تحميل رواية «امرأة العقاب» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! . وأخيرًا ها هي س...
رواية امرأة العقاب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود توفيق
تصلبت بأرضها بقوة وقالت في نظرات كلها حقد وعيظ :
_ عايزاك تطلقها !
عقد حاجبيه باستغراب من جملتها .. والتزم الصمت لثواني معدودة حتى أردف ببرود :
_ مش هينفع
فريدة بعصبية :
_ ومش هينفع ليه بقى
_ عشان بنتي
تلونت عيناها بلون الدماء الحمراء .. ليست غيرة ولكنها نقم وضغينة تحملها لجلنار ، وربما خوفًا من خسارتها لكل شيء سعت في بنائه .
هتفت في نظرة مشتعلة :
_ عشان بنتك .. ولا عشانها هي ياعدنان !
انتصب في وقفته ووضع قبضتيه في جيبي بنطاله هامسًا :
_ هتفرق معاكي في إيه
_نعم !!
كان ردًا عنيفًا منها تبعه رده الهادئة بشكل مثير للأعصاب :
_ يعني متحطيش نفسك في مقارنة يافريدة
القى بكلماته ثم عبر من جانبها وانصرف .. بقت هي بأرضها تعيد تكرار ما قاله في عقلها ، وتتساءل ماذا يقصد ! .. جملته مبهمة لكنها تحتمل شقين ! .
التقطت عيناها كأس الماء الموضوع فوق المنضدة .. فمدت يدها وجذبته ثم ألقته على الأرض بكل غل وهتفت بوعيد شيطاني :
_ لا يمكن اسمحلك إنتي وبنتك تسرقي مني كل اللي بنيته .. استحملت حجات كتير وأولهم عدنان رغم عدم حبي ليه بس عشان اوصل لهدفي ، وإنتي دلوقتي عايزة تاخدي كل حاجة على الجاهز .. نهايتك قربت يابنت الرازي .
***
تجلس على الأريكة المقابلة للتلفاز والذي يعرض أحد مسلسلاتها المفضلة ، وجهها تعتليه معالم الحزن والعجز وعيناها فقط ثابتة على الشاشة لكن عقلها يفكر في حادثة الصباح .
بقدر قوتها إلا أن الطعن في الشيء الوحيد الذي يتبقى للفتاة .. أوجعها بشدة ، لا تعرف متى وكيف ومن الذي تناقل هذه الشائعات والاتهامات البشعة بين أهل حارتها .. لكن لا يهمها أحد بقدر خوفها على جدتها إذا عرفت بما حدث أو وصلت لأذناها تلك الكلمات القبيحة عنها .
منذ الصباح وهي تجاهد في الظهور بصلابة وتشدد على محابس دموعها .. لكن حتمًا ستصل للحظة فاصلة وستنفجر بها لتفرغ عن نفسها ثقلها المؤلم الذي يقتلها .
خرجت فوزية من غرفتها وبحثت في أرجاء المنزل عنها فسمعت صوت التلفاز .. تحركت بخطواتها البطيئة نحو الصالون ورأت حفيدتها تجلس تشاهد التلفاز بسكون مريب .. تأملتها بنظرها من بعيد للحظات ففهمت فورًا أن بها شيء ليس طبيعي ، منذ أن عادت من العمل صباحًا وهي بحالة غريبة ليست على عادتها المرحة والمشاكسة ، واقنعت نفسها بأنه ربما من ضغط العمل وإرهاقه .. لكن جلوسها بهذا الشكل أصبح غير مُطمئن مطلقًا ! .
اقتربت منها وجلست بجوارها على الأريكة ثم هتفت بنظرة دقيقة :
_ مهرة !
انتبهت لصوت جدتها فاعتدلت في جلستها بسرعة ونظرت لها تبتسم بابتسامة باهتة :
_ إنتي لسا صاحية يازوزا !!
فوزية بنظرات مترقبة لردها :
_ كنت رايحة انام وقولت اشقر عليكي الأول في اوضتك ملقتكيش .. هو في حد مزعلك ولا إيه ؟!
مهرة بمرح مزيف حتى أنه لا يحمل طريقتها الكوميدية كالعادة :
_ فشر مين ده اللي يقدر يزعلني
فوزية بحدة :
_ مهرة .. أنا مش هبلة عشان معرفش إذا كان في حاجة مضيقاكي ولا لا ، قولي يلا !
التزمت الصمت لثلاث ثواني بالضبط ثم قالت بأسلوب ساخر لا يلائم الوضع أبدًا :
_ الصراحة في .. المحفظة بتاعتي اتسرقت ، كنت بطلع الفلوس عشان ادي السواق الأجرة وجه واحد ابن حرام نتشها مني وجري
رفعت فوزية حاجبها مستنكرة كذبتها السخيفة بينما الأخرى فكأنها وجدت الفرصة لتنفجر بالبكاء حيث انهمرت دموعها وهي تبكي بصوتها المرتفع .. فاردفت فوزية :
_ إيه العياط ده !! .. امال كان فيها ملايين !
ردت عليها من بين بكائها وهي تخرج منديل من جيبها :
_ لا كان فيها ملبساية كنت هموت عليها
صاحت فوزية بها بغيظ :
_ بـــس .. محفظتك موجودة جوا على التسريحة يامهرة
توقفت عن البكاء فورًا وأدركت مدى سذاجتها ثم نظرت لجدتها ورمشت بعيناها عدة مرات بدهشة ، لتقول بسرعة محاولة تفادي كذبتها وهي تجفف دموعها بظهر كفها كالأطفال :
_احلفي !
لم تجد الرد من جدتها ، فقط طالعتها بنظرة مشتعلة بينما مهرة فسكتت للحظة وقالت وهي تهب واقفة بابتسامة تصنعتها بمهارة :
_ حيث كدا بقى اروح اشوف الملبساية بتاعتي .. لاحسن واكلة دماغي من الصبح
ثم هتفت وهي تتجه نحو الغرفة في أسلوب ساخر منها :
_ جيالك ياغالية
***
منكمشة في فراشها .. ترفع ساقيها إلى بطنها متطورة كالجنين في رحم أمه ، وتأن بصوت منخفض من الألم الذي ينهش معدتها وبيدها تضغط على بطنها في محاولة بائسة منها لتخفيف الألم .. باتت عيناها حمراء كالدم وشفتيها تورمت بشكل مثير للقلق ، أما جسدها فكل لحظة والأخرى تجتاحه هزة عنيفة تنفضها في فراشها نفض .
التزمت الصغيرة الفراش بجوار أمها وأخذت تملس على شعرها في خوف بريء ونظرات مضطربة ، لا تفهم مالذي يحدث لكن ما تراه أن أمها ليست بخير ، فهي ملتزمة الفراش منذ دقائق طويلة وهي تتلوى من الألم وأصبح وجهها اللطيف متورمًا بشكل مثير للرعب .
أدمعت عيني " هنا " بخوف عفوي على أمها وسرعان ما وثبت من الفراش وهرولت لتجلب هاتف والدتها ثم عادت به إليها وتمتمت في صوت مبحوح :
_ كلمي بابي ياماما
ردت عليها جلنار بصوت خافت ممسكة بيدها الصغيرة وتقربها من شفتيها تطبع عليها قبلة رقيقة :
_ أنا هبقى كويسة ياحبيبتي
لم تكمل كلماتها وإذا برنين الهاتف يرتفع بين يدي " هنا " فنظرت فورًا إلى شاشته وتمكنت من معرفة هوية المتصل إنه أبيها من خلال صورته التي علت شاشة الهاتف ، مرت بأصبعها الصغير على شاشة اللمس لتفتح الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها تهتف :
_ بابي ماما تعبانة
كان عدنان يقود السيارة في طريقه إليهم بالفعل ، لكنه أراد أن يتصل أولًا ليسأل إن كانوا يحتاجون لشيء ، وبمجرد سماعه لجملة طفلته وصوتها المتلهف فضيق عيناه بتعجب وقد تحولت نبرته من الهدوء إلى القوة :
_ ماما مالها ياحبيبتي ؟
تململت جلنار في الفراش عندما اشتد ألم معدتها ودون أن تشعر خرجت منها آه متألمة وصلت لأذنيه من الهاتف فقال فورًا بقلق :
_ ادي التلفون لماما ياهنا
مدت هنا يدها بالهاتف لأمها وقالت بنظرات حزينة :
_ خدي ياماما
كانت توليها ظهرها فرفعت كفها في إشارة لعدم قدرتها ورغبتها بالحديث فعادت هنا بالهاتف على أذنها وقالت بتلقائية :
_ مش عايزة
عدنان بصوت غليظ :
_ طيب اقفلي يابابا .. وأنا جاي دلوقتي
انزلت هنا الهاتف من على أذنها ووضعته على المنضدة الصغيرة المجاورة للفراش وقالت محدثة أمها في بريق أمل واطمئنان انبعث من عيناها الجميلة :
_ بابي قالي جي .. أول ما يجي هيجيب الدكتور وهتبقى كويسة ياماما
ابتسمت لها جلنار بنظرات دافئة وأشارت لها بسبابتها أن تنحنى عليها وبمجرد انحنائها اقتربت من وجنتها ولثمتها بعاطفة جيَّاشة متمتمة :
_ ربنا يخليكي لماما ياحياتها
بقت الصغيرة ملازمة أمها في الفراش حتى صك سمعها صوت فتح الباب فوثبت من مكانها وهرولت إلى الخارج لترى والدها .. وجدته دخل وأغلق الباب ثم اندفع إلى الداخل مسرعًا نحو غرفة أمها ، فلحقت به مجددًا إلى الداخل .
