الفصل 10 | من 27 فصل

رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل العاشر 10 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
20
كلمة
6,493
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

الحياة لن تقف على أوجاعنا، ستمر بحلوها ومرها، لطالما كانت مؤمنة بذلك، وبأن لا أحد سيرأف بها، ولن يرحمها الغريب ما دام القريب نهش منها وخاض بعرضها. الحياة ستمر، ولن تمتد يد أحد لتراعي طفلها ومطالبه، ولن يعمل أحدهم على الإتيان لها بمتطلباتها. لذا عليها أن تُنحي ذلك الخوف والقلق من الآتي جانبًا. أن تعمل على جفاف دموعها على الفراش، ولا تأخذه معها لغرفة معيشتها حتى لا يراها طفلها.

تذكرت فراشها التي ظلت طيلة الليل ترتجف وتبكي أسفله، ولم تمتد يد أحد كي تمسح دموعها وتسحبها لأحضانها. هنا تذكرت زوجها التي تخلصت من رابطة الأبدي حينما أقامت عليه دعوى طلاق للضرر، وتخلصت منه حينما حكمت المحكمة بطلاقها منه. تخلصت من تلك الليالي الطوال التي ظلت تشكي حالها لحالها، وتبكي وهو مغترب يلهو مع العاهرات كما كان يصلها دومًا. هو دائمًا ما كان بعيدًا عنها، لا يكترث حتى لمعرفة ما إذا كان طفلها بخير أم لا!

لا تعرف كيف كان يغفو وهناك بآخر بقاع الأرض قطعة منه لا يعرف عنها شيئًا؟! لكنها توصلت بالنهاية أن هناك آباء قادرون حقًا على قتل كل شيء حلو بداخل أطفالهم، وزرع الندم والوجع بداخل زوجاتهم، وهذا إن كانوا يعدونهم زوجات لهم. هناك من هم قادرون على لفظهم بعيدًا، وتحطيمهم، وتحطيم آمالهم. إنها الحقيقة الوحيدة التي توصلت إليها، والتي عاصرتها بمشكلاتها معه. فبئسًا لأولئك.. صدقًا بئسًا لهم!

تذكرت تلك الأيام التي كانت تقضيها تفكر هل سيكفيها مصروفها للغد أم لا؟ لم يختلف الأمر عليها كثيرًا، إلا أنها تخلصت منه ومن رباطه، بينما دعاؤها عليه وعلى من بلاها به لازال قائمًا. لقد كانت الوحدة دومًا حالها. لم تشعر يومًا بالحنين لزوجها، ولا لوجوده بينهم. لم يحبها وهي كمثل. زيجة مصلحة، كلٌ منهما وجد مبتغاه من الآخر كما كان يخبرها هو. أرضى والديه، وهي كمثل رضت والدتها التي لا ترضى أبدًا مهما فعلت لها.

لطالما قرأت عن الأمان، وعن جمال الشعور بوجود ذراعين تتلقفك وقت الحاجة والمرض، لكنها لم تكن ممن أنعم الله عليهم به، وهي حامدة شاكرة. الآن عليها أن تُذكر نفسها جيدًا دائمًا أنها لا تمتلك رفاهية الانهيار التام، ولا وقت كافٍ لديها لكي تأخذ وقتها وتتأقلم وتحزن. وهذا كان أكثر شيء متعب عليها في كونها أمًا وأبًا. أن تحنو وتقسو بذات الوقت أمر مزعج ومؤلم.

الشعور بالتناقض طيلة الوقت، أن تكون أمًا وأبًا، وصديقًا وصديقته بذات الوقت، إنه لأمر مرهق حقًا. لملمت كل شيء من خلف طفلها بعد أن ودعته للمدرسة. ارتدت ثيابها، ولأول مرة لم تستطع أن تقف أمام مرآتها تتأكد من هيئتها. مازال عقلها يدور بداخله حرب ضروس، لا تعرف كيف ستنجو منها.

اليوم تشعر أنها ودعت ابتسامتها بلا رجعة، خصوصًا مع الأمر الذي صدر بوقف برنامجها، وإعدادها، وتلك الأمور الكارثية التي التصقت بها، ناهيك عن خذلان المرأة التي كانت على استعداد أن تضحي بحياتها من أجل حقها. ذلك الأمر كسرها فعلًا. تعلم أن رامي يخفي عنها الكثير، لكنها آثرت أن لا تسأله، يكفيها ما عرفته للآن. هي لن تستطيع أن تحمل كل ذلك على عاتقها. قررت اليوم أن تتحدى خوفها، وتذهب لجامعتها حتى لا تودع كافة أحلامها دفعة واحدة.

بالأمس ودعت حلمًا تعبت من أجله، وباتت موقنة باستحالة عودته مرة أخرى. واليوم هي عاكفة على الاستمرار بما تبقى لها. لكن ما أن دلفت لسيارتها حتى ترحل لجامعتها التي سجلت بها من أجل الدكتوراه، تذكرت أنها لم تفتح هاتفها منذ أمس بعدما استحال عليها النوم. مدت يدها وجلبته من حقيبتها وفتحته. حانت منها التفاته، فوقعت عينها على مرآة السيارة الجانبية. لوهلة انتبهت لهيئتها الشاحبة، ولعينيها التي مازالت تغشاها الدموع.

لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح ما أن سارت قليلاً والهواء الطلق تسلل لها من نافذة السيارة، فتناست ما ألم بها وأوجعها. حانت منها التفاتة أخرى، فلمحت تلك السيارة التي كانت مصطفة خلف سيارتها قبل سيرها. لفتت انتباهها مجددًا لتكتشف بالنهاية أنها تسير خلفها تمامًا، وكأنها ظلها. هتفت بغضب: _مؤكد هو العجوز الخرف، اللعنة عليه، لن يخيفني.

أغمضت عيناها تتذكر اليوم المشؤوم التي التقت به، قبل أشهر بتلك الحفلة التي أعدها الشريك الثاني للمالكي، والذي لم تراه إلا ليلتها. قبل أشهر: _لن أذهب يا رامي، أرجوك لا تضغط عليّ. انتفضت هبة مردفة بغيظ: _إلى متى ستبقين هكذا جبانة؟ تشجعي يا ربى، برنامجك هو الأفضل بالقناة، وأنتِ ملكة الليلة، لا يجوز أن لا تأتي! _أنتِ لا تعرفين شيئًا عن مدى قلقي، ماذا إن التقط أحد لي صورة أو فيديو ونشرها ووصلت لعائلتي؟

حينها سيذهب كل شيء أدراج الرياح، ولن أكون أي شيء بعد الآن! أنا خائفة، ثم كيف سنترك الأطفال وحدهم؟! نهرتها هبة مجددًا: _هذه جميعها حجج واهية، الأولاد ستهتم بهم أم رضوان وزوجها، هم من الأساس غارقون باللعب، انظري لهم. نظرت لطفلها وابن هبة الغارقين حقًا باللعب على جهاز البلايستيشن غير مكترثين بما يدور من خلفهم. هتفت مصرحة بخوفها الأكبر: _وماذا إن التقط أحد لي صورة ما يا هبة؟

_لن يحدث، لا تقلقي، الحفلة مؤمنة تمامًا، المالكي وشريكه حرصا على عدم وجود الصحافة ولا الإعلام لوجود الكثير من المهمين هناك. بصعوبة رحلت معهم وعلى مضض أيضًا. كانت تشعر بأنها مختلفة عن هذا العالم تمامًا. حرصت على ارتدائها لفستان مناسب تمامًا لحجابها الذي تراه ما يميزها. بأقصى أحلامها لم تفكر بلفت انتباه أحد، ولا أن تكون محط أنظار أحد. لكن ما أن دلفت ورأت رُقي الحفلة صدقًا ورقيها، وخصوصيتها، نست نفسها بينهم.

أكثرهم كان من العاملين معهم، بينما تنحى رجال الأعمال والمستثمرون بجانب بعيدون بمجلس ممل لم يروقها مطلقًا. بينما انغمس رامي بينهم، وظلت هي وهبة منفصلين بعالم آخر يثرثرون كعادتهم، وعادة النساء جميعهم. إلى أن اقترب رامي يمد يده؛ ليرقص مع زوجته على تلك الموسيقى التي صدحت من خلفهم. لم تنتبه بعدها لشيء إذ انغمست بالحديث مع شقيقتها على الواتس تحكي لها بالتفاصيل المملة التي تراه بالحفل.

لم تنتبه إلا على تلك اليد الممدودة لها، وصاحبها يعرف نفسه عليها، ولم يكن إلا "فريد الزيني". رفعت وجهها تلقائيًا تنظر له، فوقعت على عينيه التي قرأت ما بداخلها بسهولة. نظرة ذئب مفترس لم ترتح لها أبدًا، ناهيك عن رؤيتها لالتصاق تلك المرأة به قبل قليل بطريقة تبعث الغثيان بالنفس. _أتسمحين لي سيدتي؟ لم تستطع أن تمحي نظرة الاشمئزاز من على وجهها، ولم تكن على دراية بعد بمن هو هذا. أجابته بصوت متهكم واثق:

_لا بالطبع، أنا لا أرقص يا سيد. لم تنتبه لنظراته الغاضبة النرجسية التي علت من عينيه ما أن أشاحت بوجهها عنه. النار اشتعلت بجسده، وهو يفكر بحقد، ليس هو من يرفض هكذا، والنساء جميعًا يلقين بأنفسهن أسفل قدميه. أنقذت الموقف منى التي لمحتها تقترب، واضعة يدها بكف يده التي مازالت ممدودة لها، وكأن الصدمة ألجمته، مردفة بخبث لم تنتبه له: _أنا أرقص معك أيها الوسيم.

ما تلى ذلك من مقابلات كانت على ثقة أنها مدبرة، حتى تلك الليلة المشؤومة التي تجرأ بها عليها وما حدث بها. حينما تفاجأت به خلفها بالنادي المشترك به هي وهبة، والذي اكتشفت فيما بعد أنه شريك به. حينها تجرأ ليحاول التعدي عليها بالغرفة التي كانت تبدل ثيابها بها، والتي صدمت من خلو المكان آنذاك، وهي وحدها معه. حينها استطاعت تخليص نفسها منه حينما هجمت عليه بجرأة، وأصابته بضربة مميتة بين فخذيه.

فاقت من شرودها على صوت زامور السيارات من خلفها؛ لتنتبه قبل ارتكابها حادثًا آخر، هاتفة بأعين متسعة: _يا إلهي، الصبر، ألا يكفي تلك المصائب لتأتيني أخرى. يدية امتدت لمكان ضربتها من قبل. هي لا تعي حجم الكارثة التي كادت تتسبب بها له، لولا تدخل الأطباء لإنقاذه. لقد كاد يلقى حتفه بسببها. اشتعلت عينا فريد الزيني بالغضب، والرغبة المجنونة بها أكثر من ذي قبل. هو يحب هذا النوع، يحبه جدًا ويعشقه.

