تطلع له يوسف بصدمة وهو ينظر خلف ياسين بحيرة، لتلك التي تتابعهما من خلف الستار منذ سماعها لسؤاله عن صغيرها، وصدمتها لا تقل عن صدمة أخيها. *** ابتسمت فاطمة وهي ترى ذلك الاسم ينير شاشتها معلنا عن تلقيها مكالمة من صديقتها، لتجيبها وهي تهتف بسعادة: تونة حبيبة قلبي، وحشاني. أجابها صوت فاتن الحماسي على الطرف الآخر: بطوطة الرايقة، أزيك يا قلبي وحشاني قوي. ضحكت فاطمة بنعومة: أخبارك إيه، شوفت الصور وعرفت أنك خرباها.
ضحكت فاتن بسعادة: يا ناس يا شر كفاية قر، طبعًا ما أنت مكتومة ومفيش رقص ولا زغاريط، من ساعة ما روحتي بيت حماتك. ضحكت فاطمة وهي تتمتم صادقة: والله أنا واخدة راحتي على الآخر، وبالعكس أكتر من الأول بعد ما شالوا عني هم العيال، دي جدتهم روحها فيهم، يا ريتني سمعت كلام يوسف وجيت من زمان. أجابتها فاتن بضيق: منها لله بقى شوقية هي اللي قعدت تزن على ودانا لحد ما كانت هتخرب علينا. استغفرت فاطمة وهي تلومها بلطف:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. هي صحيح كانت شورتها غلط وكلامها مؤذي، بس هي مضربتش حد منا على إيده عشان يسمع كلامها ويمشي وراها. أجابتها فاتن بمكابرة: بس متنكريش أنها كانت بتقومنا وتزن على ودانا.
أجابتها فاطمة بتعقل: طيب ماهي ياما زنت على ودن رانيا واتريقت عليها، بس لا عمرها سمعت لها ولا اهتمت بتريقاتها. سألتها فاتن متهكمة: يعني أنت شايفة أنها مش غلطانة. أجابتها فاطمة ببساطة: طبعًا هي غلطانة بس الغلط الأكبر علينا إحنا. سألتها فاتن معترضة: إزاي يعني. أجابتها فاطمة ضاربة المثل بنفسها أولا لتمتص حدتها:
مثلًا أنا مسلمة وداني لكلام البنات عن بيت العيلة والحماوات، من قبل حتى ما أعرف شوشو، مبنكرش أن قصص كتير صح وأني لسه مبفضلش لحد يتجوز ببيت عيلة، بس مينفعش ناخد الكلام بالمطلق، والمفروض كل واحد يقيم الناس اللي هيعيش معاهم وبس. لتستطرد بعدها بوضعها هي: وأنت كمان مصدقتي تقعدي ومتسافريش أول ما عرفتي أن سكن هاشم في منطقة شبه مقطوعة، وكلام شوشو جه على هواكي. أجابتها فاتن مستسلمة: عندك حق. لتجيبها فاطمة مغيرة مجرى الحديث:
عامة ربنا يصلح حالنا وحالها، المهم قوليلي الحمل عامل معاكي إيه. اندفعت فاتن تحكي لها بحماس عن حملها وسعادة زوجها به، لتسعد صديقتها لسعادتها واستقرار حياتها. *** جلس زينهم بغرفة المكتب بالدار بانتظار آية، لتدلف إليه وقد خدش وجهها، وتمزق طرف ثوبها لتبدو كمن خرجت فورًا من مشاجرة حامية، ليسألها بلهفة: مالك يا آية، مين عمل فيكي كده. لم تخيب ظنه وهي تجيبه: اتخانقت. انتفض غاضبًا، وهو يصيح بحمية:
مين ده اللي خانقك وبهدلك كده، شاور لي بس عليه. التفتت إليه وقد احتقنت عيناها بغضب: أشاور لك على مين، عايز تشوفها ليه؟ تمتم مندهشًا وهو ينظر لمظهرها: هي مين دي، هو أنت اتخانقتي مع بنت، وهي اللي شلفتك كده. صرخت به وقد احتد صوتها: كله من تحت راسك، متجيش هنا تاني. انتفض قلبه مذعورًا، هل طلبت منه للتو الابتعاد؟
لقد كان يظن أن الفترة الماضية قاربت بينهما، ولم يعد سبب زواجهما مقتصرًا على حاجتهما للتواجد معًا بطريقة شرعية، بل لقد وجد بها ما يرجوه بشريكة عمره، حتى أنه توهم أنها مثله تقبلت ارتباطهما كخطيبين، لا كأخوين تربيا سويًا، ولكنه كان واهمًا، وها هي ترفض زواجه، بل ترفض رؤيته ثانية، فهل السبب عدم تقبلها لوضعهما أم أنها قد مالت لغيره؟ اشتعل قلبه للخاطرة الأخيرة، ليسألها بحدة: ليه؟ اشتعلت الغيرة بعينيها وهي تجيبه بشراسة:
الهانم بتقول عليك قمر، وياريتها هي اللي تاهت وأنت لقيتها، بس تستاهل اللي عملته فيها، أنا قلت لك أهو، متجيش هنا تاني ويفضلوا يبصوا عليك، رن عليا وأنا هاخرج لك. فغر فاهه بصدمة، آية تغار. تعاركت مع تلك الشرسة رغم طبيعتها الهادئة، لأنها تغزلت به، وكلماتها التي ظنها نفورًا ما هي إلا رغبة منها بحجبه عن من سواها. طال صمته ولم يصلها رده، فسألته متشككة: قلت إيه، هتبقى ترن علي.
