بعد وقت ليس بقليل كانت تجلس منهارة على المقعد ويجثو أمامها والدها يحاول فهم ما تتفوه به ولكن لا يستمع إلا لشهقاتها وهي تقول: "عملت فيا كده ليه؟ ذنبنا إيه؟ "صدقيني مش هيجرالك حاجة، أنا عامل حسابي، وفي فلوس كتير ليكي متقلقيش." ازداد نحيبها وصرخت به: "فلوس إيه اللي بتتكلم عنها، هو أنت مش بتفكر إلا بالفلوس؟ "اسمعيني كويس، كل التهم أنا هشيلها وأنتي هتعيشي حرة، والواد وعدني أخد أقل عقوبة وأخرج ونرجع سوا." جاهدت نفسها أن
تكف عن البكاء وقالت بألم: "هو سؤال وعاوزة إجابته... أمي ماتت زي ما قولتلي ولا لأ؟ سؤال فاق كل التوقعات، لم يحسب له حساب، لم يظن يوما أن يعود الماضي من جديد، بل الأقسى أنه كذب كذبته وصدقها وآمن بها وعاش حياته دون النظر لماضيه ولو لمرة واحدة. لجمته الصدمة وعادت إيمان لذكرياته: "أيعقل أنها لم تمت بحسرتها على بناتها؟
هو يعلم أنها امرأة ضعيفة لا تستطيع أن تعيش بدونه وهو فارقها بعد أن سرق منها فلذة كبدها بل أعلن موتها لها. كيف قاومت؟ ولما عادت؟ ولماذا؟ أخرجه من ذكرياته صوتها الذي أدمى قلبه: "حرمتني من ماما ومن اختي لييييييييه؟ شعر أن الأرض تلف به، أخته، ابنته التي كانت تصارع الموت، ماذا يحدث وكيف؟ أكل مخططاته وكل ما سعى له ذهب هباء، أحيى بكذبة هو كتبها ومثلها بإتقان ولكن تلقى صفعة في النهاية.
لم يتحمل ما يحدث ليسقط أرضاً غائباً عن الوعي، وكان آخر ما استمع له صرخة ابنته الملتاعة: "بابااااااااا! *** في منزل إيمان. كانت تجلس على مصلاها تسبح وتذكر الله، لا تعلم لما ينهشها قلبها، تشعر بشعور غريب، لا تشعر براحة. لم يحدثها اليوم مراد بغير عادته، فهو كل يوم يحدثها ويعدها مراراً وتكراراً أنه سيجدها، ولكن اليوم منذ الصباح لم يتصل، وها هو الليل أسدل ستائره دون خبر منه. تنهدت بحسرة وقالت لنفسها:
"مقدرش ألومك يا ابني ولا أحملك شيلة مش شيلتك." "يا رب أنت عالم بحالي، يا رب تجمعني بضنايا وتطمن قلبي عليها، يا رب أنا طمعانة بكرمك ترجعها لحضني، أنا ما صدقت إني أتأكد أنها عايشة." ثم طوت مصلاها وذهبت لسريرها ولسانها لم يتوقف عن الذكر. ***
في المشفى، وأمام العناية المكثفة التي لا تسمع بها سوى رنين أجهزتها، يقف عسكري وتجلس على المقعد أمامه نيفين، واضعة رأسها بين كفيها. ماذا يخبئ لها هذا اليوم الذي لا ينتهي عن مفاجآته وصفعه مرة تلو الأخرى. كان مراد يسير أمامها، يود لو يستطيع التخفيف عنها. لأول مرة منذ عرفها يراها بهذا الضعف والانكسار. جثى أمام قدميها وأمسك بكفيها التي كانت شديدة البرودة ليفاركهما بين يديه وهو يقول:
