بعد أن تركت منة خالد وهو يستشيط غضبًا، أخذت تتحرك بخطوات سريعة في ممرات المصنع حتى وصلت إلى سيارتها، وهى تحاول أن تحبس دموعها بأقصى قوة عندها. وصلت إلى سيارتها فصعدتها، وفور صعودها أخذت تبكي بحرقة وحسرة على حالها، وأنها افترقت عن خالد بتلك الطريقة، وهى متصورة أن خالدًا قد كشف أسرارها لشقيقاته. فأخذت تبكي وهى تتذكر كل شيء بألم يعصف بقلبها، ثم أخذت تضرب على (الدركسيون) بشدة وهي تصرخ: باااااااه. ***
وفي إتجاه آخر كان خالد مازال واقفًا وهو يشعر بغضب عارم يأكل كل خلاياه بوجع يعصف بفؤاده، بعينين ترقرقان بالدموع. فك ربطة عنقه ليحاول أن يأخذ أنفاسه المخنوقة وهو يتذكر حديثها معه واتهامها له ولشقيقاته ظلمًا، ورفضها له بهذه الطريقة وتوبيخها العنيف له. قبض على يده وهو يحاول جمع شتات نفسه المبعثرة من تلك المجنونة التي عشقها قلبه، وجعلته على المحك. ينفخ بضيق: أوفففف.
ابتلع تلك الغصة التي تشكلت في حلقة، أخذ يغمض عينيه وهو يرتعد، يحاول أن يهدأ وألا يجعل غضبه يتملك منه أكثر من ذلك. تنهد، ثم نظر حوله فوجد هاتفه على المكتب، توجه نحوه مسرعًا وأخذ يبحث في الأسماء وأخرج اسم شروق وقائمة الاتصال بها. بعد قليل أتاه صوت شروق من الطرف الآخر. خالد بضيق: آلو شروق.. آسف جدًا إني اتصلت بس في حاجة مهمة. شروق بإستغراب: خير. خالد بقلق: روحي لمنة بسرعة، واتصلي شوفيها فين، وهديها.
وقفت شروق التي كانت تجلس على الأريكة -وقد تفاجأت -: في إيه؟ خالد باختناق: فتحتها في موضوع الجواز، فرفضت وقطعت علاقتها بيا، وحصلت مشكلة كبيرة. شروق بهدوء: طب إهدى ما إحنا كنا متوقعين.
خالد برفض وغضب: لا مش للدرجة دي، ومش بالشكل ده، ولا بعد اللي وصلنا ليه، الموضوع كبير، ومش وقته إني أفهمك، روحي لها وعقليها عشان أنا على آخري والله العظيم، لحد بعد بكرة لو ما عقلتش هاجيلها البيت، مش هتفرق معايا، لو هي مجنونة، أنا فاقد أهلية، سامعة؟ شروق تحاول التهدئة: طيب بس إهدى، أنا هلبس وهاروح لها. خالد بضيق شديد ورجاء: أرجوكي تفهميها إني مستحيل أفشي سر استأمنتني عليه.
شروق بتودد: طيب، حاضر، أنا هاكلمها وأبلغك اللي حصل، إهدى انت بس. أغلقت شروق الهاتف وهي تقول: يخربيت عقلك يا منة، جننتي الواد. عمرو باستغراب: ده خالد. شروق وهى تقوم بالاتصال بمنة: اه.. ردي بقى. عمرو: جاب رقمك منين؟ وعايز إيه؟ شروق: معرفش بس منة رفضته، وحصلت مشكلة عايزاني ألحقها. عمرو بضيق وهو يشيح بيده: صاحبتك مجنونة. شروق: هالبس وهاروح لها. عمرو: طب اتصلي شوفيها فين الأول.
شروق: لما باتصل مش بترد، هافضل وراها وأنا بالبس. توجهت إلى الغرفة وأخذت تقوم بتبديل ملابسها، وهي تتصل بمنة لكنها لا تجيب. وبعد الانتهاء خرجت للخارج، واثناء توجهها إلى الباب قالت لعمرو: عمرو.. أنا نازلة. فور أن فتحت الباب وجدت منة في وجهها بـوجه شاحب مبلل من كثرة البكاء بحزن يخفي ملامحها وهى تتوقف كالمحارب الذي خانه كل أصدقائه فى ساحة الحرب وخسر المعركة. اتسعت عيني شروق أمام ذلك المنظر وقالت: منة؟
رفعت منة عينيها نحوها وقالت بانهيار ونبرة مكتومة: شروق! رمت نفسها بين أحضانها وأخذت تبكي بحرقة. أخذت شروق ترت على ظهرها بحنان وهى تقول: بس إهدى، إهدى يا حبيبتي. ظلت هكذا -لدقائق -تبكي وشروق تربت على ظهرها، شجعتها على أن تخرج كل ذلك الغضب بالبكاء لعلها تهدأ قليلًا. ثم أخذتها وجلست على الأريكة، وكان عمرو يجلس على مقعد بجانبهم. تتساءل شروق وهى تمسك يدها بحنان: إيه حصل؟ مالك؟ منة: قطعت علاقتي بخالد.
شروق تتصنع عدم الفهم: ليه؟ عمل حاجة؟ منة وهى تحاول الهدوء وتمسح دموعها: لا، بس أنا قررت إني أقطع علاقتي بيه، لإنها غلط وحرام. شروق: وبعدين؟ منة: قاللي إنه عايز يتجوزني. شروق ارتسمت على شفتيها ابتسامة عريضة، وتساءلت بتعجب: طب ده يزعلك ليه؟ منة باستغراب وهي تعقد بين حاجبيها: اشمعنا دلوقت قاللي؟ عمرو يسأل بتعجب: إيه المشكله يا منة؟
الراجل لما حس إن مشاعره ناحيتك مش مجرد صداقة ولا اخوة طلبك، هو حسها دلوقتي عشان كده طلبك دلوقتي؟ شروق بتأكيد: بالظبط. منة باعتراض: لا، مشكلة، لإن معملش كده إلا لما قربنا من بعض وبس. شروق بعقلانية: طبيعي لما قرب منك عرفك كويس وحبك. منة باعتراض وضيق: لا هو حبني بس لما عرف أمنياتي عمل كده، بدأها إنه يساعدني، إخس!
بعدين الحقير عديم الرجولة حكى لاخواته البنات ومامته على كل حاجة، وهما كمان بيساعدوه، طلع بيقرب مني إنسانية، بيقرب مني شفقة، عايز يتجوزني عشان يحققلي امنياتي ويفرحني، بس أنا رفضته مش هانوله اللي في باله. عمرو بعقلانية: منة ما فيش راجل بيتجوز شفقة أو جدعنة، أو عشان يساعد واحدة تحقق أمنياتها، ده جواز!!
