تمالك نفسه وقال بصوت يحاول أن يهدأ به نفسه: –انتي مين؟ انتي مين؟ انطقي، انتي مش ريحانة، صح؟ جلست روح وهي تحاول أن تُداري جسدها، ودموعها ما زالت تنهمر بشدة. جلس جاسر وهو يحاول أن يسيطر على نفسه وقال: –أنا هادي، اتفضلي كده وقوليلي انتي مين؟ ومين ريحانة؟ بطلي عياط عشان متعصبنيش، واللي حصل بينا ده طبيعي يحصل بين اتنين متجوزين. عارف إن الطريقة كانت غلط، بس انتي اللي استفزتيني. بس كويس إن ده حصل عشان يبان غشك وكدبك.
قالت روح وهي تحاول جاهدة أن تتماسك: –أنا مش غشاشة ولا خدعتك، ولا في يوم قلتلك إني أنا ريحانة. انت اللي قعدت وفسرت كل حاجة على مزاجك. –ماشي يا ستي، أنا اتزفت وفهمت غلطت. ممكن حضرتك تتكرمي وتفهمني الصح، عشان آخر ذرة صبر ليا خلصت! توالت شهقاتها في البكاء هستيريا، وأوشكت على الانهيار. أغمض جاسر عينيه وقام واقفًا واقترب منها، ولكنها اتفزعت ورجعت للوراء بشكل تلقائي.
ولكنه لم يبتعد، جذبها إليه وحاول احتواء الموقف وقال لها بصوت حنون، فهو يعلم أنه قسى عليها: –أولًا، ألف مبروك إنك بقيتي مراتي قدام ربنا. اهدي كده وتعالي قومي خدي دش سخن عشان غزل ما تشوفكيش كده. والبس أي حاجة من دولابي لحد بكرة، بس استخدمي الحمام هنا، وأنا هطلع أشوف غزل وبعدين نتكلم. تمام؟ انحنى وترك قبلة على رأسها.
هزت رأسها وقامت ببطء. ساعدها في القيام وأدخلها الحمام وتركها وخرج، وهو يلوم نفسه على ما حدث. لقد دق قلبه لأول مرة، لقد أحبها وبشدة. فتحت روح الماء الساخن ونزلت تحته، وبدأت دموعها تنهمر بشدة إلى أن هدأت. خرجت من الحمام وهي تلف حول جسدها المنشفة. فتحت دولابه وأخرجت بنطال وتيشيرت، وخرجت. وجدت جاسر يجلس بجوار غزل يشاهد معها التلفاز. فور أن لمحها قام واقفًا وقال وهو يبتسم: –شكل الطقم عليكي يجنن.
مما جعلها تبتسم لأنه كان واسعًا عليها جدًا. ثم أكمل بحنان ملحوظ، محاولًا احتواء الموقف، فهو يعلم مدى غلطته في حقها، ولكن قد فات الأوان: –اقعدي كده، وأنا هعملك حاجة سخنة تشربيها. هزت رأسها وجلست تحتضن غزل. دخل جاسر المطبخ وأعد لها مشروب الشيكولاتة الساخن وأحضر بعض الفطائر وقدمها لها. تناولت روح منه الكوب وقالت بدون أن يسألها وهي تشرب، دون أن تنظر له:
–أنا وريحانة توأم متطابق. ريحانة محدش كان يعرف يفرقنا عن بعض. وفي نفس الوقت محدش يعرف إننا أخوات توأم عشان ما اتجمعناش مع بعض في أي مكان. ريحانة كانت مريضة قلب. وسامر ما رحمهاش، فضل يضغط عليها لحد ما حبته واتجوزها عرفي، وهي أصلًا ما كانش ليها جواز. علشان كده اتجوزت من ورايا عشان عارفة إني هرفض الجواز ده، بس هي كانت حبت سامر. ولكن سامر مقدرش ده ولا قدر حجم التضحية اللي عملتها عشانه.
