الفصل 15 | من 17 فصل

رواية اليمامة و الطاووس الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منى الفولي

المشاهدات
23
كلمة
5,079
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

اللهم أغفر لنا ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس. اللهم ثبت أقدامهم وسدد رميتهم. تشاحنات عدة أفكار شتى برأسها لتحسم أمرها وهي تراه يغادر مع الطبيب للإطلاع على التقارير الطبية، فاستوقفته هاتفة: "دكتور ياسين." توقف متوتراً وهو يراقب صديقه الذي سبقه لمكتبه، ليلتفت لها متوجساً، ولكن انبسطت أساريره وهي تعطيه صك غفران استعظمت رغبته به: "شكراً يا دكتور، أنا مسامحاك."

شكرها ممتناً، معاوداً اللحاق بزميله وهو يشكر الله، وعلى فك قيد ذنبه نحوها متعهداً بمزيد من الصدقات تمحو ذنبه المقيت، وقبل كل هذا طبعاً، عهد بعدم تكراره مهما كانت الظروف. وقفت سلوى بالمطبخ تنظف أثر الوليمة اليومية التي تصر زوجة أبيها على إقامتها منذ مجيئهما، على الرغم من الرضوخ لرغبتها وموافقتها على الزواج من ذلك العجوز لترحم هي وشقيقتها من هذا العذاب. "عايز أشرب."

ارتجف جسدها لتلك الكلمات البسيطة، ليس لفحواها ولكن لأنها كانت بصوت ذلك الذي سكن قلبها يوماً، ليسقط ذلك الصحن من بين يديها باضطراب، لتحاول التظاهر برباطة الجأش، وهي تتناول أحد الأكواب تناوله إياه بعد أن ملأته بالماء: "اتفضل." ارتشف قطرات صغيرة، دليلاً على أن ظمأه ما هو إلا حيلة واهية للحديث معها، حديثاً لم يصبر عليه كثيراً وهو يندفع قائلاً: "مبروك، عرفت إنك اتخطبتي للشيخ وهدان." غص حلقها بمرارة، ولكنها

حاولت التظاهر باللامبالاة: "شكراً." استفزته تلك المكابرة من قبلها ليخبرها متهكماً وهو يبتعد رامقاً ملابسها الملطخة برذاذ الطعام بازدراء: "زمان قولتيلي إن أمك مش موافقة على جوازنا عشان أنا مش مناسب ليكي، كان عندك حق، على فكرة أنتِ ما يليق ليكي بيا، أنتِ يليق بيكي الشيخ." فغرت فاها بصدمة، تنظر له وكأنها تراه لأول مرة، هل هذا الذي عاشت تندب حظها على ضياعه، وتلوم على ياسين الحائل بينهما؟

انفطر قلبها وهي تكتشف بخس ما تمنت، وثمانية ما أضاعت، لم تبالِ بانصرافه، ولأول مرة ينصرف فكرها عنه لياسين الذي تمنت أن يرد عليها، فقد امتنعت عن الرد على أي رقم غريب بعد حظر رقمها الجديد، حتى أنها اتصلت بجارتهم بشقة مطروح لتخبرها بمغادرة الشقة بلا رجعة. جلس ياسر بصحبة رجل وقور بمكتب الإدارة بالمزرعة، حيث يخبره الوقور:

"وغير الفيلا وسكن العمال، فيه كمان عمارة خمس شقق، على حظك الدور الأول لسه فاضي من يومين، كان ساكن فيه واحد قريبي مسافر ولسه مراته مسافر له أول امبارح." ابتسم ياسر سعيداً للاطمئنان على فاتن، ولكن الرجل فسر ابتسامته بأنها رضا لوجود شقة خالية فاستطرد بحماس: "ومش بس كده، الشقة اللي فوقيها كمان هتفضى آخر الشهر، هي كانت سكن الدكتور البيطري بس هو أصلاً من البلد هنا وقرر ينقل بيت العيلة، بس لسه بيوضب شقته هناك."

