انقبض قلبها وبدأ الخوف يتسلل لقلبها وزاد تدفق هرمون الادرينالين في جسدها حيث اندفعت تبحث عنها في باقية المنزل وهي تصيح بارتعاد : _هنا .. هنا !!! بينما هي تمر من جانب الشرفة لمحت شيء بالحديقة ، فعادت مرة أخرى ونظرت من النافذة وإذا بها تجد ابنتها مع حاتم ويلعبون معًا ، أصدرت تنهيدة حارة بارتياح ثم ابتعدت عن الشرفة واتجهت لتغادر المنزل بأكمله وتقترب منهم وهي على وجهها ابتسامة معاتبة فنظر لها حاتم وقال بإحراج:
_عارف إننا اتخانقنا إمبارح .. أو هي متعتبرش خناقة بس حبيت أجي واعتذر منك لو ضايقتك ضحكت باستهزاء ثم اقتربت ونكزته في كتفه وهي تقول بمداعبة : _مفيش زعل بينا ياحاتم ، مقدرش ازعل منك أصلًا ..ثم انك فسرت نظرتي غلط أنا ببصلك كدا لأنك جيت ومصحتنيش واخدت " هنا " وبتلعبوا انت وهيا هنا وأنا لما صحيت وملقتهاش جمبي اتخضيت غمز لها بعيناه في مغازلة صريحة وهمس : _سلامتك من الخضة ياجميل أنت !
كبحت ابتسامتها الخجلة من الظهور وضربته على ذراعه بخفة تهتف في جدية شبه مصطنعة : _احترم نفسك خرج صوت هنا وهي تقول بتذمر : _ماما أنا جعانة انحنت عليها جلنار وطبعت قبلة على شعرها وهي تهتف بحنو امتزج بالمزح : _حاضر ياحبيبتي هروح احضر breakfast بس عمو حاتم مش هيفطر معانا احتجت الصغيرة وتشبثت بقدم حاتم وهي تقول بغضب : _لا هيفطر معانا قهقه حاتم وقال ضاحكًا :
_ظهر الحق .. عشان بتأجي عليا ياظالمة ده أنا حتى غلبان .. اخص على الندالة اخص ، هي مفيش غير البنت هنا دي حبيبتي ثم رفعها من على الأرض وحملها ليلثم وجنتها بحب فتتعالى ضحكات جلنار وتتركهم وتتجه للداخل حتى تقوم بتحضير الفطار بينما حاتم نظر لهنا وقال يترقب : _يعني إنتي عايزاني أقعد هزت رأسها بإيجاب في ابتسامة جميلة فيقول هو بحزن مزيف : _انا بقول امشي افضل بكرامتي لاحسن مامتك تطردني ظهر الغيظ على ملامح هنا الطفولية
لتقول بلهجة مثيرة للضحك : _مش تمشي ياعاتم حاتم : _عتمتيني ليه يا ام لسان مقطوع .. عارفة يابت ما اسمعك بتقوليلي عاتم تاني لامسكك السلك عريان أخفت هنا ضحكتها الخجلة بكفها وهي تضحك على سخطه ونطقها الخطأ لاسمه . *** كان كل من آدم وأسمهان يجلسون على مائدة الطعام والصمت يغلف المكان من حولهم إلا عند نزول فريدة من غرفتها وهي ترتدي ملابسها تستعد للخروج ، فنظرت لها أسمهان باستغراب فتقول فريدة بابتسامة صفراء بعض الشيء :
_أنا خارجة هشتري كام حاجة وراجعة بسرعة ياماما أسمهان بتعجب: _مش هتفطري طيب ياحبيبتي ! _لا لا مش جعانة لما ارجع هبقى أكل ثم اندفعت مسرعة إلى خارج المنزل مما جعل أسمهان تحدق بها بريبة ، أما آدم فهتف ببرود وهو يلقي بقطعة خيار في فمه : _مش ملاحظة إن خروج فريدة زاد أوي الفترة دي ، وكل مرة بتخرج لنفس السبب .. هو عدنان عارف بخروجها المستمر ده !!