نظر لها بحب متمنيًا، أن يضمها إليه، ولكن عليه الانتظار. ولعجبه فاجأها وتفاجأ هو بنفسه، بأنه قد انفجر ضاحكًا، فقد مر وقت طويل، منذ أن كان سعيدًا حقًا، وهو الآن سعيد، سعيدًا جدًا. *** صرخة ملتاعة شقت السكون أطلقتها خلود لتصرخ بعدها لاعنة: قتلوه، قتلوه يا سامي، بناتك قتلوا مودي. أجابها سامي محاولًا تهدئتها: أهدي يا خلود، ربنا يرحمه يا حبيبتي. صاحت هادرة: أهدى إيه؟
منهم لله، حسبي الله ونعم الوكيل بإذن الله أشوفهم متعلقين على حبل المشنقة. انقبض قلبه لتلك الدعوة ولكنه نفض عنه بقايا إنسانية منشغلًا بهمومه: يا خلود اللي أنت بتعمليه ده ممنوش فايدة، أنا عملت اللي أنت عايزاه والحاوي أكد لك أنهم هياخدوا جزاهم، خلينا بقى نشوف المصيبة اللي ورانا. صرخت مولولة: هو في مصيبة أكبر من موت الغالي. زفر بضيق محاولًا إشراكها فيما يواجه:
الشيخ وهدان قالب الدنيا علينا، وبيقول لنجيب العروسة زي ما وعدناه، يا نرجع له فلوسه. هدرت صارخة بضيق: يخبط راسه في الحيط، هو لعب عيال، الفلوس واتحطت في المناقصة، أول ما الشغل يخلص هنديله فلوسه بالأرباح. زفر بنفاد صبر: يا خلود ركزي، ده هيخبط راسنا إحنا في بعض لغاية ميجيب أجلنا، أنت ناسيه أن الراجل دافع أكتر من نص مليون في الجوازة دي، وصمم أننا نمضي شيكات وأن توثيق الشراكة بعد توثيق الجواز. غمغمت بصدمة: يعني إيه! وضح
لها الحقيقة الغائبة عنها: يعني رسميًا هو مديون لينا مش شريكنا، ومن حقه يطلب فلوسه في أي وقت وده راجل حبايبه كتير وإحنا مش قده. تسائلت بقلق: والحل؟ أجابها بتردد: مفيش غير حل واحد. تسائلت بلهفة: إيه. أجابها بلا مواربة: يتجوز شاهندة. صرخت مستنكرة: شاهي بنتي، لا يمكن طبعًا، هو أنا اتجننت عشان أرمي بنتي رامية زي دي. نظر لها مندهشًا، فالآن تقول ذلك، بعدما أقنعته بأن تلك المصاهرة حلم يجب أن يسعى لتحقيقه، لتلتقط نظراته،
فتبرر متوترة: بناتك كانوا متجوزين، ده غير عملتهم السودة في أزواجهم لكن أنا بنتي لسه آنسة. نظر لها متهكمًا، فهو من يعلم خفايا أولادها ويتحمل عبء سترها، لتشتعل عيناها بغضب وهي تعلم سر تهكمه: شاهي متجوزتش رسمي ومحدش يعرف وعملية صغيرة وتقدر تعيش حياتها، مش هدفعها بالحياة عشان غلطة، على الأقل مش قتالة قتلة. ضاق صدره بحديثها ثانية، لينهي هذا الأمر برمته لائما:
الفكرة كانت فكرتك من البداية، وأنت اللي صممتي أني أقدم للمناقصة مع أني قلت لك أني معنديش سيولة. تركها وخرج دون كلمة أخرى، لتلعن ابنتيه اللتان لم تكتفيا بقتل وحيدها، بل أصبحت ابنتها ملزمة بمواجهة ما أعدته لإحداهما. ***
تقدمت وفاء تحمل كأس عصير تقدمه لياسين المنشغل عنها وعن العالم بأسره بمداعبة صغيرها واللهو معه، تطلعت إليه للحظات بأعين تنطق بالحب، متمنية أن يأتي يوم تشارك صغيرها بحنانه واهتمامه، قبل أن تغض بصرها مستغفرة وهي تحمد الله على أن سخر لصغيرها قلبًا محبًا يهتم لأمره على هذا النحو، لتنصرف تحت أنظار أخيها المتألم لألمها.