اتسعت ابتسامة ياسر وقد اطمئن على فاطمة التي لم يشك أبداً برجاحة عقلها، ولكنه كان يخاف عليها من تأثير شوقية. أكمل الرجل بصوت أكثر خفوتاً وأقل حماساً: "التلات شقق الباقيين فيهم المهندس الزراعي، والمحاسب، ومسؤول المخازن، وفي أوضة على السطح... ليقطع حديثهما دخول ثلاث رجال ألقى كلا منهم التحية بتهذيب، وبرغم تعرف ياسر إليهم عن طريق أصواتهم، إلا أنه تظاهر بالاهتمام ورافقه يعرفهم إليه باحترام، مشيراً لأول الرجال:

"ده أستاذ غسان المحاسب المسؤول عن المزرعة، من أكفأ وأأمن الناس اللي ممكن تتعامل معهم." مشيراً لذلك الضخم خلفه: "وده أستاذ فضل مسؤول المخازن، ومافيش بيضة ولا لتر لبن يدخل ولا يخرج من غير ما يسجلها." ناظراً للرجل الأخير: "وحضرتك بقى دكتورنا الهمام الدكتور يوسف، الدكتور البيطري للمزرعة." ثم موجهاً حديثه لثلاثتهم: "وحضرتكم أستاذ ياسر، المشتري الجديد للمزرعة هو وأخوه."

سرت همهمات خفية بينهم، ثم تقدم كل منهم بالتهنئة وتمنياته بالتوفيق. كانت تهنئات روتينية لا اختلاف بينها، ولكن ياسر رأى بكلا منها انعكاساً لمشاعر صاحبها. كان صاحب المزرعة سعيداً جداً لنجاحه في بيع المزرعة بسعر مناسب، بينما يوسف غير مبالٍ فلا فارق لديه فمن يملك المزرعة، أما فضل فقد كان حائراً مابين تمنيه أن يستغني عنه المالك الجديد لتجد زوجته نفسها أمام أمر واقع يجنبه جدالاً لا قبل له به معها، ومن خوفه أن يحدث ذلك وبنفس

الوقت تفشل مساعي والدته لإعادته لعمله السابق، أما غسان فقد كان في عالم آخر من المخاوف المتعددة، ولكنه حاول تجاهلها متوكلاً على خالقه. وبرغم علمه بأن استنتاجه هذا قائم على معلوماته السابقة عنهم، وبرغم أن التوقيت غير مناسب فما زال اتفاق الشراء مبدئياً، إلا أنه اندفع يحاول تهدئة خواطر غسان وأد مخاوفه بمهدها، مردفاً:

"إحنا هنخلص إجراءات التسجيل في خلال أسبوع، وأنا معتمد عليك يا أستاذ غسان إنك في الفترة دي تكون حطيت خطة جريئة لتوسعة وزيادة نشاط المزرعة." وبرغم كرهه لاندفاعه الدائم وأخذه العهود على نفسه بكبح جماحه، إلا أن زفرة غسان براحة وتلك اللمعة في عينيه، جعلته ممتناً لاندفاعه هذه المرة. هرول ياسر يتبعه ياسين بأروقة إحدى المستشفيات، حتى رأيا والدا دعاء أمام أحد الأبواب، فاتجه ياسر نحوهما متسائلاً بلهفة:

"هي فين وعاملة إيه دلوقتي؟ قبل أن يجيبه أحدهما فتح الباب لتخرج منه طبيبة شابة تبتسم لهم مطمئنة: "اطمنوا يا جماعة، لسه قدامنا مش أقل من أربع خمس ساعات، دي بكرية." لم يحتمل ياسر الانتظار واندفع داخل الغرفة ليجدها مستلقية فوق الفراش برهبة، ليهتف اسمها بلهفة: "دعاء." حاولت أن يبدو صوتها جامداً ولكنه بدا كاستغاثة مرتعشة: "ياسر." اقترب يمسد بطنها بحب: "اطمني يا حبيبتي متخافيش، الدكتورة طمنتنا."

أزاحت كفه عن بطنها وهي تزجره بلهجة أقرب للرجاء، لكنها العند حين يتملك من نفس أحدهم: "متستهبلش يا ياسر، وعامة هانت، كلها ساعات وهينفع تاخد ابنك في حضنك من غير حركاتك دي." نظر لها للحظات غير واعٍ لمعنى كلماتها، لتضرب تلك الحقيقة الصادمة عقله، هي مجرد ساعات وتنفصم عقدتهما معاً، ساعات قليلة ويفقد كل حقاً له بها وعليها. لم يحتمل مجرد الفكرة فصاح منفعلاً:

"مش هينفع يا دعاء، مش هينفع تولدي وماخدكيش في حضني أباركلك، مش هينفع تنامي أنت وابننا أول يوم ليه في الدنيا بعيد عن حضني." تلمعت عينيها بأمل بينما يتسائل لسانها بشك: "يعني إيه؟ هتف باندفاعه المعهود: "يعني أنا رديتك يا دعاء وهأخرج حالا أشهد كل اللي بره قبل ما تولدي وتضيعي أجمل لحظة في عمرنا بسبب عنادك الغبي، وفي الآخر برضه هترجعيلي يعني هترجعيلي، بس بعد ما نكون إحنا الاتنين خسرنا أجمل أيام حياتنا."