رمقته أسمهان بتهكم ولم تجيب عليه بينما هو فاستكمل أسألته وهو يطرح هذه المرة السؤال بخصوص زوجة أخيه الثانية : _لسا مفيش أخبار عن جلنار وهنا أسمهان بصيحة عنيفة : _متجبليش سيرتها يا آدم .. أنا مش ناقصة حرقة دم على الصبح ابتسم بسخرية وهب واقفًا دون أن يكمل طعامه ثم قال بنظرة مميتة :
_هتفضلي كدا دايمًا يا أسمهان هانم مش بتقتنعي غير باللي على مزاجك .. ولعلمك بقى فريدة فيها حاجة مش مظبوطة وصدقيني لو طلع اللي في دماغي صح مش هسكت *** انتهت كل حلوله للوصول إليها ولم يعد يعرف كيف يصل إليها بعد محاولات لا تعد من كثرتها وجميعها باتت بالفشل .
وقرر بالأخير أن يلجأ للورقة الأخيرة وهي صديقتها المقربة لعلها تكون تعرف مكانها وتخبره ، ترجل من سيارته أمام مقهى صغير ومعروف ملكًا لها ثم قاد خطواته إلى الداخل ووقف بين الطاولات ينقل نظره بين الجميع يبحث عنها .. حتى وجدها تقف مع أحد العاملين بالمكان ، فتحرك نحوها حتى وقف خلفها وهتف بصوت رجولي قوى: _ازيك يا هبة التفتت بكامل جسدها للخلف مفزوعة على أثر الصوت وبمجرد ما وقعت عيناها عليه تمتمت بدهشة : _عدنان !
_أنا كنت جاي اسألك لو تعرفي حاجة عن جلنار ، هي ملهاش اصدقاء غيرك تقريبًا ارتبكت بشدة وهمت بالابتعاد عنه وهي تقول بعجلة : _معرفش حاجة عنها أمسك برسغها قبل أن تذهب وقال بحدة : _هبة إنتي قريبة من جلنار جدًا وأكيد هتكون قالتلك حاجة قبل ما تختفي أو يمكن لسا بتتواصل معاكي كمان حاولت إفلات يدها من قبضته وهي تقول باضطراب: _قولتلك معرفش عنها حاجة ياعدنان ، وسبب إيدي لو سمحت
التفت عدنان برأسه ينظر للزبائن التي بدأت تلاحظ الوضع المشحون بالتوتر بينهم فجذبها من ذراعها عنوة إلى خارج المقهي وهتف بشبه صيحة وهو يضغط على ذراعها بقوة: _قولي اللي تعرفيه ياهبة تأوهت بألم وقالت بسخط ونبرة مرتفعة : _سيب إيدي أنت اتجننت !! ترك يدها ورفع كفيه لأعلى كدليل على أنه لن يلمسها مجددًا ثم قال بنظرات مشتعلة : _اديني سبتها أهو .. يلا اتكلمي أجابته بنظرات مستاءة وهي تدلك ذراعها موضع قبضته المؤلمة عليه :
_معرفش غير إنها برا مصر وهي مقالتش ليا حاجة غير ده وآخر مرة أشوفها أو اكلمها كان قبل ما تسافر ومن وقتها معرفش عنها حاجة ..خلاص عرفت وياريت بقى متجايش تاني الكافيه عندي ثم تركته ودخلت إلى المقهى مرة أخرى ، بينما هو فأخذ يطرح الأسئلة على ذهنه بحيرة ودهشة .. كيف خارج مصر ، وهي ليس لها أثر في سجلات المطار نهائي ؟ ***
وقفت أمام المعرض مترددة .. اتستمع لنصيحة خالتها أم تستدير وتعود مرة أخرى من حيث أتت ، رؤيتها له تثير الكثير من العبث في نفسها المتيمة به . منذ سنين وهي تعاني من عذاب الهوى ، ولا تتمكن من الاعتراف أو حتى الأقتراب منه .. كلما تأخذ خطوة وتبرر أنها ستتقرب منه أكثر لعله يشعر بمشاعرها تجاهه خجلها يرجع بها للخلف ألف خطوة ، لكنها هذه المرة عزمت على أن تتخلي عن هذه الخجل أو ربما القليل منه !