دخل والقى نظرة سريعة على جلنار المتكورة في فراشها وتوليه ظهرها ممسكة ببطنها وجسدها ينتفض ، تحرك نحوها وجلس بجوارها على الفراش هاتفًا في قلق ملحوظ في نبرة صوته :
_ جلنار إنتي كويسة ؟!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تحاول جاهدة في إخفاء وجهها عنه حتى لا يرى تورم شفتيها واحمرار عينيها .. خشية من تعنيفه لها .. سيعرف فورًا سبب التعب إذا رأى وجهها ، ولن تسلم من توبيخه وسيغضب بشدة .
شعرت بكفه الذي رفعه وملس على شعرها ثم امتدت أنامله إلى خصلاتها المتمردة وأبعدها عن وجهها متمتمًا بصوت لين :
_ بصيلي ياجلنار وقوليلي إيه اللي تاعبك .. اتصل بالدكتور عشان يجي طيب
تنظر له !! ، تعترف أنها تخشى من غضبه هذه المرة ، إذا عرف أنها أكلت الموز وهي لديها حساسية مفرطة منه ويسبب لها أعراض قاسية كالتي تحدث لها الآن ، ستكون ردة فعله عنيفة .. فمن أهم القوانين التي تسير بالمنزل منذ زواجهم هو عدم دخول فاكهة الموز مطلقًا ، بعدما تناولت منه ذات مرة وأصابتها أعراض قد تكون أشد وأعنف من هذه وتتذكر حتى الآن كيف كان وجهها يعتليه الزعر الحقيقي لأول مرة ، وهو يراها أمامه لا تتمكن من التقاط أنفاسها حتى وجسدها يرتعش بعنف ووجهها كله تورم وتتألم من ألم معدتها ، منذ ذلك اليوم وهو منع دخوله إلى المنزل وكانت تحذيرياته صريحة وقاسية إذا حدث واخترقت تعليماته .
لا تنظر له ولا تجيب فقط تدفن وجهها في الوسادة وتفكر في حيلة حتى تتخلص بها من بطشه .. عاد يهتف ولكن هذه المرة بحيرة من تصرفاتها وقال وهو يبعد خصلاتها المحيطة بوجهها :
_ جلنار !!! .. تعبانة من إيه ردي عليا !
ثلاث ثواني بالضبط حتى وجدت نفسها تهتف بتلقائية لتتهرب منه وهي لا تزال دافنة وجهها بين ثنايا الوسادة :
_ظروف
استحوذ الصمت عليه للحظات قصيرة وهو يرفع حاجبه متعجبًا ردها المبهم في باديء الأمر .. لكن سرعان ما ارتحت عضلات وجهه وفهم كلمتها ، فاخفى ابتسامة كانت ستنطلق على شفتيه والتفت برأسه للخلف إلى ابنته التي تقف أمام الفراش وتتابع والديها بنظرات بريئة كلها اهتمام وخوف على أمها ، ارسل لها ابتسامة عذبة فبادلته هي إياها بعفوية .. ثم عاد برأسه مرة أخرى إليها وانحنى على أذنها يهمس بمكر متمالكًا ضحكته :
_ والكسوف ده إيه .. هرمونات الظروف !!
نكزته بمرفقها في غيظ وتمتمت :
_ بلاش وقاحة
لا تزال تخفي وجهها عنه لا تريده أن يراها مما جعله يدرك إن الأمر قد لا يكون كما قالت فقط ، انتصب في جلستها ثم نهض والتف حول الفراش من الجهة الأخرى وهتف بلهجة صارمة :
_ طيب ارفعي وشك اللي مخبياه ده .. خليني اشوف الظروف دي مالها !
اجتاحها ألم لا يحتمل مما جعلها تتأوه بصوت مرتفع من الوجع .. وفجأة شعرت بأن معدتها تنقلص وتنطوي ورغبت في التقيء فوثبت من الفراش واقفة وهرولت نحو الحمام فورًا ، اختفى لين ملامحه وظهر محله الزمجرة بعدما توقع سبب الآمها ، استقام واقفًا ولحق بها إلى الحمام سامعًا صوت تقيأها القاسي ، اقترب ووقف بجوارها ثم مد يده يرجع خصلات شعرها للخلف وقد اتضح تورم شفتيها واحمرار عيناها أمامه .
لحظات حتى توقفت عن التقيأ فأسندها واتجه بها نحو المرحاض ووقفا أمامه ثم فتح صنبور الماء وغسل لها وجهها وهي لا تقوى على فتح عيناها من التعب وترتعش بين يديه .
انحنى وحملها على ذراعيه وخرج بها إلى خارج الحمام فاسندت رأسها هي على صدره وقالت باستسلام وألم حقيقى بعدما كشف فعلتها :
_ اتصل بالدكتور ياعدنان
وصل بها إلى الفراش ووضعها عليه بحذر شديد ، ثم أخرج هاتفه من جيبه ورد عليها بصوت حاد ونظرة كلها سخط لا تبشر بالخير :
_ هتصل بيه وليكي حساب معايا بعدين
خرج إلى شرفة الغرفة وأجرى اتصال بالطبيب وطلب منه حضوره في اسرع وقت ، ثم دخل مجددًا لهم واقترب من ابنته لينحنى إلى مستواها ويقول بهمس لم يصل إلى أذن جلنار رغم محاولتها في سماع ما يقوله لها :
_ مين اللي جاب الموز ياهنايا ؟
ردت الصغيرة على أبيها ببراءة :
_ عمو حامد
كان وجهه متشنجًا بشكل مخيف من فرط سخطه ، انتصب في وقفته والقى نظرة ثاقبة على جلنار قبل أن يندفع لخارج الغرفة والمنزل بأكمله .
وقف على عتبة المنزل الداخلية وصاح بصوت جهوري :
_ حــــامــد !
وصلت صيحته إلى " حامد " حارس البوابة الرئيسية للمنزل ، فهب واقفًا من مقعده وهرول راكضًا إليه حتى وقف بمقابلته وقال :
_ نعم يا عدنان بيه
عدنان بعصبية وصوت مخيف :
_ أنا مش منبه عليك إن ممنوع الموز يدخل البيت ، ضمن أي طلبات تجيبها للمدام .
اجفل الآخر نظره أرضًا بأسف وقال باعتذار :
_ أنا آسف يابيه .. بس المدام هي اللي طلبت والله عشان بنت حضرتك ، وأنا موافقتش في البداية عشان وضع الهانم وتعليمات سياتك .. وقالتلي إنها مش هتاكل منه وأنا مقدرتش ارفض طلبها الصراحة
عدنان بصيحة رجولية عنيفة :
_ انا ميخصنيش كل الزفت ده .. كلامي كان واضح لما نبهت وقولت ممنوع يدخل البيت ، واللي حصل منك ده تجاهل لتعليماتي ، أنا سايبك هنا وسايب مراتي وبنتي أمانة معاك في غيابي وإنت تتصرف بالإهمال ده
حامد بحرج وضيق شديد من نفسه معتذرًا بصدق حقيقي :
_ حقك عليا ياعدنان بيه حضرتك عارف معزة الست هانم عندي إزاي ولا يمكن ارضى لها بالاذى أبدًا والله ، أنا بس محبتش اكسر بطلبها.. بس اوعدك إن اللي حصل ده لا يمكن يتكرر تاني
رد عليه عدنان بزمجرة :
_ وأنا مستنيك توعدني .. اعتبر دي أول غلطة ليك والغلطة التانية هتكون بحساب عسير
هو حامد رأسه بالموافقة بينما عدنان فاستدار وعاد للداخل حيث زوجته وابنته ، متوعدًا لجلنار بعد أن تتحسن حالتها بسبب إهمالها في صحتها .
***
تمسك بهاتفها وتعبث به فقط دون أن تفعل أي شيء مفيد .. ملازمة غرفتها وفراشها منذ أيام ولا تخرج منها إلا قليلًا ، وبدأت والدتها تستاء من وضعها وحاولت أكثر من مرة فهم حالتها المزاجية والتحدث معها لكن الرد لا يتغير بكل مرة ( أريد فقط البقاء بمفردي لبعض الوقت ) .. ماسبب عزلتها المفاجئة أو حتى مزاجيتها الغريبة ، لا تعرف لكنها تشعر أن ابنتها ليست بخير .
أما هي ففضلت الابتعاد لأيام عن الجميع وبالأخص عنه ، تريد جمع شتات نفسها المبعثرة ، واستعادة روحها المهدرة بنار الهوى لسنوات .. هوى لم يجلب لصاحبه سوى الألم والشجن .
ستعاني وربما ستتعذب في محاولاتها التي ستجدها بائسة في بداية رحلتها ، لكن يكفي إهدارها لمشاعرها وروحها ، ولن يكون هناك أيضًا إهدار لكرامتها .
