ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ: _رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟ _أجل أقبل. لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها.
رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاجتها في العطاء أن كل الجروح جميعها قد تلتئم، إلا جرح يصيبنا من فرط ثقة أو صدمة فيما نحب أعطيناه كل الحلو بحياتنا. لا يعلم بعد أين سترسو سفينتهم معًا، لكنه لن يسمح لمخلوق بإيذائها بعد الآن. قبل أربعة أشهر:
تطلعت صوب السماء، يداها مبسوطتان تتأرجح يمينًا ويسارًا، شاردة تمامًا. أرادت أن تسرق بضع لحظات من السعادة بمفردها، بعيدًا عن ضجيج العالم والمسؤولية الكبيرة التي ستقع على عاتقها منذ الآن. لحظة جنون بمفردها لا بأس بها، ستعوض طفلها بغيرها فيما بعد، لكن الآن عليها أن تختلي بنفسها حقًا، بعيدًا عن كل الضغوطات التي تؤثر بها.
كم تعشق "السكيتنج" وتعشق ممارسته بهذا الوقت، حيث لا أحد يتطلع إليها باشمئزاز ونفور، أو بالأصح لا أحد يعكر صفو مزاجها. مجتمع عقيم لديه القدرة على قتل كل شيء من فرح ونجاح. نُدر هم من يفرحون لفرحك حقًا بتلك الحياة.
ومع أن عقلها يؤنبها الآن، وينكر عليها خروجها بمفردها، وحدها تمامًا، لكن ما باليد حيلة، التمرد يجري بدمائها، والحرية مسعاها الوحيد التي خسرت من أجلها الكثير. لقد خاطرت من أجلها بسمعتها وحياتها؛ لتنالها بعد سنوات من طوق قيدٍ أتعبها واستنزف طاقتها، وها هي الآن تخلصت منه، والعاقبة لما بعد ذلك من أشياء تَسرها إن شاء الله.
فكرة أنها لا تخضع لأحد الآن تسعدها، وتجعلها تشعر أنها حرة طليقة كطائر حبسه صاحبه والآن فر هاربًا صوب السماء. لطالما عشقت الحرية، والفكره هذه بحد ذاتها تجعلها بأقصى لحظاتها سعادة إذ تخلصت من أكبر وأصعب طوق قيدوها به بالماضي. أصبحت حرة طليقة، وإن أطلقوا عليها صفة مطلقة لا يهم. تشعر وكأن كل شيء من حولها له نكهة أخرى كنكهة الفانيلا التي تعشقها، لا يشوبها شائبة.
مازال صوت القاضي الذي نطق بحكم خلاصها قبل ثلاثة أشهر من ذلك الرجل الذي قتل فيها كل شيء، حتى ظنت أنها نست أنها أنثى، يتردد بأذنيها كترنيمة عذبة تسري بأوردتها فتنتشي، وتطلق قدميها صوب الحرية أقوى من ذي قبل. اليوم استجاب الله لكل دعواتها، وهي كانت موقنة بإجابة دعواتها من كثرة الظلم التي تلقته على يديه، ويد الجميع من أهلها.
دومًا ما كانت تدعي الله بأن لا يحوجها لغيره، وأن لا يجعلها تفني عمرها بما لا يجدي نفعًا، وها هو الله استجاب لها، وكان الخلاص على هيئة ثمرة حرية صبرت كثيرًا من أجل أن تنضج وتقطفها ليكن لها نكهة مميزة. _يا إلهي لقد أصبحت حرة، شكرًا لك، شكرًا لك ياربي. الشعور بالسعادة نادر كندرة زارعه بطريقنا، لذا قررت أن تتمسك بسعادتها هذه، وتحتفل بها بشكل خاص جدًا حتى تظل تتذكر احتفالها هذا دومًا.
لكن ما أن تذكرت طفلها وذلك الأمر الذي يؤرقها ولم تستطع إخبار أحد عنه، ينتابها الشعور بالندم لخروجها بمفردها، وعدم اصطحابها له معها. لقد وعدته ووعدت نفسها بألا يفترقا، وأن تعوضه عن كل يوم سجنته به بتلك البلدة اللعينة الظالم أهلها جميعًا الذين لا يعرفون معنى الرحمة.