حتى الرجالة النسوانجية متعملش كده، بصي.. أنا أهو راجل وباقولك.. إحنا نعمل كده مع واحدة نمشي معاها لإن إحنا مش بيفرق معانا وقتها شكل أو حجم أو أي حاجة، دي مجرد للتسلية، بس وقت الجد فركش، حتى لو متجوزين من غير حب، صالونات، باختار واحدة مقتنع بيها، لكن جدعنة مني! ده جواز يا ماما، مش حكاية إنها محتاجة ألف جنيه سلف، فوقي واعقلي، وبعدين أنا قعدت معاه، الولا محترم، ودي مش سكته.
شروق بتأييد وتعجب: بعدين يشفق عليكي ليه إن شاء الله؟ هو انتي وحشة ولا فيكي عيب مثلاً؟ منة بشدة وثقة: لا طبعًا. عمرو: خلاص، ليه الفكرة دي جتلك؟ منة بوجع، وعينين اغرورقت بالدموع: لإنه فعلًا ساعدني في تحقيق أمنية منهم.
عمرو بحكمة: يبقى بيحبك يا منة، انتي لو مش تهميه وفارق له ما كانش اهتم إنه يحققلك أمنياتك، وحتى لو قال لاخواته، ممكن يكون اتكلم بس مش بالطريقة اللي وصلت لك، أنا مش عارف طبعًا الموضوع، بس مثلًا لو نفسك تشتري حاجة معينة هو مش هيعرف يشتريها، ولا حتى يروح معاكي، ما فيهاش عيب لو قال لاخته ابقي روحي مع منة جيبوا كذا عشان نفسها فيه، ده حب وتقدير ليكي وتركيز فى تفاصيلك، بص يا منة عشان نبقى على نور، إحنا كرجالة مش بنعمل كده مع واحدة غير لما نكون بنحبها، لكن حتة جدعنة والهبل ده صاحبتك اللي تعملها معاكي فاهمة؟
شروق بدفاع: والله انتي ظالمة خالد، هو بيحبك من بدري، وهو استنى لما تبطلي طريقتك واتكلم كان خايف منك. منة بتعجب: هو قالك؟ عمرو بوضوح: منة من الآخر إحنا عارفين، واتكلم معانا، بس هو خاف يطلبك فترفضيه، ولما حس إنك بدأتي تتغيري معاه طلبك، وأنا أهو باقولك من أخ لاخته.. الولا ده بيحبك، وانتِ عارفاني ما بحورش، بتصدقي أخوكي والا لأ؟ منة بعند: مصدقة، بس برده مش موافقة. شروق -تزفر بتعب -: ليه؟
منة: هيقول ما صدقت، عشان حلو ومايترفضش. زفرت شروق بملل منها ومن طريقة تفكيرها، وحاولت الحديث بهدوء ولكن دون أريحية -في وجود عمرو ولكي لا تشعر منة بالإحراج نظرت لعمرو بطرف عينها وقالت: عمرو.. ممكن تسيبنا لوحدنا؟ هز عمرو رأسه بالإيجاب وتوقف وهو ينظر إلى منة وهو يقول: منة مش هاقولك تاني إحنا مالناش في الشفقة، الجواز ده خطوة بتتاخد بعقل وحسم، ممكن نندم بعدها، بس لما بنتختار بنختار بجد، مش شفقة. تركهم ودخل الغرفة.
نظرت لها شروق بضيق، فهي لم تعد تتحمل طريقة منة تلك فـأرادت أن تتحدث معها بقوة فلا تربت على كتفها بعد الآن. شروق بقوة: بصي بقى من غير زعل، الكلام اللي بتعمليه ده عيب في حقك، شفقة إيه؟ هو انتي معيوبة ولا فيكي حاجة عشان ياخدك شفقة؟ انتي ست الناس، إوعي تقولي كده تاني، بطلي عبط، وبعدين ترفضي ليه؟ عشان تثبتي لنفسك إنك بتعرفي تقولي لأ؟ وبتعرفي ترفضي رجالة زي ما كنتي بتترفضي زمان؟
منة.. متحاسبيش خالد على عرسان زمان اللي رفضوكي عشان شكلك وجسمك، بالعكس ده واحد محترم، حبك بجد وشاف عيوبك مميزات، وساعدك بعد ما عرف أمنيتك في إنك تخسي، وأنا متأكدة إنه مستحيل يقول لاخواته حاجة. لم تعد منة تستطيع أن تخفي عنها مشاعرها أكثر من ذلك، فأتت وحدها بكل شيء داخلها لكي تستريح من ذلك الضجيج الذي أهلك قلبها.
قالت منة ببكاء وضعف: أنا حبيته يا شروق، حبيته وخايفة أوى، خايفة أفوق على كابوس، خايفة كل ده يطلع لعبة منه، ويطلع عايز يحقق أمنياتي ويسيبني، أنا خايفة منه، خالد بيحبني أنا؟ إزاي؟ تفهمت شروق أسباب رفضها، فقالت بعقلانية -وهي تحاول أن تخرج تلك الأفكار المسمومة من رأسها -: وليه ميحبكيش؟ خالد الوحيد اللي يستاهلك وربنا عوضك بيه، منة.. إوعى في لحظة جنون وعصبية تضيعي خالد من إيدك، مش عشان هو عريس مايترفضش!
بس علشان هو راجل بيحبك كل الحب ده، وانتِ كمان بتحبيه، إهدى يا منة وفكري كويس، منة انتي بنت جميلة ومتفوقة وكلك مميزات وقوية، بس أنا مش عارفة انتي ليه عاملة في نفسك كده؟ منة بوجع وعدم تصديق: مش عارفة، مش مصدقة إنه طلع بيحبني. شروق بحكمة: حب خالد كان واضح، بس انتي كنتي عامية عنه، مش عايزة تصدقي وتشوفي، بس هو كان واضح من زمان، اعقلي يا منة، انتي ما تستهليش إلا واحد زي خالد، إفهمي بقى.