لم يكن بحسبانه عند موافقته على زيارات ياسين لمهاب بعد معرفته بظروفه وحرمانه من نعمة الأبناء، أن يتعلق قلب شقيقته به، وها هو بين المطرقة والسندان، أيمنع تلك الزيارات محطمًا قلب ياسين بفراقه للصغير، على الرغم من أدبه الجم وأنه لا ذنب له بمشاعر شقيقته التي من الواضح أنه لم يشجعها أو ينتبه لها من الأساس، حارمًا الصغير من حنانه المفرط الذي زاد من تعلقه به مما زاد من استجابته ووعيه بما حوله.
أم يدع الأمور كما هي، ليزداد تورط شقيقته بمشاعرها التي تظن أنها غير واضحة، بينما لا تخفى على أعين مهتمة. حاول طرد تلك الأفكار المنهكة، وهو يرحب به: اتفضل العصير يا دكتور. أجابه ياسين بغير انتباه، وهو يمسك بيد الصغير ضاغطًا على إحدى قطع المكعبات لتكوين شيئًا ما: ها، عصير إيه! ابتسم يوسف بمرارة، لتيقنه من حدسه، وغفلة ياسين عن المشروب ومن أتت به، داعيًا الله أن يلهمه الصواب، وأن يكتب لشقيقته الخير أينما يكن. ***
تطلع زينهم حوله بانبهار، فقد تحول السطح الخرب لحديقة غناء، رغم تقلص حجمه لصالح الحجم المبني منه. انتبه من تأملاته على صوت ياسر المرحب: السلام عليكم، أزيك يا زينهم، عامل إيه. ابتسم زينهم بود وهو يصافحه بتقدير: وعليكم السلام يا أستاذ ياسر، الحمد لله بخير، أزي بودي. ابتسم له ياسر وهو يشير له بالجلوس، ليجلس بمقابله مجيبًا: الحمد لله، كويس، عقبال ما نفرح بعيالك أنت وآية. ابتسم بسعادة للفكرة مآمنًا عليها
بداخله قبل أن يغمم بحرج: تسلم يارب، ماهو أنا كنت جاي أقابلها عشان كده. شهق ياسر مشاكسا: أنت جاي تقابلها في بيتي، عشان تجيب عيال، أنت فاكرني إيه. صدمت ملامح زينهم، الذي لا يتفهم كثيرًا مشاكسات ياسر، وهو يندفع مبررًا: لا طبعًا والله، أنا أقصد أني جاي أتكلم معها في ميعاد الجواز، كتر خيركم، شايلنها بقالكم أسبوع. انفجر ياسر بالضحك لعفويته وبراءته: أهدى أنا بهزر معك. ليكتسي صوته بجدية مفاجئة:
بس اللي مش هزار ويزعل بجد كلامك البايخ ده، كتر خيركم، وشيلتوها ومشلتوهاش. نكس زينهم رأسه محرجًا: أنا بس كنت متقل، عشان هي قاعدة عندك من يوم ما خرجت من الملجأ، لحد ما نكتب الكتاب. نهرته ياسر عاتبًا: أهو ده كلام أبوخ من اللي قبله، وعامة عشان تبطل كلامك ده وتبقى عارف النظام، دكتور ياسر قرر أنه المسئول عن آية وأنه هيكون وكيلها في كتب الكتاب.
