منتظرة بغرفة المكتب الخاصة به لما يقارب ثلاث دقائق بالضبط ، جالسة على مقعد وثير بجانب المكتب واضعة ساق فوق الأخرى ، وبنظرها تتجول بين أرجاء الغرفة .. تتأمل أثاثها الكلاسيكي والرث بالنسبة لها ، حتى الوانها باهتة وتبعث طاقة سلبية في نفس الناظر إليها .. يبدو أن الزمن ترك آثاره حتى على المنزل فجعله كالقصور المتهالكة ، أو ربما هو ليس كالقصور المتهالكة هو بالفعل كذلك .. خالي من الروح والحياة ، منزل كئيب ومظلم ، يعطي انطباع من الخارج أنه مهجور ولا يسكنه بشر !
قطع جلسة تأملها في جدارن وأثاث الغرفة دخوله عليها وهو يقول بابتسامة تحمل القليل من الاستنكار : _معقول أسمهان هانم بنفسها في بيتي ! بقت بمقعدها دون أن تقف أو تتحرك حركة واحدة ، فقط تطلعت إليه بثبات انفعالي مميز وانتظرته حتى اقترب منها وجلس على المقعد المقابل لها هاتفًا بابتسامة سمجة : _قبل أي حاجة .. تحبي تشربي إيه ، دي أول مرة تدخلي فيها بيتي ولازم اضيفك
ملامح جامدة لم تتغير منذ دخوله ، تحدجه بها حتى الآن دون حتى ابتسامة بسيطة متكلفة ، وكيف تتكلف وهي لا تجيد الابتسام أساسًا ! أسمهان بلهجة حازمة : _أنا مش جاية اشرب يا نشأت .. هما كلمتين جاية اقولهم ليك وهمشي رجع بظهره للخلف على مقعده يجلس باسترخاء متمتمًا بهدوء أعصاب مستفز : _وأنا سامعك ، اتفضلي تجاهلت نظراته ولهجته وتصرفت بطبيعتها الجافة حيث قالت في أعين تنبع بشرارة الشر والوعيد :
_هتخلي بنتك تبعد عن ابني واعتقد دي مش مهمة صعبة عليك .. زي ما اقنعتها تتجوزه هتقنعها إنها تطلق ، وإلا صدقني مش هتشوفها تاني نشأت بنظرة كلها تحدي: _متقدريش يا أسمهان تلمسي شعرة واحدة منها .. عشان سعتها أنا اللي هاخد روحك ومش هعمل حساب لأي حاجة ، واظن كمان إن حتى إنتي عارفة أنا قد إيه راجل **** وممكن اعمل إيه ، ثانيًا لما تحبي تهدديني ببنتي كان المفروض تكون معلوماتك كاملة أسمهان بزمجرة : _قصدك إيه ! انتصب في جلسته وقال
بحدة تليق بصوته الرجولي : _قصدي إن ابنك اللي متمسك ببنتي ورافض يطلقها مش هي ، وطلب مني إني اديله المساحة عشان يحاول يصلح علاقته بيها تاني وتفضل بنتهم عايشة وسط باباها ومامتها استشاطت غيظًا فور سماعها لتلك الكلمات وووقفت ثائرة وهي تهتف : _عدنان لا يمكن يقول حاجة زي ، بنتك متفرقش معاه بحاجة وهي اللي واضح أوي نيتها أيه من الجواز دي ، الصراحة مكنتش متوقعة إنها هتطلع نسخة حقيرة ومصغرة من أمها كدا
وثبت هو الآخر ثائرًا وصاح بها منفعلًا : _أسمهان الزمي حدودك واعرفي إنتي بتتكلمي عن مين ، الغل والحقد اللي في قلبك ده يكون بيني وبينك وتصفية حسابات لو حابة يبقى نصفيها مع بعض ، لكن بنتي خط أحمر رمقته بنظرة ساخرة أخيرة قبل أن تردف بثقة : _انا قولت اللي عندي وإنت فهمتني ثم استدارت واتجهت إلى خارج الغرفة بأكملها وتركته يشتعل بأرضه من الغضب . *** داخل مقر شركة أل الشافعي .....
يجلس على مقعده أمام المكتب ويشاهد آخر تسجيلات كاميرات المراقبة على الحاسوب النقال ، وتقف بجواره ليلى التي تتابع كل التسجيلات الأخيرة ، وما لاحظه عدنان أن هناك تسجيلات محذوفة ترجع ليوم الثلاثاء .. منذ يومين بالضبط . رفع نظره لليلى التي كانت تحدق بالحاسوب قاطبة حاجبيها باستغراب وقال بحزم : _في تسجيلات محذوفة ! سكتت لوهلة من الوقت تعيد تفاصيل يوم الثلاثاء في ذهنها بالكامل ، وفجأة لمعت عيناها وقالت مسرعة بحيرة :
_أيوة صح .. في اليوم ده دخل مستر نادر المكتب ولما حاولت امنعه قالي إن داخل هيحط ملف مهم لحضرتك على المكتب عشان أول ما نرجع تشوفه .. وبعدها في آخر اليوم طلب مني يشوف التسجيلات بتاعت مكتب حضرتك أظلمت عيناه بشكل مخيف وظل يتطلع إليها لبرهة من الوقت ، يحاول أن لا يدع الشك يتسرب إليه .. لكن كل ما يظهر أمامه من أدلة ، يشير إلى حقيقة واحدة ! عدنان بصوت غليظ ومريب : _متأكدة من الكلام ده يا ليلى ! ليلى بثقة تامة :
_أيوة يافندم متأكدة .. حتى آدم بيه كان منبه عليا إن محدش يدخل مكتب حضرتك وأنت مش موجود وخصوصًا مستر نادر .. ولما حب يدخل وقولتله اللي قاله آدم بيه اتعصب ودخل غصب عني مسح عدنان على وجهه بعدم استيعاب .. وهناك صوتًا في عقله يستمر بتأكيد ظنونه له ، لكنه لا يرغب بالإستماع أليه قبل أن يتأكد بنفسه .. وخصوصًا أن نادر من أقرب الأشخاص لديه ، فعقله يجد صعوبة في تصديق أنه قد يكون المتسبب في هذا ! تمتم بنبرة محتقنة :
_إنتي عارفة اللي بتقوليه ده معناه إيه لو طلع صح هزت راسها بإيجاب وتمتمت في خفوت : _أنا من رأى نتأكد الأول ، لأن ممكن يكون ملوش ذنب استقام من مقعده واقفًا وتحدث إليها بلهجة صارمة ونظرة ثاقبة كلها قوة وجفاء : _لو اللي بنفكر فيه صح يبقى كل حاجة هتظهر أكيد .. المهم انتي هتدخلي مكتبه وهتدوري على الملف ده وهتراقبي كل تحركاته الفترة الجاية في الشركة وهتبلغيني بكل تفصيلة تشوفيها .. بس من غير ما نخليه يحس نهائي إننا شاكين فيه
اماءت لها ليلى بالموافقة وقالت برسمية : _تحت أمرك ابتعد من أمامها وتحرك باتجاه النافذة التي بطول الحائط ووقف أمامها واضعًا كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله مردفًا بتفكير : _خلاص تقدري تتفضلي يا ليلى تحركت نحو الباب بصمت تام وغادرت وتركته بين تساؤلاته التي تنهش عقله نهش ! *** في مساء اليوم .......
