_ماما هو احنا ليه مشينا ؟! كان سؤال متذمر من " هنا " التي تجلس بجوار أمها في السيارة منذ وقت طويل وهي تقود بهم . ردت عليها جلنار دون أن تحيد بنظرها عن السيارة التي تلحق بها أمامها : _هنرجع تاني ياحبيبتي متقلقيش كانت فريدة قد استقلت بسيارتها الخاصة بها وانطلقت بسرعة ، فاستقلت جلنار أيضًا بسيارتها هي وابنتها ولحقت بها دون أن تلاحظ مراقبتها لها خلال الطريق .
بعد وقت طويل من القيادة .. توقفت سيارة فريدة أخيرًا أمام إحدى البنايات الجميلة بأحد المناطق الراقية وترجلت من سيارتها ، قادت خطواتها إلى بوابة البناية وكان الحارس يجلس على مقعده الخاص أمام البناية وبمجرد رؤيته لها توقف والقى عليها التحية في وجه سمح ، مما أكد لجلنار أنها ليست المرة الأولى التي تزور بها هذه البناية ويبدو أن تتردد كثيرًا لهنا .
انتظرت حتى دخلت واستقلت بالمصعد الكهربائي واختفت عن انظارها ، فالتقطت شالًا من نفس لون فستانها ووضعته على أكتافها ثم انحنت على ابنتها وغمغمت بحنو : _خليكي هنا يا ماما أنا هروح عند عمو اللي واقف هناك ده وهرجعلك علطول .. متتحركيش من العربية هزت هنا رأسها بالموافقة وتمتمت : _حاضر
فتحت جلنار باب السيارة ونزلت ثم عبرت الطريق متجهة إلى البناية ، وعند وصولها وقفت أمام الحارس الذي طالعها بنظرة متفحصة بسبب فستانها وهيئتها التي توحي بأنها قادمة من إحدى الحفلات الصباحية . _اؤمري ياست هانم .. اقدر اساعدك في إيه ! هتفت جلنار بنظرة دقيقة : _هي اللي طلعت دلوقتي دي طالعة لمين ؟ _قصدك فريدة هانم _أيوة نزل بنظره إليها وبنظرته الخبيرة فهم أنها من الطبقة المخملية ، فقال بنظرة لئيمة رافضًا :
_آسف ياست هانم بس مقدرش افيدك بحاجة اطالت جلنار التحديق به حتى توقعت ما يرمي إليه بنظراته اللئيمة ، فمدت يدها في حقيبة يدها وأخرجت نقود .. ثم وضعتها في يده بنظرة مشتعلة .. تفحص النقود وتحقق من عددها بعين لامعة ثم رفع نظره لها وقال مبتسمًا : _طلعت لواحد اسمه نادر المصري ظهر الذهول على محياها فور سماعها لاسم نادر ، وبقت للحظات تحدق بالرجل في عدم فهم ثم سألت بترقب لإجابته: _طيب متعرفش طلعت عنده ليه ؟ رمقها بنظرة
جانبية تشبه السابقة وقال : _معرفش تأففت جلنار بغيظ ووضعت يدها في حقيبتها مرة أخرى وأخرجت مبلغ أكثر من السابق وقالت بحدة وهي تضعه بيده : _امسك .. اتكلم يلا ! ابتسم الرجل بسعادة من النقود وقال بنظرة ماكرة : _هو أنا مش متأكد بس تقريبا في حاجة مش ولابد بينهم ، عشان دايمًا كل ما تطلع عنده ، الأستاذ نادر بيرن عليا ويقولي لو جه أي حد وسأل عليه اقوله إنه مش موجود في شقته وإني مطلعش اخبط عليه لأي سبب كان
اتسعت عيني جلنار بصدمة مما سمعته للتو ، هل يعقل إن يكون ما يدور بذهنها الآن حقيقي ، وأنها تخون عدنان ! طرحت السؤال الثالث في ملامح وجه واضح عليها عدم الاستيعاب : _طيب هي بتيجي كل قد إيه أو كام مرة جات قبل كدا _مفيش وقت محدد يعني ممكن في أي وقت تيجي .. أما بتيجي من إمتي فده من ساعة ما انتقل الاستاذ نادر لهنا يعني من حوالي سنة واكتر وهي بتيجي عنده ، الله اعلم بقى لما كان في شقته القديمة كانت بتروحله ولا
ردت جلنار بصدمة أكثر : _من سنة !!! هتف الرجل في فضول ونظرة ضيقة : _هو حضرتك تعرفي نادر بيه وفريدة هانم ولا إيه ياست الكل ؟ شردت جلنار لثواني وهي تحاول استيعاب ما عرفته ، لكنها استفاقت من شرودها على أثر صوته وردت عليه بنظرة تائهة : _هااا .. لا كانوا معرفة قديمة همت بالاستدارة والمغادرة لكنها توقفت وأخرجت من حقيبتها نقودًا أخرى واعطتها له هاتفة بنظرة قوية : _متجبش سيرة إن في حد جه وسأل عليهم .. اعتبرني مجيتش أساسًا
ثم استدارت مجددًا وعادت إلى سيارتها ، ثم استقلت بمقعدها ونزعت الشال عنها فهتفت " هنا " بتساءل بعدما وجدت أمها بدأت بالقيادة مرة أخرى : _هنرجع لبابي وعمو آدم ياماما جلنار بتنهيدة حارة: _هنرجع ياحبيبتي .. هنرجع لبابي *** ارتفع صوت رنين هاتفه في جيب بنطاله .. فأخرجه وابتعد عن الحشد قليلًا ليجيب بصوت أجشَّ : _أيوة ياصابر رد عليه الآخر ببعض الاضطراب البسيط :
