الفصل 13 | من 17 فصل

رواية اليمامة و الطاووس الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منى الفولي

المشاهدات
18
كلمة
5,067
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 76%
حجم الخط: 18

تفلت مكانه لاعنة إياه بمجرد خروجه وهي تهرول لأختها، تهون عليها وتطمئنها بأنهما لم يفقدا كل شيء بعد، فما زالت تملك قلب ياسين. خرجتا إليه بعد دقائق معدودة، ليبتسم سعيدا: حصل يا مدام وهو ومحاميه هيقبلونا في الشهر العقاري.

لعنت غروره الذي يهيئ له بأن نجاح مسعاه يرجع إليه، بينما هي واثقة أن لهفة ياسين للقياها أكبر من رغبتها للقائه ولو اختلفت الدوافع، لينهار غرورها بدوره، بمجرد وصولها ومواجهة أعين ياسين الجامدة، ولكنها لم تيأس وهي تحاول التظاهر بالتماسك واللامبالاة أثناء توقيع الاتفاق، وبمجرد إنهاء الأمر وتوقيعها على الاتفاق المبرم، ظلت نجوى بكرسيها وكأنما انتهت طاقتها، وقد استنفذت آخرها في الهروب من أعين ياسين، بينما هم ياسين بالرحيل بمرافقة محاميه، فارتفع

صوت سلوى يناديه مستوقفا: ياسين.

توقف للحظة مترددا، ولكنه حزم أمره فهو كان يعلم بنيتها منذ عرف برغبتها بحضوره، ورغم ثقل الأمر على نفسه، إلا أنه قرر مواجهته، فهروبه منها كان سيقوي أملها بضعفه، ويجعلها تحاصره وهو لا يضمن صموده وقتها، أما المواجهة وأن حملت له الألم فهي نهاية الأمل بالنسبة لها لينهي الأمر وينتهي الآن، لذا استدار لها غير مبال بانصراف محاميها وتلك الابتسامة الخبيثة المرتسمة على شفتيه، ولا تنحنح محاميه وانصرافه حرجا، وهو يجيبها بثبات: نعم.

تهدج صوتها على نحو مدروس يكتشف زيفه للمرة الأولى: بعتني بالسهولة دي يا ياسين. عقد حاجبيه وهو يتمتم متعجبا: وأنت شايفة اللي حصل سهل. كاد ينصرف لتصرخ خلفه خائفة من ضياع فرصتها الأخيرة: لو مكنتش سهلة مكنش كل اللي فكرت فيه الفلوس يا ياسين، بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك. أيلعنها على إصرارها على جرحه، أم يشكرها لمده بالقوة الكافية للمواجهة وقد أشعلت كلماتها نيران غضبه، ليلتفت إليها هادئا،

رغم النار المستعرة بداخله: عارفة ليه اشترطت يكون الطلاق على الإبراء، مع أنك عارفة أن الفلوس مبتهمنيش، لأني معنديش أي استعداد أديكي أي حاجة تانية، وشايف أن كفاية عليا قوي اللي أخدتيه من عمري وفلوسي وراحتي وحتى حسناتي. بهتت فهي لما تتوقع هجومه هذا، بل كانت تنتظر رؤية عينيه تحترق بذنب حرمانها من أمومتها كعادته معوضا خسارتها بما ترنو لها نفسها،

ليعاجلها بهجومه الثاني: على فكرة، أنا مصطدتيش في المياه العكرة أنا خطبتك لما عرفت أن والدتك عرضت على وائل جارنا أنه يتجوزك على مراته، لمجرد أنها تعاند مع والدك، وأكيد جوازك مني كان أفضل من جوازه زي دي مع أن الراجل نفسه رفض، ولو مش مصدقاني هو مراته لسه جيرانا وممكن تسأليهم. لم يعطيها الفرصة للرد وهو ينسحب مسرعا قبل أن يضعف أمام أول دموع حقيقية تتلألأ بعينيها، بعدما ضعف لسنين أمام دموعها الزائفة.