يقود سيارته في طريقه إلى قصر الشافعي ويضع هاتفه أمامه يجرى عدة اتصالات بجلنار حتى يطمئن عليها لكن دون إجابة ، يستمر الهاتف في الرنين وبلا جدوى ، مرة واثنين وثلاثة والنتيجة نفسها ، ضيق عيناه باستغراب ممتزج ببعض القلق .. وعقله لا يتوقف عن توقع السوء . أدرك أن لا مجال لراحة تفكيره ونفسه القلقة سوى الذهاب والاطمئنان عليها بنفسه .. غير وجهة سيارته واستدار بها عائدًا إلى منزله الثاني .
بعد دقائق من القيادة السريعة توقف بالسيارة في المكان المخصص لها داخل المنزل ، وفتح الباب ثم نزل وقاد خطواته المضطربة نحو الباب الداخلي .
أخرج المفاتيح من جيبه ووضعها في قفل الباب فانفتح ، دخل ثم أغلقه خلفه بهدوء ونزع حذائه بجانب الباب ثم سار نحو الداخل .. كان الهدوء يهيمن على المنزل كله والأضواء خافتة ، فقط هناك صوت بسيط ينبعث من الصالون ، تمامًا كصوت التلفاز .. تحرك نحوه بخطوات طبيعية ، وإذا به يراها جالسة على الأريكة المقابلة للتلفاز وتستند بكلتا يديها على ذراع الأريكة واضعة رأسها فوق ظهر كفيها ونائمة ووساقيها المكشوفان للركبة تفرد جزء منهم بجانبها على طول الأريكة .
بقى متسمرًا مكانه للحظات يتطلع إليها بتمعن حتى أصدر تنهيدة حارة بارتياح واقترب منها بحذر ، ثم انحنى والتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز واطفأه ، والتفت إليها ليعود وينحنى عليها قبل أن يمد إحدى ذراعيه أسفل منتصف ساقيها والآخر أسفل منتصف ظهرها ليحملها فوق ذراعيه ويسير بها إلى غرفتهم .
فتحت عيناها بخمول ورأت صورته مشوشة قليلًا بسبب نعاسها ، لكنها أدركت أنه هو ، ودون أن تشعر وجدت نفسها تلف ذراعيها حول رقبته وتنحنى برأسها تدفنها بين ثنايا رقبته هامسة بصوت ناعس وغير واعٍ دون أن تفتح عيناها : _بكرهك انزل نظره إليها ، يرمقها مطولًا ثم يبتسم بساحرية وينحنى برأسه عليها هامسًا بمشاكسة : _قولتيها كتير أوي لدرجة إني بدأت أشك إن قصدك بيها العكس
سمعت همهمات خافتة بصوته الهاديء في أذنها لكنها لم تدرك أي شيء وكان النوم هو العامل الأكبر الذي يسيطر عليها الآن .
وصل بها إلى الغرفة واقترب من الفراش فانحنى ووضعها برفق شديد في المنتصف ، ثم جذب الغطاء ورفعه على جسدها يدثرها به جيدًا ، وكانت ردة الفعل التلقائية منها أنها ضمت الغطاء إليها أكثر في شعور طبيعي بالدفء .. جلس على حافة الفراش بجوارها ثم مد أنامله وأبعد خصلاتها عن وجهها الجميل ، يتأمل جمالها الساحري والمثير ، وبحركة لاشعورية منه نزلت أنامله بلمساتها إلى بشرة وجهها الناعمة يستشعر الاختلاف ، واستمرت لمساته في التنقل على
بشرتها بعدم وعي .. لا يذكر متى كانت المرة الأخيرة التي اقترب منها فيها ولمسها دون أو يواجه نفورها الدائم لكل لمسه تخطها يده على جسدها ، لأول مرة منذ زواجهم روحه تطالب بها .. تتخبط في الأعماق مصرحة بشوقها إلى زهرة العُقاب التي تظهر له كل يوم مدى قسوتها ، يبدو أن انتقامها سيكون أشد مما توقعه .
تمعن ملامحها الهادئة يفحص إذا كانت آثار تحسسها من فاكهة الموز لا تزال على وجهها أم لا ، كان هناك تورم بسيط لا يلحظ بعيناها وكذلك شفتيها الوردية ، بالعادة هي تمتلك شفاه صغيرة وناعمة كالأطفال ، لكن تورمها بفعل الحساسية جعلها منتكزة تثير الفطرة الطبيعية ، اشاح بوجهه للجهة الأخرى يبعد نظره عنها بعدما احس بدنو استسلامه وضعفه أمامها .. وبتلك اللحظة تحديدًا صدع صوت رنين هاتفه فانتفض في جلسته ومد يده بجيبه مسرعًا ليخرجه ويكتم الصوت حتى لا يوقظها .
