الفصل 17 | من 27 فصل

رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسما السيد

المشاهدات
16
كلمة
2,684
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

كيف تغيرت كل تلك الأشياء والثوابت والمعتقدات التي كنا موقنين بدوامه، وبإيماننا الكامل بوجودها. كيف مر العمر هكذا هباءًا، ونحن مازلنا ننتظر تلك الراحة التي دومًا ما كنا نحلم بها. كيف لم تأتي للآن، وكيف صبر القلب، وكيف كنا ومازلنا نختلق لهؤلاء الذين دمرونا ببرود كل العذر. كيف لم نعترض، ولم نصرخ، كيف مازلنا واقفون ثابتون وكأننا مقيدون، معقودون بعقود لا حل لها.

كيف، ومتى، وأين صارت كل شواغلنا لكل ما يشكلنا، ويشكل هويتنا، فارغًا، وكأننا ما عانينا وما اجتهدنا من أجل تشكيل هويتنا، وتثبيت أقدامنا. كيف، ومتى، وجهان لعملةٍ نادرة، عملة لا يملكها إلا أولئك المحاربون أمثالنا. فيا يا وطني، ومَوطني، وكل خطوةٍ في طريقي مشيتها رفقًا بي، وبعذاباتي، وبمعاناتي التي لا يشعر بها إلا من خلقنا. إلهي أنت تعلم بأحوالنا أكثر منا فلا تخيب رجائي، ولا تشمت أعدائنا بدائنا.

أنهت صلاة الفجر وشرعت بدعائها الصامت الذي لا يتردد دائمًا على لسانها، ولم تنتبه لذلك الذي اعتدل قبل قليل ينظر لها. لم يبق يومًا لذلك الوقت، ولم يرها تصلي أبدًا. ترك لنفسه حرية تأملها بلا شعور بالذنب لأول مرة. كانت جميلة للحد الذي لا يجعله يمل من تأملها أبدًا، بشرتها بيضاء ليس ذلك البياض الساطع لكنه يليق بها، وذو وجه مستدير، وفم صغير شفتيها منتفختين كنقش تفاحة، عيناها حكايةً أخرى تحكي أسطورة عن الحنان العظيم.

مهما افتعلت من خلافات معه لا تقسو أبدًا. شعرها التي صارت تخفيه عنه كان يصل لمنتصف ظهرها أشبه بشعر الغجر بتمويجاته التي تصنعها بنفسها هو متأكد من ذلك ليس تموجًا طبيعيًا، لونه كلون عيناها لون العسل الصافي ما أن يتعامد النور عليه أو بالشمس تلمع كالذهب. جسدها كان حكايةً أخرى من صنع الخالق جسد مثالي ذو انحناءات خطرة كانت مذهلة. مذهلة حقًا. أنهت صلاتها ليعود هو ليغفو سريعًا فلم تلتقطه عيناها.

اقتربت منه لقد مرت أكثر من ساعة لا تعلم هل توقظه أم تتركه للصباح. فكرت أنها لو لم تفعل الآن، وتوقظه لن تسلم من تهكمات هبة وأثير، ولا أم رضوان التي لا تصمت أبدًا. لكنها ما أن نظرت لقدمه عز عليها أن توقظه. اقتربت منه وشردت بتأمله تذكرت وصف أم رضوان له صدقًا كانت على حق، وكأنه خرج من مسلسل تركي. كان وسيمًا لدرجة مهلكة لقلب أي أنثى، ببشرة حنطية وحاجبان ممتلئان، متوسط الطول وبوجه يبعث الراحة للنفس مهما غضب لا تخشى منه.

شعره أسود غزير ناعم كالحرير لا عيب به حقًا حتى لو يرى هو أن قدمه عيب. فهي تراه مكتملًا بها أو بدونها. خانتها يدها لتمسح على شعره، وتهمس بالقرب من أذنه: _بيجاد هيا لقد مرت الساعة. كانت قريبة منه حد الخطر، دق قلبه بعنف. أصابعها التي تغلغلت شعره سربت الراحة له، همسها كان كسيمفونية عذبة ود لو يستيقظ وينام عليها. _بيجاد. فتح عينيه بهدوء، عيناه تعامدت على خاصتيها جعلتها ترتجف، وتبعد يدها عنه ليعود هو ويمسك بها مردفًا بصوتٍ

أجش: _لا تتوقفي. استلقى على ظهره، ووضع رأسه على فخذها مردفًا بهمس: _أين توقفنا قبل نومي؟ ابتسمت، وأصابعها تتغلغل شعره تُمسد فروة رأسه بحنو أذابته: _أمم لا أتذكر، لكن أخبرني لما تأخرت الليلة؟ _عدي مريض لم أستطع تركه قبل الاطمئنان عليه. _ما به؟ _حرارته مرتفعة تركته بعهدة شقيقتي. _متى تعرفني عليه عز طيلة الوقت يتحدث عنه؟ ابتسم وفتح عينيه: _حتى عدي يفعل المثل لم أعد أعلم كيف أختلق كذبات من أجل أن أخبر فيروز بها.