تصنمت غير مصدقة تخليه عنها، فهذا ما لم تضعه بحسبانها يوما، كانت دوما واثقة من خطواتها تعلم بأنه سندها أن زلت قدمها، لم تحتاجه يوما وخذلها، حتى عندما أفاقت بالمستشفى لم تجد غيره تستنجد به لإنقاذ شقيقتها، رغم جريمتها بحق أخيه، واليوم بعد غيابه علمت أنها بدونه لا شيء، وأن لم يكن حب حياتها، فهو حياتها نفسها، استمدت من وجوده العزة والحماية بعدما تخلى عنها والداها وأذلاها، فمن غير محب مثله كان سيقبل بها زوجة بعد فضيحة

والدها، وتهور والدتها التي لا تصدق لأي مدى وصل، من غيره كان ليقبلها معدمة مثقلة بعبء شقيقتها، لأول مرة بحياتها لم يكن لديها خطة بديلة، فقد كان خط دفاعها الأول والأخير، وها قد سقط تاركا ظهرها مكشوفا، رحل دون أن يمهلها أن تسأله، ماذا ستفعل الآن.

ابتسم ياسر بإشفاق وهو ينظر لزينهم المستغرق بالنوم بعمق، بينما علا غطيطه كالمعتاد، لا يصدق أنه لم يستيقظ حتى الآن وكما يبدو أنه سيواصل النوم حتى الفجر كعادته على الرغم من أنه نام مبكرا كثيرا هذا اليوم، فبعد تلك المواجهة بينهما وعلى الرغم من تلك القصة التي استنزفت كثيرا من طاقته، إلا أنه أصر على إعداد وجبة ساخنة، بما جلبه من السوق، وقد كان الطعام شهيا فعلا، ليستغرق بعدها بالنوم بدقائق معدودة كعادته.

تحرك خارج الغرفة عابسا وقد أصابه ما مر به اليوم بتشتت كبير، ما بين نظرته لحياته السابقة التي اختلفت كثيرا عن ما سبق، ونظرته للآخرين وتقيمه لهم وأسس ذلك التقييم، قادته قدماه نحو الدرج ليقف للحظات مترددا، تمسكت به يد حرصه على زينهم تمنعه من التحرك فهو لا يريد أن يسبب له أي ضرر، يكفيه ما مر به في حياته من مصاعب، ولكن كانت هناك عدة حبال تسحبه للأسفل، حبل فضوله وتلك الصدمة التي تلقاها بعد رؤيتهن بالسوق، وحبل تهوره

المعتاد، وحبل الشغف للإطلاع على ذلك العالم الغريب بالنسبة له التي تفتح أحاديثهن شرفته على مصرعيها أمامه، مبددا ذلك الملل الجاثم فوق صدره، وأخيرا انتصرت حبال هوى نفسه، متغلبة على يد الحرص، ليهبط الدرج بخفة، ملاصقا للجدار بجوار شقة شوقية، ليصله

صوتها الغاضب كعادتها: مش هنخلص من موال كل يوم ده. صدح صوت زوجها الغاضب: كويس أنك عارفة أنك كل يوم على كده، لا نظافة للبيت ولا تربية للعيال ولا حتى مهتمية بيا كراجل، ده حتى يوم السوق مفيش لقمة عدلة ناكلها، أمال روحتي تعملي إيه. تأففت بضيق: رجعت تعبانة، هاعمل إيه، أقطع نفسي عشان ترتاح. صاح حانقا: لا متقطعيش نفسك، بس لما أجي أتجوز متجيش وقتها تولولي وتقولي قصرت معك في إيه. غمغمت متهكمة باستفزاز: مش هاقول.

صمت لثواني ربما مصدوما من وقاحتها قبل أن يغمغم بندم: عامة هي مش غلطتك أنا اللي غلطت لما هودتك وسيبت بيتي وشغلي وجيت معك هنا، على الأقل هناك كنت بانزل أريح وأكل عند أمي لقمة نضيفة. سمع خطوات ثقيلة تبتعد ليسود بعدها الصمت التام، مما يعني أن أحدهم قد يأس من الحديث منسحبا لمكان آخر بالشقة.