استقام وسار مبتعدًا قليلًا عن فراشها يجيب على الهاتف: _أيوة يافريدة وصله صوتها وهي تأن من الألم وتقول بنبرة متوجعة : _تعالى ياعدنان بسرعة .. أنا تعبانة أوي آاااه أجابها فور سماعه تأوهاتها المرتفعة : _حاضر .. مسافة الطريق وأكون عندك .. هجيب الدكتور معايا فريدة برفض مسرعة : _لا لا متجبش الدكتور .. تعالى إنت بس _طيب
انهى معها الاتصال واندفع مغادرًا الغرفة وقبل أن يرحل ، توجه إلى غرفة صغيرته والقى نظرة عليها وهي نائمة في فراشها ثم دثرها بالغطاء جيدًا وانصرف . *** ظلت ممسكة بالهاتف بعدما انهت الاتصال معه وهي تحدق أمامها بغل وتتمتم بشر يظهر في نظراتها : _يلا خلينا نشوف هيروح يقعد عندك إزاي يابنت الرازي .. مبقاش أنا فريدة إما خليته واحدة واحدة هو بنفسه اللي يطلقك
ذهبت وانضمت إلى فراشها وتدثرت بالغطاء تستعد لتمثيل دور المريضة عند وصوله حتى تكتمل كذبتها ! .. مرت دقائق طويلة قاربت على الساعة وهي بانتظاره وعيناها معلقة على ساعة الحائط ، وها هي تسمع صوت خطواته المميزة تقترب من الغرفة أخيرًا ، فهرولت وعدلت من وضعية نومها وامسكت بمعدتها ورسمت على محياها علامات الألم والتعب ، وبعد ثواني انفتح الباب وظهر هو من خلفه .. تعمدت عدم النظر إليه واغمضت عيناها وهي متكورة بفراشها !
اقترب منها مسرعًا وجلس بجوارها على الفراش ممسكًا بيدها وهاتفًا بقلق : _مالك يافريدة ؟ أجابته بخفوت : _كنت تعبانة وكان جسمي كله متكسر ومعدتي كانت بتآلمني أوي مد يده إلى جبهتها يتحسس حرارة جسدها فوجدها طبيعية ، أردف بريبة : _حرارتك مش عالية ! فريدة بتوضيح مضيفة القليل من البهارات على كذبتها : _الحرارة ممكن تكون من الداخل .. بس أنا اخدت علاج قبل ما إنت تيجي وبقيت كويسة شوية الحمدلله _علاج إيه ده !
.. وإزاي تاخدي حاجة من نفسك يافريدة ! كانت جملته تحمل الانفعال والاستياء فردت هي عليه بهدوء : _متقلقش ياحبيبي أنا متعودة باخده دايمًا لما بتعب كدا رمقها بنظرة مطولة ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهم بالاتصال بالطبيب ، فأمسكت بيده وقالت وهي تعتدل جالسة : _أنا بقيت كويسة شوية صدقني مش مستاهلة دكتور ، لو كنت تعبانة أوي زي قبل ما تيجي كنت هخليك تكلمه
تفحص معالم وجهها لثواني ثم انزل الهاتف مستسلمًا ، ومد يده إلى وجنتها يملس عليها بحنو هامسًا : _طيب اتعشيتي ولا لسا ؟ هزت رأسها بالإيجاب ثم لفت ذراعيها حول رقبته وقالت بدلال أنوثي : _أنا آسفة عارفة إني ضايقتك كتير الأيام اللي فاتت مني .. وكنت غلطانة ، بس وعد كل اللي حصل ده مش هيتكرر تاني ووعد إني هرجع فريدتك وحبيبتك تاني وهعوضك عن فترة الخلافات اللي كانت بينا دي ابتسم بلؤم يليق به ثم استطرد بجملة غير متوقعة تمامًا :
_فريدة هو إنتي تعبانة بجد ؟! استغربته واستقرت بعيناها نظرة حائرة .. حتى فهمت ما يرمي إليه فقررت أخيرًا آثر الحقيقة ، وقالت بهمس به لمسة خبيثة : _الصراحة لا .. بس بما إننا يعتبر كنا متخانقين فمكنش في طريقة اخليك تيجيلي بيها غير دي للأسف ، وأعتقد إن إنت كنت عند جلنار مش كدا ؟ _إنتي من إمتى بقيتي تغيري منها ! فريدة بنظرة شرسة : _من وقت ما بدأت أحس إنها بقت تشاركني فيك فعلًا
مالت شفتيه لليسار في ابتسامة مداعبة ثم انحنى عليها يهمس أمام وجهها ببحة رجولية مثيرة : _خلينا نفترض إن كلامك صح .. هل ده هيغير حاجة تصنعت عدم الفهم وعزمت على أن تكون الليلة هي ليلتهم ، وتبادر هي ببدأها : _يعني ! تمتم بعين تلمع بوميض الرغبة : _يعني بحبك يافريدتي
ليلة أخرى .. ستكون فيها معه جسد فقط بلا روح ، تستغل الفرص المعطاة لها حتى تحافظ على زواج لا تريده سوى للمصلحة ، تظهر الحب والوفاء لزوج وتطعنه بشرفه في الظهر ، ورغم كل هذا تتقرب منه كأسلوب منحدر منها حتى تمنعه عن التفكير بغيرها ، وتظل هي المهيمنة والآمرة ولا ينهدم ما قامت ببنائه لسنوات ! *** في تمام الساعة الثالثة فجرًا ......