قرن قوله بالفعل وهو يهرول خارجاً وهو يصرخ بأعلى صوته: "يا ناس أشهدوا أنا رديت الست دي قبل ما تولد، يعني هي دلوقتي على ذمتي." هرول حماه بإحراج بعيداً باتجاه المصلى، وتلقى مباركة حماته السعيدة، بينما ارتفعت ضحكات ياسين لأول مرة منذ ما حدث وهو يقول من بين ضحكاته: "أنا هتصل بالمأذون عشان تحضني بأوراق رسمية، الله يفضحك فضحتنا."

التفت حوله ليجد العديد من الناس ينظرون له، بعضهم بدهشة والبعض الآخر بابتسامة، ليتراجع لغرفتها بحرج، ليجدها تبتسم بسعادة وهي تربت على بطنها برفق، لتبدل ملامحها للتجهم فور ملاحظتها لعودته، وهي تصيح مستهجنة: "أنت هتفضل متهور كده طول عمرك، إيه اللي عملته ده؟ ضحك غامزاً بعينيه بوقاحة: "يتمنعن وهن الراغبات."

كتمت ابتسامة خجلة لم تستطع إخفاءها كثيراً، فهو حبيبها الذي ملك قلبها بجنونه، وسعيه المندفع نحوها دائماً، أتتها إحدى نوبات الألم فصرخت، ولكنها كانت صرخة تنبض بالحياة.

تحرك زينهم حزيناً متثاقلاً في طريقه لمكتب الإدارة، فهو على علم ببيع المزرعة منذ أسبوعين وتسليمها لمالكها الجديد، الذي كان يأمل أن يكون خفياً بالنسبة له، فلا ينتبه لوجوده فيصرفه عن عمله، ولكن طلب المالك لمقابلته حطم كل رجاء له بالبقاء، فما علاقته بالإدارة ليقابله؟ فكل معاملته مع المخازن. دلف المكتب المفتوح ليجد الجميع ملتف حول بعض الأوراق حيث غسان ويوسف بمواجهته وفضل وآخر يوليانه ظهراً.

ألقى التحية بخفوت غير راغب بلفت الانتباه أو إزعاج غسان الذي كان يسترسل بحماس: "مبدئياً كده فيه فكرة لزيادة الإنتاج وتنويعه وفكرة تانية للتسويق، مثلاً في حتة أرض صغيرة دي لو جبنا فيها كام خلية نحل هنبقى دخلنا منتج جديد بالنسبة للمزرعة، ده غير الاهتمام بنوع التغذية والعلف اللي هيزود إنتاج وجودة الأنواع الموجودة فعلياً." ازدرد ريقه مكملاً بنفس الحماس:

"بالنسبة للتسويق، نفتح منافذ بيع في كل المحافظات، وكمان ممكن نحول جزء من المزرعة لمنتزه يعني العائلات يجوا يفطروا فطار ريفي من خير المزرعة، وممكن يجمعوا البيض بنفسهم أو يشوفوا الأبقار وهي بتتحلب، ويشتروا وهما ماشيين كل اللي عايزينه من منتجاتنا." كذب زينهم أذنيه وهو يستمع لذلك الصوت المتحمس: "برافو عليك يا أستاذ غسان، بجد أفكارك ممتازة، بس أنا بفضل نتدرج بتنفيذها."