بينما هي تعبث في الهاتف على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي ، ظهرت صورته أمامها .. صورة التقطها بالمعرض بعدما انتهت جميع التجهيزات والافتتاح سيكون بعد غد كما تعرف .
توقفت للحظة تحدق بصورته ، تتفرس ملامحه الوسيمة .. ابتسامته الجذابة التي تزين ثغره ، لم تشعر بنفسها سوى وهي تتأمل في صورته هكذا حتى وجدت أصبعها يضغط على ملفه الشخصي وتقلب في ملفه تشاهد صوره الأخيرة .
طرقة واحدة على الباب ثم انفتح ودخلت والدتها ، فأدركت ما تفعله بهذه اللحظة وأسرعت في إغلاق صوره وملفه الشخصي وتصنعت تصفحها لآخر الأخبار التي تظهر تلقائيًا في صفحة الفيس بوك .
اقتربت ميرفت منها وجلست بجوارها على الفراش وهتفت بنفاذ صبر :
_ وبعدين يازينة .. هتفضلي حابسة نفسك في الأوضة كدا كتير
زينة ببساطة :
_ لا ياماما .. ثم أولًا أنا مش حابسة نفسي ، أنا بس حابة اخد فترة استجمام مع نفسي بعيد عن الناس
ميرفت بعصبية :
_ وأنا من الناس دي بقى ولا إيه !!
ضحكت زينة بخفة وانحنت على أمها تحتضن وجهها بين كفيها وتلثم وجنتها بحب متمتمة :
_ لا طبعًا وهو أنا اقدر أصلًا .. ما أنا قاعدة معاكي أهو ياماما
_ قاعدة معايا فين .. ده أنا مش بشوفك في البيت غير كام مرة في اليوم ، طول الوقت حابسة نفسك في الأوضة
_ خلاص أنا آسفة وعد إني مش هقعد وحدي في الأوضة تاني .. حلو كدا ؟
تنهدت ميرفت بارتياح بسيط ثم قالت برضا :
_ أهاا حلو .. هتحضري افتتاح معرض آدم بكرا ولا كمان حابة تستجمي !
عاد العبوس يظهر على محياها وقالت بصرامة :
_ لا مش هحضر .. مش قادرة ومليش نفس الصراحة ، ابقى اعتذريله نيابة عني هو وخالتو
رفعت والدتها حاجبها بحيرة وقالت بنظرة دقيقة :
_ اعتذرله نيابة عنك ! .. ياسلام وده من إمتى بقى ، ده إنتي كنتي معاه في كل التجهيزات وكنتي متحمسة أوي ليوم الافتتاح
_ مش عارفة ياماما مليش مزاج احضر .. اعملي زي ما بقولك بس عشان خاطري
اطالت ميرفت النظر في ابنتها للحظات بشك وبلؤم ثم اعتدلت في جلستها وقالت بحدة مصطنعة :
_ اممممم .. طيب قوليلي بقى إيه اللي حصل
قهقهت وقالت ضاحكة :
_ ياماما يا لئيمة .. مفيش حاجة صدقيني أنا زي ما قولتلك عندي حالة مزاجية اليومين دول ومش عايزة اروح أي مكان
أصدرت ميرفت زفيرًا حارًا بعدم حيلة وقالت في نظرات حانية ومهتمة :
_ طيب ياحبيبتي خلاص مش هضغط عليكي .. بس متأكدة إن مفيش حاجة ؟
هزت راسها بالنفي وهي تبتسم بصفاء ، ثم انحنت معانقة والدتها في ثبات مزيف تتصنعه بصعوبة أمامها .. ابتعدت بعد لحظات عنها فتوقفت ميرفت وقالت بضيق على حالة ابنتها فكل ما قالته لم تصدقه واحساسها يخبرها بأن هناك شيء آخر تخفيه عنها :
_ طيب يلا تعالي ورايا عشان نتعشى مع بعض
_ حاضر
استدارت ميرفت وسارت باتجاه باب الغرفة وانصرفت ، فتنهدت زينة الصعداء بأسى ومسحت على وجهها بحنق ثم نزلت من الفراش واتجهت خلف أمها.
***
يجلس على مقعد أمام فراشها ويحدقها بعيناه الثاقبة ، بينما هي فتجلس على الفراش وتستند على ظهره ، وتتعمد مفادة نظراته المشتعلة .
رحل الطبيب منذ دقائق قليلة وقد املى عليها تعليمات صارمة وجادة حول عدم أكلها لفاكهة الموز مرة أخرى .. وأوضح لها أن كل مرة ستكون الأعراض اقوى وأشد ، امتثلت لتعليماته وسط محاولاتها لتفادي نظرات زوجها القاتلة .
أخيرًا خرج صوته قاتلًا الصمت المهيمن على الوضع بينهم بعدما تركتهم هنا وذهبت لفراشها حتى تنام :
_ أنا ماسك نفسي منك بالعافية ياجلنار
هتفت بانفعال غير مقصود بسبب الأجواء المشحونة بالتوتر من نظراته :
_ خلاص ياعدنان قولتلك آخر مرة ومش هاكله تاني ، متفضلش تبصلي بنظراتك دي
اتسعت عيناه ببعض الدهشة من أنفعالها الغير مناسب لوضعها أبدًا ، تستخدم أسلوب الهجوم وهي في وضع الدفاع .. فتمتم بهدوء مزيف لا يزال يتحلى به أمامها :
_ صوتك ميعلاش عليا وخصوصًا لما تكوني غلطانة
جلنار بعناد :
_ أنا مغلطتش .. طلبت من عم حامد يجيبه عشان " هنا " وقولت إني لو اكلت واحدة مش هتعمل حاجة ، متوقعتش إن واحدة بس هتعمل كل ده أكيد .. بعدين إنت مهتم ليه مش فاهمة .. على العموم أي كان السبب شكرًا على اهتمامك أنا بقيت كويسة دلوقتي ، ياريت تمشي بقى وتروح عند مامتك ومراتك
هذه المرة هدوءه لم يكن مزيفًا حيث لاحت شبه ابتسامة على ثغره وهو يطالعها بنظرة متفحصة ، آخر كلماتها أظهرت له مدى سذاجتها .. رغبت في أن تظهر له نفورها من وجوده لكنها فعلت العكس ولم يفهم من نبرة صوتها الرقيقة سوى الغيظ .
جلنار بسخط من تجاهله كلامها وابتسامته :
_ بقولك امشي يا عدنان
قرر أن يلعب بالأوراق الرابحة مثلها حتى يتحقق التعادل في مبارة تكاد تخرج منها هي رابحة بكل مرة ، فقال بهدوء أعصاب مستفز وبعدم اكتراث جسَّده بمهارة لاعب محترف :
_ ده بيتي يعني اجي وقت ما أنا عايز وامشي وقت ما عايز .. ثم متقلقيش وجودي مش هيأثر بحاجة عشان ممكن يكون عقلك خيل ليكي إني ممكن اقرب منك يعني ، أنا لو قربت منك فهيكون لسبب واحد وهو اللي اتجوزنا عشانه
التهبت عيناها بنيران الغضب .. وتحول وجهها إلى جمرة جعلت منه أحمرًا كالدم من الغيظ ، ولوهلة أحست بأنها تود التقاط كأس الماء الذي بجوارها وتلقيه عليه فتتخلص منه نهائيًا .. جملته الأخيرة لم تكن تثير الغضب بقدر ما استهدفت الإعماق فأوجعت بشدة .
وثبت من فراشها واقفة وثائرة ثم هتفت بقوة وثبات حاولت إظهارهم بصعوبة بعد جملته المؤلمة ، وبعينان كلها نقم واشمئزاز :
_ قصدك اليوم الأسود اللي اتجوزنا فيه .. أنا عمري ما ندمت على حاجة في حياتي قد ما ندمت على إني استسلمت ووافقت اتجوزك ، تعرف أنا ندمانة إن سمحتلك تلمسني أصلًا .. وبندم إن عندي طفلة منك ، كان نفسي أول بنت ليا تكون من راجل بحبه وبيحبني ويستحق إن مامتها تضحي بكل حاجة عشانه وعشانهم بس إنت متستهلش التراب حتى ، ودلوقتي متخيل إني ممكن اكرر الغلط مرتين واسمحلك تاني تقرب مني ويكون عندي طفل تاني منك .. يبقى بتحلم ، أحب اقولك إن إنت هتفضل النقطة السودا اللي في حياتي حتى بعد طلاقنا
تحولت الأجواء من الهدوء المميت إلى الثوران ، حيث هب واقفًا من مقعده وهتف بزمجرة صوته الرجولي وغيرة واضحة بعيناه :
_ وهو مين ده بقى الراجل اللي بتحبيه وبيحبك !
ابتسمت بسخرية ونظرة نارية كلها غل ، ثم قالت بتعمد في شراسة حتى تجعله يزداد اشتعالًا :
_ حاتم مثلًا !
تشنجت عضلات وجهه وتحول كوحش مفترس يستعد للهجوم على فريسته .. يعرف أن نطقت ذلك الاسم خصيصًا لتزيد من غيرته أكثر .