صدع صوت رنين هاتفها على المنضدة الصغيرة المجاورة لفراشهم .. فوثبت كمن لدغه عقرب والتقطت الهاتف مسرعة وكتمت صوت الرنين حتى لا يستيقظ ، القت عليه نظرة دقيقة وقد كان متسطح على ظهره واضعها كلتا كفيه أسفل رأسه ونائمًا عاريًا الصدر .. دققت النظر في وجهه أكثر لتتأكد من انغماسه في النوم ، ثم تسللت من الفراش بحذر شديد كلص والتقطت الروب الطويل ترتديه فوق قميص النوم القصير .. جذبت الهاتف معها وسارت على أطراف أصابعها إلى خارج الغرفة حتى تجيب على الهاتف .
بمجرد ما أن فتحت الباب وخرجت ، فتح هو عيناه دفعة واحدة كالذئب المترصد لفريسته ، بقى معلقًا نظره على السقف للحظات وانفتح فمه قليلًا بانحناءة مرعبة ولسانه بدأ يسير على ضروسه العلوية في عينان حمراء كالدم ، ونفس ثائرة على وشك أن تعلن قيام عاصفتها المدمرة .. يستمع إلى همهاتها القادمة من الخارج وهي تتحدث في الهاتف ويزداد ثورانه .
مد يده إلى الغطاء وأبعده بعنف عن جسده ، ثم استقام من الفراش وتحرك باتجاه الباب ، رآها تقف على مسافة قصيرة من الغرفة مولية ظهرها للباب .. تحرك نحوها في خطوات من شدة هدوئها وترصدها لم تشعر به ، ولحسن حظها أنها كانت تنهي اتصالها مع نادر بعدما كان يخبرها بأمر هام يخص الملفات الذي أخذها من مكتب عدنان .
أنهت معه الاتصال واستدارت بجسدها حتى تعود إلى الغرفة ، لكنها اصطدمت به كحائط منيع يقف بظهرها تمامًا .. أصدر شهقة كانت أشبه بصرخة وارتدت للخلف في زعر ، تتطلع إلى هيئته المرعبة ونظراته القاتلة التي يرمقها بها ، كأنه نام شخص وأستيقظ آخر ! .. أين اختفت نظرات الدفء والعشق التي أمطرها بها طوال ليلتهم منذ ساعات ، ازدردت ريقها بخوف واضطراب حقيقي هذا المرة . عدنان بصوتًا كان كافي لبث الزعر في نفسها : _كنتي بتكلمي مين ؟
نزلت بعيناها إلى الهاتف الذي بيدها تلقي نظرة مرتبكة عليه ثم عادت بنظرها إليه وقالت متلعثمة في كذبة كانت سخيفة جدًا هذه المرة : _دي .... دي لميا بتكلمني تسألني عن حاجة رفع حاجبه مستنكرًا كذبتها : _في الوقت ده ! فريدة بتوتر ملحوظ : _آه ما إنت عارف إنها قريبة جدا مني ومش بتعرف تعمل حاجة غير لما تاخد رأى الأول
تحرك حاجبيه باستهزاء في شكل مثير للأعصاب ثم مد يده حتى يجذب الهاتف من يدها لكنها ضغطت عليه بتلقائية كنوع من الرفض ، لكنه باغتها بصرخته العنيفة بها: _هاتي الزفت ده أرخت عضلات يدها عليه فجذبه من يدها وفتحه لكن ظهرت شاشة ادخال الرقم السري أولًا ، فرفعه أمام وجهها وهتف بحدة : _افتحيه مدت يدها وفتحته وهي تقول بغضب امتزج باضطرابها: _هو في إيه بظبط ياعدنان ما تفهمني ! _هنفهم كلنا دلوقتي في إيه
فتح آخر المكالمات وقام بالاتصال على آخر رقم في قائمة الاتصالات ، بسط الهاتف في المنتصف بينهم وفتح مكبر الصوت ، ينتظر الرد .. أحست هي بأنها ستفقد وعيها وانفاسها انسحبت في رئتيها من الخوف ، يبدو إنها وصلت لنهاية الطريق ، ظل صوت الرنين يعلو صوته في أذنها كالبرق وهي تدعو ربها أن لا يقوم نادر بحركة متسرعة ويجيب . انتهى الرنين دون رد فحدقها بنظرة مميتة وقال : _إنتي مش لسا كنتي بتكلميها برضوا .. مبتردش ليه
_معرفش يمكن دخلت الحمام .. بعدين أنا عايزة افهم إنت إيه اللي بتعمله ده كانت كلمات اندفاعية منها وهي تسحب الهاتف من يده ، لكنه باغتها بحركة مفاجأة منه وهو يجذبها من ذراعها ويضغط عليها بقسوة هامسًا بنبرة دبت الرعب في أوصالها : _اللي حصل بينا من كام ساعة ده .. كان برغبة مني عشان أتأكد من حاجة وأتأكدت ، حابب أقولك إن الحصانة بتاعتك خلصت يافريدة واستنفذتي كل الفرص اللي ادتهالك
كلمات كلها مبهمة لا يُفهم منها سوى شيء واحد ، أنها أصبحت على الهاوية ، وأن النهاية المحتومة تقف على أعتاب الباب . هل كان كل الحب والحنان الذي امطرها به في ليلتهم ، متصنعًا حتى يحقق مبتغاه المجهول ! .. كيف ؟!!! ، لا تفهم شيء من الذي يحدث سوى أنه شك بل وأصبح شبه متأكدًا من خيانتها له ! ***
تجلس بجوار ابنتها في فراشها الصغير وتملس على شعرها بحنو ، حتى تخلد للنوم .. بعدما كثرت اسألتها التي لم تجد لها إجابة حول غياب والدها منذ مساء الأمس .