"هتعدي على خير، باباكي قوي وهيبقى زي الحصان." همست بضعف كبير وعيناها تذرف دمعاتها بغزارة على وجنتيها: "أنا السبب، أنا أنا." سحبها مراد لأحضانه وهو يربت على ظهرها: "متلوميش نفسك، لأن ده مش ذنبك، وهو هيبقى كويس بس أنتي ادعيله." بقيت تبكي بأحضان حتى هدأت واستكانت، لتخرج من أحضانه وتعود لمقعدها وهي تقول: "يا رب اشفيه يا رب." جلس بجوارها وبين فينة وأخرى يمد يده يتلمس موضع قلبه، ليجبرها فضولها على سؤاله: "مراد، أنت كويس؟
ابتسم لها وأومأ برأسه: "أيوة أنا كويس، أنتي كويسة؟ ابتسمت له: "أنا كويسة، بس شايفاك كل شوية بتحط إيدك على قلبك." زم شفتيه ومن ثم ابتسم وهو يخرج صورة شقيقتها ويمدها لها. أمسكتها وتأملتها وهمست: "أنت تعرفها؟ أجابها بنبرة حب: "أيوة." عقدت حاجبيها قليلاً وعادت بنظراتها للصورة: "طب كلمني عنها شوية، باين القعدة طويلة ومفيش حاجة نعملها." أطلق تنهيدة وقال:
"نرمين دي بنت بريئة أوي وهادية، قريبة للقلب، سهلة التعامل والمعشر، خجولة بتتكسف لو حد مدحها بكلمة، وعزيزة نفس لدرجة تلاقي نفسك صغير أوي قدامها، نظرة من عينيها تحلي يومك، ابتسامتها يااااه، مشوفتش بحياتي ابتسامة رضا زي اللي بشوفها على وشها. إنسانة مسؤولة، شالت الحمل من بدري عشان تقدر تصرف عليها وعلى مامتها وتريحها بعد شقاها سنين طويلة، مجتهدة وفنانة بترسم لوحات حلوة أوي تشبهها بكل تفاصيلها، تحسيها بترسم بقلبها مش بإيدها. لما تتكلم تحسي عصفور بيغرد."
كانت تستمع له وعلى وجهها ابتسامة، فقاطعته قائلة: "قد كده بتحبها؟ صمت ران حولهما لا يشوبه سوى صوت أنفاسه المتهدجة. أيعقل؟ أهذا إحساسه الحقيقي الذي يسكن قلبه؟ ولكن... هي أخت زوجته، مهما كانت ظروف زواجه، فنيفين ما زالت زوجته وهذا لا يجوز حتى مجرد التفكير به. قطعت الصمت وهي تقول: "حابة أتعرف عليها، من كلامك حبيتها... بس يا ترى هتقبل تشوفني وأنا... صمتت ولم تكمل. ليقول هو:
"دي بتحلم باليوم اللي تقابلك فيه، ومامتك الست إيمان دي هتموت وتاخدك بحضنها. أما تقابليهم هتحبيهم أوي." "ماما... هي شكلها إيه؟
"ست أصيلة محاربة وبنفس الوقت هشة وضعيفة وطيبة أوي. حضنها دافي، حنونة، قلبها كبير وحنون، مهما كنتي وحيدة وبغربة هتلاقي نفسك بوجودها. أم معطاءة بتدي من قلبها ومش بتستنى مقابل، كلامها دوا لأي جرح، بتفهمك من غير ما تتكلمي، حساسة لأبعد الحدود، دمعتها قريبة. الزمن جار عليها وكسرها وساب جراحه عليها، مع كل خط بوشها حكاية ألم، تبصي لها تحسيها خليط جميل، ممكن تلاقي ملامحها بوش أي ست مش غريبة ولا متكبرة، مستعدة تحرم نفسها عشان تسعد غيرها."