أطلق سبة خافتة لاعنا ضعف الرجال، فالرجل خلق قواما قائدا للعلاقة، وأي بادرة ضعف منه لأي جانب كان، سواء لأم أو زوجة يهدم قوامته، وينتج علاقة مشوهة، وحياة غير مستقرة، فإن كان ضعفه لغير زوجته، شعرت معه بعدم الأمان، وأن كان ضعفه أمامها انتقص ذلك من قدره بعينيها وأن استفادت من ضعفه هذا أقصى استفادة واستغلته أسوأ استغلال. تحرك هابطا نحو باب رانيا يتمنى أن ينال جرعة إيجابية بعد تلك الجرعة السلبية المكثفة، ولم يخب ظنه

وهو يستمع لصوتها الحاني: ولا يهمك ربك اللي بيرزق. غمغم غسان مهموما بخفوت: ونعم بالله، بس لو مشيلتش هم الشغل والمرتب، طبيعي أشيل هم السكن، كده هنرجع تاني للإيجار وقرفه. صاحت تهون عليه بود: ماتقدرش البلا قبل وقوعه، مين قالك بس أن المزرعة هتتباع، ماهو كل فترة يقوم القومة دي وبعدين لا بيبيع ولا بيشتري. أجابها مؤكدا: بس المرة دي غير كل مرة، المرة دي فعلا بيفكر يبيع وطلب من كذا حد يشوف له مشتري.

أردفت محاولة طمأنته: حتى لو المزرعة اتباعت، مين قال بس أن اللي هيشتريها هيمشينا، هو يلاقي فين في شطارتك وأمانتك. زفر بضيق وهو يهتف باستياء: بس لو يهودني ولو على سبيل التجربة، كنت خليت المزرعة دي تجيب دهب بدل الملاليم اللي بتجيبها. وصله صوتها المواسي

بحكمة دون مجاراة بالخطأ: يا حبيبي من حكم في ماله ما ظلم، وبعدين هو سبق ورفض الفكرة بتاعة خلايا النحل مع أن مكانها فاضي زي ما بتقول، متخيل أنه ممكن يوافق على كل اللي بتحلم بيه، مطعم ومنافذ بيع وتصنيع، ما أنت عارف، راس المال جبان.

أجابها مقتنعا ونادما: استغفر الله العظيم يارب، عندك حق، أنا بس شيلت الهم، خصوصا أنها مش شيلتي لوحدي، متنسيش أن معاش أبويا بيكفي دوائه هو وأمي بالعافية، والقرشين اللي بنبعتهم بيساعدوا، مش عارف هقولهم إيه بس. تمتمت بثقة: أهم القرشين دول بالذات هما اللي مطمنيني، أن ربنا مش هيسيبنا، ده كفاية دعائهم ليك. لان صوت غسان وهو يردف بحب: وأنا أكتر حاجة مطمناني، بعد ربنا، أنك معايا وفي ضهري.

ضحكت بسعادة: طبعًا لازم أبقى في ضهرك، مش وراء كل رجل عظيم امرأة. ضحك رائق: وعملتيني عظيم كمان. ضحكت مؤكدة: عظمة على عظمة ياراجل، وهاعملك حالا أعظم كباية شاي دقتها في حياتك عشان تفوق كده، وتظبط دماغك. تمتم بود: لا خليكي أنا اللي هاعمل أنت روحت السوق، وعملتي غدا جامد، كفاية عليكي كده. صاحت بحماس: ماشي أعمل الشاي وأنا هاغسل الفاكهة وهنادي العيال ونقعد سوا نتساهر.

استمع لخطوات نشطة تتحرك بينما ابتعد صوتها ينادي باسم الأبناء، هفا قلبه مع نشاط خطواتهما متذكرا خفة حركة حبيبته وانطلاقها كلما كان وحدهما، وثقلها وحزنها وهو يربط بعنقها صحبة غير مرغوب بها بالنسبة لها.

تطايرت كل أفكاره واحتبست أنفاسه وهو يستمع لتلك الخطوات الهابطة إليه، سيكشف أمره ويورط زينهم بالمشاكل، لطالما كان مندفعا، وكثيرا ما أخبره شقيقه بأن اندفاعه سيؤذيه يوما، وتحققت نبؤته كثيرا ولكن تلك المرة سيؤذي شخصا بريئا كل ذنبه أنه ساعد شخصا مثله. شحب وجهه وتخشب جسده ملتصقا بالحائط وهو يلمح ذلك الظل الهابط وقد سبق صاحبه، ليرتخي جسده دفعة واحدة ويتنفس الصعداء وهو يرى وجه زينهم من خلف ظله.