نطقت عينا زينهم بالسعادة وهو يرى تشريفهم بعروسه، ومحاولتهم أن يمحوا عنها أسى اليتم، ليغمغم ممتنًا: ربنا يسعدكم يارب ويجبر بخاطركم، زي ما بتجبروا بخاطرنا. ابتسم ياسر سعيدًا لسعادته، وأن كان يعلم برفضه لما هو آت:
الجواز هيكون بعد شهرين تكون أنت جهزت نفسك وإحنا كمان جهزنها باللي يليق بها وبوكيلها، وبناء عليه هي من الأسبوع الجاي هتسافر حوالي أسبوع هي ودعاء وهيقعدوا في بيت حمائي؛ عشان ينقوا هدومها وجهازها وحاجات الستات دي، وبعدين أنا وأنت نحصلهم عشان ننقي الموبيليا سوا. انتفض زينهم رافضًا، فأن رحب بدعمهم المعنوي، فهو يأبى مثل هذا الدعم المادي: لا طبعًا ما ينفعش، وبعدين ماهي الشقة تحت جاهزة من مجاميعه وكله برضه من خيركم.
زجره ياسر متأففًا: وأنت مالك، إحنا كنا أديناك حاجة دي هدية الدكتور للعروسة بصفته وكيلها المسئول عنها. ظل مصرًا على رفضه بعزة: معلش يا أستاذ ياسر كلامك أنت والدكتور على راسي من فوق، بس أنا مش موافق على الكلام ده. تحداه مشاكسًا:
ابقى اتكلم مع الدكتور في الحوار ده لو تقدر عشان يطبق عليك محاضرات التشريح، أنت عندك ميعاد معه النهاردة عشان تتفقوا على التفاصيل ونشوف أنت عليك إيه وإحنا إيه، وكمان تحددوا القايمة والمؤخر ما إحنا لازم نحفظ حق بنتنا. رقص قلبه لتشريفهم لصغيرته على هذا النحو، ولكن كبرياءه تمسك بالعناد الذي لمع بعينيه: أن الدكتور يكون وكيلها ده شرف ليا وليها، لكن ده مش معناه....
كان يعلم بمدى عناده بكل ما يتعلق بكرامته، ولكنه أصبح خبيرًا بالتعامل معه ويدري كيف يشتته عندما تتصلب رأسه، ليقاطعه بغرور مفتعل: على فكرة بمناسبة الوكالة دور لك على شاهد غيري لأني مش فاضيلك، أنا شاهد العروسة لأني كده في مقام عمها بما أنها وكلت أخويا. وقبل أن يعلق على كلماته عاجله مستطردًا: بس مدورش بجد لأن علي باشا حالف يحبسك لو اخترت شاهد غيره.
لمعت الدموع بعينيه لا يصدق كل ما يفعلونه من أجله، أترى هي أفعال جدته الصالحة وسترها لصغيرته هي السبب بذلك الفيض من نعم الله عليه، وأن يسخر له هؤلاء ليكونوا سندًا له بعدما قهر اليتم طفولته، وكسر السجن ظهر شبابه. شاكسه ياسر محاولًا تبديد تلك الحالة من التأثر: أجمد كده العروسة زمانها جاية، ومش عايزينها ترجع في كلامها. لم يكاد ينهي كلماته حتى ارتفع صوتها الرقيق محيية: السلام عليكم. ارتفع صوت ياسر محييًا:
وعليكم السلام يا عروستنا، هاسيبكم أنا عن إذنكم. بينما رد زينهم تحيتها بخفوت فما زال متأثرًا بكرمهم تجاهه، كما تأثر برؤيتها بهذا البهاء، وكأنما دفء البيوت ينعكس على ملامح الشخص وروحه. حيرها صمته، فسألته: أزيك يا زينهم عامل إيه؟ خشى أن يثير قلقها فأجابها برفق: الحمد لله أنا في أحسن حال، المهم أنت مبسوطة معانا هنا. أجابته بحماس وسعادة:
جدًا الأستاذ ياسر رجل محترم قوي، من ساعة ما قعدوني في أوضة الضيوف تحت وهو بيخرج ويدخل من باب الروف عشان أبقى براحتي. ابتسم لها، فانطلقت تشاركه أخبارها: ومدام دعاء حتة سكرة، رافضة أني أساعدها في أي حاجة وأول ما بيمشي بتنزلي وتقعد تعمل لي ماسكات وحاجات وتقولي عشان وشك يبقى منور في الفرح. لتختفي ابتسامتها فجأة وهي تسأله بأعين امتزج بها التوجس بالرجاء: هو قال لي أنه هيبلغك بحكاية السفر ولو عايزني مسافرش مش هسافر.
