انتفضت واقفة بفزع على أثر صوته من خلفها .. انزلت الهاتف فورًا من على أذنها والتفتت له بجسدها تهمس بنظرات مرتبكة جاهدت في إظهارها طبيعية : _نعم ياحبيبي عدنان بصوت رجولي حازم : _بتكلمي مين ؟ نظرت إلى الهاتف وفورًا قذفت كذبة في عقلها فعادت بالهاتف بأذنها مرة أخرى وهي تقول بابتسامة صفراء : _طيب سلام دلوقتي يا لميا هبقى اكلمك بعدين ياحبيبتي
وسرعان ما أنهت الاتصال بعد جملتها لتتطلع في وجهه الذي يعطي علامات استفهام فقالت وهي تقترب منه وتلف ذراعيها حول عنقه هاتفة بغنج : _دي لميا كان عندها شوية مشاكل واتصلت بيا تحكيلي وتفضفص معايا شوية ، هو بقى ممنوع اكلم صحابي ولا إيه ياعدنان بيه !! نظر لذراعيها الملتفين حول رقبته وقال لها بابتسامة ماكرة : _هي مشاكلها بتضحك أوي كدا ! انطلقت منها ضحكة أنثوية متأججة لتجيبه بمشاكسة :
_لا انا اللي كنت بفرفشها شوية عشان أخرجها من المود انكمشت معالم وجهه بعد ضحكتها العالية ودار بنظره في الأرجاء من حولهم ثم قال بحزم : _ميت مرة أقولك متضحكيش بالشكل ده واحنا مش في اوضتنا ! كتمت فمها بكفها وظهرت علامات الدهشة على وجهها ثم همسات بدلال وهي تقترب لتطبع قبلة رقيقة على وجنته : _أسفة ياحبيبي مخدتش بالي لمعت عيناه بوميض خبيث .. ومال برأسه عليها يهتف في نظرات راغبة: _بتاكلي بعقلي حلاوة بالبوسة الناشفة دي يعني
رجعت برأسها للخلف وهي تبتسم بجراءة لكنها لمحت أسمهان التي تقف في مكتبه أمام النافذة وتتابعهم ، فعادت بنظرها له وهمست بضحكة خفيفة : _أسمهان هانم بتراقبنا في صمت شكلها التفت برأسه للخلف ناحية مكتبه ليرسل لأمه ابتسامة صفراء لترد عليه بضحكة بسيطة ، ثم يعود بنظره لزوجته من جديد ويقول وهو يلف ذراعه حول كتفيها : _امممم انا بقول نطلع أوضتنا ونكمل كلامنا على رواق فوق براحتنا أفضل
ثم انحنى وخطف قبلة سريعة من جانب ثغرها فضحكت هي وسارت معه للداخل ثم لأعلى نحو غرفتهم بالطابق العلوي من المنزل . *** مائدة صغيرة متوسطة في منتصف الحديقة ، وتقف هي أمامها تنظمها بشكل راقي وجميل وابنتها تدخل للداخل ركضًا ثم تخرج وهي تحمل الصحون واللمسات الصغيرة التي ستزين بها والدتها المائدة .
فقد أعدوا مفاجأة صغيرة ولطيفة لحاتم بمناسبة يوم ميلاده ، وكانت " هنا " أكثر من مرحبة بالفكرة وتحمست لها كثيرًا وظلت تجهز كل شيء مع والدتها من بداية اليوم حتى أنها قامت بشراء هدية لطيفة مثلها بمساعدة جلنار بالطبع .
لم تنسى جلنار معروفه حين طلبت مساعدته ولم يتأخر عنها ، ساعدها في السفر والقدوم لأمريكا ومن ثم اسكنها بمنزله القديم وعرض عليها العمل معه بشركته الصغيرة ، كان خير صديق في لحظات احتياجها للمساعدة ، وخلال الشهرين الماضيين تعمقت صداقتهم أكثر وأصبحت تراه ربما أكثر من مجرد صديق بل أخًا لها أيضًا ، ولا يزال حتى الآن يثبت لها أنها لم تخطئ حين لجأت له للمساعدة . ركضت " هنا " نحو والدتها وهي تهتف بحماس طفولي جميل:
_ماما عمو عاتم جه انحنت جلنار عليها وهتفت بحماس مماثل لها : _طيب انا هدخل جوا وزي ما اتفقنا هاا هزت رأسها بالإيجاب وغمزت لأمها بخبث فضحكت جلنار وطبعت قبلة سريعة على شعرها ثم ذهبت لداخل المنزل مسرعة قبل أن يدخل ويراها . لحظات قصيرة وظهر حاتم من بوابة المنزل وهو يسير للداخل فركضت " هنا " نحو وهي تصيح بسعادة : _عااااتم
توقف على أثر صوتها الصغير والتفت بجسده ناحيتها وفورًا انفجر بالضحك وهو يراها تركض نحوه وتهتف باسمه بطريقتها العجيبة ، انحنى وحملها على ذراعيه بمجرد وصولها إليه ولثم وجنتها هاتفًا بمداعبة : _يعني بتنهديني حاف من غير اي حاجة وكمان بتقولي اسمي غلط .. ارحميني يا هنا أظهرت عن سخطها اللطيف وهي تقول بقرف : _إنت اسمك وحش .. أنا اسمي جميييل قهقه عاليًا وهتف بتقبل اهانتها الصريحة لاسمه : _أنا اسمي وحش !!
