في إحدى الليالي الباردة، حين تتلاشى الظلمة، ويظهر أول خط للنهار، ويقطع الصمت المطلق على قرى الفلاحين طول الليل صوت أذان المؤذن لصلاة الفجر، ويختلط مع صوت الأذان صوت أنين مكتوم، يصدر من إحدى المنازل المجاورة للمسجد. حيث تجلس فتاة تتألم بصمت وأهات مكتومة، وتجلس بجوارها أختها التوأم تواسيها وتحاول أن تساعدها دون أن يشعر بهما أحد. هما روح وريحانة، أختان تؤام لا أحد يستطيع أن يفرق بينهما لدرجة الشبه المتطابقة.
كانت ريحانة تعاني من آلام الوضع، فكانت تضع مولودها، ولكن حالتها الصحية كانت لا تسمح بالحمل من الأساس، فكانت مريضة قلب. وكانت تحاول أختها جاهدة أن تساعدها أن تضع مولودها بسلام دون الاستعانة بأحد من أهل القرية. فهن لا يعرفن أحدًا من أهل القرية، فقد أتين للقرية من خمسة شهور فقط، لا أحد يعرف عنهما شيئًا ولا هما يعلمان عن أحد شيئًا.
كانت روح طبيبة أمراض نسائية، تذهب إلى عملها في مستشفى القرية وتأتي لتعتني بأختها الحامل ولا تتحدث مع أحد. ومع آخر آه أطلقتها ريحانة، ينزل ابنها على يد أختها، وتصعد روحها إلى السماء. احتضنت روح ابن أختها ودموعها تنزل في صمت، فهي تعلم حالة أختها جيدًا وتعلم أيضًا أن لن يستطيع قلبها التحمل.
أغمضت عينيها بشدة من الحزن، ولكنها سرعان ما استعادت السيطرة على نفسها على صوت بكاء الطفل. غطت أختها وأخذت الطفل وقامت بتنظيفه وارتداء الملابس التي اشتراها له أمه. مسحت دموعها بظهر يدها، فهي تعلم أنه لا وقت لها للانهيار. لازم في أسرع وقت أن تأخذ الطفل وتختفي نهائيًا عن الأنظار، فكان مرض أختها هو العائق لهم في السفر من هذه البلدة.
حملت روح ابن أختها وذهبت إلى مكتب الصحة لاستخراج شهادة وفاة أختها. وقدمت ما يثبت أنها مريضة قلب، وكان قلبها يعمل بمعدل ضئيل جدًا. وأخفت تمامًا أنها كانت حامل وأن سبب الوفاة ضعف عضلة القلب بسبب الوضع. وبالفعل، عندما شاهد دكتور الصحة الأشعة وأن فعلاً حالة القلب ضعيفة، استخرج شهادة الوفاة. وقامت روح بدفن جثمان أختها في هدوء دون أن يشعر بها أحد.
وفي صباح اليوم التالي، أخذت كل ما تبقى لها، وأخذت ابن أختها لتذهب به على مصر لتختفي وسط الزحام. استقلت القطار وارتمت على إحدى المقاعد وهي تحتضن الطفل، وأغمضت عينيها ليمر من أمامها شريط ذكرياتها بكل ما فيه من فرح وحزن.
قبل هذا اليوم بعام واحد فقط، كانت روح وريحانة من أسعد الناس على وجه الأرض. كانتا طالبتين في إحدى الجامعات. كانت ريحانة في كلية الآداب، بسبب حالتها الصحية اختارت دراسة مبسطة وسهلة. ولكن روح كانت في كلية الطب. لا أحد يعلم في الجامعة أنهما اثنتان تؤام، فهما لم تجتمعا في مكان واحد، كما أن أيام حضور روح لا تتوافق مع حضور ريحانة. وكانتا يستمتعان بأن من يراهما لا يعرف مع من يتحدث.