رفع يده الممسكة بعصا غليظة للأعلى بقوة. تشبه عصا البهائم التي يسوقها بها أصحابها، ومن ثم هبط بقوته على ظهر العاهرة التي أمامه؛ لتصرخ منتشية: _مرارًا يا سيدي. _هل أعجبتكِ يا مومس؟ _جدًا يا سيدي، مرارًا، مرارًا. _لكِ هذا يا عاهرة. ماذا حدث يا معاذ؟ لما طلبتني على وجه السرعة هكذا؟ كان هذا صوت رامي المضطرب، قبل جلوسه أمام معاذ الذي هاتفه صباحًا طالبًا منه أن يقابله على وجه السرعة بذلك المقهى خلف الكومباوند الذي يعيش به.

زفر معاذ دخان سيجارته هاتفًا به بغضب مستتر: _اهدأ والتقط أنفاسك أولًا. كاد رامي يجن من برودة الذي يتمتع به، وما إن هم بالصياح عليه، هتف معاذ: _تمام، اهدأ، الأمر بخصوص موضوع ربى، اهدأ، وانصت لي جيدًا، فقد اكتشفت كارثة، وعلينا أن نتصرف بهدوء. _يا إلهي، أنت تخيفني، تحدث، معاذ لم يعد بي أي أعصاب. الحقائق التي سمعها من معاذ أخرسته. أيعقل أن تخفي ربى عنهم شيئًا كهذا، أو هناك شيء آخر لا يعلمه هو؟

تُرى هل تعلم زوجته بالأمر، وأخفوا عنه اثنان شيئًا كهذا. _أنت متأكد يا معاذ مما تقول؟ ألا يوجد احتمال للخطأ؟ _أي خطأ وأنت بنفسك قلت أنه كان بالفعل بتلك الحفلة. أنت تعي جيدًا أني أقول الصدق. ربى بقائمة فريد الزيني. أراد أن يتمتع بها ويضمها بعد ذلك له. _لا تكمل.. على جثتي.. إن لم تتصرف أنت، أقسم أقتله وأخلص منه، وأخلص البشرية منه أيضًا. _اهدأ يا رامي، الأمر ليس بتلك البساطة، ولسنا بحاجة لتهورك. _أي تهور يا هذا؟

إنها كشقيقتي، لن أسمح له بذلك، وتلك المرأة التي تسببت لنا بالكارثة لن أرحمها. _هي أيضًا لا ذنب لها، لا تظلمها. _ومن المذنب إذًا؟ لا تجنني. _دعك من كل هذا واستمع جيدًا لي حتى نخلص ربى أولًا من شر هذا النجس. _دلني أرجوك على طريق، حتى لو كان سفرها خارج البلاد، أنا لن أستطيع تحمل ذنب أذيتها. _اهدأ يا رامي، سفرها للخارج ليس حلًا، كما أن هذا النجس بعلاقاته سيصل لها على كل حال. _يا إلهي.

شرد رامي تمامًا خائفًا، حتى أنه نسي وجود معاذ الذي استقام مجيبًا على هاتفه، كان يفكر بما يقوله. حتى حينما عاد ليودعه على وعد قريبًا باللقاء، لم ينتبه له. للآن لم يصدق أن لقاء عابر بين فريد الزيني وربى قد يدفعه لفعل ما فعله. لكن ما علاقة ذلك كله ببرنامجهم وتلك المرأة الذي يقسم أنه هو نفسه صدقها؟ ما الذي دفعها لتكذب هكذا؟ استقام سريعًا قاصدًا عادل المالكي ليجلسوا ويفكروا، ويعود بعدها للمنزل. ما أن واجه هبة.

لم تستطع إخفاء الأمر أكثر. لقد حذرت ربى أنها غير مطمئنة للأمر كله، ولم تكترث. ناهيك عن أنهم حزنوا حقًا، وتأثروا بحديث المرأة وقرروا مساعدتها بجانب صمت الزيني طيلة شهرين كاملين، مما جعلهم يظنوا أنه صرف نظر. _كيف لم تخبريني بهذا الأمر من قبل؟ كيف استطعتِ إخفاء أمر ملاحقة ذاك النذل الحقير لربى منذ يوم الحفل؟

كيف تخبره أن ربى عزيزة النفس، وتوسلتها باكية ألا تدخله بالأمر مخافةً أن يلحقه الزيني بالأذى المعروف عنه، وأنها لم تكن تريد أن تحمل نفسها ذنب إصابته مكروه. يكفيه مساعدته لها، وهي كزوجة له شعرت أن ربى محقة، وأن إصابته بالأذى هو ما لن تصمت عليه. لقد تصرفت بأنانية مفرطة واستعملت حقها كزوجة له، فكرت بعائلتها فقط كما ذكرتها ربى. لا تنكر مدى حزنها، خصوصًا بعد تلك الليلة التي هاجمها بها ذاك النذل، وما حدث. _أجيب سؤالي هبة؟

انتفضت على صوته مجيبة إياه بصوت مختنق: _كان هذا مطلبها، لقد ترجتني ألا أخبرك. أنت تعرف مدى تحسس ربى من مساعدتك لها، قالت: يكفيه ما فعله من أجلي، لا أريد أن يتأذى بسببي. _يا إلهي، يا لغبائكما! ألم تفكروا للحظة بأن ما يحدث الآن، واختفاء تلك المرأة، وظهورها، وشهادتها الكاذبة، وامتدادها لنا بكل المعلومات هذه، هو فخ أوقعنا به الزيني ليصل لها. ابتلعت هبة ريقها، وهي تفكر حقًا منذ الصباح بذلك. لم تستطع أن تبعد فكرها عنه.