.. طيب ياستي شكرًا على ذوقك
لفت نظره الطاولة الصغيرة والمزينة وفوقها صحون مسطحة مزخرفة على الحافة بأشكال جميلة ومنظمة بطريقة فخمة ، وكاد أن يتكلم يكمل حديثه المرح مع الصغيرة ويسألها عن سبب تزين الحديقة والطاولة ، لكن خروج جلنار من المنزل وهي تحمل فوق يديها كعكة عيد الميلاد ذهب بكل كلمة كان سيتفوه بها ، جمالها سرق عقله بنظرة واحدة .. ترتدي فستان ضيق من اللون الأسود يصل إلى أسفل ركبتيها وبأكمام طويلة ، وحذاء من اللون الأبيض بكعب عالي يعطيها لمسة أنوثية صارخة ، وشعرها الأسود الناعم ينسدل على كتفيها بحرية دون أي مجهود منها لتجمله بالتسريحات العصرية ، وتضع القليل من مساحيق الجمال التي لا تحتاجها أساسًا !
.. كانت تمامًا ككتلة من الإثارة تسير على الأرض باتجاهه . ازدرد ريقه بتوتر يحاول التحكم في ذاته ، ثم انزل " هنا " من على ذراعيه لتبدأ في الهتاف كما تقول والدتها لكن بطريقتها الطفولية والخاطئة كالعادة لنطق الكلمات بالأخص أنها إنجليزية ! _Happy birthday to you وقفت أمامه وقالت برقة جذابة : _كل سنة وإنت طيب ياحاتم أجابها بنظرات تحمل معانى جمة : _وإنتي طيبة .. إيه المفاجأة الحلوة دي بس
_دي أقل حاجة .. كفاية وقفتك جمبي أنا وبنتي أمسكت " هنا " ببنطاله وهي تشده برفق حتى ينتبه لها وتقول بتشويق : _عاتم .. عاتم تعالى شوف الهدية تغاضي عن اسمه ونظر لها مبتسمًا ثم نقل نظره لجلنار بنظرات مستفهمه ، كان كالذي يقف مسلوب الوعي ، بجد صعوبة في إدراك كل كلمة توجه إليه .. والفضل يرجع لتلك الأنثى الفاتنة التي تقف أمامه ! هتفت جلنار بصوتها الانوثي:
_جايبالك هدية ياسيدي ، وفرحانة بيها أوي من الصبح وقاعدة على نار مستنياك عشان تدهالك قهقه ببساطة ثم حملها على ذراعيه مرة ويقول بعذوبة وحنو بعد أن طبع قبلات صغيرة على وجنتيها : _ده هتبقى أحلى هدية جاتلي في حياتي ركضت " هنا " إلى داخل المنزل ثم بعد دقائق عادت ركضًا وهي تحمل في يد هديتها وبالأخرى هدية والدتها ، مدتهم لحاتم وهي تقول بإشراقة وجه رائعة : _دي تاعتي ( بتاعتي ) .. ودي تاعت ماما
التقطهم من بين يديها ثم بدأ بفتح خاصتها أولًا ، وكانت ربطة عنق من اللون الفصي المنقط بالاسود .. انبهر بها وأعجبته بشدة ... اتجه للعلبة الثانية الخاصة بجلنار وقام بفتحها ، فوجد بداخلها إحدى الكتب الخاصة بالادب الانجليزي وللكاتب المفضل له ، لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يمسك بالكتاب بين يديه ويحدق في اسمه ، حتى سمعها تقول باستحياء يليق بها :
_مكنتش عارفة اجبلك ايه الصراحة وكنت محتارة جدًا ، فلما افتكرت إنك من محبي القراءة وخصوصًا في الأدب الإنجليزي جبت ده .. يارب يعجبك رقمها بأعين لامعة بوميض غريب لم تراه في عيناه من قبل ، ثم مد كفه ليضعه فوق كفها متمتمًا بعاطفة : _كفاية إن إنتي اللي جيباه ياجلنار .. اكيد عجبني هو والمفاجأة اللي مكنتش متوقعها دي الصراحة
ارتبكت من لمسته ليدها فبادلته ابتسامة مضطربة وسحبت يدها ببطء من أسفل يده ، ثم بدأوا جلستهم المرحة كالعادة وهم يتبادلون الأحاديث بينهم والصغيرة لا تتوقف بالطبع عن الكلام واللهو والمزاح معهم . لم ينتبهوا للأعين التي تراقبهم من بعيد وتلتقط الصور لهم في كل وضعية تلقائية ليست مناسبة تحدث بينهم . *** داخل غرفة عدنان وفريدة ....
