الفصل 4 | من 7 فصل

رواية التوأم الفصل الرابع 4 - بقلم راغدة

المشاهدات
21
كلمة
1,629
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

مضى يومان من أصعب الأيام على نرمين التي لم تتحرك من أمام العناية تنتظر والدتها أن تفتح عينيها. كان صالح ووالدته معها ولا يفارقانها، وكان أيضاً مراد الذي يشعر بالذنب وتأنيب الضمير لما آل إليه الأمر. فاقت إيمان وبدأت تستعيد عافيتها وتم نقلها إلى غرفة عادية. وبعد لقائها الحميمي الذي كان لا يخلو من البكاء، طلبت إيمان أن تلتقي بمراد. اعترضت نرمين وصالح بداية، ولكن إصرارها أرغمهما على الخضوع لمطلبها.

بخطى مثقلة دلف إليها، وما إن اقترب منها حتى قال معتذراً: "أنا بعتذر منك، وحقك عليا. مكانش قصدي، وصدقيني دي مش نرمين." إيمان بصوت ضعيف: "اقفل الباب." التفت حوله وأقفل الباب بوجه صالح الذي كان يقف أمامه. ساعدها مراد لتعتدل بجلستها وقالت: "الكلام اللي هقولك عليه هيفضل بينا، ومش عاوزة نرمين تعرف عنه حاجة لحد ما ييجي الوقت المناسب وأقولها أنا." جلس على الكرسي أمامها وقال بكل تأكيد: "أوعدك محدش هيعرف."

تنهدت بألم وعادت بذكرياتها لأكثر من خمسة وعشرين عاماً. فلاش باك إيمان بصراخ: "حرام عليك الي بتعمله بينا. بنتك محتاجة عملية وأنت مضيع فلوسك عالحرام والهباب الي بتشربه." "ادفعيها." قال وليد بقسوة لترتطم رأسها بقوة بالحائط وتتأوه بألم. نظر لها بقسوة وحمل إحدى الطفلتين وقال: "أنا هاخد بنتي، وأنتِ اشبعي باللي كل اهتمامك بيها. ويا رب أسمع خبرك أنتِ وهيا قريب." إيمان بصراخ: "لا لا، أنت واخد بنتي فين؟ وليد ارجع."

حاملت على نفسها وجرت خلفه، ولكنه كان قد انطلق بسيارته تاركاً خلفه زوجته وابنته المريضة. بحثت عنهم كثيراً عند أقاربه وكل معارفهم، ولكنه اختفى تماماً، كأنه لم يكن له وجود. وفي أحد الأيام تفاجأت برجل غريب يطرق بابها. "السلام عليكم." "وعليكم السلام." "مدام إيمان؟ "أيوة أنا." "ممكن توقّعي عالورق أنك استلمتي،" وناولها ظرفاً. وقعت على الدفتر الذي كان يحمله وانصرف الرجل لتتفاجأ بورقة طلاقها.

شعرت أن الدنيا تتلاعب بها دون رحمة. ألا يكفي ما فعله بها وخطف صغيرتها أيضاً؟ طلقها غيابياً. هنا إيمان باتت على يقين أنه لن يعود، وعليها أن تعتمد على نفسها وتعمل لتأمين تكاليف العملية. ولكن وليد لم يستكفِ بهذا، ففي نفس اليوم جاء رجل آخر معه رسالة من كان زوجها مع كارثتين. الأولى أنه قد باع منزله لهذا الرجل وعليها إخلاؤه في أقرب وقت. والأخرى يخبر أن ابنتها قد فارقت الحياة. صرخت كثيراً وبكت حتى شعرت أنها قد فقدت بصرها.

هون عليها جيرانها قليلاً وأرسلوا بمن يخبر والدها بما تعانيه ابنته. جاء والدها وأخذها مع ابنته إلى منزله البسيط واعتنى بكلاهما رغم كبر سنه وحاجته لمن يعتني به. واستطاع أن يستلف مبلغاً مالياً وبعض المساعدة من أهل الخير المقيمين بنفس الحي أن يؤمن تكاليف عملية حفيدته. ومن هنا تغيرت إيمان وحياتها، وبات كل همها عنايتها بابنتها ووالدها الذي أثبت أن الرجال ليسوا سواسية.

ومضت بضع سنوات ليفارق والدها الحياة ويتركها تلاطم مصاعب الحياة وبقلبها حسرة على صغيرتها. عملت بالخياطة لتأمين لقمة عيشها هي ووحيدتها، دافنة الماضي بكل ما به من قسوة. نهاية الفلاش باك عادت من ذكرياتها وهي تقول: "بنتي نيفين يا مراد، أكيد هي. عمر قلبي ما صدق أنها ماتت." كان يستمع لها وعيناه تبكي رغماً عنه، وبقلبه يتوعد لذلك المدعو وليد على قسوته وما فعله بهذه السيدة وبطفلتيها. اقترب منها وأمسك يدها وقبلها وقال:

"أوعدك هدّور عليها وهلاقيها، حتى لو بآخر يوم بعمري." أجهشت بالبكاء، فاحتضنها وقلبه يبكي عليها قبل عينيه. سمح الطبيب بخروج إيمان مع توصياته بالراحة وعدم الانفعال أو أن تتعرض للزعل والإجهاد. بعد عودتهم، استلقت إيمان على سريرها، وأسرعت نرمين بتحضير الطعام، تاركة أم صالح معها. وحين دلفت للصالة وجدت بعض الأغراض ملقية أرضاً منذ تعب والدتها.