أسرعت بالدوران حينما وقفت لدقائق؛ لتلتقط هاتفها الذي يدق برسالة، ظنته طفلها، لكن توقف كل شيء من حولها، وشعرت بالبرودة تجتاح جسدها، وبدأ قلبها كجسدها بالارتجاف، شعور مهما وصفته لأحد لن يشعر به إلا هي. مررت عينيها على الرسالة مجددًا: "هنيئًا على الخلاص الأبدي، مازال عرضي قائمًا.. آااهٍ كم أعشق تمردك وأعشق جموحك هذا".
لم تمر الثواني حتى تبع رسالته بصورة لها الآن، وكأنه يراقبها، ابتلعت ريقها وهي تنظر يمينًا ويسارًا فلم تجد أحد. حاولت عدم الالتفات والتظاهر بالقوة كما تفعل دائمًا، لكنها فشلت. لقد سئمت الحقير هذا، وأفعاله المتسلطة التي تمقتها. اللعنة على تلك اللحظة التي التَقته بها، عجوز خَرف.
التفتت؛ لتعود أدراجها بعدما عاد لها بعض التعقل، وهي تنهر نفسها أن ما تفعله الخطأ بعينه. لم يكن عليها حقًا الخروج وحدها، لكن ضاع كل شيء هباءًا منثورًا ما إن هبت نسمات الرياح العليلة هنا بتلك المنطقة، وهذا شيء نادر بذلك الوقت من العام تحديدًا منتصف أغسطس. لقد بلغ الحر مبلغه هنا بتلك المنطقة الراقية على حد قولهم. لم تؤمن برقي أصحابها إلا ندر. هي مؤمنه أن الرقي بعقول البشر لا أماكن إقامتهم.
منذ انتقلت لهنا، وهي تعقد المقارنات العقيمة بين القرى بسلبياتها وعقول أهاليها، والمدن بتحضرها على حد قولهم، وللحقيقة كان النجاح دائمًا على حسب ما رأت بحياتها كان للمدن بكل شيء. بأقصى أحلامها لم تكن تتخيل ما وصلت إليه، وما أقدمت هي بنفسها عليه غصبًا عنها؛ كي تنجو من جروح الماضي، وتحكمات الأهل، وظنون البشر، ومن أجل مستقبل أفضل لها ولطفلها.
لقد أرهقها البشر هناك وتفكيرهم، ولم يرحمها القريب ولا الغريب، الجميع ينهش بعرضها، لذا أنصتت للعقل، ولنصح من حولها، وهربت بما تبقى لها من الدنيا "طفلها". لقد أتعبها التبرير لهذا وذاك، ويأست من أن تنل حب من هم منها ومن دمها، ففعلت بلا تردد. أرادت النسيان، لكن ها هي تغرق بالماضي وذكراه كما كل ليلة، لكن اليوم مميزًا حقًا لأنها تتذكر وهي تتسابق مع الريح، واللعنة على عقلها الذي مازال عاكفًا على تدمير لحظاتها المميزة.
حاولت أن تشتت ذهنها، لكن وجدت نفسها شاردة بعقلها بجروح الماضي وما حدث به. ماضي لطالما أرادت أن تمحوه، ولا تتذكره أبدًا، ولو ستدفع الباقي من عمرها من أجل أن لا تتذكره. عقلها أعادها حيث نقطة البداية، حيث الندبة الأولى. أعادها لما قبل تسع سنوات تقريبًا. _لن أتزوجه يا أمي، أرجوكِ لا تفعلي.
اغتُصبت "زهرة" ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت على وجهها، وجاهدت لتحافظ على طريقتها التي انتهجتها معها، ولم تكترث لتلك الكلمات التي ترددها ابنتها باكيةً كلما فتحت معها ذلك الحوار. أجلّت حنجرتها، وخففت من حدة صوتها للحد الذي ظهر طبيعيًا نوعًا ما، وسألتها: _حسنًا، دعينا من كل ذلك، وأخبريني عن ذلك الشاب، هل تحبينه؟ ومن هو؟ ابتسمت بخجل، وأومأت برأسها بعدما جففت بكف يدها دموعها كالأطفال، وهتفت بخجل تجيب والدتها:
_نعم يا أمي، أحبه كثيرًا جدًا؟ وأنتِ تعرفينه جيدًا، إنه عمار ابن عمي.. إجابتها أصابت والدتها بلكمة قوية في قلبها، لكنها آثرت أن تصل إلى إجابات شافية لتلك الفوضى التي خلفتها الظنون: _وماذا عنه هو؟ هل يحبك؟ اتسعت ابتسامة ابنتها وزاد احمرار خديها: _نعم يا أمي، يحبني أيضًا جدًا جدًا. ابتلعت الأم غضبها بصعوبة، وأردفت: _أواثقة أنتِ؟ _نعم بالطبع، لقد اعترف لي بذلك، كما أني ألمح ذلك بين عينيه.