لم يطل ارتياحه كثيرا وهو يلمح وجه زينهم المقضب الحاجبين ونظرات الغضب واللوم بعينيه، ازدرد ريقه وهو يقتاد لإشارته لاتباعه بالصعود بصمت، وبمجرد دلوفهما لحجرة زينهم اندفعا مبررا ومدافعا عن نفسه: أنا عارف أني غلطان، بس متفهمنيش غلط، والله الموضوع ملوش دعوة بالحريم والكلام اللي في دماغك خالص. لم يجبه زينهم سوى بنظرات الخيبة وكلمة وحيدة مقتضبة: فهمني. وجد نفسه يندفع يقص عليه كل ما مر به قبل لقائهم وبعده وحتى هذه اللحظة،

ليختتم كلامه موضحا: يعني أنا مكنتش بتجسس للتجسس، مكنتش بتجسس أصلا، أنا كنت بفك عن نفسي وباتعلم عشان لما أرجع لحياتي أعرف أصلح اللي عملته. لم يجبه زينهم مباشرة وكان تخبطه واضحا ما بين تعاطفه معه على ما مر به، وغضبه منه لما بدر عنه، ليكبح جماح غضبه أخيرا وهو يزفر منفسا عن غضبه محاولا جعل حديثه هادئ رغم قوته: عارف سيدنا عمر. غمغم ببلاهة لا يدري عما يتحدث: سيدنا عمر مين؟! أجابه ببساطة: سيدنا عمر ابن الخطاب.

أومأ إيجابا بحيرة وهو لا يعلم ما علاقة ذلك بما هما فيه: أيوه طبعًا أعرفه. اتكأ على فراشه مكملا وقد هدأ صوته تماما: سيدنا عمر كان بيتسحب بالمدينة بالليل؛ عشان يطمن على رعيته، فسمع صوت غناء وعربدة رجل في بيته فنط السور، ولاقاه فعلا بيسكر وبيسمع جارية بتغني، فزعق وقاله يا عدو الله، أنت فاكر أن ربنا يسترك وأنت بتعصيه، فالراجل قاله بهدوء لو أنا عصيت ربنا مرة فأنت يا أمير المؤمنين عصيته تلات مرات.

اعتدل توقيرا لآيات الله: لأن ربنا قال {وَلا تَجَسَّسُوا}، وأنت اتجسست، وربنا قال {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}، وأنت نطيت السور، ودخلت علي من غير إذني، وربنا قال {لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا}. عاد للاستلقاء على سريره: فسيدنا عمر قاله، تسامحني إذا أنا سامحتك، والراجل وافق فسيدنا عمر عفا عنه، وخرج وسابه بحاله منه لربه. أنهى كلماته

وهو يغلق عينيه مغمغا: شوف أنت بقى أن كان سببك أنك تتجسس على الناس أقوى من سبب سيدنا عمر في تفقد رعيته وإقامة حدود ربنا، وهاتعرف إذا كنت اتجسست ولا لا، واللي عملته حلال ولا حرام.

ثوان معدودة وارتفع غطيطه، لكن لأول مرة لم ينتبه ياسر لذلك فالأفكار برأسه كانت أكثر صخبا وإزعاجا من صوت الغطيط، لقد وضعه زينهم أمامه لأول مرة ليس بشأن تجسسه فقط، بل بشأن حياته كلها، فهو لم يضع أفعاله بميزان الحلال والحرام من قبل، بل كان يزنها بميزان العيب ونظرة المجتمع.

تلاحقت مواقفه وآراؤه أمام عينيه سريعا، ليعلم بأن ليلته لن تكون سهلة أبدا، خاصة وقد طفت على سطح ذكرياته كلمات حبيبته التي يظن بأن ذنبه بها كان بداية، لانهيار حياته {رغم أن وجودك معها أو حتى مع سلوى بنفس الشقة حرام، بس أنتوا كنتوا صغيرين ومش فاهمين، لكن دلوقتي أنت كبير وفاهم ومسئول قدام ربنا عن كل تصرفاتك وكل التجاوزات اللي بينكم، بحجة العشرة والتربية، ومتقوليش زي أختي، الدين مفيهوش زي يا ياسر}.