رفع رأسه مصدوماً يتفحص ظهر ذلك المتحدث الذي التفت إليه باسمة تحمل عينيه مشاكسة لم يصرح بها صوته الجاد: "أتفضل يا أستاذ زينهم." اتسعت عيناه بصدمة، قبل أن يتنحنح متغلباً على صدمته وهو يتجه للانضمام لهم متوتراً، لينتبه لصوت ياسر المهني الجاد: "مبدئياً كده بالنسبة لخلايا النحل فأنا موافق جداً، وطبعاً موضوع الاهتمام بنوع التغذية والعلف ده أمر بديهي." عاد بظهره للخلف مستنداً على خلفية كرسيه:

"أما بالنسبة لموضوع التسويق أنا موافق على موضوع المنتزه والبيع المباشر، لكن موضوع فتح منافذ بيع في كل المحافظات، فده هيتأجل حالياً وهنكتفي بفتح منفذ بيع بمركز المحافظة هنا." رحب الجميع بفكرته ليستطرد مكملاً: "طيب، أمور إنشاء المنحل والمنتزه هيتولاها أستاذ غسان، وطبعاً التغذية والأعلاف دي اختصاصك يا دكتور." رحب كلا منهما بتولي مهامه، لينظر لفضل مردفاً:

"أما تأسيس منفذ البيع بالمركز، وتوليه والإشراف عليه هيكون مسؤوليتك أنت يا أستاذ فضل." غمغم فضل بعدم تصديق: "المركز، حضرتك أنا هاروح المركز." أومأ له مبتسماً وهو يدرك سر فرحته مستطرداً: "وبما إني سمعت إن حضرتك من المركز أصلاً فمرتب حضرتك هيزيد عليه بدل سكن لو مش هنحتاج نوفرلك سكن." هتف فضل بحماس: "أنا عندي بيت كبير هناك، وأكيد مش هاكون محتاج سكن." ابتسم مرحبا:

"يبقى خير إن شاء الله، بس ده مش هيتم قبل ما تسلم المخازن وتدرب مسؤولها الجديد الأستاذ زينهم." التفتت الأنظار كلها باتجاه زينهم، الذي ارتبك وتعرقّت يديه بشدة تحت أعين ياسر المراقبة، ارتفعت الأصوات مهنئة، بينما يرد عليهم بهمهمات غير مفهومة، ليشفق ياسر عليه ويرفع عنه الحرج فضا هذا الاجتماع: "طيب اتفضلوا انتوا يا جماعة دلوقتي، وأنا هاتابع مع كل واحد الخطوات خطوة بخطوة."

تحرك الجميع بهمة بينما استبقى هو زينهم، الذي صاح معترضاً بمجرد مغادرتهم: "ليه؟ أجابه ببساطة: "ليه إيه." صاح زينهم غاضباً: "أستاذ ياسر أنت عارف قصدي كويس، ولو ده قصاد اللي عملته معاك، فأنا... ابتسم ياسر مشاكسًا: "ده أنت طيب قوي، يعني أنا بعت اللي حيلتي أنا وأخويا وحطيته هنا في المزرعة، وأنت فاكر إني ها ضحي بكل ده عشان أرد لحضرتك جميل إنك كنت بتعذبني بشخيرك." أشاح وجهه خزياً:

"متهزرش، أنت عارف إن واحد بظروفي مينفعش يمسك شغلانة زي دي، وإنك ممكن تلاقي ميت واحد أحسن مني يمسكها." اختفت مشاكسته وهو يستطرد بفخر: "ممكن تقولي هلاقي فين حد ممكن أأمنه على مالي وأثق فيه أكتر منك؟ ممكن ألاقي فين واحد بياكل ضيوفه فول وطعمية وهو شغال في مخازن مليانة زبدة ولبن وبيض." وضع يده على كتفه يشد عليه بتقدير:

"واحد كان عنده استعداد يقتل واحد جاي من طرف ظابط لما شك إنه ممكن يكون بص على الحريم ومعتبرهم مسؤوليته رغم إنهم مجرد جيران، واحد صاحب صاحبه بيحفظ المعروف ويصون الجميلة، وبيخاف من ربنا في كل خطوة بيخطيها." عجز لسان زينهم عن الرد واللمعت الدموع بعينيه، فأردف ياسر بجدية منهياً ذلك الجدال: "المهم دلوقتي إني طالب منك خدمة بصفة شخصية." أجابه زينهم بدون تردد ودون معرفة الطلب: "رقبتي سداادة." أردف ياسر بجدية:

"أنا مضطر أرجع القاهرة، عشان أبتدي في إجراءات نقلي لأقرب فرع للبنك هنا، فممكن أول ما فضل يخلي الشقة، تتابع مع مهندس الديكور اللي هييجي عشان يوضب شقة الدور الأول عيادة لياسين أخويا، والسطح وشقة فضل هيكونوا دوبلكس بجنينة بالرووف ليا أنا." تمتم بصدمة، لا يعرف أين سيذهب ولكنه لا يصدق بأن ياسر سيطرده: "السطح؟! ابتسم له ياسر بود:

"طبعاً أكيد مسؤول المخازن مش هيسكن فوق السطح، والطبيعي إنك تسكن مكان شقة فضل بس بما إني استوليت عليها فأنت هتسكن في الشقة اللي كان ساكن فيها دكتور يوسف." غمغم زينهم بعدم استيعاب: "بس ده كتير قوي." مكملاً بلهجة غامضة: "مفيش حاجة تكتر عليك، وسيبك من الموضوع ده بقى عشان عايزك في موضوع أهم." أجابه بانتباه وقد شعر بأهمية ما ينوي قوله: "سامعك." نظر بوجهه يراقب ردة فعله وهو يردف بحزم: "أنا لقيت آية." ردد بصدمة: "آية، آية؟

أومأ له إيجاباً مؤكداً: "أيوه وشوفتها واتكلمت معاها واتأكدت إنها هي." صاح وقد أمسك ذراع ياسر بقوة يجذبه نحو الباب: "يالا نروح لها حالا، يالا." ثقل جسد ياسر ولم يتأثر بجذبه له، وهو يخبره بهدوء: "مش هينفع يا زينهم، المكان اللي هي فيه له أصول للزيارة." انقبض قلبه وقد خيل إليه أنها لاقت مثل مصيره ليتساءل متشككاً: "ليه هي فين؟ أسرع يطمئنه نافياً ما قد يثير مخاوفه:

"في الملجأ، الناس ودتها هناك بعد وفاة جدتك، وعلى فكرة هي كانت فاكراك بس كانت خايفة تكون أنت اللي نسيتها، وفرحت قوي لما عرفت إنك كنت بتدور عليها، خصوصاً وهي ظروفها صعبة." همس بتوجس: "ظروف إيه؟ أجابه ياسر بجدية: "آية دلوقتي عندها سبعتاشر سنة، وبعد أقل من سنة تتم تمنتاشر، وساعتها هيخرجوها من الملجأ وهي لا عندها مكان ولا حد تروح له." هتف محتداً: "أمال أنا رحت فين، أنا أخوها المسؤول عنها لأخر العمر." واجهه

بما أغفلته مشاعره الثائرة: "بس أنت مش أخوها يا زينهم، زمان حياتكم سوى كانت طبيعية لأنكم أطفال وكمان جدتك كانت معاكم، لكن حالياً لا جدتك موجودة ولا أنتوا لسه أطفال، ووجودكم مع بعض بالشكل ده مرفوض تماماً." لا يصدق أنه بعدما وجد أمانته الغالية أخيراً، ستضيع منه لأن بعض أوراقاً خرقاء تنفي وجود صلة بينهما، هي شرفه وعرضه الذي دفع من عمره بضعة سنوات ثمناً له. ألقى ياسر بكلمات كانت بمثابة طوق نجاة في بحر حيرته:

"بس فيه حل يخلي وجودها معاك مقبول." انتفض يتمسك بالأمل، متسائلاً بحماس: "إيه هو؟ أجابه ياسر بدون مراوغة: "تتجوزوا." فغر فاها بصدمة لا يتخيل أنه يعرض عليه الزواج بصغيرته، تلك الصغيرة التي لطالما اعتبرها شقيقته الصغرى، ليهتف مستنكراً: "أنا أتزوج يويو، دي أختي." زفر ياسر بنفاد صبر:

"ما قولنا مش أختك [ناظراً للمستوى الذي يشير إليه ليغمغم متهكماً] وبعدين أنت معلوماتك قديمة قوي، دي بَقَت عروسة زي القمر، [نظر له زينهم شزراً، ليلوح بيده معتذراً ومبرراً] أنا بس بوضحلك عشان متتصدميش." زجره زينهم بغيرة: "لا متوضحش وملكش دعوة بيها من أصله." رفع كفيه مستسلماً:

"خلاص ياعم متزعليش [لتعود نبرته لجديتها] المهم دلوقتي تفكر في اللي قولتهولك، وياريت وانت بتفكر تحط في دماغك إنكم مش أخوات، تقبلتها كان بيها، متقبلتهاش، متقلقش محلولة بإذن الله، وسكنها وشغلها هيكونوا جاهزين قبل ما تتم التمنتاشر بإذن الله."