رأته وهو يخرج من المعرض فارتبكت واستدارت فورًا متخلية عن قرارها ولكن صوته الهادئ وهو ينده عليها جمدها بأرضها : _زينة ! لعنت نفسها ألف مرة وهمست بندم : _يارتني ما سمعت كلامك ياخالتو أخذت نفسًا عميقًا ثم استدارت له مرة أخرى. بجسدها وانتظرته حتى اقترب ووقف أمامها لتهتف متلعثمة كالعادة : _أااصل ..أصل أنا كـ.. كنت معدية بالصدفة من قدام المعرض وقولت ادخل اسلم عليك بس خوفت تكون مش فاضي ولا حاجة فكنت هرجع تاني
أجابها آدم ضاحكًا : _لا فاضي .. تعالي ادخلي هفرجك على التجهيزات اللي خلصت ونقعد نشرب فنجانين قهوة مع بعض زينة بابتسامة متوترة : _مبحبش القهوة ! آدم : _خلاص هنشرب شاي يازينة .. ادخلي يابنتي مالك متصنمة كدا ليه ! سارت معه للداخل باستحياء ثم بدأ هو يعرض عليها ويريها كل مكان بالمعرض وكل لوحة سيتم عرضها وهي تتابع فقط بصمت وتكتفي بكلمة واحدة على كل شيء تراه من فرط خجلها ( جميلة !
لم يكن آدم بأحمق حتى لا يفهم مشاعرها تجاهه ولكنه كان يتصرف بطبيعية تمامًا وكأنه لا يدري بأي شيء . *** في أمريكا ....
غربت الشمس وحل الظلام وكانت جلنار تجلس مع ابنتها على الأريكة أمام التلفاز يشاهدون أحد أفلام الأطفال المحببة لهنا .. لكنها لم تكن في حالتها المعتادة عندما تشاهد هذا الفيلم ، حيث كانت تجلس بجوار والدتها وتضع كفها أسفل وجنتها وعيناها معلقة على التلفاز دون أن تظهر أي تعبير وجه أو تفاعل ، فقط العبوس يستحوذ عليها .
كانت جلنار تلقى نظرة عليها كل آن وآن ، قلبها يتمزق ألمًا كلما تراها حزينة هكذا من فراق أبيها وشوقها له ، وبنفس اللحظة تخشي أن تتصل به فيعرف مكانهم .. الهروب ليس من شيمها أجل لكن حين يتعلق الأمر بصغيرتها هي على استعداد أن تفعل أي شيء من أجلها . حين يتصرف الولدين بأنانية وعدم حكمة ورزانة يكون الضحية الوحيدة بينهم هو الطفل .
وهذا ما حدث بالضبط .. كل منهم فكر في طريقة تروق له حتى يكون مع صغيرته ولم يفكروا بماذا تريد هي ، وكانت النتائج هكذا ، تجلس الطفلة حزينة تعاني من اشتياقها لأبيها ولا تقوى على فعل شيء سوى الاستماع لحجج والدتها الواهية في غياب أبيها عنهم وابتعادهم عن منزلهم لكل هذه الفترة الطويلة ! تنهدت جلنار بعدم حيلة واقتربت من ابنتها تقول بخفوت : _هنا .. هنكلم بابا بس بشرط تهللت أساريرها فورًا وقالت بفرحة غامرة : _إيه هو ؟
_مش هنقوله احنا قاعدين فين .. لأن كدا المفاجأة اللي احنا عاملينها ليه هتبوظ هنا باستغراب : _مفاجأة إيه ؟ أجابت جلنار بابتسامة عذبة: _مش بابا عيد ميلاده قرب احنا هنعمله مفاجأة حلوة وهنرجع البيت في يوم عيد ميلاده عشان يتفاجيء بينا ، لكن لو قولناله مكانا هياجي هو والمفاجأة هتبوظ وثبت الصغيرة فرحًا على الأريكة بمجرد سماعها لجملة والدتها حول عودتهم القريبة إلى منزلهم الأصلي وقالت بإيجاب في ابتسامة ماكرة وهي تغمز لها :
_مش هنقوله أمسكت جلنار بهاتفها وطالعت صغيرتها بابتسامة متوترة ، بدأت دقات قلبها تتسارع وصوت بعقلها يلح عليها بطريقة مرهقة للأعصاب ( تراجعي لا تفعليها !! .. ستندمين صدقيني ) ، كانت على وشك التراجع بالفعل لكنها لم تفعلها على آخر لحظة فقط من أجل صغيرتها التي تتحرق شوقًا لمحادثة والدها بعد غياب شهرين ، وربما حتى هي التفكير بأنها ستحادثه بعد كل هذا الغياب أربكها .