لقد بحثتا هي وربى عن كل الأسباب التي قد تدفع أحداهن للكذب هكذا، ولم تجد سببًا. _هذا ما أخشاه حقًا. _يا إلهي، ماذا أفعل بكما؟ هل أقتلكم أم ماذا؟ قطع صوت شجارهم جرس الشقة، التي أسرعت هبة لتفتحه حينما بدأ القادم بالنقر على باب الشقة بنقرته المميزة. صرخت فرحة ما أن فتحت بابها: _أثير، هذا أنت أخيرًا. جلس بيجاد على مكتبه بعد ليلة عاصفة عصفت به، وبكل ما توقعه بعدما أخبرته شقيقته بما استمعت إليه.

من البداية كان متأكدًا بأمر والده، وبتلك المعلومات التي لا تخرج إلا من بين العائلة. كان يشك بالبداية بأن أحدهم سرب معلوماتهم هذه. شك بالجميع، لكن لم يخطر لعقله أن الأمر قد يصل به لهذا الحد أبدًا، وأن والده بنفسه هو من خطط لكل ما يحدث معهم ليصل لامرأة. الغضب تملك منه ما أن وصل تفكيره لهنا مجددًا، قبل أن يدق باب مكتبه آمرًا منذر بتنفيذ ما خططوا له مسبقًا بلقاء عاجل مع تلك المدعوة وإعدادها.

رحل مساعده، وبقي هو ينظر أمامه بصمت، قبل أن تدلف سكرتيرته بعدما سمح لها: _دكتور بيجاد، هناك شخص بالخارج يريد مقابلتك؟ _هل لديه موعد مسبق؟ _لا، لكنه يقول أن الأمر هام لا يحتمل التأجيل. كاد ينهرهَا صارخًا، لولا جرأة الرجل ودلُوفه خلفها: _آسف على ذلك، واعتذر، لكن لم أجد طريقة أخرى أراك بها غير هذه. مد يده معرفًا عن نفسه: _معك "عادل المالكي".

عرفه على الفور، أشار للسكريتيرة أن تخرج، وأشار له بالجلوس، قبل أن يهتف المالكي مجددًا: _أعلم أن زيارتي متأخرة، ولكن! صمت المالكي يشعر بالتعب الشديد، وضع يده على قلبه بوجع، لاحظه بيجاد الذي انتفض مردفًا: _أنت بخير. _نعم.. نعم. اتسعت أعين أثير بصدمة بعدما أخبرتها هبه بما حدث. انتفضت كالملسوعة مردفة بصدمة حقيقية: _يا إلهي، فريد الزيني! _نعم. _لما لم تخبروني هبة؟

_لم أرد أن أزعجك أثير، لست غبية لأعلم أنك تهربين من أحزانك. _اف، وما العمل الآن؟ _علينا أن نجد تلك السيدة ونقنعها بأن تقول الصدق، فهي مؤكد لديها سبب لما فعلت، وهي من ستخلص ربى من ورطتها. _أنتِ طيبة جدًا يا هبة، أظن أن فريد الزيني أخبث من ذلك. _ماذا تعنين أثير؟ _ما فهمته، تلك المرأة أصبحت كَرتا محترقًا، والخلاص ليس معها. _مع من إذا؟ _بيجاد الزيني. _هل تعرفينه؟ هذا.. من هو؟ _ابن فريد الزيني. _يا إلهي، أنتِ متأكدة.

_بالطبع. بدأت نيرة بتنفيذ أولى مخططاتها وحدها بدون تدخل من أحد. الغيرة ما تتحكم بها بعدما هددها فريد علانية أمس بالبعد عن المذيعة هذه. بدأت بتسريب ذاك الخبر الصغير عن حياتها الشخصية جدًا بعد فضيحة تهكير الصفحات، وما حدث عليها وبها. ما دامت لم تلن بعد، وتخضع لعمها، ستجعلها تتجرع الندم. تصدر الخبر صفحات السوشيال ميديا حتى أصبح الترند الأول، وتصبح ربى راشد رائجة على محركات البحث مجددًا بسؤال استخدمته المواقع

الإخبارية ليتصدر الترند: هل ربى راشد طلقت زوجها حقًا أم خلعته؟ ضحك بصخب، وهو ينفث دخان سيجارته منتشيًا بما يحدث. أمس بعد لقاء مدبر بينه وبين المالكي وشريكه. صرح له بأن نسبته بالمحطة تلزمه، رغم صدمة "عصام السكري"، لكنه لم يكترث لصدمته. كان عصام يظن أنه سيتركه ينفرد بنصيب المالكي، لكنه أراد أن يقدم نصيب المالكي كهدية لها بعدما ترضخ وتلين له.