نظرت لها منة بضعف شديد ممزوج بوجع، ونظرت لها شروق. وبعد أن تبادل النظرات تنهدت شروق وأخذتها بين أحضانها. منة بدموع: ما عرفتش أروح، لو كنت روحت وأنا كده ما كنتش عارفة هابرر حالتي وأقول لهم إيه، لقيتني باجيلك. شروق وهي تمسح على رأسها بحب وحنان: إيه يا منة؟ هو انتي محتاجة تقوليلي أو تبرري وجودك هنا سببه إيه؟
انتي تيجي في أي وقت، انتي أختي يا منة، صدقيني أنا باكون في غاية السعادة لإني أول حد بييجي في بالك وقت ما بتحسي إنك مخنوقة أو تايهة، كل اللي طالباه منك إنك تهدي وبس، وحاولى تدي مساحة لعقلك إنه يفكر، وكمان قلبك، وشيلي الغشاوة دي من على عينيك يا منة عشان خاطري. *** منزل خالد في الثالثة مساءً: نشاهد خالد وايتن وأسمهان ولمياء وخالد يجلسون، كان يبدو على ملامح وجه الجميع الضيق والاستغراب، خاصة خالد. عبست لمياء بتعجب
ممزوج بأسف وهى تزم شفتيها: متوقعتش إنها تترجم حبنا ليها إنها صعبانة علينا. خالد بضيق -وهو يجز على أسنانه -قال بضجر وهو يمرر عينه عليهم: أنا دلوقتي عايز أفهم حاجة واحدة، إيه اللي قالته ده؟ محتاج أفهمه. أسمهان -بتوضيح ممزوج بعقلانية
-: ما فيش حاجة يا خالد عشان تفهمها من الأساس، هي مواقف حصلت بشكل تلقائي وبحب مش أكتر، يعني أنا كنت باتصل أطمن عليها وباهتم بيها لأني متعودة على كده مع كل أصحابي، وماما كذلك، هو انت هاتتوه عننا يا خالد، ونادين لما حاولت تلبس منة اللينسز ده كان عشان خاطر منة لما شافت اللينسز اللي لابساها نادين قالت لها جميلة جدًا وياريتني أعرف أحط عدسات بس أنا مابعرفش حاولت وفشلت، نادين بكل حب وتلقائية عرضت عليها تحاول، واشتروا فعلًا واحدة من الرخاص دول، وحاولنا أنا وهي وأيتن في التويلت بتاع المول نلبسهالها وبرده ماعرفناش وقعدنا نضحك جامد جدًا كلنا، وبرده أيتن أعتقد لما عرضت عليها موضوع إن هي لما تسافر تاخد مفتاح الشاليه كانت حركة جدعنة من صديقة لصديقتها.
هزت أيتن رأسها بإيجاب وقالت بتأكيد: أيوه فعلًا.. أنا حسيت أنها بتسافر كتير السخنة اسكندرية وبتأجر، فقولت بدل ما تأجر وكده، إيه المشكلة لما أديها المفتاح؟ ليه زعلت؟ حتى لما عرضت عليها، وقتها ما حسبتهاش إتضايقت خالص! وضعت يديها على جبينها بعدم فهم، ثم أكملت بحيرة: أنا حقيقي مش فاهمة؛ إيه دخل أمنياتها في اللي أنا عملته؟ أو نادين أو ماما أو أسمهان، حتى انتِ كمان انتِ مالك بقى بالمواضيع دي؟
ليه ما قولتلهاش متدخليش علاقتي بيكي باخواتي. لمياء -بعدم فهم -قالت بحدة وحسم: ما تفهمنا يا خالد -يعني سيبتنا شغلنا ومجمعنا كده -إيه اللي حصل؟ إيه اللي وصل المواضيع بينك وبين منة لكده؟ وإيه دخلنا؟ ياريت تفهمنا بكلام مباشر عشان أنا مش هاتحمل تاني تتكلم بالألغاز، إحنا متهمين بحاجات ملناش علاقة بها خالص، ولا نعرف عنها أي شيء. نظر لها خالد بتعب وهو يمسح وجهه،
ثم زفر بضيق وقال بتوضيح: أنا مش عارف أفهمكم إزاي، بس الحاجات اللي إنتم عملتوها دي من أمنيات منة، ماتسألونيش تفاصيل وإزاي؟ بس هي كده، المهم دلوقت هي متهماني إني حكيتلكم على أمنيتها وكل اللي إنتم عملتوه ده، بسبب إني طلبت منكم إنكم تعملوها وإني خونتها وحكيت أسرارها. زفر باختناق ومسح على على رأسه بتعب، كأنه يريد أن يضرب تلك الأفكار وذلك الصداع الذي ضرب رأسه بسبب تلك الفتاة المجنونة اللي أهلكته وأتعبت قلبه وعقله.
ثم أكمل قائلًا: أنا مش عارف أعمل إيه؟ محتاج حل، منة سمعتني كلام صعب، كنت فاكر إني خلاص عديت معاها كل المراحل الصعبة، وعديت السور العالي، بس طلعت غبي، أنا لسه في نقطة البداية، أنا أكتر حاجة معصباني إنها إزاي شافتني بالصورة المقززة دي.
متعصب منها ونفسي أمسك دماغها دي وأخرج كل الأفكار وكل حاجة فيها، عشان بجد صعبة وفي نفس الوقت مش قادر أزعل منها، مش قادر أبطل تفكير فيها، عايز أتكلم معاها عايز أعمل أي حاجة عشان أفهمها إنها ظلماني وظلماكم وظالمة نفسها قبل ما تظلمنا كلنا، قولولي أعمل إيه؟ لمياء بعقلانية تساءلت: انت قلت إن هي كانت جاية ومقررة إن هي تقطع علاقتها بيك من الأساس؟ أشار خالد بالإيجاب،
فأكملت لمياء: انت قلت إن الفترة الأخيرة منة اتغيرت معاك بشكل كبير، بقت هي تسأل عنك وتغير عليك، بقت تبادر بالسؤال والمكالمات مظبوط؟ تنهد خالد وهز رأسه بالإيجاب، فأكملت
لمياء بعقلانية وذكاء: على فكرة منة حبتك وتعلقت بيك، واكتشفت ده عشان كده أخدت القرار إن هي تبعد عنك، لإنها طبعًا كانت فاكرة إنك ما بتحبهاش، وإنك بتتعامل معاها بشكل أخوي، أو أي حاجة غير الحب، ولما اعترفتلها إنك بتحبها اتصدمت، وعقلها ما استوعبش، فـخليها تعمل كده. أسمهان بتأييد: أيوه، هي فعلًا حبتك بس هي بتحاول تهرب من مشاعرها. خالد بتعجب: تهرب من مشاعرها ليه؟
ما أنا آهو بحبها، والمشاعر اللي عندها كمان عندي، ومتبادلة مش من طرف واحد، ليه بقى كل وجع القلب ده؟ أسمهان بعقلانية: مش مع واحدة زي منة، بص يا خالد، دلوقتي في حاجة مهمة لازم نعملها، وهي إن لازم منة تتأكد إن إحنا كنا بنتعامل معاها بعيد عنك، أنا ممكن أروح أتكلم معاها بس مش النهارده، خليها بكرة تكون هدت شوية، وحتى شروق تكون هدتها، بس أنا من رأيي إني أكلمها وهافهمها الوضع الحقيقي، بس موضوعكم هيكون قرارها.