نبرة الفخر التي اعتلت حديث ابنتها جعلت دماؤها تفور، لكنها أيضًا حاولت التماسك، ولكن سؤالها تلك المرة خرج محتقنًا: _يبدو أنكِ تجيدين فهمه أيضًا؟ نبرة والدتها أثارت بنفسها بعضًا من القلق، وعقلها بدأ بتوبيخها ونهرها؛ لثقتها بالشخص الخطأ بالوقت الخطأ على ما يبدو. يحدثها ها هي نفس اليد التي طالما نهرتها وعنفتها ولم تتمسك بها، عدتِ تتمسكين بها، لكنها نفضت عنها كل ذلك بعدما انتبهت والدتها أنها انتبهت أن نواياها غير طيبة.
ابنتها تمتلك سرعة بديهة وفطنة ربانية على ما تعتقد، تجعلها تشك كثيرًا، وكل ما تتوصل له يكون حقيقيًا طيلة الوقت. لقد عانت الأمرين؛ لتثق بها، فلن تضحي بتلك الثقة هباءًا منثورًا أبدًا. عاودت سؤالها مردفة بصوتٍ أكثر تماسكًا: _فيما شردت يا ابنتي الحبيبة؟ أجيبني سؤالي، هل هناك خطب ما؟ أجيبيني أنا والدتك، وأكثر من يخاف على مصلحتك! ما أن انتبهت لحديث والدتها الحنون، نفضت عنها الوساوس، وهتفت:
_أعلم يا أمي أنكِ أكثر من يحبني، ويحب لي الخير، لذا قررت أن أحكي لكِ. أتعلمين يا أمي أحيانًا أشعر وكأنه أنا، وكأني هو، أتتخيلين أننا نفكر بالشيء ذاته بالطريقة عينها، نحن متفقون بكل الأشياء يا أمي. ابنتها تحكي بحماس مراهقة يجعلها تجن أكثر. لم تتخيل بأقصى أحلامها أن تشهد على حديث كهذا أبدًا. بإبتسامة صفراء لم تستطع الأم إخفاؤها هذه المرة أردفت: _حقًا.. رائع، رائع. أخبريني إذًا على أي شيء اتفقتما أيضًا يا ربى؟!
بدأ القلق يسري بأوردتها، وترددت في الرد، ولكنها أجابتها بشيء من الثبات مكذبة كل مخاوفها: _علي أن أنتظره وينتظرني، ونكمل دراستنا، ونحقق أحلامنا، ومن ثم يتم الزواج بعد رضاكما. ضحكت والدتها بخفة، بينما تكاد تختنق بما تسمعه، ولا أحد يدري عنها. سحقت أسنانها تستجدي الصبر، وهتفت: _لهذا السبب ترفضين الزواج من "ظافر" ابن صديقتي، وتبكين ليل نهار؟! ابتلعت ابنتها ريقها، وهتفت بتردد:
_نعم يا أمي، فأنا أحب "عمار"، وهو أيضًا يحبني. أرجوكِ ساعدينا؛ لنحقق ما تمنيناه، وتصحيحًا لحديثك عن ذلك الشاب "ظافر"، هو ليس شاب، لقد خالط الشيب شعر رأسه. صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها، ثم هتفت: _أنه بعمر الخامسة والثلاثون، أي يكبرني بسبعة عشر عام يا أمي، أي عدل هذا؟! _نعم، نعم، دعك من أمر ظافر الآن، والخلاف العقيم على عمره وشبابه، وأخبريني أولًا هل يعلم والديه بذلك؟ هل عمار أخبر والديه برغبته بالزواج من ابنة عمه؟
خرجت كلماتها الأخيرة غصبًا عنها بتهكم واضح، أدركته ربى، وفهمت أن والدتها تضمر شيئًا بداخلها لا محال، لكنها أكملت بثبات: _لا يا أمي، لقد كنا حريصين على ألا ينكشف ما بيننا لأي منكما، لكني لم أستطع الصمود بعد إصرارك عليّ الزواج من ظافر ابن صديقتك سميرة، كما أنني أثق بكِ يا أمي أنكِ ستساعدينا كما أخبرتني. ضحكت الأم بخفوت، بينما داخلها يحترق، وودت لو أطاحت بها أرضًا وهشمت وجهها على أمر الثقة هذا!