_فريدة هانم طلعت من المعرض من حوالي نص ساعة وأنا كنت وراها زي ما حضرتك أمرت .. بس جلنار هانم كمان طلعت وراها فورًا وكانت بتراقبها تقريبًا التفت عدنان برأسه في أرجاء المكان ينقل عيناه بين الجميع فلاحظ عدم وجود جلنار وابنته بالفعل ، أجاب على الهاتف بصوت غليظ: _طيب ووصلوا لفين ؟ هنا ظهر الخوف في نبرة صابر الذي هتف معتذرًا :
_للأسف ياباشا .. الطريق كانت زحمة أوي وفجأة ملقيتش لا عربية فريدة هانم ولا جلنار هانم ، ومعرفتش ارقبهم لآخر الطريق أغلق عدنان عيناه في محاولة منه لتمالك أعصابه حتى لا يفقدها على ذلك الأحمق ، وقال بصوت محتقن وبه لمسة مخيفة: _إنت غبي ، أمال أنا حاطك تراقبها ليه .. عشاني تيجي وتقولي الكلمتين دول !! التزم الآخر الصمت خشية من الرد فيجد ما لن يعجبه منه ، هتف عدنان بآخر الأمر في غيظ وغضب عارم :
_اقفل دلوقتي وحسابك معايا بعدين انزل الهاتف من على أذنه وقام بإجراء اتصال آخر لكن هذه المرة كان بفريدة ، واستمر الهاتف في الرنين دون إجابة ! *** داخل منزل نادر ..... فتحت حقيبتها وبحثت بها لثواني بسيطة حتى مدت يدها وأخرجت فلاش صغيرة واعطتها لنادر هاتفة بإيجاز : _دي الفلاشة اللي عليها بيانات الشركات المنافسة في الصفقة وعليها بيانات كتير تاني هتفيدك
التقطها نادر من يدها وقلب الفلاش بين قبضته في نظرات لئيمة ثم رفع نظره عليها وحدجها بأعين جريئة وانحنى عليها يخطف قبلة سريعة منها هامسًا : _ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي .. قريب أوي هنخلص من عدنان ده على الآخر ووقتها مش هتكون في حاجة تمنعنا إننا نكون مع بعض ابتسمت له بحب ثم قالت بعجلة :
_انا همشي لأن مش هينفع اخليه يحس بغيابي .. خصوصًا إني بدأت أحس أنه شك فيا أو هو بالفعل شك ، وصحيح الفترة الجاية مش هينفع نتقابل أبدًا وياريت كمان مترنش عليا خالص يانادر فاهم ، لغاية ما اشوف هتصرف إزاي مع عدنان واشيل الشك ده من ناحيته تجاههي ظهرت الدهشة على محياه التي سرعان ما تحولت إلى الزعر وهو يجيب عليها باضطراب حاول إخفائه أمامها : _شك إزاي !! .. عرف حاجة عني طيب ؟!
حدقته بأعين مستنكرة .. تستعجب خوفه على نفسه وعدم اهتمامه بوضعها حتى ، لتقول بنظرة قوية ونبرة جادة : _عرف إيه يا نادر ! .. بقولك شك فيا وإنت تقولي عرف عني حاجة !! نادر محاولًا تصحيح ما قاله : _مقصدش ياروحي ، على العموم متقلقيش اللي خلاه ميشكش فيكي طول السنين دي هيشك دلوقتي
_عشان أنا مكنتش بديله الفرصة ولا المساحة إنه يشك فيا أساسًا ، لكن دلوقتي أنا شكلي بوظت كل حاجة وكنت بتصرف بتهور ومخدتش بالي من تحركاتي وتصرفاتي فشك فيا ، وأنا عارفة عدنان شكاك وطالما شك فيا يبقى مش هيهدى ولا يرتاح غير لما يعرف كل حاجة ويريح شكه تنهد الصعداء وأجابها بحنو وهو يمد ذراعيه ويضمها لصدره : _متخافيش أنا معاكي وحتى لو عرف حاجة مش هسمحله يأذيكي
أغمضت عيناها بارتياح من دفء أحضانه وبعد لحظات معدودة ابتعدت عنه وقالت مسرعة وهي تتجه لباب المنزل : _كفاية بقى .. أنا همشي .. سلام ، وزي ما اتفقنا ياحبيبي هااا _تمام اطمني تابعها بنظراته وهي تتجه لباب المنزل وتفتحه ثم انصرفت واغلقته خلفها ، فنزل بنظراته إلى الفلاش التي بيده ولاحت ابتسامة شيطانية على شفتيه التي سرعان ما أصبحت أكثر سخرية عندما تذكر حديثه معها وهتف بازدراء منها : _مش هسمحله يأذيكي !!
.. ده إنتي أول حد هخلص منه بعديه ، بس كنت لازم الأول ابدأ برأس الأفعى الأول طبعا .. واصفي حساباتي القديمة مع عدنان الشافعي *** توقفت بسيارتها أمام المعرض من جديد ، فتحت الباب ونزلت بعد أن فتحت الباب الآخر لابنتها لتنزل هي أولًا ، ركضت هنا إلى الداخل ولحقت بها جلنار التي رأت عدنان كان يقف على البوابة الرئيسية ويمسك بهاتفه في يده وعيناه تطلق شرارات نارية بفعل الغضب .