لمياء بحكمة وتأييد: ده فعلًا يا خالد إنت عملت كل حاجة عشان تحافظ على العلاقة دي، وتصلحها وتاخد خطوات فيها، وفعلًا أظهرت كل حبك وكل إخلاصك وكل احترامك، وتمسك بيها، بس منة للأسف عندها مشكلة، صدقني انت أكتر من كده هتبدأ تكرهها، والحب اللي جواك ده هيبتدي يقلب، ويقل، لأن كل كلمة، كل رد فعل، كل نظرة منك!
بتتفهمه بشكل غير حقيقته ومش صح، وبتتهمك اتهامات غلط وظلم، حتى الاتهامات دي بدأت تطولنا إحنا كمان، وأنا متأكدة إن الموضوع ده بالاخص لو اتكرر انت هتبدأ تاخد مواقف حاسمة مع منة، فأنا من رأيي لما أسمهان تروح تتكلم معاها ما تتكلمش بشكل في موضوعكم، هي هتوضح لها كل حاجة وهتفهمها أنك قد إيه بتحبها، إنما القرار في الأول والآخر قرارها من غير ضغوط ومحايلات أو طلب فرص، ولو قررت إنها تبعد وإن هي رافضالك، انت هاتحترم قرارها وهتبعد
عنها يا خالد وتسيبها، يمكن بعد فترة عقلها يرجع لوعيه وتفهم غلطتها وتكلمك، إنما أكتر من كده مش مسموح، لأني أنا كمان بدأت أتضايق، مش هاحب أبدًا إن ابني يتذل أكتر من كده، أنا بدأت أنزعج من الموضوع ده، وانت مابقتش عاجبني، دايمًا محتار وبتفكر ومش مبسوط، يمكن كم يوم بتوع الرحلة بس، اللي بدأت أشوف ابتسامتك تاني، لكن بالمنظر ده هترجع تاني للتوهان، أنا مستحيل أنسى الفترة اللي قبل الرحلة، كنت عامل إزاي!
ومنظرك دلوقتي قدامي عامل إزاي! ما فيش أم تحب تشوف ابنها أبدًا بالمنظر ده. أيتن بتأييد: ماما عندها حق يا خالد أنت مش هاينفع تفضل متمسك بعلاقة وبشخص مابيحاولش يعمل عشانك أي حاجة، بالعكس كل حاجة بيعملها بتقول لك إبعد وسيبني، كإنك بتنقذ غريق بس هو عمال يضربك ويقول لك سيبني أغرق ما تنقذنيش وبيغرقك معاه بسبب غبائه. كان ينظر لهم خالد بعينيه وهو لا يعرف ماذا يفعل؟
فهم محقون فيما يقولون، وهو الآخر يشعر بالضيق والضجر برغم من حبه وقلبه المتيم بمنة لكن ما تفعله أصبح يزعجه بشدة، نظراته كانت تقول كل شيء يشعر بداخله، هز رأسه بإيجاب بصمت حزين. قال خالد بنبرة متعبة: كل اللي يهمني دلوقتي هو حاجة واحدة إنك يا أسمهان لما تروحي لها بكرة فهميها حاجة واحدة وبس، إني مظلوم وإني عمري ما حكيتلكم حرف من أي حاجة حصلت ما بينا، هو ده المهم عندي دلوقتي! غير كده..
تنهد بتعب، فـكم صعب عليه أن ينطق بها، لكنه لابد أن يقولها وأن يكون قويًا. غير كده.. مش فارقة. *** حل الليل.. كانت ليلة طويلة على خالد ومنة وكأنها لن تمر، فالدقائق كالساعات عليهم، وكانت الأفكار لا تترك رأسيهما. فـنشاهد خالد وهو يجلس في غرفته في أجواء مظلمة حزينة، يفكر ماذا يفعل؟ وكيف يأخذ هذا القرار الصعب بـالابتعاد عنها، فـهذا الشيء بالنسبة له صعب وموجع بشدة.
نعم هو لم يعش مع منة أشياء كثيرة، وذكريات عديدة، وأجواء عاطفية ورومانسية، لم يعش معها سوى لحظات قليلة من السعادة، ولكن ذلك الذي عاشه، وما شعر به داخل قلبه، في ذلك الوقت القصير، كان كافيًا ليجعله أن يعشقها، وأن تسكن قلبه وعقله ووجدانه، وتجعل قرار الابتعاد يصعب عليه بشدة.
أخذت الأفكار تضرب رأسه وقلبه، فـبرغم ما فعلته معه، وما قالته من توبيخ واتهامات إلا أنه لم يكن يحمل أي ضغينة في قلبه نحوها، بل كان يشتاق إليها ويريد أن يطمئن عليها، حتى عقله كان يرسل له إشارات بأن يسامحها، وأن يفهم طبيعة شخصيتها التي تجعلها تفعل كل ذلك دون إرادة منها. أخذ يفكر ويفكر، ماذا يفعل إذا رفضت أن تسمعه ولم تعطيه الفرصة، واستمرت في الرفض؟ هل سيحاول مرة أخرى؟ أم يبتعد ويستمع إلى حديث والدته وشقيقاته؟
فربما هم على حق في قولهم عن كثرة تصرفاتها المزعجة التي ستحدث في المستقبل وستجبره على أن يكرهها في يوم من الأيام! ظل خالد يفكر طوال الليل ولم يصل إلى إجابة، كانت حالته أصعب من أن توصف. بينما حالة منة لم تختلف عن حالة خالد كثيرًا، فـظلت طوال النهار عند شروق، كان كل من شروق وعمرو يحاولا أن يغيرا من أفكارها، وأن يهونا عليها كل ما حدث.
ثم توجهت إلى بيتها ودخلت إلى غرفتها وظلت بها لا تخرج، وأنعزلت عن الجميع في تلك الغرفة التي كانت مدينتها الخاصة، وأخذت تفكر في كل شيء، وتذكرت كل شيء، كل تفصيلة وكل كلمة، كل نظرة، منذ أن تعرفت بخالد والتقت به في مكتب محمد لأول مرة، وكيف تطورت علاقاتهما، وكيف أصبحت ضعيفة هكذا معه، وأصبحت تقوم بفعل أشياء ليست من طبيعتها، كيف وقعت في الفخ، فخ الحب والعشق الذي يجعل كل إنسان ضعيف مسلوب الإرادة أمام من يحب.
