جلست إيمان في بيتها البسيط وحولها جاراتها، منهن من تبكي معها، ومنهن من تواسيها، ومنهن من تجلس تمصمص شفتيها وترمُقها بنظرات تخفي خلفها الكثير والكثير. إيمان ببكاء: يرضيكوا يقول عن بنتي كده؟ دي تربية إيدكم. عاشت طول عمرها بينكم، واكيد عارفين أخلاقها إيه. الجارة الأولى أم صالح: أكيد مش مصدقين، الظابط ده ميعرفهاش وبيقول أي كلام. الجارة الأخرى التي تجلس بعيدًا
وتدعى مروة: متاخذنيش يا أم نرمين بس مفيش دخان من غير نار. أومال ليه جه خدها هي دونًا عن أي بنت تانية إن مكانش يعرفها. شعرت إيمان وكأن صاعقة قد ضربتها، وقبل أن ترد هتفت أم صالح: اتلمي يا مروة، بنتنا نرمين متربية وعمرها ما تعمل حاجة غلط، وإنتي بنفسك سمعتي صالح قال إنه خدها غصب عنه، بس الظابط ده عاوز يريح دماغه وميدورش عليه.
نظرت مروة لها وابتسمت بتهكم وهي تخرج من المنزل. نكست إيمان رأسها دون أن تعقب على كلام مروة أمام هذا الجمع من السيدات. استيقظت نرمين تشعر باعياء وتعب بكل أنحاء جسدها، وتشعر بوخز بكتفها. فتحت عينيها لتجده يضع رأسه على كتفها مغمض العينين، لتنتفض بسرعة وتقع أرضًا بسبب تعبها وعدم توازنها. استيقظ على انتفاضتها من جانبها. اقترب منها قليلاً لتمد يدها أمامه مشيرة له بالتوقف، وقالت باعياء: خليك عندك، متقربليش.
بقي مكانه وقال: مش هقرب، إنتي كويسة؟ شكلك تعبانة. قالت: ملكاش دعوة بيا، أنا عاوزة أروح. أبوس إيدك سيبني، ماما هتروح فيها، حرام عليك. لا يعلم لماذا شعر أنها صادقة، ولكن كيف ذلك؟ ومع كل ما بداخله من حيرة قال: طب متعيطيش، وأنا هجيبلك مامك لحد هنا، اديني عنوانها. صرخت به: تجيبها فين؟ وبصفتك إيه؟ وجبتني هنا ليه؟ إنت أكيد مجنون أو... همس مراد: أو إيه؟ نظرت للفراغ وقالت: تكون بتشبه علي.
نظر لها قليلاً وبعدها بدأ يضحك بصوت عالٍ: ههههههه حلوة اللعبة الجديدة دي. تصدقي كنت هصدقك. اقترب منها كالنمر يتصيد فريسته، ثم بلحظة كان يقبض على يدها ويهمس بأذنها: أنا عرفت هفكرك بيا إزاي. قالت بخوف: إزاي؟ مراد: إنتي ناسيه إننا متجوزين، بس للأسف عالورق. نظر بقسوة لها وقال بحده: بس مش لكثير، عشان أنا قررت آخد حقي الشرعي اللي حرمتيني منه.
قالها ولم يعطها وقتًا لتستوعب ما يقول، وجذبها نحوه يقبلها. ولكن نفسها الدافئ الذي لفح وجهه جعله يتراجع، ويلمس وجنتها ليجد حرارتها مرتفعة، عينيها ذابلة محتقنة باللون الأحمر، تنظر للفراغ. نرمين وهي تتراجع للخلف برعب: بالله عليك ما تقربلي. والله أنا أول مرة أشوفك كانت امبارح.
وقف مراد سريعًا مغادرًا الغرفة، يلعن نفسه والظروف. كيف لا يصدقها والصدق ينبض بكل كلمة وكل نظرة، وحرصها على ألا يلمسها. إنها تختلف، فـ نادين، وبعد طول تفكير، نادين كانت وقحة لعوب، كانت تتلاعب به وبمشاعره بلمساتها الجريئة. دخل لها ثانية وقال بحزم دون أن ينظر لها: قومي معايا أوصلك. بقيت بمكانها بخوف. ليقول ثانية: مش عاوزة تروحي لمامتك؟ هزت رأسها بلهفة وقالت: أيوه. مراد: يبقى يلا، هوصلك.