سعد بتفضيلها لرأيه على حماسها الواضح للفكرة، متذكرًا تلك الصغيرة التي لم تعصه أمرًا يومًا، ورغم ثقل الأمر على نفسه، رق قلبه لسعادتها البادية بإعدادات عادية لمن سواها ولكنها كانت كحلم بعيد المنال لها؛ بسبب ظروفها الخاصة، وعز عليه أن يحول بينها وبين تعويض ما افتقدته بحياتها، ففكر أنه لا بأس أن ينفذ خطوات ياسر، شريطة أن يكون ذلك في شكل دين يسدده من راتبه، لذا حسم صراعه الداخلي لصالحها وهو يجيبها مبتسمًا:
لا متقلقيش أنا عارف، وبعد ما تشتري حاجتك هاجيلك عشان ننقي العفش. كادت أن تطير فرحًا بقراره، وقد نَدَت عنها صرخة فرحة، قبل أن تكتسي ملامحها بالجدية، وهي تخرج تلك البطاقة من جيبها متذكرة، وهي تخبره باهتمام: أه صحيح، أستاذ ياسر قالي أديك الكارت ده عشان هو ممكن ينسى، هو أنت تعبان ولا حاجة. كز على أسنانه بغضب وهو يلعن مشاكسات ياسر، فبماذا يخبَرها عن سبب أن إرساله لبطاقة طبيب أنف وأذن لها معه. ***
ارتاعت هناء وهي تسمع صوت المفتاح يدور بباب شقتها، قبل أن تزفر براحة وهي تتطلع لوجه زوجها، لتهتف له بسعادة وهي تهرول لترتمي بأحضانه: حمد الله على السلامة يا فهمي، مقلتش ليه أنك جاي النهاردة. شدد من احتضانها بسعادة، فبالفترة الأخيرة تحسنت نفسيتها ومعاملتها له كثيرًا: مش جننتيني وقعدتي تقولي عندك مفاجأة ومش هتقوليها قبل ما أجي، أديني جيت يا ستي قولي بقى. ضحكت بطفولية وهي تشاكسبه:
لا مش هاقول حاجة قبل ما تتغدى وتستريح شوية. ابتسم سعيدًا لطفولتها التي أسَرته منذ رآها: ماشي، أنا عارف أنك مكنتيش عاملة حسابك أني جاي، قلي بيضتين ولا شوية بطاطس، أو أي حاجة. انتفضت تهرول للمطبخ بحماس: بيض إيه بس، اصبر دقايق وأنت تشوف. وفعلًا ما هي إلا دقائق معدودة، وكنت قد أعددت له مائدة بها عدة أطعمة شهية، ليهتف متعجبًا:
إيه ده كله حمامة وحتتين كباب، وكفتة وبسبوسة وكمان عصير مانجة، وعصير برتقان، جبتي الحاجات دي منين، وعملتيها إمتى. أجابته بسعادة: الحاجات دي كنت بجيبها يوم السوق مرة حمامتين ومرة نص ضاني وكده، بس لما كنت باجي آكل، مبهنش عليا آكل من غيرك، وبشيل لك نصها بالفريزر، ودلوقتي سخنتها بالميكرويف. أجابها متعجبًا: بس أنت عمرك ما عملتي كده، ولا سبتي لي من الأكل اللي بتعمليه وأنا مش هنا. اختفت ابتسامتها وهي تتذكر
معاناتها مع طبعه السابق: الأول أنت اللي كنت بتبقى شاري الحاجة يعني لو عايزها هتاكل منها عادي، لكن دلوقتي أنا اللي بشتري، وممكن لما أحكيلك أنا أكلت إيه نفسك تروح لها. صدم لردها ولبراءتها، فهو كان يمنع عنها المال متخيلًا أنها كوالدته التي تخلت عن والده وعنه بمجرد أن آل إليها بعض الإرث، ولكنها فاجأته بأنها كلما زاد ما ملكت زاد عطاؤها، لذا أخبرها محاولًا تعويضها عن حرمانها السابق:
يبقى هزود لك مصروفك عشان تعملي حسابي بدل ما تشيلي من أكلك، وعشان كمان تعرفي تجيبي كل اللي نفسك فيه من السوق. أجابته بابتسامة غامضة: بس أنا مش رايحة السوق الجاي، ولا عدت هاروح السوق تاني، أنا اتفقت مع رانيا هاديها فلوس، وهي تتصل تقولي على الحاجة اللي في السوق وأنا هاقولها تجيب لي إيه. احتد صوته وقد اشتعلت غيرته: ليه في حد هناك ضايقك ولا عاكسك. مسحت على بطنها بسعادة طفولية:
لا عشان مش هينفع أتعب نفسي في مشوار السوق، ماهي دي المفاجأة، أنا حامل.