أخذت تفكر أيضًا في ردة فعلها، ليس هذا فقط، بل في جميع المرات السابقة، وكيف كان خالد يتحملها، كيف كان صامدًا، حنونًا، مبتسمًا، مع جميع ردود أفعالها العنيفة كان دائمًا هادئًا ولطيفًا. كانت أفكارها مضطربة، ولا تعرف ماذا تفعل؟
فـهذا هو حلم العمر بين يديها، يريدها ولكنها تطيح به في الهاوية فهي خائفة، وذلك الخوف المتملك منها بشدة منذ صغرها قد تسبب لها في الكثير من الألم وخسارها الكثير من الأشخاص، وبالرغم من محاولتها التخلص منه لكنه كان متمسك بها، وكان هو الوسيلة الوحيدة التي تمكنها أن تحمي نفسها من أي شيء، فـما زال عقلها لا يصدق، أن شاب مثل خالد يعشقها، بعد كل تلك السنوات، وذلك العمر الذي مضى، ظلت طوال الليل مستيقظة لا تنام، بدموع مسترسلة، تفكر في كل ما قالته شروق وقاله عمرو، هل هي مخطئة؟
هل هي مضطربة كما يقولون لها، أم أن ما فعلته كان صحيح وواقعي وهم المضطربون. *** (في اليوم التالي) توجهت أسمهان إلى منة كما اتفقت مع خالد لكي توضح لها كل شيء. منزل منة في الثالثة مساءً: وفي غرفة منة: نشاهد منة وهي تجلس على الفراش مع شروق وأسمهان وهن يتحدثن، وكان يبدو على ملامح منة الضيق والارتباك. تحدثت أسمهان بعقلانية، وهي تحاول توضيح حقيقة الاتهامات التي
طالتها هي وشقيقتها وخالد: صدقيني والله العظيم إحنا ما نعرف حرف عن أمنياتك، واللى كنا بنعمله من باب الصداقة، نادين لما عرضت عليكي تلبسي عدسات لأنك قولتي لها جميلة عدساتك، وقتها قالتلك إسم ماركة، قولتي لها ياريت، مش باعرف ألبسها قالتلك تعالي نجرب، فاكرة؟
وانت اللي فتحتي الموضوع بنفسك مش نادين، وموضوع الشاليه وشقة اسكندريه نفس كلام أيتن عرضت تاخدي المفتاح من باب إنهم موجودين وبلاش تأجري، أصلًا في ناس أصحابنا بياخدوه، وانتِ يعنى مش حالة خاصة، منة أرجوكي بلاش تظلمي خالد، خالد حقيقي بيحبك، وكل حاجة عملها معاكي من باب الحب وبس، مش مساعدة إنسانية ولا الكلام الفاضي ده. منة بشدة: تنكري إنه قالك إنه بيساعدني؟ قالت أسمهان -وهي تهز راسها بالنفي
-: لا مش هانكر بس أنا فهمت، هو ما قالش والله ما قال أصلًا، خالد رياضي وبيجري بشكل مستمر، فهو حاول يساعدك من غير ما يحسسك بأي إحراج. منة وهي تهز رأسها بالنفي وعدم التصديق: أنا مش مصدقة. نظرت أسمهان داخل عينيها فهي تشعر أن منة لا تريد أن تصدق وأن غضبها قد عماها، قالت بتساؤل: مش مصدقة؟ ولا مش عايزة تصدقي؟ منة بتوتر وعين زائغة: تقصدي إيه؟
أسمهان بعقلانية: أقصد إنك عايزة تزعلي وبس، ترفضي وبس، عشان حاجة انتي عايزة تثبتيها، أنا أهو فهمتك اللي حصل، وحتى لو خالد بيحقق لك أمنياتك.. فيها إيه؟ إيه العيب في كده؟ ياريت يا منة عندنا ناس تحبنا كده وتحقق لنا أمنياتنا من غير ما نحس، ويهتم بينا، خالد كان مكرس وقته عشانك، برغم إنه مش طبعه كده ولا عمره عمل كده لبنت. أكملت شروق باستهجان ممزوج بتعجب: بعدين هو عمل إيه غلط؟ ده حتى محسسكيش إنه بيعمل كده عشانك؟
عملها كأنها له مش ليكي! منة بضيق: بس هو ما حبنيش زي ما أنا. شروق: لا، بدليل إن لما عرف إنك انتِ عايزة ده حاول يساعدك تحققيه، غير كده ما كانش فكر في دماغه.
أسمهان بعقلانية: منة أنا أقسمت لك إن خالد ما حكلناش أي حاجة تخصك، ومساعدته دى كانت لأنه فهم قد إيه نفسك تحققي الحلم ده وتخسي، ولولا كده ما كانش حاول حتى، وخالد حبك كده، واختارك كده، صدقيني لو هو ما حبكيش ومش فارق له ما كانش بعتني ليكي عشان أفهمك كل حاجة بعد كلامك معاه، اللي طبعًا ما عرفهوش بس فهمت من كلامه ممكن يكون إيه وقد إيه صعب. عبست منة وقال بجدية: وأنا مش ندمانة على أي كلمة قولتها. تنهدت أسمهان
وأخرجت أنفاس متعبة وقالت: هو سؤال واحد، انتي بتحبيه والا لا؟ نظرت لها منة وهي لا تعرف ماذا تقول، فهي تعشقه، لكن كبريائها وشعورها أنه مشفق عليها جعلها لا تعرف ماذا تجيب. رمشت بعينيها عدت مرات وقالت بتلعثم: أنا أنا.. لا مش باحبه. أسمهان تبسمت بتفهم فعيون منة قالت كل شيء: بس عينيكي قالت غير كده، عينيكي فضحتك. نظرت منة وقد شحب وجهها، وبتوتر ابتلعت ريقها وأشاحت بوجهها، فهي لا تستطيع أن تنظر في عين أسمهان.
شروق بتعب من صديقها: بتهربي ليه يا منة يا مجنناني؟ منة بتوتر وضعف وبعين ترقرق بالدموع: مش بهرب. نظر لها أسمهان ووضعت كفها على خد منة وسحبته إليها لتجعلها تنظر إليها، وقالت وهى تركز النظر داخل عينيها بلطف: منة، خالد مستنيكي فى مكانكم، أنا مش هاضغط عليكي، فكري، وأي ان كان قرارك هاحترمه، لكن أتمنى إنك تفكري، ومتخليش غضبك يعميكي. رفعت منة عينيها نحوها بضعف وصمت.