في السيارة الخاصة به كانت تجلس وهي تبكي. أوقف مراد السيارة فجأة وقال بعصبية: ممكن أفهم بتعيطي دلوقتي ليه؟ خايفة على ماما تكون تعبت. ثم نظرت له وقالت بلوم: هتقول إيه للناس؟ كنت مع راجل غريب؟ أدار السيارة من جديد وقال: متقلقيش، أنا هتصرف. وبعد قليل وقف أمام صيدلية ودخلها. وبعد قليل عاد ومعه ظرف به بعض الأدوية وأعطاها إياه وأكمل طريقه. وصل مراد إلى الحي، فأشارت له نحو منزلها. وما إن توقف حتى نزلت مسرعة، فهبط خلفها.
طرقات متتالية جعلت والدتها ومن عندها ينتفضون. هرولت إيمان سريعًا وخلفها أم صالح، وما إن فتحت الباب حتى ارتمت نرمين بحضن والدتها التي صرخت باسمها وشدت من احتضانها: الحمد لله بنتي رجعتلي. ظهر من خلفها مراد يتفحص بعينيه والدتها وتلك النسوة التي تجمعت حولها والمنزل البسيط الذي تسكنه. بعد عناق طويل مليء بالمشاعر الجياشة وصوت شهقاتهما، هتفت إيمان: كنتي فين كل ده يا ضنايا؟ تنحنح مراد وقال: السلام عليكم.
انتبهت إيمان لوجوده تحت نظرات هذا الحشد كله، وقالت: وعليكم السلام يا ابني. مد مراد يده لها وقال: اعرفك بنفسي، مراد، والآنسة نرمين كانت معايا. شهقت بعض النساء ورسم الذهول على وجه إيمان، ليقول بتبرير: قصدي كانت بالمستشفى وأنا كنت معاها. إيمان بشفاه مرتجفة: مستشفى؟ إنتي تعبتي تاني؟ نظرت نرمين له وعادت لوالدتها بنظراتها وقالت: اطمني، أنا كويسة. بس أنا روحت مكان ما بتبيع لوحاتها وعرفت إنها اتخطفت. خطف يا... مراد.
كانت هذه كلمات صالح الذي لمحها بالسيارة لحظة دخولها للحين. نظر له مراد بتحدٍ وقال بثقة وهو يضع يده في جيب بنطاله: يبقى اللي قالك فهم الموضوع غلط. أم صالح: طب ادخلوا يا ابني نفهم الموضوع إيه. تقدم صالح وهو يقول: اتفضل. ابتسم مراد وقال: لحظة بس، هجيب حاجة من العربية. خرج معه صالح وشعور بداخله يخبره أنه سيهرب من هنا تاركًا نرمين في ظرفها هذا. ولكن فاجأه مراد حين فتح الباب المجاور للسائق والتقط ظرفًا وعاد به. بعد وقت.
صالح بشك: أومال ليه قالوا إنك سحبتها غصب عنه؟ مراد بعد أن ارتشف القليل من القهوة، وضع القدح وقال: يمكن عشان لما داخت أنا سندتها وركبتها العربية، افتكروني بخطفها. صالح: والدكتور قال عندها إيه؟ مراد: ضعف عام وكتبلها على مقويات وفايتمينز. ثم مد الظرف لإيمان وقال: أنا جبتهم أهو. كانت نرمين تجلس بجوار والدتها متشبثة بها، تفكر كيف له أن يكذب بإتقان ويحبك هذه القصة بهذه البراعة. نظر
لها مراد بابتسامة وقال: هبقى أجي وقت تاني آخد اللوحات اللي كنت طلبتهم منك. ثم استأذن منهم وغادر. أم صالح: حمد لله على سلامتك يا نيمو، خدي بالك من نفسك واحنا هنيجي نطمن عليكي وقت تاني. يلا يا جماعة نسيبهم يرتاحوا. خرج الجميع وبقيت نرمين بحضن والدتها حتى غفوا كلاهما. أدلف مراد لشركته الجديدة وكل ما يشغل باله نرمين وكيف لها أن تكون شخصًا آخر غير نادين. جلس بمكتبه مطولاً، وبعدها هاتف المحامي
الخاص به وقال باختصار: أيوه يا متر، عاوز محقق ثقة يجيبلي كل المعلومات عن البنت اللي هقولك عليه. مضت عدة شهور وما زال مراد يبحث عن نادين، وأيضًا يراقب نرمين، خاصة بعد أن تأكدت شكوكه، فقرر القيام بالخطوة المهمة. وفي أحد الأيام، بعد أن تأكد من خروج نرمين من منزلها، طرق على الباب لتفتح له إيمان ليقول: محتاج أتكلم معاكي بموضوع مهم. جلس كلاهما بالصالة، فقالت: خير يا ابني.