تصنم للحظات قبل أن يصرخ بسعادة وهو يعصرها بين أحضانه، سعادتها بحملها وخشيتها عليه أراحت قلبه من آخر هواجسه، فل طالما خشي أن تكون قد تزوجته رغم فارق السن بينهما، مرغمة بسبب ظروفها وحاجتها، وأنها سترحل بمجرد أن يشتد عودها، ولكن تلك الفرحة التي يراها بعينيها أخبرتها بصدق مشاعرها تجاهه، ليحمد الله على تلك الصغيرة التي دخلت حياته فأنارتها مبددة ظلمة الذكريات، واكتملت نعمته بصغير تحمله بأحشائها سيكون فرحة المستقبل التي ستمحو ألم الماضي.
*** ابتسم لها وهو يجدها تتأمله بشرود، ليشاكسها رافعًا حاجبيه: معجبة ولا إيه. ابتسمت له بحب وهي تجيبه مؤكدة: جدًا. اقترب يواجه عينيها: بجد يا دعاء، يعني مش ندمانة أنك صدقتيني وجيتي معايا هنا. نظرت لعينيه وهي تتمتم بصدق: مش هاكدب عليك وأقول لك أني مكنتش خايفة، ورغم كل وعودك قلبي كان بيقول لي أنك في أقرب فرصة هترجع لعادتك ومش هتراعيني ولا تراعي مشاعري، ومش هلاقي ياسر اللي حبني وعمل المستحيل عشان يتجوزني. توترت
ملامحه وهو يسألها بتوجس: ويا ترى لقيتيه ولا لا. أجابته بسرعة: لا. نكس رأسه بندم ينعي حبًا أضاعه بيده، لتنفرج أساريره وهو يسمعها تستطرد: بس لقيت اللي أحسن، ياسر اللي حبني وعمل المستحيل عشان يتجوزني كان متهور وحبه ليا جزء من حبه لنفسه، لكن ياسر اللي معايا دلوقتي راجل بمعنى الكلمة، راجل عارف يعني إيه حب. سألها بلهفة: بجد يا دعاء. أجابته وهي تربت على يده بحنان:
بجد يا قلب دعاء، أنت مش متخيل كبرت في نظري قد إيه وأنا شايفك مش بس معتمد على نفسك، ده أنت كمان بتساعد غيرك، وبتفتح بيوت. لمعت عيناه بسعادة وهو يرفع يدها لفمه يقبلها بحب: ربنا يخليكي ليا ولا يحرمني منك، إحساسي بأني ممكن أخسرك، كان أكبر دافع ليا عشان أتغير وأكون جدير بيكي. ضغطت على يده الممسكة بيدها بحب:
ربنا ما يحرمني منك، أنت مكنتش محتاجني يا ياسر عشان تتغير، لأن معدنك أصيل والخير جواك من الأول، بس كلنا كنا محتاجين المحنة دي، عشان كل واحد معدنه يبان وتنكشف حقيقته اللي ممكن تكون تايهة عنه هو نفسه. ضمه إليها بشوق، وقد لمست كلماتها شغاف قلبه، كما تربعت هي على عرشه منذ رآها أول مرة. ***
أنهى المأذون عقد القران مهنئًا العروسين بتحفظ، ففارق السن ضخم ما بين تلك الشابة وذلك العجوز، ولكن لا شأن له بما أن العروس أبدت موافقتها وأن سكنت الدموع عينيها. بمجرد انصرافه تحرك سامي غاضبًا بطريقه للإنصراف لتلحق به خلود مستاءة من تصرفه: سامي، أنت رايح فين في وقت زي ده. التفت إليها غاضبًا: مبروك يا أم العروسة، مبروك على الجوازة وعلى مكتبي وفلوسي اللي أخدتيهم بلوي الدراع. أجابته متصنعة الصدمة:
فلوس إيه، ولوي ذراع إيه اللي بتتكلم عليه! رفع حاجبيه بحدة: وهو لما تجبريني أكتب لبنتك نص شركتي مقابل ديني للعريس ده يبقى اسمه إيه. أجابته ببساطة: اسمه حقها، كفاية أنها ضحت بمستقبلها عشان تنقذك، مش المفروض كمان أنها تضحي بحقوقها، وفي الآخر يورثوك اللي قتلوا أخوها، ولا أنت ناسي أن الهوانم هما اللي بناتك، وبنتي غريبة.