شروق بمزاح: بس لازم تعرفي، لو مارحتيش بكرة هيجيلك يجيبك من شعرك وأنا معاه. منة بشدة وهي ترفع أحد حاجبيها: نعم؟ شروق: والله هو قالي كده، بس شعرك دي بتاعتي أنا. أسمهان بلطف: منة فكري كويس شوفي ها تعملي إيه، الحقيقة قصادك لازم تشوفيها صح بعيون حقيقية، مش بالعيون اللي انتِ شايفاها دي. نظرت منة إليها، وهزت رأسها بالإيجاب. *** عند عربة القهوة في الخامسة مساءً:
نشاهد خالد يجلس على أحد الطاولات وهو شاردًا بصمت، بوجه عابس على غير عادته التي نعرفها عنه، كان في انتظار منة ويتمنى من صميم قلبه أن تأتي، وألا تجعل عاصفتها الهوجاء تقتل كل شيء متبقي بينهما، والخيط الأخير للوصول. وأثناء جلوسه تلاعب الهواء في خصلات شعره، والنسمات تلامس وجهه أخذ أنفاسه وكأنه يستنشق رائحة يعرفها جيدًا، لم تكن غريبة عنه، فارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة جذابة جميلة.
التفت بنصف رأسه للخلف فظهرت منة وهي تقترب بخطوات بطيئة بعين زائغة بخجل وأسف، كأنها تريد أن ترحل وفي نفس الوقت تريد أن تبقى، وأن تواجه ولا تجعل غضبها المعتاد أن يقطع ذلك الخيط الأخير بينهم، كانت تريد أن تواجهه بهدوء وقوة، وليست بغضب تخبئ خلفه ضعفها.
تحركت منة حتى توقفت وجلست على المقعد أمامه، فرفع خالد عينيه إليها ومررها من أعلى إلى أسفل، وما زال وجهه على عبوسه، فهو ما زال منزعجًا حزينًا مما فعلت معه، لكنه كان يشعر بسعادة داخل قلبه لأنها أتت ولم تخيب ظنه ولم تخذله. منة كانت تنظر حولها فهي لا تستطيع أن تنظر لوجهه، كانت تداعب بأصابعها أهداب جكيت التاير. منة: إزيك يا خالد.
خالد وهو يركز النظر في ملامحها بقوة تعكس شخصيته، لكن بوجه عابس وبنبرة رجولية قال وهو يطرق بأصابع يده الطاولة هز رأسه وهو يقول: تمام، وإنتي يا منة عاملة إيه؟ نظرت له منة وهي تبتلع تلك الغصة التي تشكلت في حلقها من صعوبة الموقف قالت: كل حاجة تمام. تبسم خالد وقال: يارب دايمًا. نظرت له منة بارتباك وهى تفرك أصابع يديها في بعضها،
ليتضح بشدة مدى توترها: حاجة واحدة بس، أنا جيت هنا بعد ما أسمهان جات لي البيت فهمتني إني فهمت غلط، وإن الموضوع كله حصل بالصدفة، فأنا جيت أعتذر لك بس إني ظلمتك لإني مابحبش أظلم حد، غير كده كل الكلام اللي أنا قلته إمبارح مش هاسحب منه ولا كلمة. ارتسمت على شفتي خالد نصف ابتسامة بيأس، وهز رأسه بالنفي وقال: يعني انتي جاية هنا بس عشان تعتذري إنك ظلمتيني مش أكتر؟ هزت رأسها بالإيجاب: بالظبط.
رجع خالد برأسه على ظهر المقعد وهو يهزها عدة مرات بيأس وتعب بنصف ابتسامة وعينيه مسلطة عليها وقال: تعبتيني يا منة. أخرج أنفاس ساخنة متعبة وأكمل: تعبتيني أوي، ماحدش تعبني قد ما انتي تعبتيني كده. نظرت له منة بتأثر وتساءلت باستغراب بنبرة منخفضة: وإيه اللي جابرك على كده؟ نظر خالد وقال بنفس الوتيرة: لأني بحبك.
وفور استماع منة لتلك الكلمة ارتبكت قليلًا لكن حاولت الثبات لكي لا تجعل مشاعرها تخونها أمامه وقالت بنبرة مرتعشة قليلًا وممزوجة بالضعف: وليه أنا؟ خالد وهو يعقد حاجبيه ويسأل باستغراب: وليه ما يبقاش انتي؟ نظرت له لثواني دون رد فهي لا تعرف ماذا تجيب! كانت دموعها على وشك أن تملأ عينيها، لكنها حاولت أن تتمالك نفسها لكي لا تجعله يشاهد ضعفها، فأغمضت عينيها لثواني، ثم أخذت نفسها، وتحلت بالقوة
وفتحت عينيها وقالت بجدية: أنا سألتك.. ترد عليَّ بإجابة ما تردش عليَّا بسؤال. وهى تحاول أن تفهم لماذا قام باختيارها هي، وهى تركز النظر في ملامحه قالت بتساؤل متعجبة: قولي ليه أنا؟ ليه أنا دونًا عن كل البنات اللي انت شفتها وعرفتها، اللي أكيد فيهم مميزات عني، قولي ليه. تنهد خالد وعدل من جلسته وهو يمعن النظر في وجهها قال بحب وعقلانية موضحًا
حقيقة مشاعره: بصي يا منة أكيد أنا شفت بنات كتير، أشكال وألوان مختلفة في الثقافات والطبقات، أكيد في منهم بنات لفتت انتباهي، ولو قلت غير كده هابقى بكذب عليكي، بس ما فيش حد منهم خطفني زي ما انتِ خطفتيني، ليه بقى انتِ بالأخص دونًا عن كل البنات دي؟
حقيقي ما عنديش إجابة يا منة، انتِ ما تقدريش تعرفي انتِ ليه حبيتي الشخص ده بالأخص، وليه اخترتيه دونًا عن كل الناس اللي حواليكي وشفتيهم وقابلتيهم، بس استمرارك في حب الشخص ده ووجودك معاه هو اللي بيكون أسباب، المواقف والعشرة والمحبة والود والاحترام المتبادل والتفاهم بين الإتنين، هما إللي بيخلوا العلاقات تستمر، وبيخلوها يا تكبر، يا تقل، يا تنتهي، هي دي الإجابة، وما عنديش أي إجابة تانية.