انحنى على ابنته عندما وصلت إليه وحملها على ذراعيها لاثمًا وجنتها وهامسًا بترقب : _كنتوا فين يابابا رفعت هنا كتفيها لأعلى بجهل وقالت زامة شفتيها : _معرفش .. ماما اخدتني .... بترت جلنار جملة ابنتها حين وصلت لهم وقالت تستكملها على طريقتها : _اتخنقت شوية من جو المعرض ، واخدتها وطلعت بالعربية لفينا شوية ورجعنا استقرت في عيني عدنان نظرة نارية لكن جعلها كلها حب حين نظر لابنته وهتف بحنو وهو ينزلها من فوق ذراعيه :
_روحي ياحبيبتي لنينا أسمهان كانت بتدور عليكي جوا اماءت لأبيها بالموافقة وهرولت راكضة للداخل حيث تجلس جدتها ، بينما هو فاندفع نحو جلنار وهمس أمام وجهها تمامًا في لهيب حار يخرج من بين شفتيه يوضح مدى اشتعاله الداخلي : _روحتي تعملي إيه ورا فريدة ! فريدة ! .. هل يعرف مكان تواجدها أو ماذا ؟! .. وجدت نفسها تطرح عليه سؤال في حيرة دون أن تدرسه مقدمًا قبل أن تسأل : _إنت عارف هي راحت فين !
ظهرت لمعة مختلفة في عيناه وقال بصوت متحشرج وأعين مظلمة لا تبشر بالخير مطلقًا : _راحت فين ؟ لا يعرف إذا ! .. بالتأكيد لا يعرف فلو كان يعرف لكانوا الآن يتلقون أخبار موتها ، تنهدت الصعداء لعدم معرفته بالأمر وقالت مخترعة كذبة سخيفة : _معرفش أنا شوفتها طالعة من المعرض واستغربت وبعدها طلعت لما حسيت نفسي اتخنقت ، بس معرفش راحت فين
لم تنطلي عليه كلمة واحدة من التي تفوهت به ، استمر فقط في الاستماع إليها وهو يطالعها بنظراته الجامدة التي تثير الرهبة في النفوس من فرط هدوءها ، ثم وجدته يتقدم أكثر نحوها وينحنى على أذنها ويهمس بصوت يقارب لصوت فحيح الأفعى : _إنتي آخر واحدة تعرف تكذب .. وبالذات عليا أنا لأن عنيكي بتفضحك ، خليكي بعيدة عن فريدة وملكيش دعوة بيها نهائي ياجلنار مفهوووم
فسرت تحذيره بشكل معاكس ، مما جعلها تشتعل بالغيظ والاستياء ناعتة إياه بالأحمق ، أيخاف عليها ولا يطيق تحمل أي مكروه يصيبها وهي تطعنه بظهره وفي شرفه دون علمه .. لكنها لم تفهم أنه يخاف عليها هي ، بعدما تسرب الشك لنفسه من زوجته لم يعد مطمئنًا لها أو واثقًا بها حتى ! *** _مالك يابت قالبة وشك من وقت ما طلعنا من المعرض كدا ليه ! .. حصل إيه فهميني صرخت بها مهرة بانفعال :
_اكتمي خالص يا سهيلة بدل ما أمسك في زمارة رقبتك إنتي ، أنا اللي استاهل اني وافقت آجي معاكي _وهو أنا قولت حاجة يابنت المجانين .. أنا بسألك حصل إيه تأففت مهرة بخنق وقالت بامتعاض : _قابلته تاني _مين ؟! صاحت بها مندفعة : _ما تركزي معايا إنتي كمان .. هيكون مين يعني ! ادركت سهيلة الأمر بسرعة وقالت ضاحكة : _أه الواد التركي اللي قرفاني بيه ده .. شوفتيه فين ؟ _في المعرض عقدت سهيلة حاجبيها باستغراب وقالت بشيء من الاستهزاء :
_ليه هو تركي بجد ولا إيه ! .. هيعمل إيه في مكان كله ناس متريشة كدا ضحكت مهرة على صديقتها وصمتت للحظات ثم قالت بابتسامة عريضة كلها حماس لرؤية تعابير وجهها بعد ما ستسمعه منها : _لا ماهو صاحب المعرض والفنان اللي راسم اللوح لم تدرك ما قالته جيدًا فردت عليها ضاحكة ببلاهة : _ما تقولي يابنتي هو مين ؟ _ما انا قولت صاحب المعرض ، هي البعيدة مبتفهمش لوحت بيدها وهي تلوى فمها بسخرية متمتمة : _ياشيخة قال وأنا اللي .....
توقفت عن الكلام فجأة ، وقد استوعبت وادركت أخيرًا ما كانت تقوله " مهرة " للتو ، وإذا بها رمقتها بعين واسعة من الصدمة تكاد تكون مخيفة بعض الشيء وصاحت : _آدم الشافعي !!!! _معرفش اسمه بس تقريبًا هو طالما هو ده اسم صاحب المعرض بظرف لحظة كانت سهيلة تمسك بهاتفها وبعد ثواني قليلة أظهرت صورة له على الهاتف ورفعتها أمام عيناها هاتفة بعدم تصديق : _هو ده !