ابتسم متهكمًا، فالآن فقط تتذكر بأنهما ابنتيه وأنهما أقرب له من ابنتها، لما لم تتذكر ذلك وهو يبذل النفيس في سبيل إسعادها هي وشقيقها الفقيد، باذلًا أقصى ما لديه لسترها وإصلاح كوارثهما، بينما ترك ابنتيه كما تدعوهما الآن بلا سند بعهدة الغرباء. *** غمغم ياسين مستاءً: كل شهر تزهقني كده، أنا مش عارف إيه الغلاسة اللي بقيت فيها دي. أجابه ياسر: فلوسك وحقك، ولازم تبقى عارف راسك من رجلك. تأفف ياسين:
مش كفاية صممت فيلا المزرعة تتكتب باسمي لوحدي، عشان فلوسي كانت أكتر، من إمتى وفي فرق بينا، خلي الأمور تمشي عادي زي زمان. صاح ياسر بغضب مستعيدًا ذكرى ما فعله به تواكله عليه: لا يا ياسين مش هنعيده تاني، وكل واحد فينا فلوسه هتفضل مفصولة عن فلوس أخوه، وبيتي مش هيتصرف عليه غير من نصيبي أنا. نفخ ياسين بضيق: يابني ماهو في الآخر كله ليك ولـ بودي. اندفع ياسر قائلًا:
بعد الشر عليك يا حبيبي، تعيش وتتهنى [مستطردًا بخبث] وبعدين ليا أنا وبودي ليه، مبتفكرش تتجوز. ضحك ياسين متهكمًا: وهي مين دي اللي أمها هتكون داعية عليها للدرجة دي. تساءل ياسر بشك: أنت بجد مش واخد بالك، ولا عامل نفسك مش واخد بالك. أجابه ياسين صادقًا: عامل مش واخد بالي. زفر ياسر بضيق: بس كده مش هينفع يا ياسين واضح جدًا أنها معجبة بيك، وميصحش تلعب بيها، دي برضه أخت يوسف. انتفض واقفًا بغضب وهو يهتف مستنكرًا:
أنا لعبت بيها، أنا عمري ما لمحت لها بحاجة. هادنه ياسر معتذرًا وموضحًا: لا طبعًا مقصدش، بس أنت اتعلقت بالولد جدًا، وتقريبًا بتزوره بشكل مستمر، مرة بحجة تكشف على جدته ومرة عليه، وطبيعي أنها تفهم اهتمامك غلط وتعشم نفسها، فلو الخطوة دي مش فنيتك، فسيبها هي وابنها وأبعد. زفر بضيق، فكيف يبعد عن ذلك الصغير الذي ملك قلبه وروى أبوته العطشة. ***
كانت جميع نساء المزرعة يلتففن حول آية بثوب عرسها الرائع، بينما الشباب يحملون زينهم تتقافزه أيديهم صعودًا وهبوطًا. كان ياسر ينظر لهم سعيدًا لصديقه، بينما يقف بعيدًا يحمل صغيره بيد واليد الأخرى تحيط كتف حبيبته تضمها إليه بحب. نظر حوله يبحث عن شقيقه، ليجده جالسًا إلى الطاولة يداعب مهاب بسعادة. همس ببعض كلمات بإذن زوجته، قبل أن يتركها حاملًا طفله باتجاه شقيقه وهو يقول:
يا بختك يا عم مهاب الدكتور مبيضيعش فرصة ممكن تكونوا سوى فيها. ابتسم له ياسين مشاكسًا: أنت بتغير ولا إيه. أجابه ياسين مشيرًا بطرف خفي لوفاء التي تراقبهما من بعيد: مش أنا لوحدي اللي غيران. همس ياسين زاجرًا: ياسر ميصحش كده. أجابه ياسر مشاكسا: أنا قصدي شريف والله. فاجأته إجابة ياسين الصادمة: قريب جدًا إن شاء الله، أنا فاتحت يوسف النهاردة وأكيد هيسألها بعد الفرح.