استيقظ زينهم لصلاة الفجر فوجد ياسر يقرأ بمصحفه، ابتسم له دون حديث وصدح الأذان فاستقما ملبيان، ليهمس بخزي دون أن يرفع عينيه: أنا فعلا اتجسست، بس والله مش هاعمل كده تاني. ابتسم له زينهم وهو يجيبه بهدوء: لما قولت أنك سمعت الست شوقية بتقول ياروقة، وأنك عارف صوتهم، افتكرت أنك سمعتهم بالصدفة زي ما ساعات باسمع حد منهم يطلب ملح ولا لمونة، وده معلهوش ذنب، لكن أنك تركز وتقرب وتبقى قاصد تسمع ده كمان تجسس لازم تستغفر عنه.

اندفع يبرر وجهة نظره: بس هما بيتكلموا بصوت عالي وجايز أي حد يسمعهم. أجابه بهدوء وتفهم لطريقة تفكيره: ده لأنهم فاكرين أنهم لوحدهم وواخدين راحتهم في الكلام، [محاولا تقريب الصورة لعقله] تخيل كده لو واحد مهكر تليفون الست دعاء وبيسمع كل كلامها وهي بتتكلم براحتها مع صاحبتها وأهلها كان هيبقى شعورك إيه. اشتعلت رأسه لمجرد تخيل الأمر، ليندفع صارخا دون تفكير: ده أنا كنت خرمت ودانه بسيخ محمي.

ابتسم زينهم بهدوء مرخيا كتفيه وكأنما يخبره دون كلمات {هاقد حكمت على نفسك فأن كنت تغار على دعاء فلهن أزواج يغارون أيضا}، لينكس رأسه خزيا للمرة الثانية. ما كاد زينهم يغادر حتى ارتفعت زغرودة فاطمة مدوية، ليقف مبهوتا يفكر، هل تستحق فاطمة هذا، لقد رآها بالسوق ورأى كم هي محتشمة خافتة الحديث، وأن انطلاقها ببيتها مصدره اطمئنانها لعدم سماع أحد لها غير صديقاتها، وأنه هكذا يهتك سترها، بل سترهن جميعًا.

اندفع لغرفة زينهم مغلقا الباب خلفه، ولكن رغم عنه طارده صوت شوقية الناقم: شكله اتجنن، أمه إيه دي اللي نرجع نسكن معها. لم يصله غير صوتها المنفعل ردًا على تعليق لرانيا لم يصل لمسامعه: أوعي جناحتك من وشي السعادي ياروقة، باقولك سيبت المركز بمزاجي وجيت أعيش في الحبسة دي عشان أبعد عنها وعن تحكماتها. من المؤكد أن هناء بصوتها الطفولي تسائلت عن عمله السابق، بناءً

على إجابة شوقية الغاضبة: ياهنون، هو أساسًا كان بيشتغل مع ابن عمه وماسك له الحسابات، ولما جه شغل المزرعة مكانش راضي بيه، بس أنا لقيتها فرصة أعيش بعيد، فتلككت ودبيت خناقة مع مرات ابن عمه وأمه، هو ساعتها من إحراجه ساب الشغل. لم يعلم من علقت بعدها ولكن استمع

لضحكة شوقية الخبيثة معقبة: ما أنا عارفة أن حماتي بقالها فترة بتصلح العلاقات، بس يبقى يوريني هيرجع شغله القديم إزاي، والله لو حسيت بس أنها ناويها لأدخل على صفحة مرات ابن عمه واشتغل في التلقيح لحد ما تولع نار وأنا مكاني. كان من الواضح أن الجميع يحاول تهدئتها ونصيحتها ولكن لم يصله غير صوتها الناقم المتوعد لعلوه وحدته، وقرب المسافة كذلك ولكنه طمأن نفسه بعدم وجود وزر عليه طالما الأمر خارج عن إرادته كما أخبره زينهم.

انفتح باب الغرفة، ليطل عليه وجه زينهم المستبشر: السلام عليكم، إزيك يا أستاذ عامل إيه النهاردة. صاح مدافعا ينكر ذنبًا لم يوجهه له: والله متصنت على حد، ده أنا حتى قفلت الباب بس الصوت ساعات هو اللي كان بيوصل. ضحك زينهم بمرح: عارف. همس مندهشا: عرفت إزاي. فجأة صوت زينهم السعيد بما لم تصدقه أذناه: تبت عن الذنب فانفك الكرب، أستاذ عمر كلمني وقال أنه جاي ياخدك النهاردة خلاص مشكلتك اتحلت.