ججذبها من ذراعها يقبض عليه بعنف ويقول بنظرة مرعبة أمام عيناها مباشرة وبصوت يشبه فحيح الأفعى :
_ عشان يكون في معلوماتك ، إنتي كنتي ليا وهتفضلي ليا .. وإن مكنتيش ليا ياجلنار مش هتكوني لغيري ، خليكي فاكرة ده كويس أوي
لا تنكر أن تهديده ونظرته اربكتها ، ظلت تنقل نظرها بين عينيه الثاقبتين ، لم تخطئ حين وصفته بالعُقاب .. يشبهه بكل شيء ، يمتلك نفس العينان الثاقبة والشموخ الذي يسبح في نظراته دومًا .. صلب وقاسٍ ولا يرحم ، لديه من الشراسة والقوة ما تكفيه ليكون في الصدارة ! .
انزوت نظرها عنه و دفعت يده بعيدًا عنها في قوة ثم اتجهت إلى الحمام تاركة إياها يزأر كالأسد .
***
في صباح اليوم التالي .....
اتجهت فوزية إلى الباب وفتحت فوجدت أمامها صديقة مهرة وابنة حارتهم البالغة من العمر الرابعة والعشرون مثل حفيدتها .. فقالت ببشاشة :
_ أهلًا وسهلًا ياسهيلة ادخلي يابنتي
دخلت وقالت بعذوبة :
_ متشكرة ياخالتي .. إنتي اخبار صحتك إيه !
_ بخير الحمدلله يابنتي .. والله جيتي في وقتك لاحسن البنت مهرة مجنناني من امبارح وشكله في حاجة ومش عايزة تقولي ، بس يمكن تقولك إنتي
تنهدت سهيلة بضيق بعد تذكرها لما حدث بصباح الأمس فقالت بلطافة :
_ متقلقيش ياخالتي أنا هعرف مالها وهقولك .. هي فين ؟
أشارت فوزيه بيدها في اتجاه الغرفة متمتمة بقلة حيلة :
_ في الأوضة من وقت ما صحيت من النوم مطلعتش منها
_ طيب أنا هدخلها اشوفها وإنتي اعمليلنا كدا كوبايتين ليمون
من إيدك الحلوة دي عشان نهديلها أعصابها بيهم
ضحكت فوزية بخفة وأماءت لها بالموافقة في صفاء بينما سهيلة فاتجهت إلى غرفة صديقتها وفتحت الباب دون استاذآن حتى ! .. فوجدت مهرة جالسة على الفراش بسكون .
قالت مهرة بقرف :
_ أنا برضوا قولت هو مفيش غير واحدة بس اللي تفتح الباب من غير أذن كدا .. إنتي يابت ابوكي وأمك معلموكيش إني في بيبان بتتخبط الأول قبل ما تدخلي
قالت سهيلة مازحة بضحكة جريئة :
_ لا اصل احنا عيلة متفتحة
_ قصدك عيلة منحرفة
ضحكت الأخرى ثم بلحظة وفي وثبة واحدة وجدتها تجلس أمامها على الفراش وتقول :
_ طيب بصي بقى أنا جيت عشان اقولك كلمتين وسد غطاهم .. بكرا في مشوار وهتروحي معايا عشان مش حلوة اروح وحدي ، أما مشوار إيه فهو مفاجأة
ثانيًا وده الأهم ، مش مهرة بنت رمضان الأحمدي اللي تفضل قاعدة في اوضتها ومتروحش شغلها عشان ست **** زي اللي اسمها بدرية دي قالت كلمتين ملهمش اي تلاتين لزمة
مهرة باستياء :
_ أولًا أنا مروحتش الشغل عشان حد .. ثانيًا أنا عرفتها مقامها كويس أوي واخدت حقي
سهيلة بانفعال على صديقتها :
_ اخدتي حقك آه بس كذابة .. إنتي منزلتيش الشغل عشان خايفة من نظرات أهل المنطقة .. دي مش مهرة اللي أنا اعرفها ، عشان صحبتي واختي اللي متربية معاها طول ما هي معملتش حاجة غلط متخفش من اتخن تخين فيكي يا بلد ولو حد قال كلمة تحط صباعها في عينه
اشاحت مهرة بنظرها عنها للجهة الأخرى وهي تهز قدميها بغيظ وحرقة ، ثم قالت بصوت خافت :
_ إنتي عايزة إيه يعني دلوقتي ياسهيلة
سهيلة بابتسامة عريضة وبشراسة :
_ عايزاكي تقومي تلبسي وتروحي شغلك .. وتمشي وإنتي رافعة راسك ومتقلقيش وراكي رجالة هنا يعني أي حد لسانه هتيعوج بالكلام عليكي في ضهرك هنقطعهوله
وتجهزي نفسك كمان مقدمًا لطلعة بكرا ، عشان دي مش أي طلعة
_ طلعة إيه ؟!
_ خليها مفاجأة احسن .. أو هي مش مفاجأة انا مش عايزة اقولك عشان عارفاكي فقرية ولو قولتلك هتقولي مش هروح
_ يعني إنتي عارفة إني لو عرفت مش هروح ورغم كدا عايزة تاخديني
سهيلة بمزاح وطريقة كوميدية :
_ آه أصل أنا بعيد عنك بنت لزقة ، بلزق زي الغرى كدا في البني آدم .. هتقولي مش هروح هفضل اون فوق دماغك لغاية ما تخبطيني بحاجة فوق راسي وبرضوا مش هيأثر فيا
_ قصدك جبلة يعني !
_ بظبط كدا عليكي نور .. قولتي إيه بقى هتروحي أكيد صح !
اطالت مهرة النظر فيها بنظرات مشتعلة من الغيظ ، فتوترت الأخرى وقالت صائحة بخوف :
_ الليمون ياخالة فوزية بسرعة
***
طرقت عدة طرقات خفيفة على الباب حتى سمعت صوته وهو يسمح للطارق بالدخول ، فتحت الباب ودخلت فوجدته جاهزًا للخروج ويجلس على الأريكة الصغيرة بغرفتة الواسعة ويمسك بهاتفه يتطلع إليه كأنه ينتظر اتصال من أحدهم .
فسألته بحنو :
_ إنت مخرجتش ليه ياحبيبي ؟
آدم بخفوت :
_ مستني مكالمة ياماما وبعدين همشي
تحركت نحوه ثم جلست بجواره وغمغمت بنبرة تحمل في طياتها اللؤم :
_ طيب أنا عايزة اتكلم معاك في موضوع مش هياخد دقيقتين
ظن أن الأمر هامًا وجادًا ، حيث ثبت كل تركيزه عليها وقال باهتمام :
_ خير ياماما اتفضلي
أسمهان بابتسامة خبيثة :
_ أنا لقيت ليك العروسة .. اكتر واحدة مناسبة ومفيش بنت هتكون احلى منها أو هتحبك زيها
تلاشت ابتسامته تدريجيًا من بداية كلامها وعندما وصلت لآخر كلمة فهم من هي الفتاة التي تقصدها ، فهتف منفعلًا برفض تام :
_ الفكرة دي مرفوضة تمامًا بنسبالي ، واللي بتفكري فيه ده لا يمكن يحصل
أدركت أنه فهم هوية الفتاة فقالت بعصبية مماثلة له :
_ ومرفوضة ليه يا آدم ، إنت هتلاقي فين بنت تحبك زيها ، وبنت خالتك يعني اكتر بنت مناسبة ليك
استقام واقفًا وصاح :
_ ماهي المشكلة إنها بتحبني وللأسف أنا عارف وحاولت اكتر من مرة ابادلها نفس المشاعر بس مش قادر ، ولو سمحتي ياماما متحاوليش تقربيها مني بأي شكل من الأشكال .. أنا مش عايزها تتعلق بوهم وبحاجة مش هتحصل .. وياريت كمان لو تطلعي موضوع جوازي ده من دماغك أنا قولتلك وقت ما الاقي البنت المناسبة ليا هاجي بنفسك واقولك إني هتجوز
هبت أسمهان واقفة وهتفت بسخط :
_ وياترى البنت اللي هتختارها دي هتكون زي اختيارات اخوك كدا ولا إيه يا أستاذ
ضحك من وسط نيرانه الملتهبة ثم هتف بخفوت مريب وبنظرات نارية مثبتها على عينان والدته :
_ خلينا متفقين يا أسمهان هانم إن فريدة هي الاختيار الغلط ، لكن جلنار هي أكتر واحدة مناسبة لابنك .. وأنا وإنتي عارفين كويس أوي سبب كرهك ليها ، وده بيأكد ليا حاجة واحدة إنك لسا ......