اتسعت عينا ياسر بصدمة لتلك البساطة التي يخبره بها عن نيته بالزواج دون إخباره مسبقًا: أنت بتتكلم جد. أجابه ياسين بجدية: وهو الجواز فيه هزار. نظر له ياسر مترجياً: أوعى تظلمها يا ياسين، لو مش هتقدر تحبها ابعد أحسن. تساءل ياسين مستنكرًا: ومين قال أن الحب هو الأساس الوحيد للجواز. تلجلج ياسر محاولًا تجنب ذكر الماضي: مش قصدي، بس أكيد مش من العدل أنك تتجوز واحدة وقلبك مشغول بغيرها. أجابه ياسين بهدوء وثقة:
ممكن أكون مبحبهاش حاليًا، بس مين قال أني بحب غيرها، مش هأنكر أني كنت بحب سلوى، لكن أي حب من طرف واحد مصيره ينتهي في يوم، خصوصًا لو الطرف التاني استغل حبك أسوأ استغلال. دهش ياسر لذكره سلوى بتلك البساطة، ليتساءل بفضول: يعني ممكن تحبها في يوم. أجابه ببساطة وهو يضم مهاب لصدره:
وليه لا، هي فيها كل اللي أنا محتاجه، أنا أديت كتير قوي، وحاسس أني محتاج آخد، مش معنى كده أني عايز العكس، وهاخد ومديش، بالعكس أنا عايز أعيش علاقة سوية، الطرفين بيحافظوا عليها وحريصين أنها تنجح، وحاليًا أنا بحترمها وبقدرها وحاسس أن دي أفضل بداية للعلاقة دي. *** دلف لشقتته يحمل صغيره، ليذهب به لفراشه، بينما تفك زوجته حجابها أمام المرآة وهي تعاتبه بدلال: كان هيحصل إيه لو كنت سبتني أحط ميك آب خفيف كل الستات كانت حاطة.
اقترب يحتضنها من الخلف وهو يهمس بإذنها بحنان: حبيبتي مش محتاجة ألوان زي الطاووس عشان يبان جمالها، حبيبتي يمامة رقيقة، مش محتاجة أي ألوان تزينها كفاية رقتك والبراءة اللي في عينيكي دي. ابتسمت بحب: ربنا يخليك لي، أنا مبسوطة قوي من ساعة ما جينا هنا، الناس هنا طيبين قوي [لتضحك فجأة] ولا المجنونة هناء عاملة زي الأطفال طول ما إحنا ماشيين في السوق بتقعد تشتري آيس كريم وشيبس، بتفطسني من الضحك. لتستطرد بحماس وقد تذكرت أمرًا:
مش تتخيل مسمياه رانيا إيه، تخيل مسمياها روقة. لفها إليه وهو يحتضنها برقة بينما همس بإذنها، مش عايز أسمع سيرة أي ست غير أنت وبس. غمغمت معتذرة بحرج: أسفة حبيبي، رغم أن استشاري العلاقات كانت فكرتي، لكن أنت أشطر مني بكتير، أنا نسيت أنه قال أن مش المفروض حد منا يجيب سيرة أصحابه قدام التاني. ابتسم بحب: ولا يهمك حبيبتي. أشاحت بأصابعها فوق أذنيه بمشاكسة كأنما تبعثر حروف ما قالته بأذانه: خلاص مفيش هناء ولا روقة. ضحك مشاكسًا
وهو يتذكر عفوية زينهم: روقة مين، ده أنت اللي روقة وستين روقة. *** تمت بحمد الله اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك. مع تحياتي/ منى الفولي
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!