هزت مهرة رأسها بإيجاب ، فألقت سهيلة الهاتف بعدم اكتراث وغارت عليها تمسكها من رقبتها تخنقها بغيظ وهي تصيح بها : _ومتقوليش إزاي .. بقى هو ده اللي هزقتيه ياحمارة ، هقتلك يامهرة واطفي ناري احمر وجه الأخرى وهي تتلوى بين ذراعيها محاولة دفعها حتى نجحت بالاخير وصرخت بها وهي تلتقط أنفاسها : _ابعدي هتموتيني بامبعقة .. بعدين نار إيه اللي تطفيها إنتي هطلة يابت سهيلة بعد استيعاب وكأنها دخلت في حالة هيستريا :
_أنا هولع فيكي مش بهزر .. ده بدل ما تستغلي الفرصة هو في حد يوقع في راجل زي ده ويطفشه من إيده يابنت الهبلة ، ولا حرام اغلط في خالتي والله ملهاش ذنب صاحت به مهرة بعصبية من توبيخها لها : _الله وأنا مالي هو اللي مش طايقني أصلًا من أول مرة شافني فيها .. أنا يمكن النهارده صح زودتها لما اتريقت على لوحته وهو اتعصب فطردني سهيلة بزمجرة وصدمة: _عملتي إيه ! همهمت مهرة بخوف بسيط وصوت خافت خشية من ردة فعلها : _اتريقت على لوحته
_آاااه .. يارب إنت شاهد عشان لما اقتلها محدش يقولي عملتي كدا ليه ! هتفت مهرة بيأس وعبوس حقيقي : _ما خلاص بقى ياسهيلة .. أنا صحيح كان عاجبني وأعجبت بيه وصدقت الموضوع في البداية وكنت مخداه بهزار بس بعد ما شوفت شكل المعرض النهاردة والناس اللي كانت فيه وإن المعرض بتاعه وواضح أنه من الناس العالية اللي في البلد ورجال الأعمال .. شيلت الموضوع من دماغي ماهو مش معقول واحد زي ده حواليه كله البنات دي هيبص لحد مننا ياسهيلة
سكنت سهيلة تمامًا وهدأت قسمات وجهها المستاءة لتنعكس عليها البؤس والحزن على صديقتها ، وسرعان ما رسمت ابتسامة مرحة على شفتيها ونكزت مهرة في كتفها ضاحكة بمزاح: _إيه هي الصنارة غمزت ولا إيه ! مهرة بضحكة خافتة لم تصل لعيناها ، ثم استقامت واقفة وقالت بهدوء: _أنا هروح اعملنا حاجة نشربها بدل ما احنا قاعدين كدا ، شغلي حاجة على التلفزيون نتفرجها لغاية ما آجي *** داخل المعرض .....
كانت أسمهان تجاور شقيقتها منذ قدومها ويتبادلون الأحاديث المختلفة فيما بينهم حتى انحنت عليها أسمهان وهمست بنظرات زائغة: _امال فين زينة ياميرفت ؟! تنهدت ميرفت بعدم حيلة وقالت : _في البيت حاولت اخليها تيجي معايا بس مفيش فايدة .. مزاجها مش لطيف اليومين دول ومش حابة تخرج تروح أي مكان أسمهان بضيق ملحوظ: _إزاي بس وهي مناسبة زي دي ينفع متحضرش فيها ، دي حتى كانت مع آدم في كل التجهيزات ميرفت زامة شفتيها بيأس :
_قولتلها كدا والله بس دماغها ناشفة إنتي عارفاها همت أسمهان واقفة وهي تقول بابتسامة حماسية ورفض لفكرة عدم وجودها : _أنا هقول لآدم واخليه يروح يجبها قبضت ميرفت على يدها وقالت برزانة عقل وخفوت : _لا بلاش يا أسمهان خليها على راحتها أنا حاولت معاها بس هي كانت رافضة وآدم مش هيزعل أكيد وهيتفهم الوضع اختفت الحماسة من على وجه أسمهان التي نطقت اسم ابنها في استنكار بعد جملة شقيقتها الأخيرة : _آدم .. اممم أكيد طبعًا مش هيزعل
على الجانب الآخر اندفع آدم تجاه جلنار الواقفة في زاوية بمفردها تتابع الجميع بنظرات تائهة وبالأخص على زوجها ، وكأنه عيناها كانت تظهر كل ما تخفيه عن الجميع .. ودون أن يلحظه أحد انحنى على أذنها هامسًا في نبرة جدية : _تعالي ياجلنار عايز اقولك حاجة تطلعت إليه بتعجب من لهجته ونظرته لكنها ألقت نظرة سريعة بتلقائية حولها ثم لحقت به ، وقفا خارج المعرض تمامًا بعيدًا عن الجميع ، وانتظرته أن يبدأ بالحديث والذي
بالفعل بدأه في وجه حازم : _بصي هسألك سؤال وأنا عارف وواثق انك مش هتخبي عني .. انتي طلعتي ورا فريدة ليه ؟! أصدرت تنهيدة حارة وقالت ببساطة : _كنت مخنوقة وطلعت اشم هوا شوية آدم بنظرة ثاقبة : _جلنار إنتي مبتعرفيش تكذبي ضحكت وقالت بغيظ : _عرفنا إني مبعرفش اكذب مش لازم الكل يقولي الكلمة دي _حلو يعني إنتي اعترفتي أهو إنك بتكذبي ! جلنار بأصرار : _تمام فلنفترض إني بكذب .. بس صدقني مش هقدر اقولك يا آدم ابتسم وقال بنظرة
كلها غل ونبرة مزمجرة : _فريدة بقت مكشوفة أوي ياجلنار .. حتى عدنان شك فيها ويعتبر كشفها ، وأنا شاكك من بدري فاللي هتقوليه دلوقتي ماهو إلا تأكيد على شكوكي مش اكتر لم تجب فقط تطلعت إليه بدهشة من كلماته وبالإخص عندما صرح بحقيقة أن الجميع شبه متشكك بفريدة حتى عدنان ، إذًا كان يراقبها اليوم لذلك عرف أنها خرجت ورائها ! حصل آدم على إجابته من صمتها فقال باسمًا بغضب ملحوظ على فريدة :
_أنا كدا شبه اتأكدت من شكوكي ، هنتكلم تاني وتحكيلي كل حاجة عشان بس لا المكان ولا الوقت مناسب .. تعالي يلا نرجع جوا سارت معه للداخل وهي شاردة الذهن وقد بدأ الوضع يزداد تعقيدًا في عقلها ، هي نفسها تجد بعض الخيوط ناقصة .. مثلًا منذ متى وهي في هذه العلاقة المحرمة ؟ .. كيف تمكنت من خداع الجميع هكذا وفي مقدمتهم عدنان ؟! .. لماذا فعلت هذا ؟!