كان عدنان بمكتبه الخاص في المنزل يمسك بصورة لابنته يحدق بها في أسى وشوق ، ثم رفعها لشفتيه وقبلها بحنو وقد لمعت عيناه بالدموع .. كانت دمعة تقف على أعتاب جفنيه وما منعها من النزول سماعه لصوت رنة مميزة خرجت من هاتفها ، كانت رنة أحد تطبيقات السوشيال ميديا ، ضيق عيناه بريبة وأمسك بالهاتف يحدق في اسم المتصل بدهشة حيث كان الملف الشخصي الخاص بزوجته ، رفرف قلبه بتلهف امتزج بالغضب المدمر وأجاب فورًا بصوت جهوري :
_جلنار أااا ... توقف عن الكلام ودخلت السكينة لصدره وكأن الحياة أعطته فرصة جديدة ليحيا وهو يستمع لصوت فتاته وهي تهتف بفرحة: _وحشتني أوي يابابا لاحت الابتسامة الأبوية والحانية على شفتيه ليحيبها بصوت ضعيف بعد أن تلألأت العبرات في عينه: _وإنتي كمان ياهنايا وحشتيني أوووووي .. عاملة إيه ياقلب بابا .. إنتي كويسة ؟ أخذت جلنار الهاتف من على أذنها وضغطت على زر فتح محادثة الفديو ثم أعطتها الهاتف مرة أخرى
وهمست في أذنها بصوت منخفض: _قوليله افتح الفديو يابابا قالت هنا بحماس طفولي وصله في صوتها تردد ما قالته لها والدتها: _افتح الفديو يابابا
انزل الهاتف من على أذنه فور سماعه لجملتها وضغط هو الآخر على زر محادثة الفديو فانفتح الفديو .. رأى صغيرته وهي تحدق بشاشة الهاتف التي تراه فيها وهي تضحك بسعادة فاتسعت ابتسامته أكثر ، وكانت جلنار تجلس بجانب صغيرتها تتابع انفعالات وجهه ، لوهلة شعرت بالندم الحقيقي والإشفاق على وضعه ، ترك لحيته حتى نموت وكبرت وظهرت الهالات السوداء أسفل عيناه التي توضح عدم نومه المنتظم من فرط التفكير والحزن .
لكنه لا يزال تمامًا كما اعتادت أن تصفه كالعُقاب قوى في نظراته وصلب وشامخ حتى في أشد لحظات ضعفه ، ولطالما كانت ترى عيناه الواسعة تشبه عيني العُقاب في حدة نظرها وفي لونها البنى الغامق وحاجبيه المقطبين مما يعطيه مظهرًا رجوليًا مثيرًا . هتف عدنان بتلهف : _إنتوا فين ياحبيبتي ؟ _مش هينفع عشان المفاجأة _مفاجأة إيه ؟! نظرت هنا لأمها التي هزت سبابتها ورأسها بالنفي تحذرها من أن تخبره بشيء ، لاحظ عدنان وجود جلنار بجانب ابنته
فقال بصوت غليظ ومستاء : _اديني ماما يا هنا حولت شاشة ناحية أمها فانتفضت جلنار فورًا من مكانها تبتعد عن الكاميرا ثم جذبت الهاتف من يد ابنتها واخفت الكاميرا بكفها فسمعت صوته الخشن وهو يحاول تمالك أعصابه حتى لا تسمعه ابنته ويقول بلهجة صارمة : _ابعدي ايدك من على الكاميرا ياجلنار
هبت جلنار واقفة واتجهت إلى الغرفة وأشارت لأبنتها أن تنتظرها بمكانها وستعود لها ، أغلقت الباب وازاحت يدها من على الكاميرا ولكنها أبعدت الهاتف من أمام وجهها وقالت بصوتها الرقيق المعتاد : _انا اتصلت بس عشان هنا .. كانت زعلانة وعايزة تشوفك وتكلمك لأنك وحشتها _اخدتي بنتي ورحتي بيها فين ؟ كان سؤال صريح ومحتدم منه لتجيبه هي بهدوء مستفز: _والمفروض إني اقولك عشان تاجي وتاخدها مني زي ما اتفقت مع بابا سمعت صيحته العالية