عينيها لمعت ببريق قرأته ابنتها، لكنها ما زالت تكذب نفسها، حتى باغتتها الأم بسؤال آخر: _وهل هذه فكرته أم فكرتك بعدم إخبار أحد؟ _فكرته أولًا، وأنا اقتنعت بها لاحقًا. كنت خائفة من العقاب ومنك أنتِ خصيصًا يا أمي؛ لأني أعرف الخلاف بينك وبين زوجة عمي. جزت الأم على أسنانها، وهي تلعن ابنتها وغبائها وما تتلفظ به. الغيظ والغضب يكاد يحرقها، لكنها صمدت، وهتفت بشيء من الحدة: _وهل يعاقب المرء إلا بسبب ارتكاب الأخطاء يا ابنتي؟!
_ليس بكل الأحوال يا أمي، فقد يعاقب الأبرياء ويقتل الضعفاء، وتضيع آمال الكثير، وتطير في الهواء، وأنا معتادة على العقاب، وبلا أسباب منكِ. فلسفة زائدة كالعادة، ابنتها تجيد الحديث، وتبرير كل شيء، وهذا سبب من أسباب غضبها منها على الدوام، لكل فعل عندها تبرير، وتبريرها يعجب والدها. هتفت بحده: _لقد صرتِ قليلة الحياء، يبدو أن عليّ أن أصحح كثيرًا من الأخطاء مجددًا. انتفضت الابنة وداخلها يرتجف: _كيف ولماذا يا أمي؟ لا أفهم!
كان هذا آخر حوار دار بينها وبين والدتها قبل أن تتركها والدتها، وتذهب لغرفة نومها بلا جواب. _أمي.. انتظري.. أمي أرجوكِ افتحي هذا الباب، ألم تخبريني أننا أصبحنا أصدقاء! ها أنا أخبرتك ما بقلبي، هل ستساعدني حقًا كما وعدتني أم لا؟!
أغلقت والدتها التي تشتعل غضبًا وكرهًا لها ومن أجلها ومن أجل كل ما يخصها باب غرفتها، وعقلها يعمل بلا توقف بعدما نالت ما خططت له تمامًا من إجابات لأسئلة أقلقت مضجعها الأيام السابقة، باتت على علم بالسبب الآن.
لقد كانت متأكدة أن من لا يأتي بالطرق الطبيعية التقليدية يأتي معها بالحنية، وهذا كان سبيلها المتبقي الوحيد مع ابنتها بعدما يأست من إقناعها بالزواج من ابن صديقتها المغترب "ظافر" لتسيطر عليها وتعلم ما تخفيه عنها يجعلها متمسكة برأيها بتلك الطريقة الصلدة، ويوافقها أبوها. لو لم تفعل الآن، ولم تنظم تلك الحبكة على ابنتها، كانت ستضيع تلك الفرصة الذهبية التي طالما تمنيتها لها، بل وسعت من أجلها كثيرًا.
كلما نظرت لمن هن في مثل عمرها وهن يتزوجن، يغمر قلبها أمنية واحدة أن تتزوج ابنتها بشخصٍ مثل من هن بعمرها. تمنت لو تزوجها لرجل قادر غني يرفعها، ويرفع من قدرها، وتتباهى به بكل القرية كما فعلت جيرانها؛ لتغيظ به أعدائها، لكن بأقصى أحلامها لم تكن تتوقع ما أخبرتها به ابنتها. هل كانت غافلة لتلك الدرجة؟!