أخرج مراد الصورة الوحيدة التي بحوزته لنادين ووضعها أمامه على الطاولة. نظرت لها إيمان غير مستوعبة لتقول: نرمين. ابتسم بتهكم وقال: نادين. أمسكت الصورة وقالت: مش فاهمة. قال لها وهو يتفرس ملامحها: دي مش نرمين، دي نادين مراتي. أمسكت الصورة سريعًا وهي تنقل نظراتها بينها وبين مراد، لتشعر بانقباضة بصدرها. تغيرت ملامحها ووضعت يدها موضع قلبها، تصارع ألمًا قاتلاً. اقترب منها سريعًا: ست إيمان، إنتي كويسة؟
ولكنها لم تستطع الرد، بل ازداد شحوبها وأصبح تنفسها صعبًا. أخرج هاتفه سريعًا واتصل بالإسعاف، التي وصلت سريعًا ونقلتها للمشفى. كانت ترص لوحاتها أمامها لتسمع لرنين هاتفها، وكانت إحدى الجارات تخبرها أن الإسعاف أخذ والدتها. وحين سألتها عما حدث، قالت الجارة أن هناك شابًا كان معها حين وصل الإسعاف، وأن صالح تبعهم بدراجته.
غلقت الهاتف وحملت حقيبتها مشيرة لسيارة أجرة، واتصلت على صالح الذي أخبرها أنه خلف عربة الإسعاف، وحين يصل سيخبرها باسم المشفى. بعد قليل اتصل بها لتصل بغضون دقائق. دخلت المشفى لتجد أمامها صالح يتعارك مع من؟ مع مراد، وهو يتهمه أنه السبب بتعب السيدة إيمان. صرخت نرمين: ماما فين؟ جرالها إيه؟ نظر لها كلاهما، ليقول صالح: مامتك بالاوضة بيكشفوا عليها. ثم نظر نحو مراد وقال: اسألي الأفندي ده جرالها إيه وعملها إيه؟ اندفعت نحوه
تدفعه بصدره وهي تصرخ به: إنت عاوز مننا إيه؟ عملتلها إيه؟ حرام عليك. لم يجد مراد أي رد على اتهامها، فهو حقًا يشعر بالذنب وأنه السبب بما حدث لها. خرج الطبيب وهو يقول: لازم ننقلها للعناية لأنها بتعاني من ذبحة صدرية، وادعوا تعدي على خير ومتحتاجش جراحة. نرمين ببكاء: عاوزة أشوف ماما. كاد يعترض، ولكن نظرة مراد له جعلته يقول: طب ماشي، بس خمس دقايق عشان لازم ننقلها بسرعة.
دخلت نرمين لتجد والدتها على السرير بملامح مجهدة ووجهه شاحب يغطيه قناع التنفس. احتضنتها وهي تبكي: متسيبنيش يا ماما، أنا مليش بالدنيا دي غيرك، ارجوكي متسبنيش. أخرجها الطبيب وتم نقل والدتها للعناية، لتنهار نرمين فهي ليس لها سواها. جلس صالح بجانبها يواسيها بعد أن هاتف والدته لتأتي وتبقى مع نرمين.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!