التي خرجت من سماعة الهاتف: _مش إنتي رغبتك كانت الطلاق وصمتتي عليه .. كنتي متوقعة إني هسيبلك بنتي انفعلت هي الأخرى لتصرخ به في عصبية : _دي مش بنتك وحدك .. دي بنتي أنا كمان ، وأنا أمها ومن حقي تعيش بنتي معايا خصوصًا وهي في السن ده استشاط غيظًا وصرخ بها مغتاظًا : _جيبي الزفت التلفون ده على وشك مش بكلم نفسي أنا عدلت الهاتف ووجهت الكاميرا على وجهها لتصيح به في وجه أحمر من فرط الغيظ : _متزعقليش فاهم ولا لا
تمعن للحظات في صورة وجهها الظاهرة أمامه في الهاتف وشعرها الناعم الذي ينسدل على كتفيها بانسيابية ووجهها الأبيض البريء والجميل ، وبعد أن امتصت رؤيته لها غضبه عاد يظهر على ملامحه من جديد وهو يهتف بنظرة نارية بعد أن وقعت عيناه على شفتيها المزينة بأحمر شفاه من اللون البنفسجي : _حاطة الروج ده ليه ! قالت بقرف وهي تقصد إشعال نيرانه أكثر : _عشان بخونك خرجت صيحة عنيفة منه كانت كافية لتوضح أنها نجحت بكلمتين فقط أن تثير جنونه:
_جـــلـــنـــار صاحت هي الأخرى باندفاع : _في إيه !! .. مش لما تسأل أنت الأول أسئلة منطقية هبقى ارد عليك كويس مسح على وجهه وهو يتأفف بقوة وبنفاذ صبر ليسأل للمرة الثالثة على التوالي: _آخر مرة هسألك .. إنتي فين ؟ جلنار بعناد وبنظرة متشفية: _مش هقولك ياعدنان وخليك كدا عشان تجرب الاحساس اللي كنت هتخليني احسه لما تاخد بنتي مني ، ولما تعرف أن الله حق وإنك أناني ومش بتفكر غير في نفسك سعتها هبقى اقولك احنا فين
ولما تنتظر أن تستمع لرده الذي كان سيستمر في صياحه عليها حيث ضغطت على زر إنهاء المحادثة والقت بالهاتف على الفراش ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بابتسامة متشفية ومتغطرسة : _احسن أنت تستاهل أصلًا تقعد محروم من بنتك كدا لفترة عشان تبطل نرجسيتك دي ، خليك على نار لغاية ما تتربي شوية .. مبقاش أنا جلنار الرازي أما ربيتك ياعدنان بينما هو فألقي بالهاتف بعنف على سطح المكتب وهتف بوعيد حقيقي وهو يجز على أسنانه بغيظ :
_ماشي ياجلنار وحياة أمي لأوريكي النجوم في عز الضهر بس الاقيكي *** في مساء ذلك اليوم....
تتابع الطريق بصمت من نافذة السيارة .. وكل آن وآن تلقى نظرة خاطفة على الجالس بجوارها في مقعد القيادة ، لا تصدق أنها قضت اليوم كاملًا معه تساعده في كل شيء ويتبادلون أطراف الحديث بتلقائية لم تكن تصدق أنها ستتحلى بها أمامه .. رغم أنها كانت ساعات مرهقة للأعصاب إلا أنها سعدت جدًا بها وبقربها الجديد منه .. وكعادته كان لطيفًا ومرحًا يشعر بارتباكها منه فيحاول امتصاصه بشكل غير مباشر ، حتى تمكن بالأخير من فك قيود حيائها !