قفز قلبه بين ضلوعه، لا يصدق انكشاف تلك الغمة التي جثمت على صدره حتى كادت تزهق روحه كمدا، لا يصدق أنه سيعود لحياته وقد أعطاه الله الفرصة لتصحيح خطأه بعدما أنار عقله وقلبه بتلك الفترة العصيبة، فاندفع يرمي بنفسه بحضن زينهم يبكي، وهو يلهج بشكر الله ويثني على صنيع زينهم معه. وقف مرتديا جلباب زينهم ممسكا بذلك الجوال الذي يحوي حقيبته، وهو يردف بحماس: أنا جهزت خلاص يلا بينا.

راقبه زينهم بدهشة: أنت لابس كده ليه، المرة اللي فاتت كان عشان محدش يعرفك، دلوقتي أنت مش مضطر تعمل كده غصب عنك. خجل من نفسه وقد تبين فطنة زينهم لنفور واشمئزازه وقتها، فغمغم مشاكسا بود: انسى الجلابية دي بقيت بتاعتي ومش هتشوفها تاني. ابتسم زينهم مغمغا: طيب خدها بس حطها في الشنطة. ابتسم متمسكا بالجلباب: لا زي ما جيت هامشي، مش عشان محدش يشوفني، لكن أنا حابب ده. أجابه مستسلما: براحتك.

هبطا الدرج بهدوء، وبكل طابق كان يسترجع درس استفاده أو خطأ ارتكبه، انقبض قلبه بنفور بطابق شوقية ليستبدل بالتقدير عند مروره بباب رانيا، ليهبط مبتسما بتعاطف عندما مر بشقة هناء، وكتم ضحكة شقية وهو يمر على باب فاطمة متذكرا جنونها وزغردوتها اليومية، ليزفر بحيرة وهو يصل للدور الأرضي متسائلا هل نجحت فاتن باسترداد حب زوجها، أملا أن يكون خطأها، خطأ يمكن إصلاحه، متسائلا وماذا عن خطأه هو، هل سينجح بإصلاحه، أم أنه خسر كل شيء، وترى كيف انتهت محنته وبأي ثمن.

وضع حقيبته الأنيقة داخل الكابينة، ليجلس هو بجوارها بهدوء، فلا داعي للتمدد بجوارها كالمرة السابقة فلا خوف من رؤية أحدهم له هذه المرة، قاد زينهم الدراجة حتى وصلا لنفس المكان، الذي سبق وودع به صديقه، ليجد سيارته بنفس المكان، على أطراف حقل الذرة، ليهرع الصديقان يرتميان بأحضان بعضهما وكلا منهما يتمسك بصديقه بقوة، تتعالى أسئلتهم المتلهفة عن الحال بالأيام الماضية، ليهدأا تدريجيا، ويلحظ عمر ملابس صديقه فيتسائل حائرًا: أنت لابس كده ليه هو زينهم مقلكش أن الموضوع انتهى.

ابتسم ياسر وهو ينظر لزينهم بامتنان: هو قالي بس أنت اللي مقولتليش. تسائل عمر بدهشة: مقولتليش إيه. اقترب يحيط كتف زينهم بذراعه: مقولتليش واحنا جايين على هنا أنك موديني، عند أرجل وأجدع راجل ممكن أقابله في حياتي. ارتسم الخجل على وجه زينهم، بينما رمق عمر صديقه سعيدا وهو يلاحظ تغير شيء ما بشخصيته

وروحه ليشكر زينهم ممتنا: تعبناك يا زينهم وتقلنا عليك، بس زي ما قال ياسر، أنت أرجل وأجدع راجل ممكن الواحد يقابله في حياتي، أنا عمري ماهنسى جميلك ده. أجابه زينهم بحرج من مدحهما إياه: ده من أصلكم الطيب، خيركم السابق، وأنا رقبتي سدادة في أي وقت. شكره عمر كثيرا بينما احتضنه ياسر مودعا: جميلك على راسي يا زينهم، مش بس أنك خبّتني، جميلك أكبر من كده بكتير، خلي بالك من نفسك يا صاحبي.