هو لن يتركها بالتأكيد، سيداوي جراحها بالتأكيد الذي افتعله بيده فقط؛ لتلين رأسها. لقد وضعه على مفترق طرق، إما القبول أو تنفيذ تهديده له، والذي لم يكن غير العبث بابنته الأحب على قلبه. المالكي له ابنة جميلة، مثقفة تدرس بالخارج. بلحظة واحدة يستطيع أن يحولها من ابنة مثالية لآخرى مدنسة عاهرة. هو لا حدود له، والجميع يعلم بذلك. تركه؛ ليراجع عقله، وهو يعلم أن لا مجال للرفض، سيوافق لينقذ ابنته قبل أن تتحول لخِرقة بالية.

_أنت داهية حقًا، كيف خططت لكل ذلك؟ _وكأنك لم تكن معي! هكذا أجاب فريد عصام، الذي مازال ينكر عليه فعلته، والذي كان يظن أن الزيني سيتركه يستولي على المحطة وحده. كان يعتقد أنه المستفيد الأول من بيع المالكي، ولكن اعتقادهِ لم يكن بمحله. _أنت داهية حقيقية، أتفعل كل ذلك من أجل امرأة؟ اتسعت أعين الزيني، وهم بدفعه، لولا بعض الصبر حتى لا يتعرض للخيانة منه. _أنا لا أُرفض! سأجعلها تندم، كما أنها ليست أي امرأة، إنها ربى راشد.

_وماذا عن الإذاعة، وما اتفقنا عليه؟ _انس أمر الإذاعة هذه خصيصًا، فهي تلزمني، ربما ساعدتك بفتح أخرى تنافسها فيما بعد. زفر السكري محاولًا كظم غيظه منه، بالنهاية لا يستطيع العبث معه لأمور كثر يخشى افتضاحها. إنه شيطان متنكر، ولا يريد أن يتأذى منه. _حسنًا. اتسعت أعين بيجاد ما أن استمع لما يقوله المالكي، الذي اقتحم مكتبه بعدما استطاع تمالك نفسه.

كل ما سمعه منه لم يزده إلا إصرارًا على مساعدة تلك المذيعة، وما قرره سينهي تلك المهزلة، وبأسرع وقت، وإن كان عليه أن يخرج عن مبادئه. أجاب بيجاد بغموض طلب الرجل: _حسنًا، أنا موافق على ما قلت، لكن قبل ذلك، لقد طلبت اجتماعًا مع المذيعة، وإعدادها، وللأسف رُفِض الطلب قبل قليل. زفر المالكي بتعب: _لا عليك من ربى، أنا سأجمعك بها. إنها صاحبة رأس يابس لا يلين. الآن فقط لننهي ما جئتك من أجله.

أومأ بيجاد برأسه قبل أن ينظر لمنذر، الذي عاد بعد استدعاء بيجاد له، وهتف: _حسنًا، منذر يتولى الأمر الآن. لم تشعر بأقدامها التي سارت كالهلام ما أن قرأت الخبر الذي تصدر الترند. لقد فعلها ذلك القذر مجددًا حقًا، ومازال يتعسس خلف حياتها. لقد كشف الستار عن كل شيء ظننته سيظل مختبئًا إلى الأبد. مالت برأسها تستند على مقود سيارتها. لم تستطع البقاء أكثر بالجامعة، بل لم تتذكر بالأساس لما أتت.

لملمت متعلقاتها، واختفت خلف زجاج سيارتها محاولة جمع شتات نفسها المحطمة. كل شيء حولها يدفعها للإنهيار، بينما تحاول أن لا تفعل. هاتفها الذي رن بإلحاح لم تهتم به. لم يعد هناك شيء بعد لتقوله، ولا لتجيب عليه. حتى طلب رامي الذي أتى به من أجل اجتماع بينهم، وبين آل الزيني؛ لإنهاء الأمر، رفضته تمامًا. تشعر بأن أحلامها وأمنياتها ضاعت بالهواء. ضاعت جميعًا هباءً منثورًا. عادت لتسأل نفسها بحيرة: هل أخطأت بتصديقها للبشر؟!

هل بالغت بمساعدتها لهم؟ كيف تتحول مساعدتها لتلك المرأة لسلاح ضدها يفقدها أعز ما تملك؟ تقاوم ربى ألا تبكي، وهي تستمع لحديث رامي بعدما انتهى اليوم وتجمعوا معًا، خصيصًا بعد اجتماعه مع بيجاد الزيني، ورفضها الاجتماع معه. تراه متفائلًا على عكسها تمامًا. أخذتها أثير بأحضانها وهي تهدهد بها كطفلة. تحاول إلهائها عن ذرف الدموع التي تراها بعيونها. تخشى هي الأخرى حقًا ما قد يحدث مع ربى، لعلمها مدى بشاعة ذلك الرجل وقذارته.

لا يروقها أن يثق رامي بتلك العائلة، رغم أنها موقنة أن فريد الزيني هو النبتة الفاسدة الوحيدة بتلك العائلة. قذارته فاقت الحد، لكن لم يكن عليها إلا أن تثق برامي وتؤازره بإقناع ربى بمقابلة بيجاد الزيني، لكنها رفضت كليًا. نظرت لربى بحزن، وهي تعلم أن ربى تؤنب نفسها على ما يحدث، فهي لم تضيع نفسها فقط، بل ضيعت رامي وإعداده والمحطة ومالكها الذين ناصروها من أول يوم عملت به معهم.