ساكنة تمامًا بين ذراعيه ، وهو يعبث بأنامله في خصلات شعرها برقة وعيناه معلقة على السقف يفكر بأكثر من شيء أولهم ابنته ، ولم يكن وضعها هي أفضل منه حيث تعصف بذهنها ذكرى اليوم التي أخبرته بأنها لن تتمكن من إنجاب الأطفال له ، ورغم اختلاف أشكال العلاج التي تلقتها حتى تتمكن من الإنجاب لكن كانت النتائج سلبية بكل مرة .. بالتأكيد أنها ودت لو أنجبت طفل حتى يحمل اسم إمبراطورية الشافعي الكبيرة ، وتصبح هي الآمرة والناهية في كل شيء
حتى من تتمكن كسر أنف تلك المتعجرفة " أسمهان " ، فلو أنجبت ولي العهد المنتظر لكانت الآن ستكون السلطانة الكبيرة لقصر الشافعي .. ولكن ظهرت تلك المعضلة دون أي حسبان ، وسرقت منها عرشها .. لتتربع هي فوقه بمجرد انجابها لطفلة تافهة ، وهي الآن تفكر بالحال الذي سيؤول إليه وضعها إذا أنجبت له ولي العهد !
.. لكنها لن تسمح بهذا حتى لو اضطرت للتخلص نهائيًا منها . ... قبل خمس سنوات ... شعرت بلمسته الدافئة على شعرها ثم جلس بجوارها وهي توليه ظهرها ويهمس في حب : _مالك ياحبيبتي ؟ بكت ولم يكن بكاءًا مزيفًا ، بل ربما لأول مرة تبكي من أعماقها .. لكن السؤال هنا ما السبب الخفي وراء بكائها ؟! ضيق عيناه بدهشة عند سماعه بكائها وأدارها ناحيته فورًا ، ثم قال باهتمام : _بتعيطي ليه يافريدة ! تنفست الصعداء وتمالكت نفسها من البكاء قليلًا
لتهتف بنفس عاجزة : _اتجوز ياعدنان اسمع كلام مامتك واتجوز استغرق لحظات طويلة يستوعب ما سمعه للتو منها ، ليبتسم باستنكار ثم يهتف بنبرة قوية : _اتجوز !!!! _أيوة وأنا بنفسي بقولك اتجوز .. ده حقك طالما أنا مش هقدر اجبلك الطفل اللي نفسك فيه و.... لم يدعها تستكمل ثرثرتها ، فكلما تطرح عليه أمه تلك الفكرة يستشيط غضبًا .. والآن تلك الحمقاء تطلبها بذاتها ، رغم معرفتها أن الأمر بات طبيعيًا بالنسبة له ولم يعد يهتم به كثيرًا .
صاح بها بعصبية : _أنا عندي استعداد إننا نصبر لعشر سنين قدام كمان لغاية ما ربنا يكرمنا بالطفل اللي بنتمناه ، لكن إنتي معنكديش أمل يافريدة وبتدوري على الحل الأسهل ، واللي أنا لا يمكن اوافق بيه أطرقت رأسها أرضًا وأغمضت عيناها بقوة تستجمع شجاعتها وقوتها الهشة لتستكمل ذلك الحديث ، فلولا " أسمهان " التي أجبرتها وهددتها لما كانت الآن تجلس أمامه وتحاول أقناعه بالزواج من أخرى ! تمتمت بصوت مبحوح وهي تمسك بيديه:
_احنا لينا سنين بنحاول ومفيش فايدة ، ومتحاولش تقولي إن موضوع الأطفال مش فارق معاك ، أنا عارفة وحاسة إزاي أنت نفسك في طفل يشيل اسمك .. وأنا مش هقبل إنك تتحرم من الاحساس ده بسببي ، أرجوك وافق ياحبيبي اشتدت حدة ملامحه الرجولية ، وقرر عدم المجادلة معها بأمر مفروغ منه بالنسبة له .. حيث هب واقفًا وانحنى على شعرها يطبع قبلة كانت قوية بقدر رقتها وحملها لمشاعر العشق الذي يكنه لها في قلبه .. وخرج صوته حازم لا
يقبل النقاش أكثر من ذلك : _نامي ياحبيبتي وارتاحي .. والموضوع ده متفتحهوش معايا تاني وطلعيه من دماغك ثم انتصب في وقفته واستدار وغادر الغرفة ليتركها تتخبط قهرًا وغيظًا ، تتوعد لتلك الشيطانة " أسمهان " المتسببة بكل شيء وبالوضع الذي هي فيه الآن !! ... عودة للوقت الحاضر ...