منة أنا لما حبيت أساعدك حبيت أساعدك بناءً على رغبتك انتِ وأمنيتك انتِ وشوقك إنك تحققي الأمنية دي، انتِ ما شفتيش نظرتك وملامحك كانت عاملة إزاي وإنتي بتقولي الأمنية دي بالأخص، ولما حسيت إني ممكن أقدر أساعدك تحققيها وأشوفك مبسوطة وسعيدة، قلت ليه معملش كده؟
كل الحكاية شوية تشجيع، وسؤال، ومكان، وأنا أقدر أوفر الحاجات دي، وقادر أشجعك إنك تستمري، وأقدر أسأل عليكي مكملة في النظام والا لأ، والمكان اللي هو النادي، بس رجعت قلت أنا لو قولتلها كده ممكن الموضوع يكون فيه حساسية بالأخص لإني راجل وانتِ بنت، وأنا عارف إن الموضوع ده حساس أوي بالنسبة لكم. قعدت أفكر طب أعمل إيه؟
فقررت أساعدك بشكل غير مباشر، ما كانش في نيتي أي حاجة سيئة ليكي، كل اللي فكرت فيه، إني أحققلك أمنية، تخليكي مبسوطة -من التمن أمنيات -لإن باقي الأمنيات علشان أقدر أحققهم لكِ لازم تكون علاقتنا واخدة شكل تاني خالص. كون بقى إن اخواتي كانوا لطفاء معاكي بزيادة، ده مش معناه أبدًا إن أي حاجة بتحصل ما بينا بتتقال لهم، أنا قريب من إخواتي جدًا فوق ما تتصوري، بس أنا مش عيل يا منة، أنا عارف إيه اللي ممكن يتقال وإيه اللي ما يتقال.
كانت منة تستمع له وهي مصدقة لكل ما يقوله، فهي لم تنتظر منه أن يقول كل هذا أو يدافع عن نفسه، فهي تعلم النوايا الحقيقية لكنها لا تعرف لماذا فعلت كل هذا معه في ليلة أمس.
منة بحيرة: أنا مش عارفة أنا ليه عملت كده معاك امبارح، بس في حاجة جوايا، هي اللي خلتني أعمل كده، بس الموضوع بتاع اخواتك وانت بالأخص بعد ما أنا حكيت لك عن الأمنيات الثمانية خليتني غصب عني أفتكر إنك حكيت لهم وطلبت منهم إنهم يساعدوك، فاتضايقت جدًا لإني وثقت فيك، حسيت إنك ما كنتش جدير بثقتي، بس أنا مش ندمانة، اللي أنا عملته معاك، وللمره الثانية أنا باعتذر إني أسأت الظن بيك وباخواتك.
خالد بعقلانية وهدوء: أنا مجتش هنا عشان عايز منك أي اعتذار، أنا جيت هنا لإني عايز رد واحد، إجابة عن طلبي اللي طلبته امبارح وبس. منة بعدم معرفة: مش عارفة. نظر لها خالد بتعجب ممزوج بانزعاج، وقرب جسده قليلًا من الطاولة، وقال بحدة خفيفة: مش عارفة إيه يا منة، دي مشاعر يا آه، يا لأ. آه: في مشاعر من ناحيتك، يا خالد انا موافقة، أو آه في حاجة بس أنا مش عارفة إيه هي! ممكن نرتبط دلوقتي نعمل خطوبة عشان نتأكد منها.
والأخيرة: هي أنا مش حساك، وانت بالنسبة لي زي مهاب، فالموضوع مقفول، هي إجابة واحدة يا منة مش محتاجة تفكير، أنا مش جاية أتجوزك صالوناتي فانتِ محتاجة تفكري لسه، في نفس الوقت أنا مش عايزة أضغطك، بس أنا مش هامشي من على الترابيزة دي غير لما بقى ناهي الموضوع ده، عشان أنا أعصابي ما بقتش متحملة، أنا مشتت بقالي فترة على الحال ده محتاج أهدى، عايز أركز في شغلي بقى، أنا مش فاهم إيه مشكلتك؟
منة بتوتر: مشكلتي إني مش مصدقة إنك بتحبني؟ خالد بتعجب وحب يسأل: أمال طالب إيدك للجواز ليه؟ أمال كنت بعمل كل اللي أنا باعمله معاكي ده ليه؟ بغير عليكي ليه؟ باهتم بيكي ليه؟ باجي من المعادي للزمالك كل يوم عشان أشوفك ليه؟ باتصل واسهر معاكي بالساعات وأنام ساعتين قبل ما أروح شغلي ليه؟ أول ما أصحى وقبل ما أنام وأنا في شغلي باكلمك وأسال عليكي ليه؟ لما بتختفي باقلق عليكي ليه؟ كل ده ترجمته بالنسبة لك إيه؟
فهميني، أنا عن نفسي لو حد هو اللي بيسالني، هاقول ده واحد عاشق، انتِ بقى بالنسبة لك ده إيه؟
منة بضعف وتوضيح: أنا زمان كان في حد في حياتي كنت فاكرة نفسي باحبه، كنت باحب اهتمامه بيَّ، هو طبعًا ما كانش زيك خالص بس كان في شوية حاجات كده اتعلقت بالحاجات اللي كان بيديهاني، بس هو لما راح لحاله وبعد عني، ساعتها اتصدمت لإني ترجمت الحاجات اللي كان بيديهاني إنها حب مش أخوه، عشان كده افتكرت كل اللي انت قدمته ليا أخوه بس متطورة بفعل عوامل السنين والتغيرات. ضحك خالد على
ذلك الجنون بيأس وقال بنفي: لا يا ستي مش أخوه متغيرة بسبب عوامل السنين واختلاف الشخص، هاقولها لك تاني يا منة.. أنا بحبك وعايز أتجوزك، قلتي إيه؟ تكملي معايا حياتي؟ موافقة تكملي جزء ناقص فيَّ ونكمل العمر الباقي وأحنا مع بعض؟ موافقة إني أكون الشخص اللي هايحققلك أمنياتك؟ ها، إيه رأيك؟
نظرت منهة إليه وابتلعت ريقها، ثم أخذا يتبادلان النظرات، كانت تنظر منة لـنظرات خالد العاشقة التي تترجاها أن توافق، أخذت تنظر له باضطراب فهي تريد أن تعترف بما داخل قلبها من عاشق وحب كبير له لكنها ما زالت مترددة. خاف على مشاعرها أن تنجرح وعلى كبريائها أن ينكسر أمامه فأغمض عينيها وأخذ نفسًا عميقًا وأخرجته ثم قالت وهي تهز رأسها بالإيجاب وقالت بحب
وبعينين ترقرقان بالدموع: آه يا خالد موافقة، موافقة أكمل معاك الباقي من عمرنا وإني أكملك الناقص فيك وإنك كمان تكمل لي الناقص فيَّ، وتحقق لي أمنياتي السبعة مش التمانية، عشان انت فعلًا حققت لي واحدة منهم، وكمان أشاركك طموحك وأهدافك وأحلامك لحد ما تعمل مصنع كبير زي ما بتتمنى. أنا هاطلب منك طلب واحد: إوعى في يوم حبك يقل أو تتغير معايا، مش هاتحمل، لو انت حاسس إن ممكن مشاعرك تتغير إبعد من دلوقتي. ابتسم خالد
بفرحة وهو يهز رأسه بالنفي: لأ، مش ها تتغير ولو اتغيرت ها تتغير عشان بتزيد مش بتقل. تبسم بطفولة وهو غير مصدق ومسح على وجهه: استني بس استني هو انتِ قلت لي إنك بتحبيني؟ وإنك موافقة تتجوزيني؟! تبتسمت منة على طريقتها وقالت بمزاح محبب ممزوج بعشق: أنا لسه ما قلتش إني باحبك أنا قلت إني موافقة، بس لو عايز تسمع كلمة باحبك، فـأنا آه بحبك يا خالد، باحبك أوي كمان، وعمري ما عرفت الحب غير معاك، ووياااك، انت أول حب وآخر حب.