لم تدعه يستكمل بقية عبارته حيث هوت بكفها على وجنته وصاحت بغضب :
_ اخرس .. إنت بتقول وبتفكر كدا ، أخص يا آدم أخص
ثم ألقت عليه نظرة أخيرة وهي تراه لا يزال يزيح بوجهه للجهة الأخرى بسبب صفعتها له و يتطلع أرضًا ، استدارت واتجهت لخارج الغرفة بأكملها ، وبينما كانت في طريقها إلى الأسفل .. ارتفع رنين هاتفها فنظرت إلى الشاشة تقرأ هوية المتصل وأجابت بدون تردد :
_ أيوة ياعدنان
عدنان بحزم :
_ فريدة موجودة في البيت ياماما
أسمهان بقرف وخنق :
_ أيوة مرزوعة فوق
_ طيب عايزك تخلي عينك عليها في كل حاجة بتعملها سواء جوا البيت أو برا طول ما أنا مش موجود وأنا عارف إن إنتي مش هتتوصي في حاجة زي كدا
توقفت عن السير ولمعت عيناها بشرارة شيطانية ثم هتفت بمكر :
_ هو حصل حاجة ولا إيه ؟
عدنان بخشونة :
_ محصلش بس تحركاتها وتصرفاتها مش عجباني الفترة دي وعايز اعرف النفس اللي بتتنفسه بيخرج امتى وبيرجع امتى
أسمهان بغل وهي تتلفت برأسها للخلف حتى تتأكد من عدم وجودها بالجوار :
_ حتى أنا حاسة إن في وراها حاجة ، متقلقش ياحبيبي هتفضل تحت عيني
ودعها وانهى الاتصال بينما هي فانزلت الهاتف من على أذنها وأخذت تضرب به على كفها بخفة وهي تبتسم بخبث وتتمتم :
_ شكل نهايتك قربت أوي يابنت الخدامة .. والعد تنازلي بتاعك بدأ ، فاضل بس بنت الرازي وابقى خلصت منكم إنتوا الاتنين
***
انتظم الجميع فور معرفتهم وصول رب عملهم .. من كان يمسك بيده شيء توقف بأرضه احترامًا له حتى يعبر والباقية جلسوا جميعهم أمام مكاتبهم الصغيرة ويتابعونه بعيناهم وهو يمر من أمامهم بهيئته وخطواته المربكة للأعصاب .. وبمجرد عبوره تنهد الجميع براحة .. وصل إلى غرفة مكتبه وقبل أن يدخل تحدثت السكرتيرة الخاصة به " ليلي " قائلة :
_ صباح الخير يافندم النهادره في ....
عدنان بلهجة قوية وهو يفتح الباب ويدخل :
_ الغي أي مواعيد مش فاضي اقابل حد النهارده
_ حاضر
دخل وأغلق الباب خلفه ثم نزع سترته عنه ووضعها على ظهر مقعده ثم جلس على المقعد .. وانحنى بجسده قليلًا على الدرج السفلي من المكتب وفتحه وأخذ يبحث فيه عن أحد الملفات المهمة ، فلم يجده ! .. ضيق عيناه بحدة ثم اندفع يبحث في بقية الأدراج بشيء من بشائر الغضب التي بدأت ترتفع لوجهه ، ولكن فجأة توقف عن البحث وهو ينظر على الدرج وعصفت بذهنه لحظة الأمس حين جلس على المقعد وأخرج من نفس الدرج إحدى الملفات ولم ينتبه أنه كان مفتوحًا بسبب تعجله .
تحولت نظراته وصاح بصوته الجهوري :
_ لـــيــلـــى
انتفضت ليلى في مقعدها بالخارج ووثبت واقفة بفزع على أثر صرخته الجهورية ، وفتحت الباب فورًا فقابلت منه صرخته وهو عبارة عن لهيب من النيران :
_ مين اللي دخل مكتبي وأنا مش موجود
ليلى بخوف ملحوظ :
_ محدش يافندم دخل
عدنان بصوت مرتفع وصل لجميع آذان الموظفين بالخارج :
_ محدش دخل إزاي يا أنسة في ملفات ناقصة من المكتب .. المفروض إن دي مسؤوليتك
_ والله يافندم مفيش أي حد دخل مكتب حضرتك في غيابك
_ شوفيلي تسجيلات الكاميرات فورًا وهاتيها ليا
اماءت له عدة مرات متتالية في خوف واندفعت للخارج مسرعة ممتثلة لأوامره .. بينما هو فظل يجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا وهو بركان ثائر تفوح حممه البركانية على سطحه ، اختفاء ملفات كهذه ستكون خسائرها فادحة على امبراطورية الشافعي .
***
توقفت بالسيارة أمام إحدى المنازل الضخمة .. ثم ترجلت منها وقالت محدثة السائق الخاص بها :
_ استناني هنا
_ حاضر يا هانم
قادت خطواتها إلى الداخل بخطوات كلها ثقة وشراسة وهي تتطلع من خلف نظارتها الشمسية إلى المنزل ، حتى وصلت إلى الباب فطرقت عدة طرقات قوية على الباب وبعد لحظات معدودة فتح الباب وظهرت من خلفه خادمة في مقتبل العشرون من عمرها .. انزلت جزء من نظارتها وحدقتها بنظرة متفحصة وهي تبتسم بسخرية ومكر فقالت الفتاة برسمية :
_ أيوة حضرتك عايزة مين ؟
ردت عليها وهي لا تزال تطالعها بنفس النظرة :
_ نشأت موجود
تعجبت الفتاة من نطقها لاسم رب عملها دون أي القاب كأنها تعرفه منذ زمن ولكنها ردت عليها بخفوت :
_ أيوة موجود .. اقوله مين ؟
انزلت النظارة من على عيناها وهتفت في شموخ :
_ أسمهان الشافعي
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود توفيق
منتظرة بغرفة المكتب الخاصة به لما يقارب ثلاث دقائق بالضبط ، جالسة على مقعد وثير بجانب المكتب واضعة ساق فوق الأخرى ، وبنظرها تتجول بين أرجاء الغرفة .. تتأمل أثاثها الكلاسيكي والرث بالنسبة لها ، حتى الوانها باهتة وتبعث طاقة سلبية في نفس الناظر إليها .. يبدو أن الزمن ترك آثاره حتى على المنزل فجعله كالقصور المتهالكة ، أو ربما هو ليس كالقصور المتهالكة هو بالفعل كذلك .. خالي من الروح والحياة ، منزل كئيب ومظلم ، يعطي انطباع من الخارج أنه مهجور ولا يسكنه بشر ! .
قطع جلسة تأملها في جدارن وأثاث الغرفة دخوله عليها وهو يقول بابتسامة تحمل القليل من الاستنكار :
_ معقول أسمهان هانم بنفسها في بيتي !
بقت بمقعدها دون أن تقف أو تتحرك حركة واحدة ، فقط تطلعت إليه بثبات انفعالي مميز وانتظرته حتى اقترب منها وجلس على المقعد المقابل لها هاتفًا بابتسامة سمجة :
_ قبل أي حاجة .. تحبي تشربي إيه ، دي أول مرة تدخلي فيها بيتي ولازم اضيفك
ملامح جامدة لم تتغير منذ دخوله ، تحدجه بها حتى الآن دون حتى ابتسامة بسيطة متكلفة ، وكيف تتكلف وهي لا تجيد الابتسام أساسًا ! .
أسمهان بلهجة حازمة :
_ أنا مش جاية اشرب يا نشأت .. هما كلمتين جاية اقولهم ليك وهمشي
رجع بظهره للخلف على مقعده يجلس باسترخاء متمتمًا بهدوء أعصاب مستفز :
_ وأنا سامعك ، اتفضلي
تجاهلت نظراته ولهجته وتصرفت بطبيعتها الجافة حيث قالت في أعين تنبع بشرارة الشر والوعيد :
_ هتخلي بنتك تبعد عن ابني واعتقد دي مش مهمة صعبة عليك .. زي ما اقنعتها تتجوزه هتقنعها إنها تطلق ، وإلا صدقني مش هتشوفها تاني
نشأت بنظرة كلها تحدي :
_ متقدريش يا أسمهان تلمسي شعرة واحدة منها .. عشان سعتها أنا اللي هاخد روحك ومش هعمل حساب لأي حاجة ، واظن كمان إن حتى إنتي عارفة أنا قد إيه راجل **** وممكن اعمل إيه ، ثانيًا لما تحبي تهدديني ببنتي كان المفروض تكون معلوماتك كاملة
أسمهان بزمجرة :
_ قصدك إيه !
انتصب في جلسته وقال بحدة تليق بصوته الرجولي :
_ قصدي إن ابنك اللي متمسك ببنتي ورافض يطلقها مش هي ، وطلب مني إني اديله المساحة عشان يحاول يصلح علاقته بيها تاني وتفضل بنتهم عايشة وسط باباها ومامتها
استشاطت غيظًا فور سماعها لتلك الكلمات وووقفت ثائرة وهي تهتف :
_ عدنان لا يمكن يقول حاجة زي ، بنتك متفرقش معاه بحاجة وهي اللي واضح أوي نيتها أيه من الجواز دي ، الصراحة مكنتش متوقعة إنها هتطلع نسخة حقيرة ومصغرة من أمها كدا
وثبت هو الآخر ثائرًا وصاح بها منفعلًا :
_ أسمهان الزمي حدودك واعرفي إنتي بتتكلمي عن مين ، الغل والحقد اللي في قلبك ده يكون بيني وبينك وتصفية حسابات لو حابة يبقى نصفيها مع بعض ، لكن بنتي خط أحمر
رمقته بنظرة ساخرة أخيرة قبل أن تردف بثقة :
_ انا قولت اللي عندي وإنت فهمتني
ثم استدارت واتجهت إلى خارج الغرفة بأكملها وتركته يشتعل بأرضه من الغضب .