وبعدين حاول يهرب منها بعد ما عرف إنها حامل. غير إن الست والدتك ما قصرتش على الكلام اللي سمعتهولها، وكأنها هي المذنبة لوحدها. قلبها متحملش كل الصدمات دي وماتت وهي بتولد غزل. علت صوت شهقاتها وهي تتذكر كل ما مر بأختها، وكأنه شريط يمر أمامها يسترجع الماضي بكل قسوته. ثم أكملت بقهر واضح:
–أخدت غزل وحاولت أبعد بيها لأبعد مكان يبعدني عن أي حاجة تربطني بالماضي. والله يكرمه الدكتور بتاعي في الجامعة كان الأب الروحي ليها. رحت وحكيت له كل اللي حصل. كتب غزل باسمه وساعدني في السفر. وده كل اللي حصل. زفر جاسر أنفاسه وقال: –تمام كده، الصورة كلها وضحت. بس انتي ما فكرتيش حال أمي إزاي؟ وما تنسيش إنها فقدت ابنها، وغزل كانت الحاجة الوحيدة اللي هتصبر قلبها. احتدمت نظرات روح وارتفعت نبرة صوتها وقالت: –ياسلام!
كنت أصبر لحد ما الست الوالدة تاخد مني بنت ريحانة وتحرمني منها؟ مش كفاية اختي ماتت مقهورة، ماتت في بلد غريبة ودفنت في مدافن الصدقة من غير حد ما ياخد عزاها؟ كل ده ملوش قيمة؟ وأنا يا أستاذ جاسر، لما أخدت طفلة رضيعة عمرها يوم وأنا معرفش أي حاجة عن تربية طفل، أخدتها وهربت لبلد غريبة وأنا بشق طريقي فيها، معرفش حد. كل ده ملوش تمن!
مش مامتك بس اللي دفعت التمن، كلنا دفعنا التمن غالي. ريحانة دفعته لما رخصت نفسها وقبلت على نفسها تتجوز بـ"حتة ورقة" تحت مسمى الحب. أي حب ده اللي يهدر كرامة الإنسان؟ الحب بيغلي مش بيرخص، بس هي اللي اختارت تعيش في الظلمة، عشان كده لما ماتت ماتت برضه في الظلمة ومحدش حس بيها.
وسامر كمان اللي مطلعش على قد المسؤولية وافتكر إن الجواز ليلة وتعدي. معرفش إن الليلة دي جنت على طفلة إنها تعيش العمر كله يتيمة. مطلعش راجل ولا على قد كلمته وضعيف شخصيته قدام والدتك. والدتك اللي بتتحكم فيكم زي لاعب المارونيت، بتحرككم بخيوط، لو حد فيكم قطع الشرنقة أو الخيط اللي هي عملاه، تغضب عليه وتهدده بحرمانه من النعيم اللي هو عايش فيه، من غير حتى ما تفكر هو عاوز إيه أو محتاج إيه. كل اللي شايفاه إنها هي الصح وبس، وأي
حاجة أنتم بتعملوها غلط. يمكن انت حاولت تهرب منها بسفرك، بس في الآخر رجعت لنفس الشرنقة وربطت نفسك بنفسك في الخيط. حتى لما سامر فكر يخرج من تحت جناحها رجع ليها ملفوف في كفن. معرفش يخرج من الشرنقة اللي حاوططته بيها، وبكل قسوة وجبروت كانت عاوزة تحرم طفل من حضن أمه.