سمعت صوته الرخيم ليجذبها من شرودها : _زينة تلفونك بيرن !! انتبهت لاهتزاز هاتفها في يدها وصوته الصاخب فأجابت فورًا على والدتها : _أيوة ياماما _إنتي فين يازينة .. ليه اتأخرتي كدا ؟! نظرت لآدم بابتسامة صافية ثم أجابت على أمها بصوت خافت : _كنت مع آدم يا ماما في المعرض ، وجاية في الطريق أهو معاه _طيب ياحبيبتي وسلميلي عليه أوي الندل ده وصل صوتها في الهاتف إلى أذنه فقهقه عاليًا وقال بصوت عالي حتى يصل لها :
_ربنا يخليكي ياخالتو ياحبيبتي .. جهزي عشا حلو بقى من إيدك الحلوة عشان الندل هيتعشى معاكم النهردا انزلت زينة الهاتف وفتحت مكبر الصوت ليسمع صوت خالته وهي تقول بفرحة : _ده بجد ياولا .. تتحسد يا آدم ، من عنيا هجهزلك احلى عشا وخلي أسمهان تولع فيا وفيك بقى _لا متقلقيش عدنان وفريدة هيتعشوا معاها النهردا مش هتتعشى وحدها _طيب الحمدلله .. يلا توصلوا بالسلامة
أعادت زينة الهاتف إلى أذنها وودعت والدتها ثم اغلقته ، وبذهنها صراعات عنيفة ، ستقضي المزيد من الوقت معه وهذا يعني المزيد من الاضطراب .. جذبها بصوته للمرة الثانية ولكن بنبرة متعجبة: _إنتي لحقتي تسرحي تاني يابنتي ! ابتسمت وهتفت بتلعثم : _مـ.. معلش أصل بفكر في كام حاجة فعشان كدا سرحت .. صحيح قولي مفيش أخبار عن جلنار وهنا يا آدم ؟ تنفس الصعداء وهتف بعبوس :
_للأسف مفيش .. محدش عارف يوصلهم وعدنان من كتر الهم والزعل بقى شخص تاني تمامًا زمت شفتيها وقالت بإشفاق : _طبيعي هو متعلق بهنا أوي ، وجلنار غلطانة جدًا في اللي عملته آدم بخنق : _أنا رغم ضيقي منها وغضبي على اللي عملته ، إلا إني برضوا مديها العذر وشايف إن عدنان يستاهل يجرب بعده عن بنته بيتعب إزاي بعد ما كان عايز ياخد بنتها منها أصدرت زينة زفيرًا حارًا وقالت بنبرة رقيقة وكلها ثقة :
_هترجع أنا واثقة هي شكلها بس محتاجة تاخد شوية وقت عشان تعرف هتتصرف إزاي بعدين مع أخوك خرجت تنهيدة قوية من آدم وهو يجيب بتمنى : _يارب يازينة .. البنت المفعوصة الصغيرة وحشتني أوي والله طالعته بابتسامة واسعة في حب غير منتهبة لنظرتها وسرعان ما اشاحت بوجهها للجهة الأخرى بتوتر بعدما وجدته لاحظ نظرتها . *** قبل أربع سنوات .... _في عريس متقدملك لاحت بشائر الابتسامة العريضة على شفتيها لترد على أبيها بحياء بسيط:
_عريس مين ده يابابا ؟ خرج صوت نشأت خشن وصلب : _عدنان الشافعي سكنت للحظات تستعيد ذلك الاسم في ذاكرتها .. أين سمعته ومتى رأته ؟! ، فقذفت صورته في ذهنها فورًا ولترتفع الصدمة على محياها وهي تقول : _مش ده اللي كنت شريك معاه في صفقة من فترة .. واعتقد أنه متجوز صح ؟! هز رأسه بإيجاب وقال بحزم : _آه بس مراته مش بتخلف تمتمت جلنار بنظرات كلها ريبة وحيرة ، من طريقة أبيها وهدوئه الغريب:
_وإنت بتعرض عليا حاجة زي إزاي يا بابا أنا لا يمكن اوافق واتجوز واحد متجوز يبدو أنها فهمت صيغة الحديث بشكل خاطيء ، فهو لم يكن يعطيها حرية الموافقة أو الرفض بل كان يخبرها بما سيحدث خلال الأيام القادمة .. فرصة كهذه مع إمبراطورية الشافعي لن يضيعها مهما حدث ، ولا يهتم بنقطة زواجه .. كل ما يهمه أن ذلك الزواج سيعود عليه بالنفع ولن يسمح لابنته بأن تخربه . نشأت بصوت جاف لا يحمل الرفق :
_أنا مش بخيرك يا جلنار .. أنا رديت عليه وخلاص كتب الكتاب هيكون بعد يومين _what !! .. يعني إيه رديت عليه يابابا إزاي توافق هو انا مليش رأى .. أنا لا يمكن اتجوز البني آدم ده قبض على ذراعها وصاح بها في صوت جهوري نفضها في أرضها وهو يقول بلهجة لا تقبل النقاش:
_هتتجوزيه ياجلنار غصب عنك .. أنا معنديش استعداد اضيع فرصة زي دي من إيدي عشان دلع البنات بتاعك ده ، الجوازة دي هتخلي اسم نشأت الرازي في مكان تاني خالص ، وإنتي عايزة تضيعي الفرصة اللي جات لابوكي بسهولة عشان متجوز وكلام فارغ
انهمرت دموععها غزيرة على وجنتيها من قسوة أبيها .. لطالما كانت تعاني من إهماله لها ومعاملته الجافة في كل شيء وبالأخص بعد وفاة والدتها ، حيث أصبحت بمفردها في مواجهة قسوة أب لا يعرف الشفقة ولا كيف تكون مشاعر الأبوة حتى ، لكن أبدًا لم تكن تتوقع أن يصل به الحد ليجبرها على الزواج من رجل لا تعرفه ولم تراه قط .. فقط كانت تستمع للأحاديث التي تروى عنه ، وفوق كل هذا متزوج !