***
داخل مقر شركة أل الشافعي .....
يجلس على مقعده أمام المكتب ويشاهد آخر تسجيلات كاميرات المراقبة على الحاسوب النقال ، وتقف بجواره ليلى التي تتابع كل التسجيلات الأخيرة ، وما لاحظه عدنان أن هناك تسجيلات محذوفة ترجع ليوم الثلاثاء .. منذ يومين بالضبط .
رفع نظره لليلى التي كانت تحدق بالحاسوب قاطبة حاجبيها باستغراب وقال بحزم :
_ في تسجيلات محذوفة !
سكتت لوهلة من الوقت تعيد تفاصيل يوم الثلاثاء في ذهنها بالكامل ، وفجأة لمعت عيناها وقالت مسرعة بحيرة :
_ أيوة صح .. في اليوم ده دخل مستر نادر المكتب ولما حاولت امنعه قالي إن داخل هيحط ملف مهم لحضرتك على المكتب عشان أول ما نرجع تشوفه .. وبعدها في آخر اليوم طلب مني يشوف التسجيلات بتاعت مكتب حضرتك
أظلمت عيناه بشكل مخيف وظل يتطلع إليها لبرهة من الوقت ، يحاول أن لا يدع الشك يتسرب إليه .. لكن كل ما يظهر أمامه من أدلة ، يشير إلى حقيقة واحدة ! .
عدنان بصوت غليظ ومريب :
_ متأكدة من الكلام ده يا ليلى !
ليلى بثقة تامة :
_ أيوة يافندم متأكدة .. حتى آدم بيه كان منبه عليا إن محدش يدخل مكتب حضرتك وأنت مش موجود وخصوصًا مستر نادر .. ولما حب يدخل وقولتله اللي قاله آدم بيه اتعصب ودخل غصب عني
مسح عدنان على وجهه بعدم استيعاب .. وهناك صوتًا في عقله يستمر بتأكيد ظنونه له ، لكنه لا يرغب بالإستماع أليه قبل أن يتأكد بنفسه .. وخصوصًا أن نادر من أقرب الأشخاص لديه ، فعقله يجد صعوبة في تصديق أنه قد يكون المتسبب في هذا ! .
تمتم بنبرة محتقنة :
_ إنتي عارفة اللي بتقوليه ده معناه إيه لو طلع صح
هزت راسها بإيجاب وتمتمت في خفوت :
_ أنا من رأى نتأكد الأول ، لأن ممكن يكون ملوش ذنب
استقام من مقعده واقفًا وتحدث إليها بلهجة صارمة ونظرة ثاقبة كلها قوة وجفاء :
_ لو اللي بنفكر فيه صح يبقى كل حاجة هتظهر أكيد ..
المهم انتي هتدخلي مكتبه وهتدوري على الملف ده وهتراقبي كل تحركاته الفترة الجاية في الشركة وهتبلغيني بكل تفصيلة تشوفيها .. بس من غير ما نخليه يحس نهائي إننا شاكين فيه
اماءت لها ليلى بالموافقة وقالت برسمية :
_ تحت أمرك
ابتعد من أمامها وتحرك باتجاه النافذة التي بطول الحائط ووقف أمامها واضعًا كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله مردفًا بتفكير :
_ خلاص تقدري تتفضلي يا ليلى
تحركت نحو الباب بصمت تام وغادرت وتركته بين تساؤلاته التي تنهش عقله نهش ! .
***
في مساء اليوم .......
يقود سيارته في طريقه إلى قصر الشافعي ويضع هاتفه أمامه يجرى عدة اتصالات بجلنار حتى يطمئن عليها لكن دون إجابة ، يستمر الهاتف في الرنين وبلا جدوى ، مرة واثنين وثلاثة والنتيجة نفسها ، ضيق عيناه باستغراب ممتزج ببعض القلق .. وعقله لا يتوقف عن توقع السوء .
أدرك أن لا مجال لراحة تفكيره ونفسه القلقة سوى الذهاب والاطمئنان عليها بنفسه .. غير وجهة سيارته واستدار بها عائدًا إلى منزله الثاني .
بعد دقائق من القيادة السريعة توقف بالسيارة في المكان المخصص لها داخل المنزل ، وفتح الباب ثم نزل وقاد خطواته المضطربة نحو الباب الداخلي .
أخرج المفاتيح من جيبه ووضعها في قفل الباب فانفتح ، دخل ثم أغلقه خلفه بهدوء ونزع حذائه بجانب الباب ثم سار نحو الداخل .. كان الهدوء يهيمن على المنزل كله والأضواء خافتة ، فقط هناك صوت بسيط ينبعث من الصالون ، تمامًا كصوت التلفاز .. تحرك نحوه بخطوات طبيعية ، وإذا به يراها جالسة على الأريكة المقابلة للتلفاز وتستند بكلتا يديها على ذراع الأريكة واضعة رأسها فوق ظهر كفيها ونائمة ووساقيها المكشوفان للركبة تفرد جزء منهم بجانبها على طول الأريكة .
بقى متسمرًا مكانه للحظات يتطلع إليها بتمعن حتى أصدر تنهيدة حارة بارتياح واقترب منها بحذر ، ثم انحنى والتقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز واطفأه ، والتفت إليها ليعود وينحنى عليها قبل أن يمد إحدى ذراعيه أسفل منتصف ساقيها والآخر أسفل منتصف ظهرها ليحملها فوق ذراعيه ويسير بها إلى غرفتهم .
فتحت عيناها بخمول ورأت صورته مشوشة قليلًا بسبب نعاسها ، لكنها أدركت أنه هو ، ودون أن تشعر وجدت نفسها تلف ذراعيها حول رقبته وتنحنى برأسها تدفنها بين ثنايا رقبته هامسة بصوت ناعس وغير واعٍ دون أن تفتح عيناها :
_ بكرهك
انزل نظره إليها ، يرمقها مطولًا ثم يبتسم بساحرية وينحنى برأسه عليها هامسًا بمشاكسة :
_ قولتيها كتير أوي لدرجة إني بدأت أشك إن قصدك بيها العكس
سمعت همهمات خافتة بصوته الهاديء في أذنها لكنها لم تدرك أي شيء وكان النوم هو العامل الأكبر الذي يسيطر عليها الآن .
وصل بها إلى الغرفة واقترب من الفراش فانحنى ووضعها برفق شديد في المنتصف ، ثم جذب الغطاء ورفعه على جسدها يدثرها به جيدًا ، وكانت ردة الفعل التلقائية منها أنها ضمت الغطاء إليها أكثر في شعور طبيعي بالدفء .. جلس على حافة الفراش بجوارها ثم مد أنامله وأبعد خصلاتها عن وجهها الجميل ، يتأمل جمالها الساحري والمثير ، وبحركة لاشعورية منه نزلت أنامله بلمساتها إلى بشرة وجهها الناعمة يستشعر الاختلاف ، واستمرت لمساته في التنقل على بشرتها بعدم وعي .. لا يذكر متى كانت المرة الأخيرة التي اقترب منها فيها ولمسها دون أو يواجه نفورها الدائم لكل لمسه تخطها يده على جسدها ، لأول مرة منذ زواجهم روحه تطالب بها .. تتخبط في الأعماق مصرحة بشوقها إلى زهرة العُقاب التي تظهر له كل يوم مدى قسوتها ، يبدو أن انتقامها سيكون أشد مما توقعه .
تمعن ملامحها الهادئة يفحص إذا كانت آثار تحسسها من فاكهة الموز لا تزال على وجهها أم لا ، كان هناك تورم بسيط لا يلحظ بعيناها وكذلك شفتيها الوردية ، بالعادة هي تمتلك شفاه صغيرة وناعمة كالأطفال ، لكن تورمها بفعل الحساسية جعلها منتكزة تثير الفطرة الطبيعية ، اشاح بوجهه للجهة الأخرى يبعد نظره عنها بعدما احس بدنو استسلامه وضعفه أمامها .. وبتلك اللحظة تحديدًا صدع صوت رنين هاتفه فانتفض في جلسته ومد يده بجيبه مسرعًا ليخرجه ويكتم الصوت حتى لا يوقظها .
استقام وسار مبتعدًا قليلًا عن فراشها يجيب على الهاتف :
_ أيوة يافريدة
وصله صوتها وهي تأن من الألم وتقول بنبرة متوجعة :
_ تعالى ياعدنان بسرعة .. أنا تعبانة أوي آاااه
أجابها فور سماعه تأوهاتها المرتفعة :
_ حاضر .. مسافة الطريق وأكون عندك .. هجيب الدكتور معايا
فريدة برفض مسرعة :
_ لا لا متجبش الدكتور .. تعالى إنت بس
_ طيب
انهى معها الاتصال واندفع مغادرًا الغرفة وقبل أن يرحل ، توجه إلى غرفة صغيرته والقى نظرة عليها وهي نائمة في فراشها ثم دثرها بالغطاء جيدًا وانصرف .