بينما هي فهناك بعض التفاصيل تتذكرها ، جميعها كان موجود بها بالأمس .. لا تتمكن من التذكر جيدًا لكن هناك صور بعقلها له وهو يحملها ويتجه بها للغرفة ، تتذكر أنها رأت وجهه وابتسامته وهو يحملها ، وبعد ذلك لا يوجد اي شيء بذاكرتها .. ظنته حلم عندما استيقظت من النوم في صباح اليوم التالي ، لكن كيفية وصولها إلى الفراش وهي كانت نائمة على الأريكة أمام التلفاز بالخارج ، هذا ما جعلها تتأكد من أنه جاء في المساء .
ألقت نظرة دافئة على صغيرتها التي خلدت للنوم بعمق ، ثم انحنت عليها وطبعت قبلة رقيقة على جبهتها واستقامة واقفة لتغادر الغرفة بهدوء شديد .. وصلت إلى غرفتها ورفعت يدها تنزع المشبك الذي تثبت به شعرها .. همت بالدخول للفراش حتى تنام ، لكن صوت الباب وهو ينفتح سمرها مكانها .. ظلت ثابتة مكانها تستمع إلى خطواته ، معتقدة إن وجهته الأولى ستكون إليها كالعادة ، لكن ما أصابها بالتعجب أن صوت خطاه توقف ولم يدخل للغرفة .. رفعت حاجبها
بحيرة ثم استدارت واتجهت بخطا قدماها الناعمة إلى الخارج .. رأته يجلس على الأريكة بالصالون ويرجع برأسه للخلف إلى الحافة العلوية من ظهر الأريكة مغمضًا عيناه ، لم تكن علامات التعب أو الإرهاق بادية على وجهه .. بل أخرى كلها غضب وحنق ويحدق في السقف بفراغ كالذي ارهقه التفكير فلم يعد يعرف بماذا يفكر أكثر !
صوت في ثناياها ألح عليها أن تُقبل عليه وتسأله مالذي به ، لكنها قتلت ذلك الصوت وفضلت التجاهل ، وكانت على وشك أن تستدير وتعود لغرفتها لكن همسته القوية باسمها أوقفتها بأرضها : _جلنار ظلت مكانها لا تلتفت له ولا تجيب عليه ، فقط تنتظر منه أن يستكمل جملته .. فخرج صوته مستكملًا : _تعالى عايز اتكلم معاكي شوية ردت ببرود وعدم اكتراث : _أنا تعبانة وعايزة انام .. تصبح على خير
أنهت جملتها وتحركت نحو غرفتها ، بينما هو فاستشاط غيظًا وبلحظة هب ثائرًا من مكانه واندفع خلفها كالوحش .. جذبها من ذراعها إليه قبل أن تخطو قدماها الغرفة ، أصدرت شهقة مفزوعة ووجدت نفسها تستدير إليه وتصطدم بصدره بفعل جذبته العنيفة ، وخرج صوته متحشرجًا في عينان ملتهبة : _خدي هنا أنا بكلم نفسي لكمته في صدره بشراسة الأنثى الناعمة وصاحت به مغتاظة وهي تحاول الإفلات من بين براثينه : _عايز إيه .. ابعد عني ! عدنان بصيحة رجولية :
_إنتي اللي عايزة إيه بظبط فهميني ! جلنار بتحدٍ وعصبية : _إنت عارف أنا عايزة إيه كويس لحظة عابرة ممن الصمت مرت حتى استكمل صياحه المرتفع بها منفعلًا : _وأنا قولتلك مليون مرة انسى الطلاق ده نهائي اردفت جازة على أسنانها بغيظ في خفوت : _وطي صوتك البنت نايمة انتقل بنظره إلى باب غرفة ابنته ثم جذبها من ذراعها خلفه ودفعها لداخل الغرفة ثم دخل هو واغلق الباب فصرخت به بسخط عارم : _إنت مش طبيعي والله
_بالعكس أنا لغاية دلوقتي طبيعي وهاديء أوي معاكي كمان ، بس شكلك مش هتخليني استمر في الهدوء ده كتير اندفعت نحوه ثائرة حتى وقفت أمامه مباشرة شبه ملتصقة به وغمغمت في غل : _أعمل ما بدالك ياعدنان .. وبرضوا هطلق طالت أو قصرت هتطلقني غصب عنك ضحك بازدراء منها فاستكملت هي : _بعدين مش احنا كنا متفقين إننا هنطلق _ده كان قبل ما تاخدي بنتي وتهربي بيها _وفرق إيه دلوقتي انحنى عليها يهمس أمام وجهها تمامًا في نبرة مثلجة :
_مفرقش حاجة بس أنا غيرت رأى ومش هطلق تلألأت العبارات في عيناها بحرقة وألم من بطش وقسوة ذلك الظالم ، لوهلة احست بضعفها أمامه وأن لا يسعها شيء سوى استخدام قواها الضعيفة مقارنة بقوته الجسمانية الضخمة .. فغارت عليه تلكمه في صدره بشراسة صائحة به في صوت مبحوح وعينان تلمع بالعبارات :
_إنت واحد حقير .. ومتستهلش إيه حاجة في يوم عملتها عشانك .. عايز كل حاجة تكون ليك وحدك ، متملك ومغرور ومش بتتقبل أخطائك .. إنت أناني ياعدنان ، بتحب فريدة وفي نفس الوقت عايز جلنار تكون معاك ، مفكرتش في مرة إيه احساس فريدة أو احساسي أنا .. عارف ليه عشان إنت مبتفكرش غير في نفسك ، مش معنى إنها وافقت على إنك تتجوز عليها وإنت فهمتها قد إيه بتحبها يبقى خلاص هي تقبلت الفكرة بصدر رحب ، لا يمكن يكون في ست تتقبل فكرة إن جوزها يتجوز عليها .. وأنا رغم إني مش بحبك بس فكرة إني على الرف بتقتلني صدقني احساس الست إنها في خانة الاحتياط بيوجع أووووي ، وأنا استحملت الاحساس ده كتير ومش هقدر استحمل اكتر من كدا
استهدفت بكلماتها الهدف ، لم تخطأ في حرف واحد .. لكن أخطأت في الوصف .. بقدر جفاء وحدة الكلمات بقدر ما وصلت لأعمق نقطة من قلبه ، خرجت هذه الخناجر من فمها بالوقت الخطأ .. في وقتًا كان يحاول هو لملمة شتات نفسه المبعثرة بعد الوساوس التي تنهش عقله نهشًا منذ مساء الأمس وهو يفكر بأفعال زوجته المريبة ، محاولًا إسكات الصوت الوحيد الذي يتردد في ذهنه منذ إيام ( خيانة .. خيانة .. خيانة !!