استفاقت من ذكرياتها وقد احتدم وجهها بنيران الحقد والغل .. الآن هي لم تعد تلك الفتاة الصغيرة الحمقاء وقليلة الخبرة ، بل أصبحت أكثر شراسة وشرًا .. لم تعد تهتم بأي شخص سوى هدفها ، وستبدأ أول شيء بالزهرة الضعيفة " جلنار " ومن ثم ستتفرغ للأفعى الكبرى " أسمهان " . *** في صباح اليوم التالي بإحدى المناطق العشوائية بالقاهرة ....
يسير طفل في العاشرة من عمره يحمل أكياس بها أصناف مختلفة من الخضار ومستلزمات المنزل ، وكل خطوتين ينزل الاكياس على الأرض حتى يريح عضلات ذراعيه من ثقلها ، وإذا به فجأة يشعر بكف ينزل على عنقه من الخلف فينتفض واقفًا ثم يلتفت لها ويقول بغضب : _متضربيش مش كفاية شايلك الأكياس بتاعتك جذبته من ملابسه وانحنت عليه تهتف بنظرة خبيثة وابتسامة عريضة : _هتشيل وأنت ساكت ولا افضحك واروح اقول لعمي مدحت أن أنت اللي سرقت كيس السكر
زفر بغضب وقال مغلوبًا على أمره وهو ينحنى ليحمل الأكياس مرة أخرى : _هشيل بس متضربيش ضحكت وقالت بمرح : _أنا برضوا بقول هو مفيش غير الواد ميدو في الحارة دي كلها حبيبي ، يعني قولي كدا أنا من غيرك كنت هلاقي مين يشلي الطلبات صاح بعصبية وهو يشير بعيناه على قرنائه اللذين يلهون ويلعبون من حولهم : _ماهو العيال كتير ولا هو مفيش غيري ضربت على رأسه بخفة وهي تهتف مستكملة مزاحها :
_يالا ياعبيط .. دول أطفال أبرياء لكن أنت مش طفل ، ومتكترش في الكلام معايا احسن الف وارجع لعمي مدحت _خــلاص ياعم وصلت أمام باب بنايتها الصغيرة المكونة من طابقين .. تسكن هي وجدتها العاجزة بالطابق الثاني وجارتها الست " سميحة " بالطابق الأول . سمعت صوت جارتها الفضولية التي تطل من نافذة منزلها : _يامهرة التفتت لها بجسدها كاملًا ثم أشارت للفتى الصغير أن يترك الأكياس ويذهب ، اقتربت من نافذتها ووقفت
أمامها تقول بلهجة كوميدية: _نعم ياخالة سميحة نظرت سميحة لشعر مهرة الناعم والذي يعطي لونًا بنيًا بعض الشيء وترفعه بذيل حصان ، ثم قالت : _بتحطي إيه لشعرك .. ده أنا شعري جربت فيه كل حاجة ومفيش فايدة انحنت برأسها عليها وهمست في جدية ظنتها حقيقية : _اقولك على الحل هتفت بنظرات متشوقة ومتحمسة : _قولي _احلقيه وسبيه ينبت من أول جديد
ألقت بجملتها ثم هرولت مبتعدة عنها لتحمل أكياسها وتتجه بهم نحو شقتها فتسمع صوت جارتها وهي تهتف بغيظ ممكسة بخصلات شعرها المعقدة تفك العقد : _احلقه قال ، ده أنا شعري حرير ! ***
كان عدنان جالسًا على مقعده أمام المكتب في شركته وينهي بعض الأعمال المهمة ويرتدي نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ، ولم يرفع نظره عن الأوراق إلا عندما وجد الباب ينفتح ليظهر من خلفه شاب في اوآخر عقده الثالث ، طويل البنيه ولديه جسد رياضي مثير ، مع عينان عسلية وبشرة قمحية . عاد بنظره مرة أخرى إلى اوارقه وقال بجدية بعدما رأى ابتسامته الواسعة : _المرة دي اعتبر نفسك مرفود لو قولتلي مخلصتش الملف لسا يابشمهندس
ارتفعت صوت ضحكته العالية وتحرك باتجاه المقعد المقابل لمكتبه ليجلس عليه ويلقى بالملف أمامه على سطح المكتب وهو يقول بغرور: _عيب عليك يا بوص هو أنا برضوا بتاع الحركات دي ضحك عدنان بخفة ثم التقط الملف وقال بنظرة ماكرة من أسفل نظارته : _متنفخش نفسك أوي كدا لما اشوف الأول هببت إيه بس قطع حديثهم دخول آدم المكتب ولكن بمجرد رؤيته لصديق أخيه المقرب في العمل وهو يجالسه ، تقوست معالم وجهه ورسم الابتسامة المتكلفة على