طيلة الوقت عدي يتمتم باسم عز. _يتمتم! تجاهل استنكارها، قبل يدها بحنو أذابها وهمس: _شكرًا على الليلة الرائعة كليالينا معًا لكن الليلة كانت الأروع. إن كان هناك داعي شكر فدعني أشكرك لأنك بجواري دائمًا حتى، وأنا غاضبة عليك. استقام ليرتدي جهاز قدمه؛ لتقترب وتساعده؛ ليهتف متعجبًا: _على حد ما أرى أنكِ تعلمين كيف تستخدمينه؟ ابتسمت، وقد انتهت من الباسه له، وهتفت وهي تنظر له:

_لقد كان والد طليقي يرتدي مثله، وكنت أعتني به أعلم كل شيء عنه حتى ذلك المسكن كان الطبيب هو من وصفه له عندما تشتد عليه الآلام، وأنا كنت أستعيره منه حينما يشتد عليّ وجع ظهري. _وهل يؤلمك ظهرك دائمًا وتسكتين عنه بلا علاج؟ هتف باستنكار وغضب غير مبرر لها: _غدًا سأصطحبك للطبيب. _يا إلهي لا أنا بخير ظهري يؤلمني لأني ولدت قيصرية وازداد وزني كثيرًا بعدها لكن ما أن نزل وزني لم أعد أشعر به إلا نادرًا لا تهتم. هتف مغيظًا لها:

_هل كنتِ سمينة لهذا الحد؟ _لا تتغالظ معي أنا أتحسس من هذا الأمر. عبثت بوجهه، فكاد ينفجر بالضحك عليها لولا يدها التي دفعته بخفة. _غليظ. كان يود لو يخبرها أنه يراها جميلة بكل الحالات لكنه آثر الصمت ليستقيم ناويًا الرحيل. رأته يتجهز للرحيل. كانت تود لو يبقى معها لكنها لن تكون أنانية لتلك الدرجة. استقامت، وهي تعدل من وضع حجابها، وسارت خلفه كي تودعه. اقتربت منه فمال مقبلًا جبهتها بحنو. _لا تفعل.

هتفت بحنق لكنه لم يكترث إذ امتدت يده تنزع حجابها بسرعة، وتلقيه أرضًا. _نحن ظاهريًا أصدقاء لكن بالأصل أنتِ زوجتي لا تنسي ذلك أبدًا. أنهى حديثه محاوطًا خصرها فشهقت بخجلٍ متمتمة باسمه: _بيجاد. نظر إليها طويلًا شاردًا بها. أراد أن يتلاقيا بالنظر. الكلمات دومًا لا تسعفه ربما تصل النظرات ما قد قُطع. وجدتْ في نظراته الصامتة خير معبر عما يعتلج في صدريهما معًا.

عيناه التي تعامدت على عسليتيها جعلتها ترتجف؛ لينتهي بهما الأمر هاربون من بعضهما هي تقاوم السقوط بطريقٍ قد لا تعود منه أبدًا إلا بقلبٍ منكسر، وهو يذكر نفسه بالوعد الذي صكه بحماقةٍ لها ليكونا صديقين للأبد ولا شيء آخر بينهما، ولتبقى أماني قلوبهم كأمنياتٍ كُثر أضاعها الهوى. ****** انتهى من أمر إقامته هنا بالقاهرة. وضع مبلغ كبير جدًا مما ادخره لأعوام بتلك الشقة الفاخرة القريبة من بنايتها.

كان يود شراء شقة بالمبنى التي تسكن به لكنه لم يجد شقة فارغة. للآن لم يراها بعينيه لكنه علم كل شيء عنها تقريبًا من حارس العقار الذي يسكن به حينما سأله عنها واقر أنه يعرفها بل الجميع هنا يعرفون ربى راشد مذيعة الراديو الأشهر على الإطلاق. وللصدفة فإن حارس العقار الذي يسكن به هو أيضًا صديق مقرب لصاحب العقار التي تسكن به ربى. بالنهاية بعد أخذه مبلغًا من المال لا بأس به أخبره بما يريد معرفته.