ثم أخفضت نبرة صوتها وقامت واقفة وهي تحتضن نفسها وكأنها بتواسي روحها، وقالت بشجن: –تعرف يا جاسر إن والدتك هي المسؤولة عن كل حاجة حصلت ليكم. حبها الزائد ليكم واحتوائها وحب التملك اللي مسيطر عليها، عمى عينيها عن إنكم كبرتم وكل واحد ليه حياة مستقلة. تنهد جاسر بصوت ممتلئ بالحزن، فهو يعلم مدى صدق حديثها، ولكنه حاول تبرير موقف أمه فقال:
–أمي يا روح، اتجوزت بابا وهي سنها صغير قوي. كانت من عيلة كبيرة وحبت بابا واتجوزته رغم اعتراض عائلتها على الجوازة، لأن في نظرهم إن بابا مش من مستواها. وتقريبًا كده كل العيلة قطعتها. حست إنها لوحدها. واللي زاد الحكاية عليها إن بابا مطلعش قد التضحية اللي هي عملتها ومقدرش إنها باعت أهلها كلهم عشانه. هو كان عشمان إنه هيقعد في القصر ويكون البيه، لكن خلف توقعاته لما أهل أمي قطعوها واتبروا منها. لقى نفسه لسه عايش في نفس بيته
القديم ونفس مرتبه، لأ وزاد عليه مصروفات أمي وكمان إنها حملت فيا بسرعة. بدأت معاملته ليها تتغير وبدأ يطلع ضعفه عليها بكل أنواع الإهانة. وهو اللي أجبرها تحمل في أخويا سامر، لحد ما في يوم بتصحي من النوم مصحاش. سابنا ومات. مش عارفة موته ده كان راحة ليها ولا عذاب. أنا كنت طفل عمري سنة، وسامر لسة متولدش. فجأة لقت نفسها مسئولة عن كل ده لوحدها وهي سنها صغير. يا دوب قفلت عشرين سنة، ما كانش قدامها حل غير إنها ترجع بيت أهلها.
وللأسف اتحكموا فيها لأبعد حد لحد ما بقت حرة نفسها، وأظن اللي هي دلوقتي رد فعل طبيعي لظروف اللي عاشته.
رفعت روح حاجبيها وقالت بتعجب: –بس تفتكر ده مبرر لكل تصرفاتها وقسوتها؟ ما افتكرش. ثم التفتت له وقالت بتوسل: –بالله عليك يا جاسر، بالله عليك ما تاخدوش غزل مني. أنا عملت كل ده عشان أحافظ عليها. بلاش تبعدني عن بنت ريحانة. انت أكيد هتطلقني بعد لما عرفت إني مش أم غزل. عشان خاطري، بلاش. لو هقعد خدامة هنا، بس بلاش تبعدني عنها. من غيرها أنا ممكن أموت. بلاش والدتك تاخدها، هتزرع فيها القسوة. اقترب منها جاسر وهو يهدئ من روعها
ويحاول احتوائها وقال: –ومين قال إن هبعدك عنها؟ غزل روحها فيكي، وانتي كمان روحك فيها، وأنا شفت ده بنفسي. استحالة أببعدكم عن بعض يا روح. مسحت روح دموعها بظهر يدها وقالت: –انت بتكلم جد؟ بجد يا جاسر هتخليني جمب غزل؟ ابتسم وقال وهو يجذبها لحضنه وهو يغمز لها: –انتي ناسيه إنك بقيتي مراتي رسمي خلاص، يعني اتدبستي فيكي وخلاص، ما منهاش رجعة. وربنا يصبرني بقى على دماغك دي. وجذبها لحضنه بشدة وكأنها يحاول أن يكون لها العوض.
ثم همس لها بحنان وقال: –روح، أنا زي ما تكون روحي رجعتلي لما اتجوزتك. أنا بحبك يا روح قلبي من جوا. قال بحنان: –روح قلبي، تتجوزيني؟ عارف إن قسيت عليكي، بس دلوقتي أنا بقولك بكل حب إني عاوزك مراتي قدام ربنا. ابتسمت روح واحمر وجهها خجلًا، وكان ابتسامتها بواب عبور لقلبه. حملها برفق، حنانًا، وأخذها لغرفتهم وذهبوا لعالمهم الخاص بهم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!