وجهه بصعوبة وهو يهتف بحزم: _عايز اتكلم معاك شوية ياعدنان .. على انفراد ! كان عدنان على وشك أن يجيب على أخيه برد يستحقه بعد طريقته الفظة في الحديث لكن نادر هز رأسه لعدنان بهدوء يرسل لها إشارة لا بأس ، ثم استقام واقفًا وقال : _نبقى نكمل كلامنا بعدين ثم تحرك باتجاه الباب ومر من جانب آدم ثم رتب على كتفه وقال بابتسامة كانت تماثل الابتسامة التي أرسلها له منذ قليل : _مبروك على المعرض يا فنان
لم يجيب آدم بل اكتفى بنظرته السمجة له وانتظره حتى انصرف لينظر لأخيه الذي هتف به بغضب : _إيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي يا أستاذ سار باتجاه الأريكة المتوسطة في منتصف المكتب ليجلس عليها ويقول بقرف : _ده بني آدم مستفز مش عارف أنا أنت مستحمله إزاي _اخلص يا آدم عايز إيه ؟ كان ردًا عنيفًا من أخيه يوضح له استيائه من مجرى الحديث وإشارة له بأن لا يتخطى حدوده أكثر من ذلك ، فقال ببرود ونبرة تحمل المشاكسة:
_بني آدم واخلص يا آدم .. لا تصدق حلوة وماشية على نفس الوزن ! _أه أنت جاي تستظرف بقى !! أصدر ضحكة عالية ليقول بمرح : _ده جزاتي إني بحاول افرفشك يعني ابتسم عدنان ونزع نظارته عنه ثم هتف بلؤم يرمي بتلميحاته الوقحة : _لا أنت كدا بتحاول تعمل حاجة تاني استغرق الأمر ثلاث ثواني بظبط حتى فهم مقصده فانفجر ضاحكًا وهتف : _ولد عيب في أخ يقول لأخوه الصغير حجات مش لطيفة زي كدا .. عايز تبوظ أخلاقي ضحك عدنان وقال بمشاكسة :
_أنا برضوا اللي هبوظها ولا هي جاهزة .. يإما تقعد محترم ومتستفزنيش بأفشاتك واستظرافك ده يإما تمشي _ماشي هقعد محترم يا عم المحترم هااا ! انهي جملته بغمزة خبيثة منه فيجد صوت أخيه الصارم وهو يهتف محاولًا إخفاء ابتسامته : _اظبط يا آدم بدل ما اظبطك
تعالت صوت ضحكته الرجولية ثم استكملوا حديثهم في أمور مختلفة ، وتجنب آدم تمامًا الحديث عن جلنار وهنا حتى لا يعيد العبوس على وجه أخيه مرة أخرى .. حيث أنه جاء إليه لكي يخرجه من حالته الغريبة هذه ! *** خرج نشأت من الحمام بعد أن أخذ حمامًا صباحي دافيء واتجه نحو المنضدة الصغيرة ليتلقط الهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين منذ دقائق ويجيب على المتصل بانفعال : _في إيه يا متخلف أنت .. رن رن رن طالما مردتش يبقى مش فاضي
أجابه الآخر باعتذار وخوف : _حقك عليا ياباشا مقصدش .. أنا اتصلت بس عشان اقولك على الأخبار اللي تخص بنت حضرتك جذب كامل انتباه عندما هتف باسم ابنته وأجاب عليه بغلظة صوته الرجولي متلهفًا : _ومستني ايه اخلص اتكلم ! هتف الطرف الآخر يطلعه بكافة المعلومات التي توصل إليها: _شكك طلع في محله ياباشا هي فعلًا قاعدة مع اللي اسمه حاتم الرفاعي ده في أمريكا لاحت الابتسامة السعيدة على شفتيه وقال بلهجة آمرة:
_خلال أربعة وعشرين ساعة عايز اعرف كل حاجة عن حاتم بيته فين ومكان شغله كل التفاصيل ، والأهم تعرفلي عنوانها _حاضر يا باشا بكرا هتكون كل المعلومات عندك
انهي معه الاتصال والقاه على الفراش والإبتسامة لا تزال تزين ثغره ، هاهو أخيرًا سيجد ابنته بعد رحلة بحث مرهقة لمدة شهرين عنها .. لا يعرف كيف لم يفكر بذلك الشاب من البداية واحتمالية وجودها معه التي ثبتت بالفعل .. كانت والدته صديقة زوجته من سنوات طويلة منذ أن كانت ابنته تبلغ من العمر الخامسة عشر ، وتعرفا على بعضهم واصبحوا اصدقاء مقربين منذ ذلك الوقت ، ولكنه الآن حين كان عليه أن يفكر به هو أول شخص ويضع احتمالية اختباء ابنته معه لم يخطر على ذهنه إلا مؤخرًا !