هناك تساؤلات كثر بداخلة إجابتها جميعها عندها هي لذلك هو يتهيأ الفرصة المناسبة فقط. فتح هاتفه مجددًا ليستمع لإحدى المقاطع المسجلة على حسابها بصوتها. حسابها الذي وصل إليه ببساطة بعدما أخبره حارس العقار به. كان مقطعًا مؤثرًا لا ينفك يستمع إليه بصوتها الذي يأسر النفس وبكل مرة يستمع لصوتها الذي يتغلغل بداخله يشعر بالحنين إليها يأسر:

"بعض الخيبات تأتي لتخبرك كم كنت ساذجًا، وأنت تعطى لهم الحرية الكاملة لهم؛ ليشَكلوك كيفما شاءوا، يصنعوا منك مسخًا يشبه هواهم. بعض المصائب كنز، وبعض الصعاب جواهر؛ فتعلم أن تصنع من مواجعك عقد وجواهر تكن ذخيرتك في وقت الشدائد؛ لتذكرك بما مضى، وكيف كنت تظن أنك على مواجهتها لست بقادر. تعلم أن تبتسم، تضحك بصخب، توقن بأمر الله، ومعجزاته؛ فَيقينك به يهزم الشدائد" ربى راشد.

آه متعبة زفرها بوجع من الفراق ومن اشتياقه لها ومن غبائه الذي أوصلهم لهنا. لم يعد بقادر على الصبر أكثر. صباحًا سيذهب لها ويواجهها بعلمه كل شيء حتى أن وصل للغصب سيغصبها عليه. ****** _أنت متأكد مما تقول؟ _بالطبع يا فريد بيه لقد توصلت له أخيرًا، وأنتظر أوامرك. تمدد فريد الزيني علي الشاطيء بسعادة بعدما توصل لمراده أخيرًا بعد أشهر من البحث عنه.

الجميع يظنه خارج البلاد، وبعيدًا عنهم لكنه قريب، قريب جدًا، ويخطط لـ انتقام لا مثيل له من كل من تسبب بخسارة فريسته، وأوله ابنه المبجل، وقد بدأ بالفعل. غبي هو ابنه! دائمًا ما يسير خلف العاطفة الهوجاء يعامل الناس بمثالية ستودي به ذات يوم! دائمًا ما كان درع حامي لمن يخصه، ومن لا يخصه يظن أن بفعلته وزواجه منها قد كسره، ولن يقترب منها أبدًا.

غبي بالنهاية لم يكن ليتزوجها كان سيقضي ليلة معها، ومن ثم ترحل حيث قُدر لها، وأراد هو أن تكون عليه. هي ليست أكثر من عاهرة كما كل النساء بالنسبة إليه، خاضعة لعينه، وهو سيدها، ولن يرتاح إلا وهي أسفله. ما يزعجه حقًا هو أنه للآن لم يستطع أن يعلم يقينًا من خانه؟ وكيف توصل لكل ما خطط له؟ هل كان يراقبه أم الحقيرة الصغيرة نيرة من خانته؟ مؤكد هي نيرة الغبية الغارقة بعشقه؛ لينتهي فقط مما هو مقدم عليه، ويلتفت لها.

التفت لذلك الذي يقف ينتظر أوامره مردفًا: _أريد هذا المدعو ظافر أمامي بأسرع وقت. تكفل بأمر عودته للبلاد يا ماجد حتى لو ستأتي به مجبرًا لهنا لا يهم. _أوامرك سيدي. _سأجعل فضيحتك مدوية ياربي ببلدتك، وبالبلد بأكملها. أما عن بيجاد فيكفيه ما سيحل بك وبه من فضيحة، وما سيفعله الجد به ما أن يعلم كيف حل حفيده الأمر؟ هدر بجنون غير مكترثًا لشيء، وهو يتخيل ربى أمامه تهتف سيدي.

ليميل لتلك التي ما زالت تلصق به كالعلكة، ولم تكن غير منى ويصفعها بقوة على وجهها صارخًا: _اخفضي عينيك. _أمرك سيدي. _فتاة مطيعة. ****** تسللت نيرة من الباب الخلفي مرتدية ثياب الخادمة استعارته من إحداهن. تشعر بالتعب يتملك منها. لقد نفذ مزاجها ونفذت كل التذكار التي كانت معها. جسدها يئن طالبًا جرعته المعتادة لكن مع تضييق الخناق عليها لم تعد تخرج. الآن بعدما نفذ كل شيء معها كان عليها أن تخاطر من أجلها.