***
ظلت ممسكة بالهاتف بعدما انهت الاتصال معه وهي تحدق أمامها بغل وتتمتم بشر يظهر في نظراتها :
_ يلا خلينا نشوف هيروح يقعد عندك إزاي يابنت الرازي .. مبقاش أنا فريدة إما خليته واحدة واحدة هو بنفسه اللي يطلقك
ذهبت وانضمت إلى فراشها وتدثرت بالغطاء تستعد لتمثيل دور المريضة عند وصوله حتى تكتمل كذبتها ! .. مرت دقائق طويلة قاربت على الساعة وهي بانتظاره وعيناها معلقة على ساعة الحائط ، وها هي تسمع صوت خطواته المميزة تقترب من الغرفة أخيرًا ، فهرولت وعدلت من وضعية نومها وامسكت بمعدتها ورسمت على محياها علامات الألم والتعب ، وبعد ثواني انفتح الباب وظهر هو من خلفه .. تعمدت عدم النظر إليه واغمضت عيناها وهي متكورة بفراشها ! .
اقترب منها مسرعًا وجلس بجوارها على الفراش ممسكًا بيدها وهاتفًا بقلق :
_ مالك يافريدة ؟
أجابته بخفوت :
_ كنت تعبانة وكان جسمي كله متكسر ومعدتي كانت بتآلمني أوي
مد يده إلى جبهتها يتحسس حرارة جسدها فوجدها طبيعية ، أردف بريبة :
_ حرارتك مش عالية !
فريدة بتوضيح مضيفة القليل من البهارات على كذبتها :
_ الحرارة ممكن تكون من الداخل .. بس أنا اخدت علاج قبل ما إنت تيجي وبقيت كويسة شوية الحمدلله
_ علاج إيه ده ! .. وإزاي تاخدي حاجة من نفسك يافريدة !
كانت جملته تحمل الانفعال والاستياء فردت هي عليه بهدوء :
_ متقلقش ياحبيبي أنا متعودة باخده دايمًا لما بتعب كدا
رمقها بنظرة مطولة ثم أخرج هاتفه من جيب بنطاله وهم بالاتصال بالطبيب ، فأمسكت بيده وقالت وهي تعتدل جالسة :
_ أنا بقيت كويسة شوية صدقني مش مستاهلة دكتور ، لو كنت تعبانة أوي زي قبل ما تيجي كنت هخليك تكلمه
تفحص معالم وجهها لثواني ثم انزل الهاتف مستسلمًا ، ومد يده إلى وجنتها يملس عليها بحنو هامسًا :
_ طيب اتعشيتي ولا لسا ؟
هزت رأسها بالإيجاب ثم لفت ذراعيها حول رقبته وقالت بدلال أنوثي :
_ أنا آسفة عارفة إني ضايقتك كتير الأيام اللي فاتت مني .. وكنت غلطانة ، بس وعد كل اللي حصل ده مش هيتكرر تاني ووعد إني هرجع فريدتك وحبيبتك تاني وهعوضك عن فترة الخلافات اللي كانت بينا دي
ابتسم بلؤم يليق به ثم استطرد بجملة غير متوقعة تمامًا :
_ فريدة هو إنتي تعبانة بجد ؟!
استغربته واستقرت بعيناها نظرة حائرة .. حتى فهمت ما يرمي إليه فقررت أخيرًا آثر الحقيقة ، وقالت بهمس به لمسة خبيثة :
_ الصراحة لا .. بس بما إننا يعتبر كنا متخانقين فمكنش في طريقة اخليك تيجيلي بيها غير دي للأسف ، وأعتقد إن إنت كنت عند جلنار مش كدا ؟
_ إنتي من إمتى بقيتي تغيري منها !
فريدة بنظرة شرسة :
_ من وقت ما بدأت أحس إنها بقت تشاركني فيك فعلًا
مالت شفتيه لليسار في ابتسامة مداعبة ثم انحنى عليها يهمس أمام وجهها ببحة رجولية مثيرة :
_ خلينا نفترض إن كلامك صح .. هل ده هيغير حاجة
تصنعت عدم الفهم وعزمت على أن تكون الليلة هي ليلتهم ، وتبادر هي ببدأها :
_ يعني !
تمتم بعين تلمع بوميض الرغبة :
_ يعني بحبك يافريدتي
ليلة أخرى .. ستكون فيها معه جسد فقط بلا روح ، تستغل الفرص المعطاة لها حتى تحافظ على زواج لا تريده سوى للمصلحة ، تظهر الحب والوفاء لزوج وتطعنه بشرفه في الظهر ، ورغم كل هذا تتقرب منه كأسلوب منحدر منها حتى تمنعه عن التفكير بغيرها ، وتظل هي المهيمنة والآمرة ولا ينهدم ما قامت ببنائه لسنوات ! .
***
في تمام الساعة الثالثة فجرًا ......
صدع صوت رنين هاتفها على المنضدة الصغيرة المجاورة لفراشهم .. فوثبت كمن لدغه عقرب والتقطت الهاتف مسرعة وكتمت صوت الرنين حتى لا يستيقظ ، القت عليه نظرة دقيقة وقد كان متسطح على ظهره واضعها كلتا كفيه أسفل رأسه ونائمًا عاريًا الصدر .. دققت النظر في وجهه أكثر لتتأكد من انغماسه في النوم ، ثم تسللت من الفراش بحذر شديد كلص والتقطت الروب الطويل ترتديه فوق قميص النوم القصير .. جذبت الهاتف معها وسارت على أطراف أصابعها إلى خارج الغرفة حتى تجيب على الهاتف .
بمجرد ما أن فتحت الباب وخرجت ، فتح هو عيناه دفعة واحدة كالذئب المترصد لفريسته ، بقى معلقًا نظره على السقف للحظات وانفتح فمه قليلًا بانحناءة مرعبة ولسانه بدأ يسير على ضروسه العلوية في عينان حمراء كالدم ، ونفس ثائرة على وشك أن تعلن قيام عاصفتها المدمرة .. يستمع إلى همهاتها القادمة من الخارج وهي تتحدث في الهاتف ويزداد ثورانه .
مد يده إلى الغطاء وأبعده بعنف عن جسده ، ثم استقام من الفراش وتحرك باتجاه الباب ، رآها تقف على مسافة قصيرة من الغرفة مولية ظهرها للباب .. تحرك نحوها في خطوات من شدة هدوئها وترصدها لم تشعر به ، ولحسن حظها أنها كانت تنهي اتصالها مع نادر بعدما كان يخبرها بأمر هام يخص الملفات الذي أخذها من مكتب عدنان .
أنهت معه الاتصال واستدارت بجسدها حتى تعود إلى الغرفة ، لكنها اصطدمت به كحائط منيع يقف بظهرها تمامًا .. أصدر شهقة كانت أشبه بصرخة وارتدت للخلف في زعر ، تتطلع إلى هيئته المرعبة ونظراته القاتلة التي يرمقها بها ، كأنه نام شخص وأستيقظ آخر ! .. أين اختفت نظرات الدفء والعشق التي أمطرها بها طوال ليلتهم منذ ساعات ، ازدردت ريقها بخوف واضطراب حقيقي هذا المرة .
عدنان بصوتًا كان كافي لبث الزعر في نفسها :
_ كنتي بتكلمي مين ؟
نزلت بعيناها إلى الهاتف الذي بيدها تلقي نظرة مرتبكة عليه ثم عادت بنظرها إليه وقالت متلعثمة في كذبة كانت سخيفة جدًا هذه المرة :
_ دي .... دي لميا بتكلمني تسألني عن حاجة
رفع حاجبه مستنكرًا كذبتها :
_ في الوقت ده !
فريدة بتوتر ملحوظ :
_ آه ما إنت عارف إنها قريبة جدا مني ومش بتعرف تعمل حاجة غير لما تاخد رأى الأول
تحرك حاجبيه باستهزاء في شكل مثير للأعصاب ثم مد يده حتى يجذب الهاتف من يدها لكنها ضغطت عليه بتلقائية كنوع من الرفض ، لكنه باغتها بصرخته العنيفة بها :
_ هاتي الزفت ده
أرخت عضلات يدها عليه فجذبه من يدها وفتحه لكن ظهرت شاشة ادخال الرقم السري أولًا ، فرفعه أمام وجهها وهتف بحدة :
_ افتحيه
مدت يدها وفتحته وهي تقول بغضب امتزج باضطرابها :
_ هو في إيه بظبط ياعدنان ما تفهمني !
_ هنفهم كلنا دلوقتي في إيه
فتح آخر المكالمات وقام بالاتصال على آخر رقم في قائمة الاتصالات ، بسط الهاتف في المنتصف بينهم وفتح مكبر الصوت ، ينتظر الرد .. أحست هي بأنها ستفقد وعيها وانفاسها انسحبت في رئتيها من الخوف ، يبدو إنها وصلت لنهاية الطريق ، ظل صوت الرنين يعلو صوته في أذنها كالبرق وهي تدعو ربها أن لا يقوم نادر بحركة متسرعة ويجيب .