ارتمى زينهم في حضن ياسر يبكي ممتناً، حامداً الله على حياة جديدة رزقه بها على شكل محنة يمر بها صاحب معروف، وهي بحقيقة الأمر منحة من الله على هيئة اختبار لعُرفانه، اختبار نجح فيه بجدارة، وفاز بالجائزة الكبرى. ربت ياسر عليه بود: "على فكرة هي في دبلوم السنة دي، وإن شاء الله سواء اتجوزتوا أو ما اتجوزتوش، هاتدخلوا الجامعة سوا، السنة الجاية بإذن الله." شدد من احتضانه له دافناً وجهه الباكي في صدره، ليصيح به مشاكسًا:

"لا مش هينفع كده لو حد دخل هيفهمنا غلط." نَهَتَت نجوى بإجهاد وهي تسند تلك السجادة التي تحملها للحائط، وقفت تلتقط أنفاسها لاهثة، التفتت للخلف وسرعان ما شهقت مصدومة وهي ترى ذلك الذي يقف أمامها سد الباب بجسده: "إيه ده أنت رجعت إمتى؟ ازدرد ريقه وهو يرمق جسدها بشهوة: "لسه راجع."

انكمشت وهي تتمسك بطرف جلبابها بيد تغلق فتحته قدر استطاعتها لمداراة صدرها بينما يدها الأخرى تسحب طرفه السفلي لأسفل وقد رفع قليلاً جراء معاناتها مع السجادة الثقيلة، خرج صوتها مرتعشاً رغم محاولتها الفاشلة لعدم إظهار خوفها منه: "ورجعت ليه، نسيت حاجة؟ عض على شفتيه وهو يقترب خطوة مع كل جملة يتفوه بها: "سمعت ماما وهي بتقولك تغسلي السجادة، وبتقول لسلوى تنزل تجيب حاجات الغدا، فوصلتهم النادي وهقول لهم هاركن ولفيت ورجعتلك."

شهقت بفزع وقد التصقت بالحائط، فقد كانت تتراجع مع كل خطوة يتقدمها تجاهها: "ميصحش كده." انتهز الفرصة وحاصرها بجسده، وهو يردف بصوت متحشرج وأنفاسه الحارة تلفح وجهها: "وهو يصح إن أنتِ وسلمى مصممين إنكِ تسافري معاها من أول يوم في جوازها؟ طيب حتى أديهم فرصة ينبسطوا، وإحنا كمان ننبسط." انقض على شفتيها يقبلها بعنف، بينما يديه تعبث بجسدها وتمزق ما تطاله من ثيابها، غير مبالٍ بمقاومتها، ليصرخ بألم ممسكاً

بخدها الذي عضته بأسنانها: "يا بنت الكلب." استغلت انشغاله لتهم بالفرار ولكنه انتبه لها ليلحق بها ممسكاً بها من شعرها، وقد تحول لحيوان شرس، صرخت بقوة إثر صفعه لها، وهو يصرخ بها: "أنا غلطان إني كنت حنين معاكي، والله لأوريكي." انهالت صفعاته على وجهها حتى سالت الدماء من فمها وأنفها، وقبل أن تستوعب الأمر كان يدفعها أرضاً، وقد مال فوقها يمزق ملابسها بيد واحدة بينما يسيطر على كلتا يديها بيده الأخرى.

لم يشعر أياً منهما، بتلك الصرخة الصادرة عن سلوى التي رجعت لتصدم بذلك المشهد ومحاولة ذلك الخسيس انتهاك عرض شقيقتها، التي تسمع صرختها الضعيفة بعدما أنهكتها المقاومة وهجومه العنيف، تجاوزت صدمتها سريعاً وهي تلتقط أول ما طالته يدها، تهبط به فوق رأسه تهشمها، لتصرخ نجوى بفزع بعدما سقط فوقها غارقاً بدمه، لتبعده عنها مذعورة وقد توالت صرخاتها وهي تحاول ستر جسدها الذي ظهر معظمه، لتهتف بها سلوى:

"بطلي صريخ بطلي هتفضحنا، البسي أي عباية أستري نفسك، ويالا بينا قبل ما يفوق." أسرعت تنفذ أمر شقيقتها التي وقفت تتطلع لكمية دمائه النازفة بذعر، فبالمرة السابقة رغم أنها كانت المعتدية، إلا أنها كانت هادئة، واثقة من وجود ياسين لحمايتها، أما الآن برغم أنها كانت تدافع عن شرف أختها ألا أنها لا سند لها ولا معين، لتفيق من أفكارها على تلك الصرخة المذعورة لإحدى الجارات، فقد نسيت أن تغلق الباب خلفها.