كانت في طريقها لمراقبتها حتى تكتشف إحدى مكائدها وتفضحها فتنتقم منها ومن عدنان ، لكن بعد ما عرفته أصبحت مشفقة عليه ! .. وعلى مشاعره الصادقة الذي اهدرها عبثًا بمن لا يستحق . *** عادت أخيرًا إلى المعرض وكانت نظرات جميع العائلة معلقة عليها بعضهم حيرة والبعض الآخر غضب وسخرية ، وجدت يد تقبض على ذراعها وتجذبها للخارج في عنف ، لم تكن بحاجة للنظر حتى تتأكد أن الفاعل هو عدنان . أوقفها بالخارج وصاح بها منفعلًا : _كنتي فين ؟
فريدة بنبرة مرتبكة : _كــنـت... طلعت اجيب حاجة كنت محتجاها ورجعت تاني ياعدنان _انتي هتستعبطي حاجة إيه دي اللي بتشتريها دلوقتي هذه المرة لم تصدمها طريقته التي أصبحت أكثر قسوة بقدر ما اخافتها حيث ردت عليه بعينان دامعة: _في إيه ياعدنان .. إنت اتغيرت معايا جدًا ! ابتسم بنظرة مميتة لا تحمل أي من نظرات الدفء والحب التي اعتادت على رؤيتها في عيناه .. وانحنى عليها هامسًا بنبرة مرعبة :
_أنا وإنتي عارفين كويس أوي مين اللي اتغير .. وصدقيني لو طلع اللي في دماغي صح مش هرحمك ، والمرة دي الحب اللي بينا مش هيشفعلك بأي حاجة ، بل صدقيني هدوس عليه وعلى قلبي برجلي لم ترد والتزمت الصمت ، تتطلع إليه منذهلة من تحوله الجذري ، كيف تمكن من أن يكون قاسيًا تجاه حبه لها بكل هذه السرعة والسهولة ! .. بينما هي تقف ترمقه صامتة خرجت صيحة عنيفة منه وهو يقول :
_صابر مستنيكي برا .. هياخدك ويوديكي البيت ورجلك لو عتبت برا عتبة البيت بس هتتكسر يافريدة أحست هذه المرة بأن دموع صادقة تجمعت في عيناها لكنها شدت على محابسهم واستدارت بصمت متجهة للخارج تمامًا حيث ينتظرها " صابر " كما اخبرها . *** في مساء اليوم .....
يجلس في الشرفة الخارجية بالصالون على مقعد هزاز ، ضوء القمر ينعكس على ظلام الشرفة فيضيئها والرياح الباردة تلفح صفحة وجهه وشعره الغزير ، والأشجار تتمايل يمينًا ويسارًا بفعل حدة الرياح .. كانت أجواء باردة وقاسية قليلًا تمامًا كقلبه ، لم يعد يعرف على ماذا يجب أن يثبت كامل تركيزه .. على صديقه الذي يخونه بعمله ، أم على زوجته وحبيبته التي لم يعد يشعر أنها باءت هكذا .
كلما يستعيد ذكرياتهم في الفترة السابقة ويعيد التركيز على تصرفاتها كيف كانت ، يزداد اليقين في نفسه الثائرة .. تغيرها الدائم ونفورها من لمساته أو ربما تهربها تمامًا منه ، خروجها لأسباب واهية لم يكن ينتبه لها في بادئ الأمر ويترك لها كامل حريتها لثقته العمياء بها ، محادثتها التليفونية الليلية وتوددها في الهاتف !
.. فلو علمت الآن بكم الأعصار المدمرة التي تعصف في ثناياه لخشيت على نفسها ، لكم يود أن يذهب لها الآن ويفرغ بها كامل شحنة غضبه العاتية . يبلغ قصاري جهده في تمالك ثوراته العمياء حتى لا يؤذيها ، على أمل أن يكون مخطأ ويصبح هو الظالم .. بل يتمنى أن تكون هي على حق وهو مخطأ بحقها . كانت جلنار تقف بالمطبخ تقوم بتحضير فنجان من القهوة له ، بعد تردد لدقائق طويلة وهي كامنة بغرفتها ، تسأل نفسها بحيرة .. أفعلها أم لا ؟!
.. لن أفعلها ! .. وبالأخير هتفت حسنًا سأفعلها ! منذ عودتهم من الأفتتاح وهو يجلس بسكون هكذا في الشرفة حتى أن هاتفه يتركه على الوضع الصامت غير عابئًا باتصالاته الكثيرة والتي في مقدمتهم اتصالات والدته .. كلما تتذكر ما عرفته بالصباح تستاء من تلك الحقيرة وتضحك في سخرية بنفس اللحظة .