كانت روح بحكم كليتها لا يوجد عندها وقت لأي نشاطات أو الاختلاط مع أحد، فكانت تركز في دراستها جيدًا. أما ريحانة، فكانت مريحة واجتماعية ودائمًا المشاركة في ندوات. وفي يوم وهي كالعادة تحضر إحدى الندوات، لفت انتباهها الشخص الذي كان يلقي الندوة ومدى كرهه للنساء وتحقيره لعملهن وأن مكانهن البيوت، وأنهن من يزاحمهن في مجال العمل ويأخذن منهن فرص العمل. قامت ريحانة واقفة تعترض على كلامه وتحدثت بعصبية مبالغ فيها، وقالت:
"خير يا أستاذ، أنت بتتكلم كده ليه؟ ما تتكلم عدل يا تنزل وتسيب حد غيرك بيعرف يتكلم يتكلم." رفع سامر حاجبيه ونظر لها من تحت نظارته الطبية وقال لها بنبرة ساخرة: "وإنتي تطلعي إيه بقى ومين أصلًا سمح لكِ تتكلمي؟ وأنا بتكلم مش عاجبك الندوة ما كنتيش كلفتي خاطرك وحضرتي، وكان ممكن تستأذني وتمشي، محدش ماسك فيكي على فكرة." نظرت له ريحانة ثم صعدت بجواره وماسكت المايك دون أن ترد على كلامه، وقالت بثبات وصوت واثق:
"لم أخلق امرأة ليكسرني رجل.. خلقت امرأة لأنجبك وأربيك لتصبح رجلاً. لم تخلق المرأة لتكون ضعيفة بل خلقت لتكون الأساس، ولا يمكن الأساس أن يضعف وإلا سينهدم البناء." ثم نظرت له نظرة تفحصية وتركت المايك ونزلت دون أن تلتفت له، ولكن وقف جميع الحاضرين واعتلى صوت التصفيق الحار على ما قالته ريحانة. ابتسم سامر، ولكن ظل يفكر فيها بشدة. من أين ظهرت هذه الجنية؟ وأين اختفت؟ من هذه وما اسمها؟ وأي كلية تدرس؟
وكل هذه أسئلة خطرت بذهن سامر وأصر على معرفة كل معلومة تخص هذه الفتاة مجهولة الهوية أو الجنية كما أطلق عليها بسبب ظهورها واختفائها السريع. وفعلاً كلم السائق الذي يعمل عند والده بالتحري عن هذه الفتاة ويعلم من هي. وبالفعل عرف أنها طالبة في كلية الآداب. ذهب إلى مجمع الكليات يبحث عنها، وبالفعل وجدها وكانت تتشاجر مع إحدى الزملاء وكأنها معتادة على افتعال المشاكل. تدخل في الشجار بينها وبين زميل لها وقال وهو يوجه لها
الكلام بنبرة سخرية مفتعلة: "إيه يابنتي، أنتِ على طول عاملة مشاكل كده؟ في بيت الزواحف كل ما أشوفك بتكوني بتتخانقي، شكلك مبتعرفيش تعيشي من غير مشاكل." تركت ريحانة ما كانت تتشاجر معه والتفتت لصوت المتحدث الذي كان يقف مستندًا على الجدار وهو يضع يده حول خصره. ثم أطلقت صرخة وقالت بغضب: "أنت تاني؟ أنت مبتحرمش؟ ممكن أعرف أنت هنا بتعمل إيه؟ ضحك على منظرها وقال: "بصراحة جاي مخصوص عشان أرخم عليكي." "وليه بقى؟
أنت تعرفني منين أصلًا؟ "صحيح معرفكيش، بس هنتعرف حالًا أهو. أنا سامر عز الدين." ومد يده ليصافحها. لم تعره اهتمامًا وقالت: "هي الثقة بالنفس الكبيرة اللي عندك دي، ومين قالك أصلًا أن أنا عايزة أتعرف عليك؟ رفع عينه ينظر لها بتحدي وقال: "هتعرفي وهتكوني أصدقاء كمان." "ياسلام؟ هو مين عمل إيه يابني؟ انزل تحت على الأرض شوية وشوف بتتكلم إزاي." أجاب عليها بنفس الثبات والثقة وقال:
"بقولك اللي هيحصل، ولو مش مصدقة براحتك، بس بأكد إننا هنكون أصدقاء يا آنسة رور." شهقت ريحانة وقالت: "أده؟ هو أنت عرفت الاسم ده منين؟ محدش بيقولي كده غير... قطع كلامها وقال: "غير روح أختك بس، صح؟ ابتسمت له نصف ابتسامة وقالت: "ياااه، أنت تعرف روح كمان؟ لأ كده بقى أنت زودتها." ثم تركته ومشيت وعلى وجهها شبح ابتسامة. وصلت ريحانة المنزل ومازالت شبح الابتسامة يتوج وجهها. لاحظت روح بريق لمعان في عيون أختها.
اقتربت منها وقالت بمكر: "الجميل في إيه متغير النهاردة؟ رفعت ريحانة حاجبيها وقالت بتعجب: "إيه يابنتي، أنت مكسوفة؟ عندك الحجاب دايمًا لقطها كده؟ قامت روح من مكانها وهي تقفز مسرعة وتقول بمرح: "أوبا أوبا، لأ كده الحكاية فيها إنها كبيرة وأنا مش ههدا غير لما أعرف." صحت ريحانة وقالت: "بصي أنا هقوم أعمل طبق فشار كبير ومجان نسكافيه وأجي أحكيلك." وبالفعل فضفضت ريحانة لروح كل الأحداث. نظرت لها روح نظرة تفحصية وقالت:
"كل ده حلو، بس إيه اللي يخلي يدور وراكي عشان يعرف أنتِ مين؟ تنهدت ريحانة وقالت: "والله ما أعرف، أنا اتفاجئت أنه قدامي في الكلية." "طيب يا رورو، خدي بالك كويس." هزت ريحانة رأسها. مر على هذا الحدث أكثر من شهرين، خلالهم توطدت علاقة ريحانة وسامر بسرعة كبيرة، وبدأ يتقرب بها. إلى أن جاء اليوم وصارحها أنه يريد الزواج منها.
ضحكت ريحانة وشعرت أن الحياة أخيرًا ابتسمت لها، ولكن سرعان ما انطفأ وهج ضحكتها عندما أكمل سامر وقال إنه يريد أن يتزوجها بعقد عرفي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!