توقف خالد وهو غير مصدق بابتسامة ترتسم على شفتيه هو ينظر لها باندهاش، فأخيرًا ذلك الحجر، ذلك الصنم، وهذا الإعصار الذي كان يأكل كل من يأتي أمامه قد نطق وقال كل ما في قلبه، بتلك الطريقة التي انتظرها خالد طويلًا فأخيرًا منة قد صرحت بما في قلبها دون خوف أو تردد، بل بكل قوة وحب لم تعد سجينة بتلك الشرنقة التي أخذت منها الكثير من سنوات عمرها. خالد بعدم تصديق
واندهاش وبضحك مثل الأطفال: أنا مش مصدق وحياة ربنا، لا أنا بجد مش مصدق. أشار بأصابع يديه في وجهها وهو يقول: قولي بحبك يا خالد، كده على بعض بحبك يا خالد. تبسمت منة قالت معلقة على جنونه: يا ابني هو انت حتى في اللحظات الرومانسية بتهزر؟ انت فصيل. جلس خالد وهو يمسك يديها الاثنتين بتلقائية وهو يمعن النظر في ملامحها: أنا مش باهزر وحياة ربنا ما باهزر أنا باتكلم جد قولي أنا بحبك يا خالد قبل ما يحصلي حاجة.
تبسمت منة: باحبك يا خالد، بس شيل إيديك يا خالد عشان خاطر علاقتنا ما تنتهيش من قبل ما تبتدي. نظر خالد إلى يديه التي تضم يدها، ثم نظر إليها بعينيه و رفع يديه وقال: سوري ده حماس. منة: ماشي. خالد بجنون وحماس قال باعتراض: لا بقى مش ماشي، وهامسكها يا منة ورحمة عمي حسن لو عملتي أي حاجة لآكلك قلم يخلينا نبات في القسم النهارده.. ثم أمسك بيديها. منة وهي تضحك قالت بتعجب: قلم؟!
وتمسك إيدي، بص، الحماس واكلك أوي فأنا مش هابوظ عليك اللحظات وهاسيبك تعيشها. خالد بمزاح: أصيلة يا رحاب. أكمل بعشق وحماس ممزوج بحب: أنا بجد فرحان فرحان، وأوعدك إنك مش هتندمي وإني هاعمل كل اللي أقدر عليه عشان أشوفك دايمًا مبسوطة وسعيدة على قد ما أقدر، هآجي إمتى بقى أقابل عمو محمود. منة: مش عارفة، ممكن الأسبوع الجاي. خالد باعتراض: الأسبوع الجاي مين؟ بكرة هتلاقيني عندك الساعة تمانية. منة بتعجب: بكرة إيه؟
لأ مش هاينفع، استنى أقول لهم الأول، وأقول لك امتى، هو مالك؟ في إيه؟ خالد: في كل خير، ونتجوز الأسبوع الجاي؟ منة بسخرية: ما تخليها بعد بكرة لما تيجي تتقدم يبقى جواز، وتتقدم وتخطب كله في ليلة واحدة.
خالد: أنا ما عنديش مانع، نتجوز في شقة أيتن، أيتن قبل ما تسكن في الفيلا بتاعتها كانت عندها شقة صغيرة في مدينة نصر، حلوة نتجوز فيها لحد ما نحضر الفيلا بتاعتي، عندي فيلا صغننة كده محندقة من دورين في مدينتي، هتعجبك، ونجهزها وبعدين ننقل فيها إيه رأيك؟ منة بابتسامة: انت حماسك جننك، بس يا خالد إهدى يا حبيبي بالراحة كده.
خالد: يا بنتي هانستنى ليه أنا باحبك وإنت بتحبيني إحنا عارفين بعض كويس واخواتي أصحابك، وأمك بتحبني فـ يعني نستنى ليه؟ منة بدلال لطيف: أنا عايزة أعيش الأجواء الأول بتاعة الخطوبة وإنك تتقدم، ولسه الحنة والحاجات دي، إعتبرها أمنيتي التاسعة.
تنهد خالد وقال: ماشي يا منة، ماشي، طب باقول لك إيه تعالي نروح نتغدى عشان ما أكلتش من امبارح، وأنا جعان جدًا، أنا ممكن أقوم آكلك دلوقتي، وبعدين نلف شوية بالعربية ونسهر مع بعض على التليفون للفجر. منة: مانروحش الشغل. خالد: خالد مش مشكلة مش هتيجي من يوم. منة: عندك حق، الشهر ده كله خربان خربان، مرتب ضايع. خالد: بالظبط، بعدين خلودة ما تسيبيهوش يوم. منة: لا، خلودة يستاهل، يومين كمان مش يوم.
خالد: لا كده كتير، عليَّ كتير بجد، باقول لك يلا بينا نروح ناكل في أي مطعم ونحتفل. وبالفعل سحبها خالد من يديها وصعد سيارته، وأخذا يدورا بالسيارة، ثم ذهبا لأحد المطاعم الكبيرة على النيل، فقاما بتناول وجبة الغداء، وتبادل الأحاديث في سعادة غامرة، والتقطا بعض الصور، ثم توجه كل منهما إلى بيته، ثم قام خالد بالاتصال بها، وظلا يتحدثان -على الهاتف -طول الليل حتى صباح اليوم الثاني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!