لو لم تتمسك بمساعدة تلك المرأة لما انتهى المطاف بها لهنا. _يا إلهي، كيف يتغير أولئك الفانز بلحظة. لقد كانوا بالأمس داعمون جدًا. هتفت هبة بصدمة، وهي تقرأ التعليقات المقززة التي نالت من ربى بسبب تسريب خبر طلاقها الغيابي من زوجها، حتى وصل الأمر؛ لاتهامها بخلع زوجها، وأشياء شنيعة لن تستطيع قولها لربى. هتف رامي بتهكم:

_إنه حال السوشيال ميديا جميعًا يا عزيزتي، لا تهتمي، سرعان ما سيصدر خبر جديد يلهيهم عنا. ولو كنت بحال أفضل لجعلتهم ينسون بلحظة، بالنهاية السوشيال ميديا لعبتنا. عادت ربى تخفي وجهها بين كفيها، قبل أن تنظر أثير لهم بغضب حتى يصمتوا. دفعت أثير ربى لتنظر لها: _كفي ربى، أنتِ أقوى من هذا، لا تلتفتي لهذا الأمر.

بالنهاية أنتِ لم تفعلي شيئًا لتخجلي من معرفة الناس به، أنتِ سعيتِ لتكوني حرة من رجل لا يؤتمن عليكِ. لابد أن تكوني نموذجًا يحتذى به ليس إلا! حاولت أثير أن تهدأ بها، وتجعلها تفكر بالأمر بطريقة أخرى، نجحت نوعًا ما، خصوصًا بعد حديث المالكي لها قبل ساعات يخبرها أنه معها دائمًا، ويدعمها، وكل ما حدث ليس ذنبها وحدها. صدقًا لم تتوقع هذا منه.

فكرت بوجع أنها لم تكن لتكون هنا لو كان والدها مازال هنا، ولم يفارق الحياة بوجع آخر، ليبقى ذكرى رحيله كارثة حقيقية لها. كلما تذكرته شعرت بالذنب وأنها هي السبب بموته، لو لم تتمسك بالزواج من ابن عمها النذل هذا. ولم تكن لتكون بذلك الخوف لو كانت اختارت رجلًا ليكمل معها دربها، كان سيقف كدرع حامٍ لها. لو وجدت أخًا داعمًا ووالدة مهما افتعلت من كوارث بصفها. تأملت حالها بوجع، وهي تسأل نفسها: "لما عليها أن تكون بذلك البؤس؟!

ومما هي خائفة بعد؟ ولما تشعر بأن هناك خطب ما بها؟ كلما تقدمت خطوة تتراجع الأخرى وتحدث فشلًا ذريعًا بها.. ما يطمئنها أن الله يزرع الطيبين بطريقها، وهذا كفيل بإراحة قلبها، هي موقنة تمامًا أن ما قُدّر لها آتٍ، ولو مرغمة. بعد أيام: هدوء تام من الطرفين، ناهيك عن بعض الأحاديث على السوشيال ميديا، ومن عليها. أولئك الذين لم يتركوا شيئًا يخصها لم يتحدثون به، لكنها آثرت ألا تهتم، ولا تكترث بما يقال.

بعد اجتماعهم مع عادل المالكي وإعداده كما أخبروها، وطلب المالكي منهم الهدوء؛ ليستطيع التوصل لحل يرضي الطرفين، ويخرجوا من مأزقهم هذا بأقل الخسائر. كان هادئًا واثقًا، وثقته تسللت لها. ناهيك عن رفع الحرج عنها حينما أخبرها أن الجميع قد يقع بذات الفخ. قد تُحكى لنا قصصًا كثيرة نتأثر بها، وتؤثر علينا بالمثل، لكن علينا أن نتحرى الدقة بعد ذلك حتى لا نقع بذات الخطأ.

كان حديثه كبلسم نزل على جراحها، وخوفها، لكن مازال بالقلب خوف من شيء مجهول، ومن ذلك الحقير فريد الزيني الذي يلاحقها كظلها. ليلا: _سنخرج يا ربى، لا محال، لما لا تريدين؟ أخبريني. _لا أريد، بالله عليكِ اتركيني يا أثير. _وإن توسلت لكِ؟! _اوف، حسنًا، أين سنذهب؟ وماذا عن عز الدين؟ لن أتركه وحده بالتأكيد مع كل هذه التهديدات التي تُرسل لي؟

كانت أثير أكثر من تعلم أنها تعاني خطبًا ما، تعبًا نفسيًا يجعلها تنكمش على نفسها منذ الحادثة، خصوصًا بعدما وصل الأمر لتهديدها بطفلها، وأشياء حرصت هي ألا تخرج للعلن، لكنها بالنهاية لا تستطيع إخفاء الأمر عنها. هناك أشياء لا يحتمل الصبر عليها، وهذا ما دفعها؛ لتفعل ما ستفعله. لذا اتفقت مع هبة على أن تبقى بجانب الأطفال الليلة حتى لا يتسنى لأحد المساس بعز الدين، وستتولى هي أمر الترفيه عنها.

هتفت أَثير بسعادة حقيقية، فهي الأخرى كانت بحاجة للخروج، ولتلك النزهة: _لا تقلقي، فهبة تبرعت أن تعتني بهما الليلة. أقسم أنها مجرد خروجة لا أكثر، كما أن هناك أشياء حدثت معي بالرحلة أريد أن أخبرك بها. _حسنًا، اوف، أعلم أني لا خلاص لي منك، ومن إلحاحك يا أثير. ضحكت كلتاهما وجهزوا أنفسهم وخرجوا بعد اطمئنانهم على عز الدين.

