الفصل 7 | من 7 فصل

رواية التوأم الفصل السابع 7 - بقلم راغدة

المشاهدات
20
كلمة
2,738
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

في سيارة مراد، كانت تجلس بجواره تفرك يديها ببعضهما بتوتر. تفكر بكلمات مراد وهو يصف والدتها، ولهفة صوتها حين حدثتها. وقارنتهم بكم الليالي التي كانت تحتاج بها لأمها، وكم من مرة كانت ترغب بحضن دافئ يزيح عنها تعب يوم طويل. كم من مرة كانت تحتاج أن تسر لوالدتها عن أمور خاصة بها لم تستطع أن تخبر بها والدها، أمور فتيات لن تفهمها سوى والدتها.

كان يرمقها بين حين وآخر، يلاحظ ارتباكها. فوضع يده على يديها وابتسم لها، يحاول بث الأمان والطمأنينة لها. لتُخرج ابتسامة باهتة على وجهها. أوقف سيارته لتراهما نرمين التي كانت تقف بجانب الشباك تنتظرهم، لتجري سريعًا باتجاه الباب وهي تصرخ: "وصلت يا ماما وصلت".

فتحت الباب ورآها تقف أمام الباب، في حين أن إيمان التي كانت تجري خلفها تعثرت بأسدالها الذي كانت ترتديه لتقع أرضًا. لتمتد لها بدل اليد ثلاث. تلقفتها ابنتيها، كل منهما أمسكتها من يد. ليبتسم مراد وهو يسحب يده ويحك شعره بها وهو يبتسم. شدت إيمان على كفي بناتها اللواتي جثين أمامها، لتحتضن كلاهما وتقبلهما. وينهرن ثلاثتهم ويجهشن ببكاء يقطع نياط القلوب.

نرمين تحتضن والدتها واختها، تشعر أنها اكتملت ووجدت نصفها الآخر. مشاعر عارمة تجتاحها، لم تتخيل يومًا أن يكون لها أخت، بل توأم مطابق لها. تحتضنها كأنها تحتضن نفسها.

نيفين عينيها تذرف الدموع دون توقف، تتلقى قبلات والدتها العشوائية على وجهها وكتفها ويديها. تشعر بأمان ودفء جديد عليها لم تشعر به من قبل. شعرت أن كل هم كانت تحمله اختفى. شعرت بالاكتمال لأول مرة في حياتها. لتترك جسدها يتراخى بين أحضان والدتها، وهي على يقين أن هناك من سيحميها، من سيخفيها بقلبه ويقفل عليها بمفتاح من ذهب. لتدفن نفسها أكثر بداخل حضن والدتها، تستنشق رائحتها، تبحث عن كل ما افتقدته سنوات طوال.

أغمضت عينيها وأطلقت "آه" من صدرها، لتفرغ بها كل الألم وكل الوجع وكل "آه" كانت محتجزة حبيسة عمر بأكمله. إيمان التي عاشت عمرها بحسرة، كسرت قلبها. جبرها الله حين رد لها ابنة قلبها وفلذة كبده. تركض بأقصى سرعتها، تشعر بدوار وأن الأرض تميد تحت قدميها، ولكنها تستمر، تريد أن تصل لها، أن تراها، أن تحتضنها. لتقع أرضًا قبل أن تقر عينها بمرآها.. ولكن الله كان لطيف بها، لتجد بدل اليد اثنتين يسندونها ويتلقفونها.

برودة صعقت جسدها حين لامست كف من افتقدتها. ضمتهما وهي تبكي، أحذت تقبل كل أنش تطاله شفتاه، تستنشق رائحتها كأنها ترياق الحياة لها بعد طول سنين عجاف. صغيرتها بأحضانها، تلمسها، السراب بات حقيقة. تشعر بقلبها سيقفز من بين أضلعها. كلما ضمتها ترغب بضمها بقوة أكبر، وكل قبلة تتبعها قبلة عديدة. لا تريد إبعادها عن أحضانها، تخاف أن تبعدها فتفقدها ثانية. هي لن تتحمل خسارة جديدة وفقدان وهجر، لا لن تتحمل. قلبها لن يقوى، ستموت حتمًا وسيقف نبضها لو ابتعدت عنها.

شعرت بها تدس نفسها بحضنها لتفرح وتغمرها السعادة. ولكن صرخة متألمة خرجت على شكل "آه" من بين شفتي ابنتها، كانت كالخنجر الذي شق قلبها نصفين. مراد يقف بالقرب منهم، يضع يديه على رأسه، غير مصدق أنه شاهد على لقاء حميمي، بريء، طاهر، خالي من أي شوائب أو مصالح. فهذا لقاء القلوب المشتاقة الصادقة. بل الأجمل أنه هو سبب هذا المشهد الملحمي.