*** بمنزل جلنار في أمريكا .... تمسك بهاتفها تتصفح مواقع التواصل وهي جالسة على الأريكة في الصالون ، وبيدها كوب اللبن الصباحي الخاص بها .. ترتشف منه القليل ثم تضعه على المنضدة الصغيرة التي أمامها وتكمل تصفحها ومن ثم تعود وتلته لترتشف منه مرة أخرى وهكذا على هذا الوضع الوضع .. حتى ظهرت أمامها فجاة على الهاتف صورة لفريدة وكانت بين أحضان عدنان على متن مركبة صغيرة ( يخت )
، ومن حولهم المياه .. توقفت أصابعها عن التقليب وبقت تحملق بالصورة بوجه خالي من التعابير ، فقط قسمات وجهها تشجنت وعيناها ثابتة على الصورة تتفحص كل تفصيلة بها .. ابتسامتهم العريضة والطريقة التي يضمها بها واحتوائه لها بحب يظهر في عيناه .. نزلت بعيناها على تاريخ نشر الصورة فوجدتها في صباح اليوم ! ، ارتفعت ابتسامة ساخرة على ثغرها وهي تهتف باستنكار : _واضح أوي غضبه وزعله على بعد " هنا * عنه واختفائنا
كانت على وشك أن تعود وتستكمل تفحصها للصورة لكنها نزلت بأصبعها لأسفل على شاشة هاتفها اللمس حتى تمر هذه الصورة وهي تهتف بغضب : _بلا قرف أنا مالي .. كدا كدا هطلق غصب عنه خرجت " هنا " من غرفتها وهي تركض باتجاه أمها وتمسك بالمجسم الصغير الذي صنعته بمكعابتها الخاصة وترفعه أمام أعين والدتها تقول بفرحة طفل أنجز عملًا مبهرًا بالنبسة له : _بصي مامي الهرم اللي عملته
اطالت النظر في المجسم الذي ترفعه ابنتها أمامها بشرود للدرجة التي جعلتها لم تراه حتى فقط تحدق به بعدم وعي ، لكن شعرت بكف صغيرتها وهي تهزها في قدمها وتهتف : _مامي عادت لواقعها ونظرت مرة أخرى للمجسم وهذه المرة أدركت الشكل البسيط التي صنعته صغيرتها ، فارتفعت الابتسامة لشفتيها وقالت بانبهار حتى تعلي من معنويات طفلتها : _الله جميل أووي ياحبيبتي .. عملتيه إزاي ؟
جلست " هنا " على الأرض وبدأت بفك المجسم وهي تهتف بحماسة لتعلم أمها الطريقة التي فعلته بها : _هوريكي
تابعتها وهي تعيد بنائه من أول وجديد وتبتسم بحنو أمومي ، ومن دون أن تشعر وجدت عيناها تذرف الدموع ، لا تعرف لما بكت ولكن هناك غصة مريرة بحلقها وقلبها يؤلمها بشدة .. لم تكن يومًا تتوقع أن جلنار الرازي سيحدث فيها هكذا ، تلجأ لبلاد غريبة هي وابنتها هربًا من ظلم أبيها وزوجها لها .. لم يعد لديها أحد ، هي فقط بمفردها بصحبة حاتم .