اختنقت الكلمات بحلق زينهم وهو يرى تقديرهما له رغم الفارق الشاسع بينهم، ليغمغم سعيدا: تسلم وتعيش، ربنا ينصرك ويجبر بخاطرك يارب.

لينطلقا بعدها بسيارة عمر في طريقهما للقاهرة، قص عمر عليه كل ما حدث، وكيف انتهى الأمر لصالحه بفضل كذبهما بأمر سهل كشفه، وطلاق ياسين لسلوى، وانتظارهما له لإتمام طلاقه لنجوى بعد تنازلها عن كافة حقوقها وتعهدها بعدم التعرض لحياته ثانية، كما أخبره بأمر دعاء وزياراتها لياسين، ليزداد تقديره لها وندمه على ما صدر منه تجاهها، ولكن أكثر ما ألمه هو معرفته بالظروف الصحية التي المت بشقيقه، ولام نفسه كثيرا على سوء ظنه به واعتقاده بأنه غاضب منه منحازا لزوجته بينما هو أخفى عنه ألمه لينقذه، وصلت السيارة أمام المستشفى،

ليتسائل ياسر بقلق: هو لسه هنا، أنت مش قولت أنه كويس دلوقتي؟ طمئنه عمر مؤكدا: والله كويس، هو اللي رفض يرجع البيت، وقاعد هنا بمزاجه. ترجل ياسر من السيارة عدوًا بمجرد معرفته برقم غرفة أخيه، يتبعه عمر مهرولًا، ليصل لهما وقد ارتمى ياسر بحضن أخيه يتسائل بلهفة: أنت كويس يا ياسين، عامل إيه دلوقتي. انسحب عمر للخارج تاركًا لهم مساحة للحديث.

شدد ياسين من احتضانه يتلمس به الأزر والسند فهو أخيه وابنه وكل من تبقى له بالحياة، يعلم أنه قد أخطأ بحقه، وكان يخشى أن يخسره، ولكن لهفته وقلقه عليه طمأنا قلبه بأنه مازال يتمتع بنفس المكانة لدى أخيه، ليتمتم بحب: أطمن يا حبيبي، أنا كويس والله؟ صاح ياسر متشككا: كويس وفي المستشفى من يوم ما مشيت. أكد له، وهو يتمتم بقنوط: والله كويس، بس هامشي أروح فين؟ صاح مندهشا: يعني إيه تروح فين؟ ترجع بيتك طبعًا.

ضحك ياسين بقهر: أنهي بيت، بيت سلوى. هتف ياسر مستاءًا: سلوى مين، البيت ده بيت أبونا، وبيتنا من بعده. ابتسم شاردا يغوص بذكريات أصبحت كل ما يملك حاليًا: عمره ما كان بيتي، طول عمري شايف أنه بيتها، أنا خطبتها والعمارة لسه بتتبني، أول مرة دخلت شقتي كان وأنا بأفرجها عليها واحنا كاتبين كتابنا، كل قشة في البيت كانت على ذوقها. اتسعت ابتسامته

وامتزجت بمرارة مؤلمة: كنت عايز أفرحها مع أني كنت حاسس أنها مش طيقاني، كنت عارف أنها مش شيفاني حبيبها، واستكفيت بأني أكون سكنها. تأثر ياسر كثيرا بحال أخيه، يعلم بأن رجولته لم تسمح له بالإبقاء عليها، ولكن لا حكم له على قلبه، الذي يتعذب بفراق محبوبته، وأن كان يعلم بأنها لا تستحق هذا الحب، فلم يشاء أن يقسو عليه، فيكفيه ما به من ألم، لذا تخطى هذا الموضوع متسائلًا: طيب وعيادتك، أنت مفحتهاش من يومها.

