقًا الباب خلفه. جثث عند قدميه مشبثة بيده تتوسله:
"أرجوك سيبني أروح، متئذنيش. اعتبرني أختك، والله ماما هتروح فيها، هي ملهاش غيرك." كانت تتوسله وتبكي بحرقة. جثى بجانبها وأمسك وجهها بين كفيه وقال: "ليه؟ ليه بتعملي كده؟ قصرت معاكي بإيه؟ ده انتي لو طلبتي أي حاجة كنت لبيتهالك وادتهالك؟ ليه غدرتي بيا؟ معقول للدرجة دي كنت غبي؟ ثم صرخ بها وهو يهزها بعنف: "لسه بتكذبي ليه؟؟؟؟؟؟ شعرت بدوار أطاح بها لتسقط مغشيًا عليها بين يديه. بعد وقت، دلف مكتبه وأخذ يضرب على صدره موضع
قلبه بقوة وهو يصرخ بلوعة: "لحد إمتى هتفضل ضعيف قدامها؟ كنت فاكر إنها هترمي نفسها بحضنك، تعتذر، هتقولك وحشتني. بس لأ، هي كدابة وهتفضل كدابة، عايشة بكذب طول عمرها." فتحت عينيها ببطء لتجد نفسها بالسرير. خوف بل رعب هو كل ما شعرت به. نظرت لنفسها بتفحص لتطمئن حين وجدت نفسها ما زالت بملابسها كما كانت. وقبل أن تزفر بارتياح، فتح الباب ودلف ببطء وابتسامة مكسورة على وجهه.
عادت لبكائها ورجائها ولكنه لم يتكلم، بل جلس على طرف السرير وقال بضعف وصوت متحشرج: "أنتي كويسة؟ أومأت برأسها دون أن تتكلم. أمسك يدها ووضعها على صدره وقال برجاء: "قوليلي إزاي أقنعه ميدوقش ليكي. قوليله إزاي ينساكي. فهميه إنه غبي." فلتت يده بعنف وصرخ:
"قوليله إنك كدابة وإنك خدعتيه وإنك متستاهليش كل الحب ده وعمرك ما حبتيه، عشان أقدر آخد حقي منك ومن باباكي ده لو هو بجد باباك. عشان أنتقم الانتقام اللي تستاهله وأرجع حقي وحق قلبي منك. قلبي اللي هان عليكي بكل سهولة." كانت تضع يديها على أذنيها حتى لا تستمع لكم الاتهامات التي يوجهها لها بالباطل. أزاح يديها وقال: "ابعدي إيديكي كده، ولا الحقيقة بتجرح عريتك قدام نفسك. أنا مش عاوز منك حاجة إلا إني أفهم ليه." بكت وقالت:
"والله ما أعرف أنت بتتكلم عن إيه. أنا أول مرة أشوفك النهارده، وبابايا ميت من أكتر من عشرين سنة." قهقه مراد بشدة حتى أدمعت عيناه وقال: "يااااه، أنتِ موتّي وليد باشا كده بكل سهولة؟ إيه الأنانية دي بتاعتك؟ كل ده عشان متعترفيش بغلطك؟ طب أنا هسيبك هنا لحد ما ألاقي جواب لكل أسئلتي، أو يبقى يشرف الوالد هنا عشان ينقذ حضرتك." خرج سريعًا وأغلق الباب خلفه قبل أن يخونه قلبه ويضعف أمامه.
بكت كثيرًا وطَرقت الباب مرارًا وهي تتوسل له أن يخرجها، ولكنه كان قد غادر المنزل بأكمله. في مكان آخر في أحد الأحياء، تقف امرأة كبيرة بالسن تتكئ على باب منزلها وهي تبكي وبعض الجيران يحاولون تهدئتها. "بنتي يا ناس بنتي." "الغايب حجته معاه يا ست إيمان." "لا، قلبي بيقولي بنتي فيها حاجة، دي عمرها ما عملتها واتأخرت وكمان فونها مقفول." ظهر شاب كان يجري من بعيد. "طمني يا صالح، لقيتها." وقف يلتقط أنفاسه وهو يقول:
"في مصيبة يا ست إيمان، في حد جه خدها بعربيتها." "يا لهوي، راحت فين؟ "هي مراحتش، هو خدها غصب عنها." أخذت إيمان تنتحب وهي تلطم: "بنتي، بنتي، خدها فين ومين ده؟ "محدش يعرفه يا ست إيمان." بعد منتصف الليل، عاد مراد ظنًا منه أنها قد خلدت للنوم، ولكنه سمع صوت بكائها. جلس أرضًا على الطرف الآخر من الباب وأرجع رأسه للخلف كأنه يواسيه.
بعد عدة ساعات، بزغ الفجر وهدأت أنفاسها واختفت شهقاتها. فتح الباب بروية وهدوء ليجدها ممددة أرضًا وأثر البكاء ما زال يرتسم على وجنتيها. حملها بين يديه ووضعها على السرير وجلس بجانبها يرسم بأصابعه ملامح وجهها البريء، يتسائل كيف لهذه الملاك أن تكون نصابة وسارقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!