رفعت الصغيرة رأسها لأمها بعد أن انتهت حتى ترى ردة فعلها فوجدت وجهها مملتيء بالدموع ، اختفت ابتسامتها ودفن حماسها في لحظة ، لتهب واثبة من الأرض وتجلس بجوار أمها تقول بعينان حزينة : _انتي بتعيطي ليه يامامي ، الهرم اللي عملته وحش !! جففت دموعها فورًا ونظرت لها تقول بحب وهي تحتضن وجهها الصغير بين كفيها وتلثم وجنتيها : _لا بالعكس ده رائع ياقلب مامي .. أنا تعبانة شوية ياحبيبتي بس ارتمت الصغيرة عليها تتعلق
برقبتها وتقول بعبوس وضيق : _طب مش تعيطي ، نروح الدكتور عشان تبقي كويسة ضحكت ببساطة وزدات من ضم صغيرتها إليها لتقول بمداعبة : _حاضر مش هعيط تاني .. أنا كويسة .. إيه رأيك نعمل آيس كريم ابتعدت " هنا " عن أحضان أمها وهي تطالعها بملامح وجهها الحزينة ، وعندما رأت جلنار الدموع متجمعة في عيني ابنتها استقامت واقفة وحملتها على ذراعيها وهي تلثم كل جزء في وجهها وتقول بمشاعر جيَّاشة محاولة التحكم في زمام دموعها :
_حبيبة قلبي أنا مقدرش اشوف دموعك .. أنا كويسة والله وهنروح نعمل آيس كريم جميل دلوقتي أنا وإنتي .. هاا إيه رأيك ؟ اماءت لها " هنا " بالموافقة وقد بدأت الابتسامة ترتفع لشفتيها تدريجيًا ثم اقتربت من وجنة أمها وطبعت قبلة رقيقة مثلها وهي تخرج همسة لطيفة تسرق القلب : _بحبك أوي يا مامي _وأنا كمان بحبك أوي ياروحي
ثم اتجهت بها نحو المطبخ وبدأت جلنار في تحضير الآيس كريم بمساعدة " هنا " بالتأكيد التي عادت إشراقة وجهها بسرعة إليها وضحكتها الساحرة . *** كانت هي تقف بالمطبخ تقوم بتحضير الغذاء وترتدي بنطال منزلي أسود اللون وأعلاه تيشرت رجالي لا يناسب فتاة مطلقًا وترفع شعرها الحريري بمعلقة خشبية ! .. وتتمايل على الحان اغنية شعبية وتردد معها .
تمتلك عينان خضراء وبشرة بيضاء ناعمة مع شفاه صغيرة وأنف رفيعة ، وجسد أنوثي مثير برغم الملابس التي لا تناسب الفتيات أبدًا التي ترتديها دومًا . صك سمعها صيحة عالية باسمها انبعثت من الغرفة الخاصة بجدتها فتركت ما بيدها فورًا وركضت باتجاهها لتقول بسخط مزيف : _في إيه يا ولية سرعتيني .. هو أنا في الشارع التاني لم تبالي فوزية بردها وقالت بحدة وهي تشير لها أن تقترب منها : _خدي هنا يا بنت الهبلة
ضربت مهرة على صدرها وأجابت بامتنان على إهانة جدتها لها : _طالعة زي العسل من بوقك والله يا زوزا _يابت قربي متتعبنيش عايزة اتكلم معاكي في موضوع اقتربت وجلست بجوارها وهي تقول بتصنع الرقة والأدب : _قولي يانينا .. أنا كلي آذان صاغية طالعتها فوزية بنظرة مستنكرة وتمتمت بسخرية : _نينا !! .. طيب ركزي ياختي معايا ، ابن ممدوح الأعور طلب إيدك وأنا وافقت وجايين بكرا بليل عشان يتقدموا انحنت على جدتها وقالت بهمس ساخر:
_انهي واحد في ولاده .. العبيط ولا الاهطل ! صاحت بها فوزية مغتاظة : _طاب عليا النعمة الشريفة مافي حد اهطل غيرك .. ده ابنه اللي اسمه صابر ، الله اكبر عليه طول بعرض وحلاوة وكمان حالتهم مرتاحة ماشاء الله يعني هيريحك مهرة بنبرة مختنقة تحمل المزاح : _لا أنا عايزة واحد اسمه مراد عشان اقوله مراد بيك لا تتركني هيك .. زي المسلسل التركي اللي بسمعه
استشاطت فوزية غيظًا ومالت على الأرض وجذبت الشبشب وقبل أن تلقيه عليها كانت الأخرى قد وثبت واقفة وركضت نحو الباب وتفادت ضربة الشبشب وهي تتلاعب بحواجبها وتقول متعمدة إثارة جدتها أكثر : _كبرتي وخيبتي يا زوزا .. لو مش عارفة تنشلي عليا قولي وانا اعلمك صرخت بها بعصبية : _خلاصة الكلام .. عارفة يامهرة ما تعملي حركة من حركاتك اللي علطول بتعمليها كل ما ياجي عريس وتطفشيه لاطفشك أنا من البيت وقفت وعقدت ذراعيها في خصرها وتقول
باحتجاج ولهجة كوميدية : _طيب انتي ترضهالي .. اتجوز واحد اسمه صابر الأعور وبعدين اخلف عيل ويعايروه العيال يقولوله يا أعور يا ابن الأعور ، وشوية كمان ويبقى اسمي مهرة العورة مالت للمرة الثانية على الأرض تلتقط الفردة الثانية وتقذفها بها وهي تصرخ بانفعال : _امشي يابت غوري من وشي .. هتجلطيني ، وجهزي نفسك لبكرا .. قال مهرة العورة ، ده انتي المفروض يسموكي مهرة الهطلة .