أجابه بلا مبالاة: السكرتير رجع الحجوزات، وبلغ الجميع أني سافرت في مؤتمر طبي ومش هارجع دلوقتي. هاله ذلك القنوط الجديد بشخص أخيه: بس يا ياسين.. قاطعه ياسين زافرًا بنفاذ صبر: ممكن تسيبك مني، روح لمراتك يا ياسر، روح لها وراضيها، أنا اعتذرت لها، واعترفت بغلطي، بعدين هافهمك اللي حصل، المهم دلوقتي أن مراتك بنت حلال وأصيلة وبتحبك وكلنا ظلمناها، رجعها يا ياسر وخلي ابنك يتولد في حضنك. اختنق صوته

وهو يستطرد بصوت متحشرج: لو عايزني أروح أبوس أيدها ورجلها أنا موافق والله، المهم تسامحني وترجع لك، حتى لو اشترطت أنكم تقطعوا علاقتكم بيا اعمل كده يا ياسر، لأني الغلط غلطي من الأول. صاح ياسر مستنكرًا: أنت بتقول إيه، أقاطع مين، هو فيه حد برضه بيقاطع أبوه، أنت أبويا يا ياسين، وأن لا يمكن أبيعك مهما كان، لو على الغلط كلنا غلطنا.

شدد ياسين على يده ممتنًا: ربنا ما يحرمني منك، بس عشان خاطري روح لها، شوف الأول هتقولك إيه، يمكن نوصل لحل. صمت شاردا، قلقا من المواجهة يحترق بين نارين، ألا تسامحه، أو أن تطلب منه فعلا التخلي عن أخيه.

لم يستمع لأي من كلمات حماه اللائمة، وتوقفت كل حواسه عن العمل إلا بصره الذي تركز عليها بمجرد ظهورها من خلف والدها، يروي ظمأ تشققت له روحه منذ فراقها، رقت عيناه وهو ينظر لعينيها الحبيبتين اللتين تهربتا من مواجهته، وازدرد ريقه وهو ينظر لشفتيها المضمومتين بتذمر، بينما فغر فاهه بصدمة وهو ينظر لبطنها التي تكورت على نحو ملحوظ، لم يتبينه على هذا النحو أثناء مراقبتها بسبب ملابسها الفضفاضة وبعد المسافة، تخطته فحبس أنفاسه التي

التقطتها أنفه لرائحتها أثناء مرورها به، تتشبع روحه برائحتها التي حرم منها منذ الفراق، والتي كان يقتات ببقاياها بأثاث غرفتهما بصومعة ذكرياته، التي أصبحت مسكنه الفعلي حاليًا، جلست أمامه وهي تتأوه من ثقل حملها فتردد صدى تأوهها بقلبه ينعى حرمان المشاركة بحملها والتخفيف من ألمه عليها، ولكنها استكثرت عليه حتى لحظات تأملها، فقطعت عليه حبل أفكاره بصوت جامد،

خدش أذنيه جفائه: بابا قال أنك عايز تقابلني. فشل في رسم ابتسامة على وجهه أمام جمودها البادي، فخرج صوته مرتعشًا وقد أغتالت ثقته التي اكتسبها بموقفها من أزمته: وأنت مكنتيش عايزة تشوفيني يا دعاء. أجابته بنفس اللهجة الجامدة: وأنت بيفرق معاك اللي باعوزه يا ياسر. باغتته بهجومها المباشر، ولكنه قرر مجاراتها وإنهاء هذا الجفاء المضني لقلبه: أي حاجة بتخصك طول عمرها بتفرق معايا يا دعاء، عارف أني غلطت بس كان غصب عني.

لم تستطع التماسك بقشرة جمودها الظاهري أكثر من ذلك وهي تهدر بغضب: كان بمزاجك يا ياسر كل حاجة كانت بمزاجك، دخولهم وسطنا وتحكماتهم كانت أحلى على قلبي من العسل وكانت من وجهة نظرك لذاذة وخفة دم وأنا اللي قتامة ومقفلة، صحبتهم وفرض نفسهم علينا حتى في أي وقت اجتماعية وترويش وأنا الانطوائية الكئيبة، حتى كلامهم اللي زي السم وتلقيحهم علي، كان عشم ومحبة وأنا اللي على راسي بطحة.

كانت كلماتها كالحجارة ترجم روحه وتصطدم بأبواب ذكرياته مستخرجة تلك المواقف العديدة التي خذلها بها، مساندًا لمن أرادوا هدم بيته ولو بسلبيته تجاهه ضيقها، ليجيبها معترفًا بألم: عندك حق، مش هاقول أني مغلطتيش في كل اللي قولتيه، لكن عذري الوحيد أني وثقت في ناس مكنوش قد ثقتي فيهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...