كان يراقبهم مع أهل الحي الذين التموا على هذه الأصوات في هذا الوقت من الليل. كان يتابعهم بدقة، يحاول حفر كل لحظة من هذا اللقاء بقلبه وعقله، فهو لن يتكرر. وجفل قلبه حين سمع تلك "الآه" التي تحررت أخيرًا. ولكن ما هي إلا دقائق قليلة ورأى يدي إيمان تتراخى عن ابنتيها، ليركض سريعًا هو وصالح ويجلسا خلف إيمان كسد منيع وسند لها، يمنعان انقلابها للخلف. كالزهرة تحيط بها بتلاتها، هذا أقرب وصف لهما.

إيمان تتوسط أربعة رجال، سدًا وسندًا رزقها الله بهما، كانهما من صلبها. وابنتيها قرة عينيها اللآتي اجتمعتا أخيرًا، يحيطون بها، لتغمض عينيها قريرة مطمئنة، فها هو الله قد حقق دعاءها الذي لم تكف عنه منذ أول لحظة فراق. ولن يخزلها ولن يحرمها لذة اللقاء، لن يفرقها عمن اشتاق لها قلبها قبل عينيها. ممددة على سريرها، تغط بنوم عميق بعد أن أعطاها الطبيب حقنة مهدئة. تجلس ابنتيها بجانبها. نيفين منهارة من البكاء المتواصل.

اقتربت نحوها نرمين وقالت: "حبيبتي متخافيش، الدكتور طمنا وهتبقى كويسة". ثم احتضنتها بقوة. وبعد وقت قليل غفت الفتاتان بجانب والدتهما، وكانت تتوسطهم نيفين التي نعمت بنوم هانئ ومريح لأول مرة بحياتها. مع مرور الأيام، تحسنت حالة وليد وعُرض على المحكمة ونال عقوبته. إضافة إلى عقوبة أقسى حين رأى ابنته نرمين تجلس بجوار نيفين تحاول التخفيف عنها وشد أزره.

بعد النطق بالحكم، اقتربت منه نرمين. لم يجد ما يقوله واكتفى بصمته ونظراته التي كانت تعبر عن أسفه وندمه. ولكن ما الفائدة؟ وبعد ماذا؟ كانت نرمين لا تشعر بحميمية نحوه، فابتسمت بمرارة وقالت: "أنا مسامحاك على أنك اتخليت عني ومكونتش عاوزني، بس عمري ما هسامحك على بعدي عن أختي، ولا عمري هسامحك على قهرة أمي ووجعها طول السنين دي". ليشعر أن كلامها كان أقسى من أي حكم قد ناله. شعر بالندم، ولكن بعد ماذا؟

لتتركه بعد لقاء أدمى قلبه وغادرت، تاركة إياه مع ضميره ليعذبه، هذا إن كان حقًا يملك ضميرًا. أما مراد، المحامي الخاص به، ليساعد محامي وليد بالقضايا المنسوبة لنيفين. وتبين أن كل عقود الزواج مزيفة، وبما أنها لم تقضِ مع أي منهما ليلة أو أي علاقة، فأسقطت الدعاوى وأعادت لكل منهم أمواله مما جمعته مع والدها على مدار سنوات. مراد: يعني إحنا مش متجوزين؟ هزت رأسها وقالت: لأ. مراد: بس أنا مش مرتاح وعاوز أريح ضميري.

نيفين: وعاوز تريحه إزاي؟ تلفت حوله وقال: انتي طالق. ثم قال: بالتلاتة. لتنفجر نيفين بالضحك وقالت: كده ضميرك ارتاح؟ مراد: أيوه. نيفين: ابقى ريح قلبك بسرعة برضه قبل ما ييجي غيرك ويخطفها منكم. مراد: تفتكري هتوافق؟ رفعت كتفها ومطت شفتيها وقالت: أنا هقنعها متوافقش. وسارت بخطى واثقة ليتبعها وهو يوبخها ويتوعد لها إن حاولت مجرد المحاولة أن تفرقه عن حبه، وهي تضحك على حاله.