بعد ساعة كانت وصلت لوجهتها لاهثة بأعين غائرة ووجه شاحب ليهتف الأخير شامتًا بها: _ألم أقل لكِ أنكِ ستأتين؟! ألقت الأموال بوجهه وهي تمد يدها لتلتقط حاجيتها وترحل حيث أتت لكنه فاجأها بسحبها للداخل. _ماذا تفعل يا ماجد اتركني؟ _ماذا أفعل؟ ألم تشتاقي لي يا حلوه؟ _قلت ابتعد عني ليس لدي وقت كافي. إن علم الجد بخروجي سيقتلني. _ولكنك تثيرني بهذا اللبس. نظرت لثيابها بسخط: _لم أكن أعلم أن مستواك انحدر لذلك الحد. _ها قد علمتِ.

عاود التحرش بها لكنها لم تكن معه صرخت، ودفعته: _أريد جرعتي واللعنة. نظر لها بسخط من ثم ألقي لها جرعتها التي هرولت لِتشتمها. ما أن سارت الجرعة بدمائها انتشت بطريقة غريبة، ولم تكن تعي لشيء ليهتف ماجد: _هل أعجبتكِ؟ _يا إلهي لا أشعر بنفسي. كان ماجد ينظر لها، ولما أصبحت عليه بنصر. لا يكره إنسان بحياته قدر كرهه لها. لا أحد يعلم حجم القذارة التي وصلت إليها إلا هو. كان عاشقًا لشقيقتها الهادئة على الدوام.

كانت نوار عكسها بكل شيء، وهو كان شابًا وقورًا ليس بأقل مكانةً منهما لكنه صادق الأشخاص الخطأ. مات أبواه غاضبين عنه ما أن علما بأمر تعاطيه، ويئسوا من علاجه. حينها كان غارقًا بعشق نوار الذي طلبها من أبيها مرارًا ورفضه ليعلم أنها فضلت بيجاد الزيني عليه. توسل لها كي تتزوجه لكنها رفضت، ونهرته؛ ليأتي دور شقيقتها التي كانت تحوي بقلبها حقد العالم أجمع، وما زالت لتتفق معه عليها. ليقرر عقابها بسخط على كل شيء.

لم تكن نيرة متعاطية ولا نوار لكن خطتها هو انهيار نوار لتلجأ إليه، وبالفعل تم الأمر. استغلت نيرة جرح قلب نوار، وبدأت بتعريفها على أول طريق للهلاك؛ لتنغرس نوار به وتفر نيرة ونتركها كما لم تكن هي السبب. بمنتصف الطريق أصبحوا أصدقاء هو ونوار، وانتابه ندم العمر لأنه آذاها بينما هي مغصوبة على بيجاد. حاول معها ويشهد الله لكنها لم تهتم له.

لم يستطع لمسها بالحرام كان هناك دوما شيئا يقيده عنها حتى تفاجيء بموتها المأساوي، وهنا استفاق وقرر البعد. ماذا تساوي الحياة بدون من نحب؟ لا شيء. سلم نفسه للمصحة، وبدأ بالعلاج لكنه كان عاكفًا على الانتقام، وها هي من تسببت بكل آلامه ملقية أسفل قدميه. اليوم بدل لها الجرعة بأخرى تشبه جرعة نوار التي لم تتحملها كثيرًا لتنتهي حياتها بمأساة.

غابت بعالم من اللاوعي؛ ليستقيم ويبصق عليها قبل أن يفتح باب الشقة، ويدخل أحد غيره؛ ليتمتع بها ويمتعها كما يجب. فعل كما كل مرة بها، وهناك أمامها بالضبط كانت الكاميرا تصورها ليخرج المشهد أفضل مئة مرة من الأفلام، وهي تصيح. _ما رأيك يا باشا؟ _تعجبني دماغك يا ماجد. تعجبني جدًا. _تلميذك يا فريد بك. وضع ماجد الكاميرا أمام فريد الزيني، وخرج يشعر بالتقزز من كل شيء، ومن ذلك الرجل المريض الذي يقبل على أهله هكذا شيء.

راقبه من بعيد ليجده قد فتح الفيديو يشاهد ابنة شقيقه بهذه الوضع برغبة مقززة قبل أن يقضي رغباته وهو يتمتم باسم ربى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...