لا يمكنها أن تكون سيئة لهذه الدرجة حتى تشمت بوضع كهذا ، بل بالعكس هي أكثر من ناقمة على تلك المرأة المليئة بالقذارة ، لكن بطبيعة الأنسان الفطرية هناك جزء من داخلها يشعر بالنشوة لحكمة القدر ، وكأن القدر يأخذ حقها دون أن تبذل أقل مجهود حتى .. يبدو أنها لن تحتاج لتشعره بما شعرت به طوال السنوات السابقة ، فخيانة زوجته ستكون كافية وزائدة عن اللازم .
تنهدت الصعداء بقوة ثم سارت بفنجان القهوة للخارج متجهة نحوه .. كانت ترتدي منامة منزلية قصيرة قليلًا بحاملات عريضة بعض الشيء وتنزل بفتحة مثلثية متوسطة عند منطقة الصدر . وقفت بجواره ومدت يدها بالقهوة له فرفع نظره إليها وبتلقائية نزل لملابسها يتفحصها في نظرة دقيقة ، فليست من عادتها أن ترتدي مثل هذه المنامات بالمنزل ، لكنه لم يعقب وتصنع التجاهل ثم مد يده والتقط الفنجان من يدها هامسًا بنبرة عادية : _شكرًا ياجلنار
لم ترد وجذبت أحد المقاعد المجاورة لتجلس على مقربة منه وتقول بخفوت: _أنا هاخد هنا ونروح نقعد يومين عند خالتو انتصار رفع الفنجان لفمه وارتشف منه بتريث ثم رد عليها بلهجة صارمة لا تقبل النقاش : _لا اغتاظت من أسلوبه فقالت بحدة وغضب: _أنا مش بشاورك على فكرة .. أنا بعرفك رمقها بنظرة مميتة اربكتها قليلًا ثم رد بهدوء مريب ينهي هذا الحوار قبل أن يأخذ منحنى لن يحبذه : _ادخلي الجو برد .. أو روحي نامي هيكون أفضل
التهبت عيناها وبقت تحدقه بعين نارية كلها غل وغيظ ، وبداخلها تلعن نفسها التي ذهبت واشفقت عليه وقامت بعمل القهوة ، بل حتى هو يستحق ما فعلته فريدة به .. خرجت همسة مسموعة ومحتدمة منها وهي تقول : _تستاهل أكتر من كدا كمان سمع همستها فالتفت برأسه نحوها وقال بعدم فهم رافعًا حاجبه : _استاهل إيه ؟! ثارت واقفة وهتفت : _كل حاجة ياعدنان كل حاجة ابعدت المقعد من طريقها وهمت بالانصراف لكن كل الظروف تقف ضدها حتى قدمها !
، التي التوت ففقدت السيطرة على توازنها وارتدت للخلف ، نسى تمامًا هو فنجان القهوة الموضوع بجواره على حافة المقعد ، وفرد ذراعه يلفه حول خصرها يجذبها إليه قبل أن تسقط ، وفي تلك الأثناء التي كان يحاول أن يحميها من السقوط ، وقعت القهوة الساخنة فانسكبت كلها على ملابسه وجسده .. وغزة بسيطة صابته من شدة حرارتها وبمجرد ما عادت هي لتوازنها وأدركت ما اقترفته فشهقت بهلع وانحنت عليه تسأل سؤال سخيف لا يجب سؤاله بموقف كهذا :
_القهوة ادلقت عليك .. اتحرقت مش كدا ؟ رد عليها شبه منفعلًا وهو يستقيم واقفًا : _أكيد اتحرقت القهوة لسا سخنة ، ابعدي
عبر ودخل إلى الداخل ورفع يديه لأعلى عند ياقة تيشرته ينزعه عنه من الاعلى ويلقيه بعشوائية .. بينما هي فهرولت للغرفة حتى تجلب له مضاد للحروق ، بحثت بالإدراج في تلهف حتى عثرت عليه فخرجت وعادت له فورًا شبه راكضة فوجدته جلس على الأريكة وينظر لمكان الحرق .. أسرعت وجلست بجواره تبعد يده عن منطقة الحرق التي كانت أعلى البطن بالقرب من صدره ، وهتفت بقلق : _ابعد إيدك هحطلك من المرهم ده عشان الالتهاب ميزدش
رفع يديه دون أن يتفوه ببنت شفة وتابعها وهي تفتح العلبة الصغيرة وتضع مرهم بحجم عقلة اصبعها ثم وضعته على جسده وهي تمرر اصبعها بحركة دائرية على المنطقة الحمراء بفعل الالتهاب ، رفعت نظرها له وسألت بعين تعتذر لما سببته : _بتألمك جامد ؟ _أيوة ياجلنار إنتي بتسألي أسئلة ذكية أوي ، قهوة سخنة وادلقت عليا فكرك هتكون بتألمني ولا لا !! زمت شفتيها بضيق من انفعاله عليها وصاحت :
_وانتي بتكلمني كدا ليه أنا مالي .. هو أنا اللي قولتلك امسكني رفع حاجبه مستنكرًا ردها بدلًا من أن تشكره تنكر جميله .. رد عليها بابتسامة ساخرة : _صح عندك حق .. انا غلطان كان المفروض اسيبك تقعي وتتكسر رقبتك جلنار بمضض وخنق من أسلوبه: _خلاص أنا آسفة معلش اللي حصل بسببي
لم يعقب فقط رمقها بصمت وتابعها وهي تكمل ما بدأت به للتو ، لحظة واثنين حتى غاص متأملًا إياها .. لون شعرها المتغير الذي يميل للكستنائي ، لاحظه منذ أن رآها في أمريكا ولكنه لم يعقب وبكل مرة يقرر بأن يسألها متى غيرت اللون لا تسمح الفرصة بسبب شجارتهم الدائمة منذ عودتهم ، هذا اللون يليق بها بشكل مثير ، يجلعها تمامًا كشمس الصباح المشرقة ، حين تكون دافئة ومتوهجة بنفس اللحظة . خرجت همسة خافتة منه وهو يبتسم بنظرة إعجاب:
_غيرتي لون شعرك لما كنتي في أمريكا ردت عليه باقتضاب : _امممم وياريت بلاش تعليق سخيف أو ..... توقفت عن استرسال الحديث حين وجدته يمد أنامله ويبعد خصلاتها المتمردة من أمام عيناها ويتمتم بنظرة لئيمة مبتسمًا : _Very exciting ( مثير للغاية ) ارتفع حاجبها بدهشة من رده غير المتوقع ، أليس تغزله بها شيء يدعى للذهول !! ابتسمت وقالت بازدراء : _لولا إن القهوة ادلقت على بطنك كنت قولت حاجة تاني .. إنت متأكد إنك تقصدني أنا !