تم شمل العائلة واستعادت إيمان ابنتها التي انتقلت للإقامة معها. عرض مراد على نيفين أن تعمل معه بالشركة، فهي حقًا بارعة بالدعاية والإعلان. فوافقتا. أكملت نرمين مشوارها الفني برسم اللوحات بتشجيع من مراد ونيفين، بل واقنعوها بإقامة معرض للوحاتها الذي سيكون مراد شريكًا معها، وذلك بتأمين المكان المناسب وهي بالرسومات، وتولت شقيقتها الدعاية لها على أوسع نطاق. بعد تسعة أشهر، انتهت الفتيات من وضع اللمسات الأخيرة،

ليقول مراد بانبهار: "واو، المعرض تحفة يا بنات بجد، مكونتش متوقع أنه هيبقى بالشكل ده". نيفين: "بكرة كمان هتشوف أما يتملي ناس وكل اللوحات دي تتباع". ضحك مراد وقال: "طبعًا بعد الإعلانات اللي روجتيها، المعرض لازم يتملي". تنهدت نرمين وقالت: "أنا خايفة وبطني بتمغصني". اقترب منها مراد وأمسك يدها: "مالك يا حبيبتي؟ تعالي أخودك الدكتور تكشفيل".

لوت نيفين شفتيها وقالت: "ابتدينا بقى، ما تتلموا يا جدعان، انت يا مراد انشف شوية مش كل ما تتنفس تقولها نكشف، وانتي يا سندريلا بطلي خوف من كل حاجة". مراد: "انتي مش شايفة وشها أصفر إزاي؟ نيفين: "شايفاها طبعًا، وبرضه شفتها لما فاجئتها بفكرة المعرض، وشفتها يوم ما طلبتها للجواز". لتصمت قليلاً وتتبادل هي ومراد النظرات، ومن ثم انفجرا بالضحك. فلاش باك:

في أحد المطاعم، بعد أن انتهوا من تناول وجبة العشاء التي أصر عليها مراد، فجأة أطفأت الأضواء وتحولت الجدران إلى لوحة فنية رائعة مضاءة بإضاءة حمراء خافتة ومكتوب بها: "هل تقبلين الزواج مني؟ كان الهدوء يعم المكان والصمت حليفه. ليتحرك مراد من مكانه ويجثو على ركبته أمام نرمين وهو يحمل بيده خاتم رائع وقال: "نيمو، تقبلي تتجوزيني؟

تكوني نصي التاني، النص الأجمل والأرقى والأنقى. تقبلي تقضي معايا حياتي اللي ناقصة ومش هتكتمل إلا بيكي ومعاكي. تسمحيلي أحبك وأكون جزء من حياتك؟ وافقي وادي لحياتي معنى. وافقي وارحمي قلبي اللي مش بينبض إلا بوجودك ولا بيحس بالسعادة إلا بنظرة عيونك". كان الكل ينتظر إجابتها وبدأوا تشجيعها. اصفر لون بشرتها وبهتت ملامحها وتسارعت أنفاسها. بدأ الكل يهدئها وهي معلقة عينيها على مراد، حتى هدأت قليلاً

لتقول بكل غباء: "أنا بطني بتوجعني". يضحك عليها كل الحاضرين. ليمسك يدها ويهمس لها: "وافقي وهتنسي كل وجع". لتخفض وجهها الذي تحول كحبة طماطم. لتقول نيفين: "إيه الحب اللي يجيب المغص ده؟ عودة للحاضر. رن هاتف نرمين باسم والدتها لتتركهم وتجيبها. "أيوه يا ماما". "أهو خلصنا وجايين". أغلقت مع والدتها وتلتفت لهم لتجد صالح ينظر لنيفين بغضب وهو يهتف بها: "أنا كام مرة قلتلك مسمعش صوت ضحكتك دي". نيفين: "وانت مالك؟

أضحك أعياط ده شيء ميخصكش". صالح بعند: "لا بيخصني يا سنيورة، وكل حاجة بتعمليها وبتتصرفيها بتخصني أنا". نيفين وهي ترفع إصبعها بوجهه: "لا بقولك إيه؟ فوق لنفسك. انت لا أبويا ولا أخويا ولا خطيبي عشان تتحكم بيا". أمسك إصبعها وضغط عليه وقال: "هبقى يا بت، وابقي قولي لخالتك إننا جايين الليلة نشرب عندها قهوة". وتركها وخرج لتضحك بصوت عالٍ. نرمين بعتب: "وبعدين معاكي يا نيفين؟

صالح راجل بجد وبيحبك وبيغير عليكي، وانتي اللي بتعاندي بكل مرة بتشوفيه". نيفين بغرور: "هو يطول يحبني". مراد وهو يلكزها بكتفها: "يا بنتي بس بقى، عينيكي فاضحينك. ثم أردف: انتي فاكرة إني مش فاهمك؟ كل ما تشوفيه تقعدي تضحكي معايا وتهزري وانتي عارفة إنه بيغير عليكي". نظرت له بسخط وقالت: "يلا نروح، أنا جعت". في منزل إيمان، على طاولة الطعام كانت تجلس إيمان وابنتيها، كل منهما تجلس بطرف ومراد بجانب نرمين.