ترك ذراعها وهتف يلقي بجملته الأخيرة غير مباليًا بانهيارها ودموعها ، ليعطيها أوامره التي لا تقبل النقاش وهو يصدر مرسوم قتلها : _جهزي نفسك وخدي صحبتك وانزلي اشتري فستان لكتب الكتاب يليق ببنت الرازي . *** عودة للوقت الحاضر ... فتحت أسمهان باب المكتب ودخلت ، لتلقي نظرة على ابنها الجالس على الأريكة وبيده سيجارة يضعها في فمه ثم يخرجها ويزفر معها الدخان بشراسة ، كلما تخطر بذهنه احتمالية أن تكون جملتها ( عشان بخونك )
حقيقة تشتعل النيران بداخله ويشعر وأنه على وشك أن يطيح بكل شيء يراه أمامه ، تلك الحمقاء تختبر صبره وهي تعلم أن خروجه عن أطار الهدوء والثبات المزيف الذي يدعيه يعني وقوع كوارث . جلست أسمهان بجواره وملست على كتفه هامسة بتوتر : _مالك ياعدنان ؟ أتاها صوته المتحشرج وهو يجيب : _بنت الرازي اتصلت أخيرًا اتسعت عيني أسمهان بصدمة وسألت بحماس : _وقالتلك مكانها ؟! اخرج السيجارة من فمه وقال بنبرة ملتهبة :
_مقالتش بس هلاقيها هتروح مني فين ، وسعتها هعرفها بطريقتي ازاي تاخد بنتي وتهرب بيها تاني _طيب وهنا اطمنت عليها هي كويسة هز رأسه بالإيجاب فتنهدت الصعداء بارتياح ، ولاحت ابتسامة شيطانية على شفتيها لتهمس في براءة مزيفة : _طيب إنت متعرفش صديق ليها ، ساعدها في الهرب تقدر من خلاله توصلها رقمها بنظرة مميتة ليهتف بعصبية بعدما اخترقت اذناه كلمة " صديق " : _أنا على أخرى وأنتي بتقوليلي صديق وزفت يا أمي ، إنتي عايزة تجننيني !!
تصنعت الحزن وقالت باعتذار وملامح وجه عابسة : _أنا مقصدش حاجة ياحبيبي .. أنا بس بفكر وبقول بما أن ابوها ميعرفش حاجة عنها ولا صحابها ولا أي حد ، فازاي هتقدر تهرب لوحدها من غير ما حد يكون معاها عشان يساعدها نجحت بكلماتها أن تثير الشك في نفسه أكثر حيث نظر لها بتفكير وبعينان مشتعلة بنيران الغيرة والشك ، اقسم في نفسه أنه لو كان هذا الاحتمال صحيح وأنها بصحبة رجل آخر الآن ، سيذيقها الوان العذاب المختلفة .
استقام واقفًا واتجه نحو النافذة يقف أمامها ومازالت بيده السيجارة ووجه تحول للأحمر القاتم من شدة السخط .. لمح زوجته ( فريدة ) تقف في الحديقة بالخارج وتتحدث في الهاتف وتضحك بملأ شدقيها ، نظر في ساعة يده ووجدها الثانية عشر بعد منتصف الليل ! ... مع من تتحدث في ذلك الوقت المتأخر !!
أطفأ السيجارة والقاها في منفضة السجائر ثم اتجه إلى خارج المكتب تمامًا وسط نظرات أمه المستغربة التي نهضت فورًا واتجهت إلى النافذة لتنظر إلى ما كان ينظر إليه للتو وجعله يندفع للخارج بسرعة هكذا ! الفصل الثالث 3
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!