أصل .... قاطعها للمرة الثانية وهو ينحنى عليها ويمد يده خلفه ليجذب التشيرت ، لوهلة ظنته سيقبلها لكنها حمدت ربها أنه لم يفعل ، توقف أمام وجهها قبل أن يبتعد وقال بلهجة حازمة ومغتاظة منها : _تصبحي على خير يارمانتي وقبل أن يستقيم واقفًا خطف قبلة من جانب ثغرها ثم توقف وسار متجهًا نحو الغرفة ، ظلت مكانها تحاول استيعاب ما قاله وما فعله حتى هتفت بعفوية ساخرة : _هو في إيه .. ماله ده !!! ***
توقف بسيارته أمام إحدى المقاهي ونزل منها ثم قاد خطواته إلى الداخل ودار بنظره بين الجميع بحثًا عنها حتى وجدها تجلس بالقسم الثاني من المقهي المقابل للنيل على أريكة متوسطة الحجم مقابلة للماء .. تعرف عليها من شعرها وظهرها فتنهد بارتياح ، وفي تلك اللحظة دوى صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على الهاتف وعيناه معلقة عليها: _أيوة ياخالتو ميرفت بصوت مرتعد : _طمني يا آدم لقيتها غمغم بصوت رجولي خافت : _لقيتها متقلقيش اهي قدامي
ميرفت برجاء : _طيب متتأخرش يا آدم لأحسن أنا مش قادرة أقف على رجلي من الخضة ، هاتها وتعالو علطول _حاضر مش هنتأخر متخافيش انهى الاتصال معها ووضع الهاتف في جيب بنطاله مرة أخرى ، ثم تحرك باتجاهها في خطوات متريثة وعند وصوله إليها توقف للحظات خلفها ينظر إليها من الخلف ، كانت شاردة الذهن تتطلع للماء بعينان تائهة وبائسة .. مسح على وجهه بعبوس ، بات ناقم على نفسه المتسببة فيما وصلت إليه . تحرك وجلس بجوارها ليخرج صوته الرزين
وهو يحدق في الماء مثلها : _العزلة مش هتفيدك بالعكس بتأذي أكتر صابتها نفضة بسيطة بخضة عندما سمعت صوته ورأته بجانبها .. متى جاء وكيف عرف مكان تواجدها ؟! ، سؤالان طرحتهم في وقت واحد بعقلها ! .. ابعد هو نظره عن الماء والتفت إليها برأسه مسترسلًا حديثه بنظرة ذات معنى ونبرة مهتمة :
_هتفضلي تفكري في الحاجة اللي مضايقاكي اكتر واللي هيحصل إن الحزن هيفضل ملازمك .. ارمي الشيء اللي مضايقك يازينة ورا ضهرك ، صدقيني طالما مسبب ليكي الألم ده يبقى ميستاهلكيش ، ومفيش حاجة تستاهل إن ابتسامتك الجميلة تختفي من على وشك لمعت عيناها وتلألأت الدموع فيهم وهي تحدق به بقلب منكسر ، يتحدث كأنه يعرف بكل شيء .. لكنه أصاب الهدف تمامًا بكلماته ، شعرت بدموعها على وشك الانهمار فالتفتت برأسها تجاه البحر مسرعة تهرب بنظراتها
منه هامسة ببعض الاضطراب : _هو إيه ده اللي ميستاهلنيش ! _اللي مضايقك رمقته بنظرة طويلة .. نظرة عاجزة ومنطفئة ، وعينان دامعة تتحدث عن الآم قلبها المعذب بنار الهوى .. هذه المرة لم يبعد نظره عنه كالعادة بل ظل مثبتًا عيناه عليها يحاول إخبارها من خلالهم ( أجل أنا هو الذي اقصده .. لا استحقك ، بل تستحقين الأفضل مني ) اشاحت بوجهها مرة أخرى وهتفت بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا : _عرفت إزاي إني هنا ؟! آدم ببساطة : _تخمين
عندما لم تجب عليه استكمل هاتفًا بجدية : _مامتك كانت هتتجن من القلق والخوف عليكي ، كان على الاقل ردي عليها وطمنيها يازينة _أنا فاكرة إنها لسا في المعرض أو راحت عندكم عشان كدا عملت الفون صامت استقام على قدميه وقال بخشونة : _طيب يلا قومي عشان نروح البيت وتطمن عليكي زينة بصوت رقيق ورفض خافت دون أن تنظر له : _امشي أنت يا آدم وأنا هروح وحدي متقلقش عليا
لم تسمع منه أي رد فقط ظل واقفًا بصمت واضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله ، وحين رفعت نظرها إليه ورأت نظرته الصارمة .. تنهدت بيأس وفهمت أن لا مجال للجدال معه ، فجذبت حقيبتها واستقامت واقفة ثم سارا معًا للخارج .. وعند وصولهم أمام السيارة توقفت والتفتت له بنصف جسدها هاتفة باعتذار لطيف : _عارفة إني مفيش عذر كافي لغيابي عن الافتتاح النهارده بس ..... قاطعها مبتسمًا في تفهم وبدفء وهو يفتح لها مقعد السيارة الأمامي المجاور لمقعده :
_ولا يهمك أنا متفهم الوضع .. يكفي وقفتك معايا طول التجهيزات طالعته وشفتيها مالت لليسار قليلًا في ابتسامة عابسة قبل أن تستقل بالسيارة ثم اغلق هو الباب والتفت من الجهة الأخرى وفتح باب مقعد القيادة واستقل بجوارها منطلقًا بالسيارة في طريق منزل خالته . *** في صباح اليوم التالي ...... عدة طرقات منخفضة على الباب بفعل يدها الصغيرة ، لكن لا يوجد إجابة من والديها !