ويرفض حتى مجرد التفكير في فكرة لعينة كهذه ، جاءت زهرته وواجهته بحقيقته التي يحاول التغافل عنها وزادت من سوء الوضع ، لكن حتمًا أن أنانيته تضمر خلفها أحد الأسباب الحقيقية الذي يرغب باحتفاظه بها لنفسه . تنهد الصعداء بعبث وغمغم أخيرًا بنظرة تائهة يؤكد لها تصورها عنه: _عندك حق ، ولو تمسكي ببنتي ومراتي بالنسبة ليكي أنانية فأنا معنديش مشكلة في كدا
تطلعت إليه بدهشة من اعترافه الصريح بتمسكه بها ، وأحست أن لسانها قُيد فلم تتمكن من الرد عليه ، فقط تابعته وهو يبتعد عنها ويتجه إلى الحمام . *** يمسك بيده كأس من الڤودكا ويرفعه لفمه فيبتلعه دفعة واحدة ويعود ويملأ الكأس من جديد ، على الجهة المقابلة له يجلس أحد أصدقائه أمامه يتابعه بعيناه في سكون .. حتى خرج صوته أخيرًا بحنق : _ما كفاية يانادر شرب بقى قهقه الآخر بصوت مرتفع وتمتم :
_أنا النهاردة في أسعد أيام حياتي .. الصفقة اللي ليه سنين ابن الشافعي شغال عليها كل يومين وتكون ليا أنا ، ووقتها هقف اتفرج عليه وهو مقهور على الملايين اللي خسرها _وإنت واثق في فريدة أوي للدرجة اللي تخليك مطمن إنها متقولش لعدنان حاجة عنك ضحك نادرًا ساخرًا وأجابت بثقة تامة : _مين فريدة !!
.. إنت عبيط يالا تقوله إيه ، هتقوله إن أنا اللي سرقت الملفات ولا إن هي اللي ساعدتني وادتني مفتاح المكتب .. ولا بقى هتقوله إنها بتخونه معايا ! ، متقلقش من فريدة هتف صديقه بابتسامة ساخرة : _والله شكلها هي اللي هتجيب اجلك تجاهل نادر جملته وهتف بجدية : _قولي عملت إيه مع الرجالة واللي اتفقنا عليه رد في هدوء مبتسمًا بشر : _يومين بالظبط وتسمع الأخبار لاحت ابتسامة جانبية شيطانية على ثغره وهو يلتقط كأس
آخر من الڤودكا ويرد بمكر : _وأنا مستني *** في بصباح اليوم التالي ....... ترجلا من سيارة أجرة أمام مقر المعرض .. ونزلت سهيلة أولًا ثم تبعتها مهرة ، التي بعد محاولات مرهقة وكثيرة من كل من صديقتها وجدتها وافقت على أن ترتدي بنطال ضيق من اللون الأسود يعلوه كنزة بيضاء قصيرة وفوقها بالطو من اللون الجملي طويل ، ورفعت شعرها لأعلى ذيل حصان ، وارتدت حذاءها الرياضي المعتاد . نظرت لصديقتها أولًا قبل أن تتطلع للمعرض وقالت بخنق :
_يارب تكوني مبسوطة وأنا مش طايقة اللبس الملزق اللي عليا ده كانت سهيلة ترتدي رداء طويل من اللون الوردي وتترك الحرية لشعرها ، وعيناها معلقة على بوابة المعرض من الخارج تتأمل منظره الفخم ، وقالت تجيب على مهرة بقرف : _ده جزاتنا أننا عايزين نخليكي بنت .. إنتي مش شايفة العربيات والأشكال النضيفة اللي داخلة وخارجة دي ، لازم ناجي متشيكين يابت مهرة بتأفف :
_معلش احنا اللي أشكال زبالة .. اخلصي بقى خلينا نخلص من أم الطلعة المنيلة دي تحركا باتجاه الباب لكن الحارس اوقفهم يمنع دخولهم قبل رؤية التذاكر الخاصة ، فأخرجت سهيلة من حقيبتها الكلاسيكية التذاكر ومدتها إلى الحارس الذي التقطها وحدق بالتذاكر ثم بهم لثواني يتحفص هيئتهم التي تختلف عن جميع زوار المعرض اللذين من الطبقة المخملية ، لكنه أفسح لهم الطريق للعبور وبمجرد عبورهم قبضت مهرة على ذراع سهيلة وقالت
بغيظ من نظرات الرجل لهم : _إنتي جبتي التذاكر دي منين يابت .. مشوفتيش الحارس بيبصلنا إزاي سهيلة بعدم مبالاة : _ما يبص براحته .. خليكي فريش يامهرة احنا جايين نتفرج .. بعدين عيب تسأليني سؤال زي دي ، صحبتك مش سهلة برضوا لم تتجادل معها كثيرًا فهي ليست في مزاج للنقاش سترافقها فقط وتستمتع كما قالت ثم تعود لمنزلها ..
بمجرد دخولهم إلى ساحة المعرض ، دارت سهيلة بنظرها في جميع الزوايا الممتلئة باللوحات الفخمة والحوائط المطلية بطلاء بني فاتح لامع .. والأضواء تحيط بكل جزء في المكان وبجانب كل لوحة مصباح داخل الحائط يعكس الضوء على اللوحة فيظهر جمالها وتفاصيلها أكثر .