بعد ساعة كانت أثير استطاعت أن تدخلها بمودٍ آخر، وادخلتها بأحاديثها التي لا تستطيع أن تحكيها لأحد غيرها لعالم آخر من الضحك عليها، وعلى كوارثها. استطاعت أن تجعل ربى تندمج معها كليًا. _يا إلهي! وماذا فعلتِ بعد؟ يا خائنه، لما لم تخبريني بذلك الأمر من قبل؟! ضحكت أثير على ربى التي انغمست كليًا بحكايتها مع خالد، ذلك الزميل الذي كان معها بالبعثة، وما فعلته به:

_يا إلهي، ربى، مهما أخبرتك لن تتخيلي وجهه كيف أصبح بعدما مارست عليه بعض حركات الكاراتيه التي أجيدها. اصطفت سيارة أثير أمام مطعم راقٍ بمنطقة تخص الطبقة الراقية؛ لتهتف ربى بضحك: _يا إلهي، أين جئت بنا يا ابنتي؟ يبدو باهظ الثمن، وأنا للتو فقدت عملي. _لا تقلقي، لقد أرسل لي أبي اليوم راتبي الشهري، عامرة يا ابنتي، عامرة. اتسعت أعين ربى بصدمة من حديث أثير العفوي، وهي تفعل كمثل أولئك أصحاب محلات الجزارة، ضاربة على صدرها:

_يا إلهي منكِ، ثم ماذا، أما زلتِ تأخذين راتبك منه؟ _نعم بالطبع، ولما سأتركه بينما ينعم أبناء زوجته بخيره كله؟ كانت أثير ابنة لأحد الأطباء الأثرياء يعمل بالخليج، ماتت والدتها فتزوج أبوها أخرى خليجية، وعاش معها ببلدها، لتعود أثير لتعيش مع جدتها التي فارقتها قبل سنوات، حينها عادت أثير لأبيها لمدة سنة، ومن ثم عادت لهنا مجددًا تعمل بإحدى المستشفيات الكبرى. دلفتا كلتاهما يثرثرون غير منتبهين لشيء أبدًا.

كانت كلتاهما جميلتان بدرجة مبهرة، ملفتة، لفتت انتباه الجميع من حولهما. هتفت ربى بقلق: _أتظنين أثير أن ذلك الحقير مازال يتتبعني؟ _لا تهتمي ربي، إن كنت تخشين منه مرة، فهو يخشى منكِ ألف مرة الآن، خصيصًا بعد تلك الكوارث التي حدثت. أنتِ قادرة على ما لا يقدر هو عليه. _ماذا تعنين؟ _أنتِ قادرة على قلب السوشيال ميديا عليه يا ربى. افهمي يا ربى. لقد خلع السوشيال ميديا رؤساء العالم العربي، ألن تسقط الزيني؟ _لكن.

_لا لكن.. اهدئي، ولا تفكري بالأمر، واعلمي أن مادام الأمر هدأ، أنه قد يأس، وأن هناك شيئًا يخشى منه. ما بك لما صمت يا عمي؟ هكذا هتفت نيرة بغضب، قبل أن يجيبها فريد بنبرة مبهمة لم تستطع أن تستشف منها شيء: _يجب أن نهدأ من لعبنا يا نيرة. _لكن. _لا لكن، أغلقي الآن وابقي عينك مفتوحة لما يجري من حولك. _حسنًا.

حاليا هي لا تملك شيئًا من المستقبل، ولا تعرف كيف ستنتهي لحظتها هذه، والماضي لن تستطيع أن تمحو كل ما حدث به، ولا أن تمنع ما جرى به. عليها فقط أن تتعلم الدرس جيدًا. عليها أن تتعلم أنها ستصادف الكثير ممن يستطيعون البكاء، وذرف الدموع بغزارة، وستشعر بالشفقة عليهم، وربما تبكي لبكائهم، لكن القليل منهم فقط من يستحقون أن تقف بجانبهم، وتصدقهم، وأن الكثير منهم لا يستحق أن تسمعهم، ولا أن تلتفت لهم حتى.

غرقت بالحديث مع أثير، ولم تنتبه إلا على صوت أحدهم تعرفه جيدًا: _ربى، هذه أنتِ؟ ثم ماذا، الدكتورة أثير؟ _يا إلهي، هذا أنت عمو عادل. هكذا هتفت أثير بسعادة حقيقية حينما وقعت عيناها على عادل المالكي برفقة أحدهم عرفته على الفور. اقترب المالكي ملقيًا التحية عليهم بحب أبوي، قبل أن يبدأ بتعريفهم: _ربى عزيزتي، دعيني أعرفك برجل سيصدمك معرفته حقًا، لكن له الفضل بحل أزمتنا الأخيرة. كانت شاردة بهاتفها تراسل هبة كل دقيقة تقريبًا.

انتبهت على صوت أثير لتتفاجيء بمن أمامها. ابتسمت بهدوء، ابتسامة زينت وجهها صدقًا جعلته يشع راحة، تسللت إلى الواقف يراقب كل هفوة تصدر منها. _دكتور بيجاد فريد الزيني، هذه ربى راشد، صاحبة الضجة الإعلامية على مصانعكم. اتسعت عيناها من اللقاء التي لم تحسب له حساب، وهي تفكر أن ذلك الواقف أمامها هو ابن لذلك العجوز الخرف. لم تنتبه لرد فعلها الصادم إلا عندما دفعتها أثير بخفة من أسفل المائدة.