ضحكت بقوة وهزت كتفيها بعدم اكتراث لتشبيه جدتها لها ثم انصرفت وتركتها تضرب كف على كف من جنان حفيدتها ! *** _أيوة واخرتها هتفضلي لغاية امتى كدا مش عارفة تتكلمي يازينة ؟! كانت جملة صريحة ومستاءة من صديقتها وهم يجلسون معًا في غرفتها بعد جاءت لزيارتها وقضاء بعض الوقت معها . تنهدت زينة بيأس وقالت : _خايفة يا سمر يكون أصلًا أنا مش في باله وهو ده اللي أنا متوقعاه ، وفي نفس الوقت خجلي منه بيصعب عليا الوضع
انتصب صديقتها في جلستها وقالت بجدية تسألها بوضوح : _دلوقتي مش إنتي بتحبيه ؟! هزت زينة رأسها بإيجاب في استحياء بسيط لتستكمل صديقتها حديثها من عند أجابتها وتقول بصرامة :
_يبقى مفيش حاجة اسمها بتكسف وخايفة ومعرفش إيه .. بتحبيه يبقى قربي منه واكسبي قلبه ماتفضليش قاعدة مكانك زي الهبلة كدا ومستنياه يحبك ، شوفي هو اهتماماته إيه مثلا وشاركيه فيها ، أو هو بيحب إيه واعملهوله .. اعرفي هو بينجذب للبنات اللي من نوع إيه واتصرفي بالشكل هتفت زينة برفض وتذمر : _لا أنا مش هغير نفسي .. أنا عايزاه يحبني زي ما أنا
_طيب يابنتي ما تتحركي واتصرفي على الاقل قربي منه هو مش ابن خالتك برضوا يعني الموضوع هيكون سهل .. بعدين لما تاجي واحدة تخطفه منك متزعليش بقى هتفت زينة بتهكم وبؤس : _الله في إيه ياسمر .. يعني أنا بشكيلك وبفضفضلك وإنتي تقوليلي واحدة تخطفه منك !! كادت أن تجيب عليها لكن زينة ضربتها على فخذها بخفة بعدما سمعت صوت الباب ينفتح وهمست بتوتر : _بس خلاص ماما جات دخلت والدتها وهي تحمل على صينية كلاسيكية راقية فوقها كأسين من عصير
المانجا وتهتف بوجه بشوش : _منورانا ياسمر والله ياحبيبتي أجابت سمر بضحكة وسعادة صافية : _ده نورك ياطنط ميرفت والله .. ربنا يعلم وحشتيني قد إيه ، يمكن كمان اكتر من البنت زينة النكدية دي قهقهت ميرفت بصوت عالي بينما زينة زمت شفتيها وقالت بغيظ تجيب على صديقتها : _أنا نكدية .. ماشي ياسمر
تعالت ضحكاتهم معادا زينة التي كانت تحدجهم باغتياظ ولكن سرعان ما اندمجت في الحديث معهم وشاركتهم الضحك وحوارهم الذي بدأ يأخذ منحنى مرح ولطيف . *** هب عدنان واقفًا من مقعده بعد ساعات طويلة من العمل أرهقت جسده وعقله ، جذب سترته وارتداها ثم مفاتيح سيارته وكذلك هاتفه ولكن قبل أن يضعه بجيبه ارتفع صوت رسالة وصلت إليه للتو .. كان سيتجاهلها لكن ارتفع الصوت أكثر من مرة مما يشير إلى أن الراسل ارسل أكثر من رسالة في وقت واحد .
فتح هاتفه ودخل على الرسائل وكانت رسالة من رقم مجهول لا يعرفه ، فتح الرسالة وكانت عبارة عن صورتين انتظر لثواني قليلة حتى تظهر الصور ، وإذا بالصدمة تتملكه تمامًا وهو يرى أن الصور لجلنار وهي تجلس بجانب رجل وتضحك بملأ شدقيها وأمامهم كعكة عيد ميلاد والصورة الأخرى كان يمسك بيديها وينظر لها ويبتسم بنظرة تشبه نظرة رجل عاشق . الفصل الرابع 4
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!