بينما مهرة فكانت نظراتها معلقة على الزوار ، أناس من عالم آخر تمامًا كالذي يشاهدونهم بالأفلام والمسلسلات ، الرجال يرتدون حلل سوداء ويتجولون في أرجاء المكان يتفحصون اللوحات ، نساء مرتدية ملابس تكشف أكثر ما تستر ، وأحذية الكعب التي في قدم كل امرأة تصدر أصوات مزعجة . خرج صوتها ساخرًا متمتمة : _هو ده افتتاح معرض ولا مصيف !
على الجانب الآخر كان آدم يتجول بين كل الزبائن ويتحدث مع هذا دقيقة ومع ذاك أثنين في وجه بشوش ، بينما عدنان فكان يقف مع أحد رجال الأعمال المهمين أمام إحدى اللوحات التي نالت إعجابه وعزم على شرائها ويتحدث معه بقليل من الرسمية حول أمور متنوعة تخص العمل والمعرض واللوحات .
ظهرت من مقدمة المعرض جلنار وهي ترتدي رداء طويل من اللون الفيروزي ولديه أكمام سميكة تنزل عند منتصف أكتافها .. مما جعل الجزء العلوي من جسدها شبه مكشوفًا بداية من أكتافها حتى مقدمة صدرها التي لا تظهر داخلها ، لفتت أنظار الجميع إليها بهيئتها المثيرة وهم يتطلعون إليها بإعجاب ملحوظ .
أما صغيرتها فكانت ترتدي فستان يشبه امها قليلًا لكن اللمسة الطفولية اضفت عليه شكلًا مختلفًا أكثر رقة ، ظلت واقفة بجوار أمها تبحث بنظرها عن عمها وأبيها فلمحها آدم أولًا ، اتسعت ابتسامته لنهاية شفتيها واتجه إليها مسرعًا ، لتقبل هي عليه ركضًا .. انحنى عليها وحملها على ذراعيه يمطرها بوابل من قبلاته الحانية . آدم محدثًا أياها في مشاكسة : _اتأخرتي يا هنون عليا وكدا المفاجأة قيمتها هتقل زمت الصغيرة شفتيها بعبوس وقالت
وهي تشير إلى أمها بحنق : _دي ماما مش أنا اللي اتأخرت قهقهت جلنار عالية بينما هو فنظر لزوجة أخيه وقال بعذوبة : _عاملة إيه ياجلنار ؟ جلنار بمداعبة ونظرة سعيدة: _عايز الحقيقة ، فرحنالك بشكل لا يوصف .. مبروووك وعقبال نجاح كتير أوي جاي أن شاء الله يافنان ضحك آدم والتفت برأسه حوله في شيء من الخوف المزيف وهتف مشاكسًا :
_مجهزلك مفاجأة بمناسبة الافتتاح .. بس من غير ما يحس عدنان تاخديها وعلى البيت عدل ، عشان ده مجنون وممكن يتخانق معايا أنا غمزت له ضاحكة وتمتمت بمرح وحماس : _متقلقش اطلع إنت بس بالمفاجأة وملكش دعوة بالباقي
كانت نظرات أسمهان وفريدة معلقة على جلنار ونظراتهم الحارقة لو كان بإمكانها إخراج النار لحرقت جلنار بأرضها .. تتابع أسمهان ضحكاتها وتبادلها أطراف الحديث مع ابنها بعفوية وتلقائية وهي تشتعل غيظًا ، بينما الآخرى فكانت تحدجها بأعين كلها وعيد ونقم .
أبعد عدنان نظره بتلقائية عن الرجل الذي يبادله أطراف الحديث ليقع نظره عليها ، التقطت عيناه فستانها الضيق والمكشوف من الأعلى ، شعرها المنسدل بانسايبة جزء منه على ظهرها والجزء الآخر على كتفها ، عيون الجميع متعلقة عليها يأكلونها بنظراتهم أكلًا . أظلمت عيناه بشكل مخيف ونيران الغيرة تأججت في صدره ، كان سيندفع إليها كالثور الهائج لكنه تمالك أعصابه لعدم ملائمة المكان والوقت لما يود فعله بها الآن .. نظر
إلى الرجل وقال بصوت محتدم: _استأذنك لحظة ياسامي بيه هز رأسه الآخر بالموافقة وقال باحترام متبادل : _اتفضل أكيد سار نحوها وعيناه لا ترى شيء سوى هدفه ، لدرجة أن من سيتطلع إليه ويرى وجهه سيصاب بالصدمة من مظهره المريب ، في تلك اللحظة انتهي آدم من حديثه معها وابتعد بهنا عنها قليلًا .