قالت بمرارة ودموعها تخونها: "يا بختك." أشفق عليها، ليلف يده حول كتفها ويهمس بأذنها: "هسمعك صوتها." شعرت بغصة ولهفة وشوق. أخرج هاتفه وطلب رقم إيمان وفتح مكبر الصوت ليصلهم صوتها. "السلام عليكم، ازيك يا ابني؟ ابتسم مراد وأجابها: "وعليكم السلام، أنا الحمد لله بخير، أنتي عاملة إيه؟ "نحمد الله يا ضنايا، قلقتني عليك لما مكلمتنيش النهارده." "ولما قلقتك متصلتيش ليه؟ تنحنت وقالت بإحراج:
"خفت أضايقك باتصالي أو أفرض نفسي عليك وتفتكر إني اتصلت عشان نيفين. تنهدت وقالت: ربنا يعلم إني بعتبرك ابني الي كنت أتمناه ومعزتك من معزة بناتي وعشمي بربنا كبير إنه يجمعني ببنتي بس مش على حساب راحتك ووقتك." كانت نيفين تستمع لصوتها وهي تبتسم وتبكي، غير مصدقة أنها حقيقة. رمقها مراد وقال: "أنا عندي ليكي مفاجأة هتفرحك، بس قوليلي أنتي واقفة ولا قاعدة؟ "إيمان بضحك: أنا قاعدة، فرحني." يقول بصوت واثق تغمره السعادة: "لقيتها."
صرخت إيمان بلهفة: "بنتي بنتي بنتي، لقيتها بجد؟ قرب الهاتف من نيفين وهو يحرك رأسه لها يشجعها، حتى قالت بغصة: "ماما." ازدادت صرخات إيمان وصوتها ملؤه البكاء: "يا ضنايا يا بنتي! أنتي بنتي مش كده؟ لم تجد رداً لتكمل: "أنا أمك يا حبيبتي، متخليش عليا واسمعيني صوتك، قلبي ناطف عليكي." علت صرخات إيمان ففزعت نرمين وركضت نحو غرفة والدتها: "ماما في إيه؟ لتتصلب أوصالها وهي تستمع لوالدتها ترجو نيفين أن تتحدث. جذبت الهاتف من
والدتها وقالت بصوت مرتجف: "نيفين؟ أجابها مراد بعد أن علا نشيج بكاء إيمان على الهاتف ونيفين بجانبه: "أيوة، با نرمين، أختك معايا." "نرمين بلهفة: اسمع صوتها، عاوزة أكلمها." "نص ساعة ونكون عندكوا." قالها مراد وأقفل هاتفه دون انتظار الرد. سحبها من يدها وهي تجر قدميها خلفه كالمغيبة، المسيرة لا تدري أهذا هو الوقت المناسب أم لا، وهل ستجد ما كانت محرومة منه لأعوام طويلة أم لا. كانت تسير نحو المجهول برغبة ورهبة من المجهول.
ما إن أغلقت نرمين الهاتف حتى همست لوالدتها: "نص ساعة وهتكون هنا."
خرت إيمان ساجدة ونحيبها يزداد وهي تردد الشكر والحمد لله الذي رد لها الغائب. دقائق انتظار مرت كدَهر مضى، عادت بها إيمان للحظة ولادتها وبكاء صغيرتيها، تذكرت أول حضن لنيفين بعد أن افترقت عن توأمها المريضة، تذكرت دفء حضنها ولمس بشرتها الناعمة النديه ورائحتها المهلكة للأنفاس، أول لقاء بين أم وطفلتها، تذكرت عينيها الصغيرتين حين فتحتهما لتخطف قلبها بنظرتها البريئة.
كم كانت تشعر أن قلبها قد امتلأ حباً لها وازداد أضعافاً برؤيتها. تذكرت أيامها التي تعد على أصابع كفيها وهي بأحضانها قبل أن يغدر بها زوجها ويخطفها. كل نظرة وكل صوت وكل حضن اجتاح ذاكرتها لتشعر برائحتها تنبض بعروقها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!