ضمت إليها صغيرها بحنان، لا تصدق بأن حبهما قد تجسد لكائن حي بهذا الجمال. نعم حبهما، فهي لم تنكر حبه يوماً رغم كل ما حدث بينهما، ولكنها لن تسمح للحب بأن يريق ماء وجهها ويحيا فوق رفات كرامتها. اعتلت بجلستها بتحفظ وهي تراه يطل برأسه يراقبهما بشغف. ليدخل متنحنحاً بعدما أفسد انتباهها له متعته بمراقبتهما سوياً: "عاملين إيه دلوقتي." تمتمت بآلية: "الحمد لله." ابتسم محبطاً من جمودها: "دايماً يارب في أحسن حال."

تجاهلت وجوده وهي تصب جل اهتمامها على الصغير، فمد يده يداعبه لتتراجع بيدها سريعاً كأنما تخشى ملامسته، ورغم حزنه لتصرفها، إلا أنه تظاهر بالمرح محاولاً إيجاد سبيل للتواصل معها: "إيه هو بنج الولادة نساكي إني رديتك ولا إيه." أجابته متهكمة: "وهو ينفع أنسى بعد الفضايح اللي عملتها في المستشفى." ابتسم سعيدا لتجاوبها معه ومنتشياً لذكرى قربه منها ولو للحظات عادت بعدها لقوقعتها:

"وهو اللي يحضن مراته ويبارك لها إنها قامت بالسلامة يبقى بيعمل فضايح." هتفت مغتاظة: "هو الحضن وبس، وإنك تزق الكرسي المتحرك، وتصر إنك تشيلني واحنا خارجين وتنزل بينا تلات أدوار، دي مش فضايح." ضحك سعيدا وهو يتذكر مشاعره وهي بين يديه تحمل صغيرهما، لتحيا بنفسه روح المشاكسة، وهو يغمز لها بعينيه مردفاً بلهجة ذات مغزى: "يعني الحق عليا إني عايز راحتك، بذمتك حضني أريح ولا الكرسي الحديد." استشاطت غضباً وهي تهتف بحدة:

"بجد كتر خيرك، عايز إيه دلوقتي." تخلى عن المناورة وهو يجيبها مباشرة: "عايزك ترجعيلي يا دعاء، مش عشان رجعتك، لا أنا عايز دعاء حبيبتي بكل كيانها، وأنا أوعدك... قاطعته متهكمة متذكرة وعوده العديدة: "توعدني." اكتست ملامحه بمعالم الخزي ولكنه حافظ على عينيه بمواجهة عينيها وهو يخبرها بصدق:

"عارف إني وعدتك كتير وخلفت بس فيه وعود عمري ما خلفتها، وعدتك إنك تكوني ليا ووفيت رغم كل المشاكل اللي واجهتنا، ووعدت إني هفضل أحبك ومقدرتش أخلف وعدي حتى وأنا بتعذب بالحب ده وفاكرك غدرتي بيا." ليكتسب صوته صلابة وعزم: "والمرة دي بأوعدك بشرفي وغلاوة عبد الرحمن عندي، إني هاحافظ عليكم، وعمري ما هاسمح لحد يدخل ما بينا، ولا يكون له فضل علينا." تلمعت الدموع بعينيها وقد كشف مكمن جرحها منه، فتحشرج صوته وهو يستطرد:

"يمكن تكوني شايفة إني مستهلش فرصة تانية، بس على الأقل عبد الرحمن يستاهل تديله فرصة إنه يعيش حياة طبيعية في حضن أمه وأبوه." مال على صغيره يقبل جبهته، ويفاجئها بمثلها فوق جبهتها هي وهو يستطرد متجاهلاً عزوفها عن الرد: "أنا مش هاضغط عليكي أكتر من كده، بس عايزك تعرفي إني اتخلصت من أي مكان ليا في ذكرى مع حد غيرك، واتشاركت أنا وياسين في مزرعة جميلة هتعجبك قوي." التفت بوجهه للجهة الأخرى غير راغب أن ترى احتباس الدموع بعينيه:

"أنت كده كده، أكيد هتفضلي هنا عند والدك لحد ما تفوقي وتقدري تقفي على رجليكي، أما تقومي بالسلامة، تعالي شوفي المكان يمكن يعجبك، وفي كل الأحوال مش هننقل هناك على طول، لسه هأقدم طلب نقل لفرع تاني من البنك، ولو قررتي إنك تحاولي تصدقيني، أوعدك إنك مش هتندمي."