التفتت هي برأسها في عفوية على الجانب فوجدته مندفع نحوها ووجهه يشع بشرارة الغضب ، وقفت بثبات تام حتى وصل إليها وانحنى عليها يهمس في أذنها بصوت متحشرج محاولًا تمالك أنفعالاته : _إيه اللي لبساه ده ! قد عزمت على ارتداء هذه الفستان عمدًا حتى تشعله بالنيران كنوع من الكيد ، ردت عليه ببرود : _فستان ! عض على شفاه السفلى ونقل نظره في حركة سريعة بين الزوار ثم هتف بغيظ مكتوم :
_مش عايز استعباط .. إنتي لبستي ده بالعند فيا يعني رغم إني الصبح منبه عليكي إنك متطلعيش بلبس مكشوف جلنار بابتسامة سمجة ومستفزة : _وأنا اعند معاك ليه ياروحي .. كل ما في الحكاية إني بحب الفستان ده وشكله حلو عليا عشان كدا لبسته ، ودي مش أي مناسبة فكان لازم البس اجمل حاجة كور قبضة يده يجاهد في التحكم بنفسه ثم رد عليها بوعيد حقيقي كله سخط: _ماشي ياجلنار حسابك معايا في البيت أنا هربيكي كويس
نظرت إلى الرجل الذي كان يقف معه ولاحظت أنه بين آن والآخر ينظر بتجاههم فقالت ببرود متعمد وهي مبتسمة بشماتة : _روح ياحبيبي عيب تسيب الراجل مستنيك كدا نظرة مطولة بينهم كانت نارية منه وثلجية منها ، تنضج بالوعيد منه وغير مبالية منها .. حتى قطعت النظرة هي عندما تركته وابتعدت متجهة إلى اللوحات حتى تشاهدهم . ***
ظلت مهرة واقفة أمام إحدى اللوحات لدقائق طويلة ، تحاول فهم المعنى الفني من وراء لوحة عبارة عن تداخل الون وتزاحمها بشكل غير مفهوم فتظهر في النهاية في شكل لوحة فنية ! .. أين الفن في مزج الون مختلفة بشكل عشوائي ، لو كان هذا يسمى الفن فما اسهله . تتطلع إلى اللوحة تارة من جهة اليسار وتارة من اليمين هاتفة لنفسها بتفكير : _أيوة فين المغزي برضوا .. ماهو أنا عايزة الاقي سبب مقنع يخليني ادفع فلوس في لوحة الشوارع دي
_لوحة إيه !!! انتفضت بأرضها على أثر الصوت الذي أتاها من ظهرها والتفتت فورًا بكامل جسدها فقابلت نفس الشاب الوسيم أو التركي كما وصفته ! .. والغريب أن للمرة الثالثة تقابله بمحض الصدفة ! تصنعت الثبات وقالت بشموخ : _افندم آدم بنظرة قوية : _إنتي كنتي بتقولي إيه دلوقتي على اللوحة ! التفتت برأسها إلى اللوحة ورجعت برأسها إليه لتقول بثقة معبرة عن رأيها: _بقول إنها لوحة شوراع
أشار إلى لوحته بدهشة وهتف يعيد جملتها بنبرة مستاءة من إهانتها له بمعرضه وأمامه : _دي لوحة شوراع ! مهرة بقرف وعدم إعجاب : _أيوة فين الفن فيها .. دي شبه شارع السوق عندنا لما بيكون يوم الخميس وتفضل ماشي وسط خلق الله مش شايف حد ولا عارف إنت فين مسح آدم على وجهه بغيظ وهتف : _إنتي بتقولي إيه !! .. وبعدين إزاي دخلتي أصلًا ردت عليه مهرة في نبرة فظة وبغطرسة :
_وإنت مالك دخلت إزاي هو كان معرض اهلك .. بعدين مالك محموق أوي كدا على اللوحة شكلك دفعت فيها الفلوس ومرضيوش يرجعهالك ، أنا قولت برضوا والله لوحة زي دي خسارة فيها ربع جنية انحنى عليها أدم وهمس بنظرة مشتعلة ونبرة محذرة : _بت انتي احترمي نفسك أنا مش عايز أقل ادبي عليكي .. يعني جاية معرضي وبتغلطي في لوحتي وكمان بتقلي ادبك عليا رمشت بعيناها عدة مرات تستوعب ما سمعته ، معرضه ولوحته !
.. ظلت تتلتفت برأسها بين اللوحة وبينه حتى قالت أخيرًا بذهول : _دي لوحتك إنت !!! _آه تخيلي عادت تلقي نظرة متفحصة على اللوحة ثم عادت له وهمست بخفوت وجدية كان ملحوظ في نبرتها: _هو إنت عندك حالة نفسية .. يعني اهلك كانوا لا مؤاخذة بيضربوك إنت وصغير فطلعت معقد ، أصل أنا أعرف عيل عندنا في المنطقة كان عنده توحد وحالته شبهك كدا ، فكان أهله بيدوله كراسة الرسم ويفضل يشخبط بالالوان بس .. لدرجة أنهم شكوا أنه ملبوس و....
أوقفها عن الكلام وصاح بها منفعلًا : _بس إيه العبط اللي بتقوليه ده ! _ده مش عبط دي دراسات نفسية .. نصيحة مني الحق نفسك قبل ما الحالة تتدهور جز آدم على أسنانه وقال : _إنتي قولتيلي اسمك إيه ؟! _مهرة _طيب يامهرة برا تنهدت الصعداء وقالت باستسلام في وجه متأثر : _طيب خلاص تصدق صعبت عليا .. هشتريها منك بس مش هدفع فيها اكتر من خمسة جنية وكترت عليها الصراحة ابتسم آدم بسماجة وقال في نبرة فظة :
_شرفتيني يامهرة واتمنى تكون آخر مرة نتقابل فيها ألقت عليها نظرة ساخرة وهي تلوى فمها ثم قالت وهي تبتعد عنه : _كل الغرور دي على حتة اللوحة دي .. امال لو رسمتلك كام لوحة تاني كنت هتعمل إيه هتمشي تدوس على الناس برجلك
تابعها بعيناه وهي تبتعد متجهة إلى خارج المعرض بأكمله ، ونظراته كلها استغراب من هذه الفتاة التي تظهر له بكل مكان .. التفت برأسه وتطلع إلى لوحته وبتلقائيًا ضحك عندما تذكر محادثتهم وكلماتها ، ولا يمكنه إنكار أنها فتاة مسلية ! ***
لمحت جلنار فريدة التي تقف وتتلفت حولها كأنها تتأكد من عدم متابعة أحد لها ، ثم أجابت على الهاتف بمكان بعيد عن أنظار الجميع وبعد لحظات قصيرة أنهت مكالمتها واتجهت إلى خارج المعرض بأكمله .. ضيقت جلنار عيناها بحيرة واحست أنها تخطط لشيء شيطاني كعادتها ، ووجدتها فرصة مناسبة حتى تعرف مخططها وتستغله في تحقيق انتقامها .
وقفت وأشارت إلى ابنتها أن تأتي إليها ثم اندفعت إلى الخارج فورًا دون أن يلاحظها أحد باستثناء آدم الذي لمحها وهي تنصرف على عجلة ومعها الصغيرة . عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!