دارت حول نفسها غافلة عن عيون زوجها التي انتبهت لوجهها الذي يهب حريقًا وغضبًا، حتى سؤاله عن سبب حالتها لم تنتبه إليه، فلم تهتم لإجابته. كانت تفكر بشيء واحد، وهو كيف تنهي هذه المهزلة، وبأقل الخسائر حتى لا تعلم صديقتها أمر ابنتها، وتنهي أمر الزواج؟ كيف تحرق قلب ابن أخو زوجها، وتبعده عن ابنتها وللأبد؟
صفعة قوية تلقتها على وجهها على حين غرة بعدما خلا البيت إلا منها ومن والدتها، وشقيقتها الصغرى التي غابت عن مدرستها بفعل المرض. نظرة والدتها السوداوية جعلت أطرافها ترتجف، وداخلها كمثل ما أن ثبتت والدتها عينيها عليها بتلك النظرة السوداوية الغاضبة، أتاها يقين بأن الأمر به شيء مما كذبته من قبل، وسرعان ما هتفت بذعر ملأ قلبها: _أمي.. لما تصفعيني؟ سالت دموعها بصمت، بينما تماسكت بقوة تحسد عليها، وسألتها:
لما طلبتِ مني الغياب اليوم من المدرسة؟ صفعة أخرى تلقتها من والدتها، وسباب لم تتوقع سماعه جعلوها تبكي بحرقة. لطالما عز عليها الإهانة ولو بكلمة. كان سؤالها يحمل بين طياته شك أكل ما تبقى منها من أمل، تحول ليقين ما أن طال خدها صفعة خلف أخرى إلى أن انهالت عليها والدتها بالصفعات، ولم تعطها الفرصة للهرب، بينما تجاهد ربي حتى لا تصرخ كما أمرتها والدتها:
_إياكِ والصراخ، وإلا قتلتك. أتحبين ابن الساحرة العاهرة هذا، ابن تلك السيدة التي دفعت بزوجها ليُعادينا ويأكل ورث أبوكِ يا لعينة. ألم تجدي إلا ابن فتنة وراجي سارق أموالنا؟! انهار عالم ربى، وقد علمت أنها وقعت بالفخ، لكنها آثرت الدفاع لآخر رمق، إذ أنها بكلتا الحالتين ميتة لا محال: _لكن عمار ليس له ذنب، ما ذنبنا نحن فيما بينكم يا أمي؟! كما أن أبي أخبرني أنكِ كاذبة، وأنه أعطاه ورثه كاملاً.
جن جنون والدتها، وانهالت عليها بالسب والصفع، تسبها وتدعي عليها هي ووالدها، لم يكن ما تسمعه غريبًا عليها، لطالما استمعوا لإهانة والدها من قبل والدتها. _أرجوكِ يا أمي اتركيني، لا تفعلي؟ ارتجف جسد ربى بذعر ما أن رأت والدتها تقترب لتحرق جسدها بتلك الملعقة التي قامت بتسخينها أمامها. صرخت وصرخت، إلا أنها لم ترحمها، وهي تضغط الملعقة بقوة على فخذها بأماكن متفرقة.
لم تشعر والدتها إلا بنار الغيرة والحقد والغضب منها ومن والدها الذي طالما كان ندًا لها، ما زال يخبر أبناءه بالترهات عن تلك الفتاتيت التي ألقاها لهم شقيقه كإرث له، بينما هو ينعم بالخير والخيرات. بكاء ابنتها وتوسلها لم يشفع لها عندها. بالنسبة لها الأمر كالحياة والموت. لقد أقسمت أن تجعل "فتنة" تتحسر على نسب بناتها وابنها، ولن تجعل ابنها ينال مراده أبدًا بزواجه من ابنتها. صرخت بابنتها بحده أكبر:
_ها أخبريني الآن يا حقيرة، ابن فتنة أم ابن نعمات صديقتي؟! انكمشت ربى على نفسها بركن الغرفة، تقسم أنها تشعر بسيلان الدماء من كامل جسدها، ناهيك عن الحروق العميقة التي أحدثتها والدتها بفخذيها للتو، انخرست تمامًا، بينما والدتها تصيح بها أن تجيبها. لم يعد بوسعها البكاء ولا الصراخ، كل ما جال بخاطرها أن الموت راحة، فياليتها تقتلها وتنتهي.
انْهار العالم من حولها، هكذا ظنت. لم تلحظ كلتاهما الصغيرة الباكية التي أصابتها الحمى صباحًا، واضطرت والدتها لأن تبقيها اليوم بالمنزل، وهي تخرج مسرعة تجاه والدها الذي وبالصدفة كان يقف معه ابن أخيه عمار الذي بدأ بتحسين علاقته بعمه في الآونة الأخيرة، غير مكترثًا بما تلقيه والدته هو الآخر على مسامعه، يكفيه أن أبيه لا يهتم لما تقوله والدته. _أبي.. أبي.. أنقذ ربى، أمي تريد أن تقتلها.
هكذا هتفت ريم شقيقتها برجاء، بينما تسيل دموعها بغزارة بعدما وصلت أخيرًا للسوبر ماركت الخاص بأبيها وشقيقها الأكبر "محمود". انتفضت بهلع على صوت صاحب سيارة تخطتها للتو: _انتبهي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!