ألقى كلماته لينسحب بعدها سريعاً، بعدما أيقن أنه لن يسيطر على دموعه أكثر من ذلك، ورغم فراره إلا أنها لمحت تلك الدمعة التي سبقت فراره من عينيه فراره هو من غرفتها، ليتردد صدى كلامه بأذنيها، ليرق قلبها له وتلقى كلماته قبولاً بنفسها خاصة كلماته عن استحقاق وليدهما لأن يحيا حياة طبيعية، منعماً بحب والديه. صدحت صافرة عالية تردد صداها ببيت المزرعة، ليعلو بعدها صوت هناء المرح: "صباح الخير يا حلوين، زينهم نزل."

ضحكت رانيا بشدة هاتفة: "خلصنا من زغرودة فاطمة، طلعت لنا صفارة هناء." بينما علا صوت شوقية المتهكم بغضب: "زينهم مين بقى، ده بقى زينهم بيه، ساكن الشقق الواطي بتاع السطوح، لا وهيحل محل فضل، وكمان هو بنفسه اللي بيعلمه على الدفاتر ونظامها." صاحت بها رانيا مستاءة: "اتقي الله يا شوشو، هو زينهم عملك إيه رزق وجاله يقوله لا." صرخت بها شوقية بهيستريا:

"بقولك إيه ياروقة مش وقته خالص، أنت مش حاسة باللي بيا من ساعة ما عرفت اللي عمله الزفت صاحب المزرعة الجديد امبارح." تساءلت هناء ببراءة: "ليه يا شوشو بس ماهو خد شقة فاطمة مش شقتك." صرخت شوشو بعصبية: "أنت غبية يابنتي، شقة إيه اللي بتتكلمي عنها، ما الشقة كده كده هسيبها بعد شهرين، أول ما سي زفت يتدرب على الشغل، ربنا ينتقم منه والمزرعة كلها تتحرق ما يلحق يتهنى بشراها." نهرتها رانيا معاتبة:

"لا حول ولا قوة إلا بالله، ليه كده يابنتي، ده من حكم في ماله ما ظلم، ليه تشيلي ذنب دعوة زي دي على الصبح." لتصرخ بها شوقية ساخطة: "طبعاً، حقك تدافعي عنه، وأنت خسرانة إيه، بالعكس ده خلى جوزك الكل في الكل، وسلمه دقنه وهيعمل كل اللي في دماغه." كانت كلماتها بداية لانفجار دواخل نفسها الخبيثة لتهدر بحقد:

"وبطة هانم اللي مبقتش تسأل على حد وعاملة فيها الست المهمة بعد ما وفاء شغلتها مدرسة في مدرسة خاصة، طبعاً ما هي بقيت على الحجر في بيت حماتها وكلهم مدلعناها، وشايلين عنها هم العيال وقرفهم." لتزداد نبرتها حدة وحقداً: "وست فاتن سافرت لجوزها وعايشة حياتها وهايصة حتى مبتفكرش ترن علي مرة، ده أنا حتى عرفت بحملها منك، مع إنه لولايا أنا ولا كان زمنها عرفت ترجع حبه ليها، وكان زمان بتوع النت لاهفينه منها."

لم تشأ رانيا أن تخبرها بأن فاتن لا ترغب بالتواصل معها حتى لا تقع تحت تأثيرها ثانية، فبنظرها هي من أوغرت صدرها وحرضتها على رفض اللحاق بزوجها رغم اتفاقهما، كما كانت عوناً لها في تقصيرها بالتواصل معه، حتى صار ما صار. تغاضت رانيا عن أسلوبها الهجومي وعدائيتها الواضحة، فهي تعلم مدى سخطها لعودتها تحت سطوة حماتها ثانية، لتسترضيها مبررة: "معلش يا شوشو الدنيا تلاهي، وربنا يعين كل واحد على حياته."

ابتسمت بخبث تبث بذورها حقدها بنفس هناء كأنما ساءها أن تحصد وحدها الألم: "آه طبعاً ربنا يعينكم على الهنا اللي أنتوا فيه، وأنتم هتحسوا باللي أنا فيه ليه، إذا كان محدش انضر في الموضوع ده غيري أنا وهناء." استمتعت منتشية لصوت هناء الملتاع: "ليه هو الراجل ده قال إنه هيمشي فهمي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...