تفكر بامتعاض أنها لم تنتهي من الأب بعد ليأتيها ابنه. كادت تود لو تفر هاربة لولا احترامها للرجل الذي مازال داعمًا لها. بهدوء مد بيجاد يده لها، وعيناه عليها، وعلى تعبيراتها يحاول استشفاف ما تفكر به، قبل أن تلحق الموقف أثير مردفة بذات الابتسامة، وهي تقوم بالسلام بدلًا عنها: _بالطبع غني عن التعريف دكتور بيجاد، نحن نعرف بعض مسبقًا، أليس كذلك.

لم تنتبه أثير لما تلفظت به وهما كذلك، لكنها بالفعل لها حكاية معه من قبل، لكنها آثرت أن تحتفظ بها لذاتها. هي تعي جيدًا أن الماثل أمامها هذا رجل مثالي لولا تلك الحادثة التي شهدت عليها من قبل وفقدانه لقدمه. لقد كانت ضمن الطاقم الطبي التي عالجته آنذاك. كانت عيناه مازالت مثبتة على تلك التي مازالت ثابتة بمكانها، وهو يفكر هل أحرجته للتو، قبل أن تردف أثير بابتسامة حرجة: _آسفة بدلًا عنها، ربى لا تسلم على الغرباء.

هز رأسه بتفهم. ابتسامة عادل المالكي، واسترساله بالحديث بما يخص الأزمة بينهم جعله يبدو كمن نسي الموقف: _نحن هنا من أجل حل الخلاف نهائيًا بين إذاعتنا وبين آل الزيني يا ربى. وبما أنك رفضتِ من قبل الانضمام، ما رأيك بالانضمام لنا الآن بما أنكِ هنا؟ كانت سترفض لولا اندفاع أثير مردفة بنبرة معاتبة ومتعبة مما يحدث: _ياريت تنتهي. لقد سئمنا المعارك والله. تفضلوا ارجوكم.

نبرة أثير لم تريحها، وكأنها كانت تعلم بهذا اللقاء، وهي من دبرت أمره مع عادل المالكي، وذلك الرجل إذ عرض عليها من قبل، ورفضت رفضًا قاطعًا حقًا. الآن باتت متأكدة أن أثير لها دخل باللقاء، وخصوصًا بعد مجيئها بها لهنا. جلست على مضض، وهي تؤجل حساب أثير فيما بعد، متوعدة لها، لكن على رأيها لينتهوا من هذا الأمر. نظرتها لِأثير دفعتها للقلق من ما قد يحدث بينها من خلافات بالمنزل أن فطنت لشيء.

نظرت أثير للمالكي بخوف قبل أن يطمئنها هو بعينه، ويبدأ بالحديث معها، لكن ذهب كل شيء أدراج الرياح ما أن رن هاتف أثير باسم هبة، فاستأذنت منهم حتى تجيبها. _صدفة رائعة على ما أعتقد. لم يستطع إبعاد نظره عنها. لقد تأكد أنها هي منذ أن وقعت عينه على صورتها داخل الملف الذي آتاه به مساعده الخاص. تلك الفتاة التي كادت تُدعس تحت أقدام تلك السيارة لولا يديه التي تلقفتها، وكأنها صورة أخرى لفنان أجاد رسم تعبيراتها كما الحقيقة.

كانت غاضبة متوترة، لم يكن بحسبانه أنه سيلقاها الليلة، وأن الأمر سينتهي بهما جالسين أمام بعضهما هنا بعدما رفضت كليًا مقابلته من قبل. هو لا مشكلة لديه بفض الخلاف بينهما، بالنهاية هي أكثر من تضررت. حينما اقتحم المالكي قبل أيام مكتبه، كان يركز كل اهتمامه عليها. ناهيك عن ابنته التي كان يعتقد أنها تستطيع حماية نفسها جيدًا، أما ربى وطفلها فلا.

أصابه الفضول أكثر من ذي قبل لرؤية تلك التي يندفع الجميع لحمايتها، ويشعر أن وراءها قصة ما يحاول الجميع أن يحميها من أجلها. أصابه الفضول حقًا لرؤية تلك التي يتقاتل عليها والده، ليعود عقله لتوازنه، وهو يخبر نفسه أنها بالنهاية امرأة، وعلى حد معرفته هي بمفردها.

كان يريد بالبداية أن يلقنها درسًا قاسيًا، لكن احترامًا للرجل الذي وثق به، وقدم اعتذاره له، ناهيك عن المخطط القذر الذي اكتشف أنها وقعت به، التمس العذر لها، وله، وأراد إنهاء المسألة بلا خسائر أخرى، ويبقى أمر والده عليه. نظر لها ولتركيزها الذي انصب على هاتفها تارة، وعلى مراقبة صديقتها تارة أخرى، قبل أن تقترب أثير مردفة بصوت مختنق، وكأن أصابها أمر ما؛ لتنتفض ربى مردفة بخوف: _ما بكِ؟

كلاهما نظر لأثير باهتمام، قبل أن ينتفض المالكي مردفًا: _أثير ابنتي، هل حدث شيء؟ اقتربت ربى منها مردفة بذعر: _تحدثي أثير، هل حدث شيء لعز؟ قبل أن تجيبها أثير، كان هاتفها يرن برسالة من رقم آخر، كان ذلك العجوز الخرف كما تنعته، يخبرها بخطف ابنها متوعدًا لها أن علم أحد بالأمر؛ لتطلق بعدها آاهٍ مزقت قلوبهم، وتغيب بعدها عن الوعي غير مدركة ما يحدث معها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...