.. ظلت واقفة أمام الباب وهي تزم شفتيها بعبوس وتفكر بتردد اتفتح الباب وتدخل أم تستمر في الطرق إلى أن يستيقظوا ، لكن بفطرة الأطفال في عدم الصبر قررت أن تدخل .. وقفت على أطراف أصابع قدمها ومدت يدها لمقبض الباب وفتحته ببطء وحذر .. أدخلت رأسها فقط من خلف الباب تلقى نظرة عليهم فوجدتهم نائمين بعمق في الفراش .. والدها ينام على ظهره واضعًا كفه أسفل رأسه بوضيعة نومه المعتادة ، وأمها تنام على آخر الفراش مولية ظهرها لأبيها .. ابتسمت بخبث طفولي واندفعت نحو الفراش وصعدت عليه واستقرت في المنتصف بينهم ثم اقتربت من
والدها وقالت بصوت منخفض : _بابي لم يستيقظ فمدت كفيها الصغيرتين ووضعتهم فوق صدره تهزه برقة متمتمة: _بابي .. بابي اصحى فتح عيناه تدريجيًا وبمجرد اتضاح صورتها كاملة أمامه ابتسم بحب واعتدل في نومته ثم انحنى عليها لاثمًا وجنتها متمتمًا بصوت مازال يحمل أثر النوم: _صباح الورد يا هنايا ضحكت لأبيها بحب مماثل وقالت : _اتأخرت على الشغل اتسعت ابتسامته وفغر عيناه بدهشة مصطنعة واردف : _بجد هي الساعة كام !
التقط هاتفه وتفقد الساعة فوجدها السابعة صباحًا عاد يجيب عليها غامزًا : _لسا بدري يالئيمة إنتي عايزة تمشيني ولا إيه ؟! هزت رأسها بالنفي واقتربت منه تهمس في أذنه مبتسمة في دلال طفولي لا يقاوم : _خدني معاك يابابي _اخدك معايا الشغل !! اماءت له بالموافقة وهي تطالعه بعينان لامعة كلها تشويق وحماس ، فرد عليها بحنو ابوي : _مش هينفع ياملاكي .. أنا هكون مش فاضي ومش هعرف اخد بالي منك هتفت هنا مسرعة بتوسل وعينان
تحاول اتسعطافه من خلالهم : _هسمع الكلام وهفضل قاعدة ساكتة جمبك اطال النظر إليها فزمت هي شفتيها بحزن ويأس إلى أن وجدته يضحك ويقول مستسلمًا بغمزة مشاكسة : _بتعرفي تثبتيني إنتي ياقردة .. خلاص من غير زعل هاخدك وثبت فوق الفراش بسعادة غامرة صائحة وهي ترتمي على أبيها عاقدة ذراعيها الصغيرة حول رقبته: _هييييه يعيش بابي تعالت صوت ضحكته الرجولية وهو يلف ذراعه حولها ضامًا إياها إليه .
فتحت جلنار عيناها على أصواتهم وقبل أن تلتفت بجسدها ناحيتهم نزلت بنظرها تلقائيًا إلى الفراش النائمة فوقه ، كيف جاءت هنا هي تتذكر جيدًا أنها ليلة أمس نامت بجوار ابنتها في غرفتها حتى لا تكون معه بغرفة واحدة .. ثم رفعت جزء من الغطاء ونظرت للداخل فإذا بها تجد أن حتى ملابسها ليست التي كانت ترتديها بالأمس ! ، اشتلعت عيناها بعد جالت بعقلها عدة أفكار جعلتها تتحول لجمرة من النيران الملتهبة .. وثبت جالسة فجأة والتفتت نحوهم ،
صائحة بغيظ : _عدنان ابتعدت هنا عن أبيها وحدقت بأمها في استغراب بينما هو فلم يستغرق الموقف أكثر من ثانية ليدرك سبب اشتعالها ، أجابها ببرود مجاهدًا في إخفاء ابتسامته : _صباح الخير يارمانتي ! عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!