نيفين: "يا يا ماما ريحة الأكل تهبل". وبدأت تسكب لنفسها لتضربها إيمان بخفة على كف يدها: "استني، في ضيف هييجي". نيفين: "ومين الضيف ده؟ إيمان: "صالح". عادت نيفين لسكب الطعام بصحنها وهي تقول بامتعاض: "واستنى سي صالح ليه إن شاء الله؟ ثم نظرت لوالدتها: "وهو ليه كل يوم والتاني يتنطط وييجي؟ ملوش بيت يلمه ولا طنط أم صالح مش بتعمل أكل؟ وهو أنا باجي عشان آكل؟

جاءها الرد ممن سحب الكرسي الملاصق لها، لتنظر له بغرور وهي تلف خصلة من شعرها حول إصبعها. "أومال بتيجي ليها؟ خذ صحن الطعام الممتلئ أمامه ووضعه أمامه وتذوق الطعام وقال: "عشان أشوف ست الكل طبعًا". ضحكت إيمان وقالت: "تشوف السعادة يا ضنايا، ويحققلك اللي ببالك". أزاحت كرسيها بغضب وقبل أن تقف، أمسكها صالح من يدها وشدها نحوه وقال: "إيه رأيك يا مراد نعمل فرحنا مع بعض؟ ضحك مراد وقال: "وماله؟

انت بس شوف عروسة حلوة تليق بيك ونعمله". صالح: "العروسة موجودة، وهاخد خالتي إيمان تشوفها لو مناسبة". نيفين بعصبية: "وماما مالها بجوازك؟ خد أمك وروح شوفها". قرب وجهه من وجهها وقال وهو يضغط على أسنانه: "وهو في وحدة محترمة تقول لخطيبها خد أمك؟ نيفين: "خطيب مبنصالح: خطيبك انتي. أومال خطيب خالتي". نظر لإيمان وقال: "خالتي، أنا كنت هاجي بالليل أنا وماما نطلب إيد نيفين، بس خير البر عاجلها".

إيمان: "والله يا ابني أنا مش هلاقي أحسن منك لبنتي". صالح بابتسامة عريضة: "طب نقرا الفاتحة يلا". رفع الجميع يديهم لتقول نيفين: "وأنا مش موافقة". صالح: "اتنيلي واقري معانا". ليضحك الجميع ويقرؤون الفاتحة، وقد تحول وجهها للون الأحمر. صالح بهمس لها: "أحمدك يا رب، عشت وشوفتك بتتكسفي والقطة واكلة لسانك".

بعد أن جهزت إيمان ابنتيها بأفضل ما استطاعت، تم تحديد موعد الزفاف وزفت ابنتيها بنفس ذات اليوم. كان يومًا صعبًا عليها لأبعد الحدود، فها هي ستعود لوحدتها وستبتعد عنها ابنتيها. ولكنها كانت تشعر بالسعادة والراحة، فالله رزقهما بزوجين يحبوهما ويحباها، وهي تعتبرهم أبناءها. لن تنسى أبدًا حين فاجأها بأحد المرات مراد وسألها وعينيه تفيض حبًا وتلمع كالزجاج، وهو يمنع دموعته من الهبوط: "تسمحيلي أناديكي ماما؟ قالها

بغصة لتحتضنه وهي تقول: "يشهد الله أني بعتبرك ابني مش خطيب بنتي، لو هتكون مرتاح قولها وأنا هكون أسعد أم بالدنيا". كم حزنت حين بكى بحضنها وهو يخبرها بالحادث الذي أودى بحياة والديه وتخلي عمه عنه، ليشق طريق حياته وحيدًا. نعم، هو ابنها الذي أعاد لها روحها الضائعة.

أما صالح، فهي تعرفه منذ كان طفل صغير، وكان يقضي وقتًا كبيرًا في منزلها. حتى بعد أن كبر لم يتوقف عن ودها وزيارتها. ازدادت ابتسامتها حين تذكرت أنها كانت تتمنى وتدعو الله أن يكون زوجًا لابنتها ليحميها من غدر الزمن، وألا تقع بشبيه لوالدها القاسي. وها هو القدر يلبي أمنيتها، ولكن كانت نيفين بدل نرمين.

عاش أبطالنا حياة هانئة متنعمين بالحب والدفء العائلي. رفضت إيمان عروضهم أن تعيش مع أحدهما، وبقيت بمنزلها تستقبل زياراتهم التي لا تنتهي. ليعج المنزل بصوت الضحكات ومشاكسات نيفين وصالح التي لا تنتهي.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...