فانخفضت لتعيد كل شيء مكانه، ولكنها وجدت تلك الصورة لتصاب بصدمة وتزداد حيرتها حين رأت نفسها مع مراد. تأملتها كثيراً لتجد فارقاً واحداً بينهم. نظرتها المليئة بالثقة والغرور، وأكثر من هذا نظرة إغراء واضحة. نفضت أفكارها وأخفت الصورة لتكمل الترتيب وإعداد الطعام. أسبوعان كاملان نقلت نرمين إقامتها الكاملة لغرفة والدتها واعتنت بها رغم تحسنها.

كان مراد يأتي كل بضعة أيام لزيارة إيمان وتقرب من نرمين التي اتضح أنها النقيض من شقيقتها، فهي طيبة وليست لعوباً، وبانية ملتزمة لحد كبير، عزيزة النفس، رفضت أي مساعدة مالية منه، بل وعدته أنها ستسد تكاليف المشفى التي دفعها لوالدتها. استشعر الحب والدفء بداخل هذا المنزل البسيط، وهذا ما كان يفتقده منذ وفاة والديه بحادث سير مؤلم وهو ببداية شبابه.

كثف مراد جهوده وعين بدل المحقق اثنين، ولجأ لأصدقائه في المباحث، وأغدق بالأموال على الجميع في سبيل إيجاد وليد ونيفين. وفي أحد الأيام أخبره صديقه أنه بحاجة لمعلومات أكثر، وأن وجود صورة لهما ستكون مفيدة أكثر، فذهب مراد لزيارة إيمان. جلس مراد أمام إيمان وعينا نرمين تراقبه، فهي لم ترتح له وتشعر بأن هنالك ما هو خفي عنها بينه وبين والدته. مراد لإيمان: "عاملة إيه يا طنط؟ إيمان: "الحمد لله يا ابني، تسلم على سؤالك."

نظرت لابنتها وقالت: "اعمليلنا قهوة." وما أن تركتهما حتى قال مراد: "عاوز صورة للآنسة نرمين ومعلومات عن وليد، ممكن تساعدنا؟ إيمان: "صورة لـ نرمين ليه؟ مراد: "أنتِ ناسيه إن نرمين ونيفين نفس الشكل؟ هزت رأسها بمرارة وقامت من مكانها: "ثواني وهجيبلك طلبك." عادت بعد دقائق وبيدها صورة لابنتها وحقيبة صغيرة قديمة جداً. أعطته إياها وقالت: "هنا في صور قديمة لينا، وفي قسيمة جوازي وقسيمة طلاقي وشهادة ميلاد البنات."

أمسكها بسرعة وهو يقول: "ده المطلوب. إحنا ممكن نجيبه من بياناتها." أكملا حديثهما غافلين عن تلك التي تقف بشرود تستمع لحديثهما. أنهى مراد قهوته وغادر، وما أن أغلقت إيمان الباب خلفه حتى وجدت ابنتها تقف أمامها بنظرة اتهام ولوم. أيقنت إيمان أن سرها قد كشف قبل أن تبوح هي به. نرمين بنبرة ألم: "كنتي هتقولي إمتى إن بابا عايش؟ خبيتي عليا السنين دي كلها، وأنتِ مفهماني إنه مات. ليا أخت وأنا عايشة لوحدي عمر بحاله. ليه عملتي كده؟

لييييييه؟ قالت آخر كلماتها بصراخ لتركض نحوها إيمان وتأخذها بأحضانها وهي تقول: "اسمعيني الأول قبل ما تحكمي. اسمعيني عشان تعرفي إن أنا نفسي مكنتش أعرف هما عايشين ولا لأ." نرمين بنبرة تعجب: "إزاي متعرفيش؟ وأنا سمعتكم بوداني، أنتِ واللي اسمه مراد ده." تنهدت إيمان وقالت: "تعالي جوا وأنا هفهمك كل حاجة."

قصت إيمان لها الماضي بكل مرارته، وأيضاً زواج شقيقتها من مراد، وكيف ساقها القدر أمامه ليراها ويكون هو يد العون ليبحث لها عن نيفين. مضت أيام على نرمين وهي تفكر بمدى قسوة المدعو والدها، فكيف له أن يترك والدتها وهي بهذه الطيبة والحنان، وكيف يكون عنده قلب ويترك صغيرته من كانت تصارع الموت دون أن يلتفت لها، بل إن ما بصدره حجر صوان ليخبر أم أن طفلتها قد فارقت الحياة وهي حية ترزق.

وأيضاً فكرت بهذا المراد الذي برغم ما فعلته به شقيقتها، إلا أنه ما زال يبحث عنها بل ويعشقها. نعم، كان قاسياً حين خطفها واحتجزها، ولكنها تتذكر كسرته ونظرته وتوسلاته له. باتت لياليها محتضنة تلك الصورة تحاول فهم هذه القريبة البعيدة. أما عن مراد، فبعد حصوله على بيانات وليد الحقيقية، أصبح العثور عليه مسألة وقت فقط.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...