انتهى الرنين دون رد فحدقها بنظرة مميتة وقال :
_ إنتي مش لسا كنتي بتكلميها برضوا .. مبتردش ليه
_ معرفش يمكن دخلت الحمام .. بعدين أنا عايزة افهم إنت إيه اللي بتعمله ده
كانت كلمات اندفاعية منها وهي تسحب الهاتف من يده ، لكنه باغتها بحركة مفاجأة منه وهو يجذبها من ذراعها ويضغط عليها بقسوة هامسًا بنبرة دبت الرعب في أوصالها :
_ اللي حصل بينا من كام ساعة ده .. كان برغبة مني عشان أتأكد من حاجة وأتأكدت ، حابب أقولك إن الحصانة بتاعتك خلصت يافريدة واستنفذتي كل الفرص اللي ادتهالك
كلمات كلها مبهمة لا يُفهم منها سوى شيء واحد ، أنها أصبحت على الهاوية ، وأن النهاية المحتومة تقف على أعتاب الباب .
هل كان كل الحب والحنان الذي امطرها به في ليلتهم ، متصنعًا حتى يحقق مبتغاه المجهول ! .. كيف ؟!!! ، لا تفهم شيء من الذي يحدث سوى أنه شك بل وأصبح شبه متأكدًا من خيانتها له ! .
***
تجلس بجوار ابنتها في فراشها الصغير وتملس على شعرها بحنو ، حتى تخلد للنوم .. بعدما كثرت اسألتها التي لم تجد لها إجابة حول غياب والدها منذ مساء الأمس .
بينما هي فهناك بعض التفاصيل تتذكرها ، جميعها كان موجود بها بالأمس .. لا تتمكن من التذكر جيدًا لكن هناك صور بعقلها له وهو يحملها ويتجه بها للغرفة ، تتذكر أنها رأت وجهه وابتسامته وهو يحملها ، وبعد ذلك لا يوجد اي شيء بذاكرتها .. ظنته حلم عندما استيقظت من النوم في صباح اليوم التالي ، لكن كيفية وصولها إلى الفراش وهي كانت نائمة على الأريكة أمام التلفاز بالخارج ، هذا ما جعلها تتأكد من أنه جاء في المساء .
ألقت نظرة دافئة على صغيرتها التي خلدت للنوم بعمق ، ثم انحنت عليها وطبعت قبلة رقيقة على جبهتها واستقامة واقفة لتغادر الغرفة بهدوء شديد .. وصلت إلى غرفتها ورفعت يدها تنزع المشبك الذي تثبت به شعرها .. همت بالدخول للفراش حتى تنام ، لكن صوت الباب وهو ينفتح سمرها مكانها .. ظلت ثابتة مكانها تستمع إلى خطواته ، معتقدة إن وجهته الأولى ستكون إليها كالعادة ، لكن ما أصابها بالتعجب أن صوت خطاه توقف ولم يدخل للغرفة .. رفعت حاجبها بحيرة ثم استدارت واتجهت بخطا قدماها الناعمة إلى الخارج .. رأته يجلس على الأريكة بالصالون ويرجع برأسه للخلف إلى الحافة العلوية من ظهر الأريكة مغمضًا عيناه ، لم تكن علامات التعب أو الإرهاق بادية على وجهه .. بل أخرى كلها غضب وحنق ويحدق في السقف بفراغ كالذي ارهقه التفكير فلم يعد يعرف بماذا يفكر أكثر ! .
صوت في ثناياها ألح عليها أن تُقبل عليه وتسأله مالذي به ، لكنها قتلت ذلك الصوت وفضلت التجاهل ، وكانت على وشك أن تستدير وتعود لغرفتها لكن همسته القوية باسمها أوقفتها بأرضها :
_ جلنار
ظلت مكانها لا تلتفت له ولا تجيب عليه ، فقط تنتظر منه أن يستكمل جملته .. فخرج صوته مستكملًا :
_ تعالى عايز اتكلم معاكي شوية
ردت ببرود وعدم اكتراث :
_ أنا تعبانة وعايزة انام .. تصبح على خير
أنهت جملتها وتحركت نحو غرفتها ، بينما هو فاستشاط غيظًا وبلحظة هب ثائرًا من مكانه واندفع خلفها كالوحش .. جذبها من ذراعها إليه قبل أن تخطو قدماها الغرفة ، أصدرت شهقة مفزوعة ووجدت نفسها تستدير إليه وتصطدم بصدره بفعل جذبته العنيفة ، وخرج صوته متحشرجًا في عينان ملتهبة :
_ خدي هنا أنا بكلم نفسي
لكمته في صدره بشراسة الأنثى الناعمة وصاحت به مغتاظة وهي تحاول الإفلات من بين براثينه :
_ عايز إيه .. ابعد عني !
عدنان بصيحة رجولية :
_ إنتي اللي عايزة إيه بظبط فهميني !
جلنار بتحدٍ وعصبية :
_ إنت عارف أنا عايزة إيه كويس
لحظة عابرة ممن الصمت مرت حتى استكمل صياحه المرتفع بها منفعلًا :
_ وأنا قولتلك مليون مرة انسى الطلاق ده نهائي
اردفت جازة على أسنانها بغيظ في خفوت :
_وطي صوتك البنت نايمة
انتقل بنظره إلى باب غرفة ابنته ثم جذبها من ذراعها خلفه ودفعها لداخل الغرفة ثم دخل هو واغلق الباب فصرخت به بسخط عارم :
_ إنت مش طبيعي والله
_بالعكس أنا لغاية دلوقتي طبيعي وهاديء أوي معاكي كمان ، بس شكلك مش هتخليني استمر في الهدوء ده كتير
اندفعت نحوه ثائرة حتى وقفت أمامه مباشرة شبه ملتصقة به وغمغمت في غل :
_ أعمل ما بدالك ياعدنان .. وبرضوا هطلق طالت أو قصرت هتطلقني غصب عنك
ضحك بازدراء منها فاستكملت هي :
_ بعدين مش احنا كنا متفقين إننا هنطلق
_ ده كان قبل ما تاخدي بنتي وتهربي بيها
_ وفرق إيه دلوقتي
انحنى عليها يهمس أمام وجهها تمامًا في نبرة مثلجة :
_ مفرقش حاجة بس أنا غيرت رأى ومش هطلق
تلألأت العبارات في عيناها بحرقة وألم من بطش وقسوة ذلك الظالم ، لوهلة احست بضعفها أمامه وأن لا يسعها شيء سوى استخدام قواها الضعيفة مقارنة بقوته الجسمانية الضخمة .. فغارت عليه تلكمه في صدره بشراسة صائحة به في صوت مبحوح وعينان تلمع بالعبارات :
_ إنت واحد حقير .. ومتستهلش إيه حاجة في يوم عملتها عشانك .. عايز كل حاجة تكون ليك وحدك ، متملك ومغرور ومش بتتقبل أخطائك .. إنت أناني ياعدنان ، بتحب فريدة وفي نفس الوقت عايز جلنار تكون معاك ، مفكرتش في مرة إيه احساس فريدة أو احساسي أنا .. عارف ليه عشان إنت مبتفكرش غير في نفسك ، مش معنى إنها وافقت على إنك تتجوز عليها وإنت فهمتها قد إيه بتحبها يبقى خلاص هي تقبلت الفكرة بصدر رحب ، لا يمكن يكون في ست تتقبل فكرة إن جوزها يتجوز عليها .. وأنا رغم إني مش بحبك بس فكرة إني على الرف بتقتلني صدقني احساس الست إنها في خانة الاحتياط بيوجع أووووي ، وأنا استحملت الاحساس ده كتير ومش هقدر استحمل اكتر من كدا
استهدفت بكلماتها الهدف ، لم تخطأ في حرف واحد .. لكن أخطأت في الوصف .. بقدر جفاء وحدة الكلمات بقدر ما وصلت لأعمق نقطة من قلبه ، خرجت هذه الخناجر من فمها بالوقت الخطأ .. في وقتًا كان يحاول هو لملمة شتات نفسه المبعثرة بعد الوساوس التي تنهش عقله نهشًا منذ مساء الأمس وهو يفكر بأفعال زوجته المريبة ، محاولًا إسكات الصوت الوحيد الذي يتردد في ذهنه منذ إيام ( خيانة .. خيانة .. خيانة !! ) ويرفض حتى مجرد التفكير في فكرة لعينة كهذه ، جاءت زهرته وواجهته بحقيقته التي يحاول التغافل عنها وزادت من سوء الوضع ، لكن حتمًا أن أنانيته تضمر خلفها أحد الأسباب الحقيقية الذي يرغب باحتفاظه بها لنفسه .
تنهد الصعداء بعبث وغمغم أخيرًا بنظرة تائهة يؤكد لها تصورها عنه :
_ عندك حق ، ولو تمسكي ببنتي ومراتي بالنسبة ليكي أنانية فأنا معنديش مشكلة في كدا
تطلعت إليه بدهشة من اعترافه الصريح بتمسكه بها ، وأحست أن لسانها قُيد فلم تتمكن من الرد عليه ، فقط تابعته وهو يبتعد عنها ويتجه إلى الحمام .
***
يمسك بيده كأس من الڤودكا ويرفعه لفمه فيبتلعه دفعة واحدة ويعود ويملأ الكأس من جديد ، على الجهة المقابلة له يجلس أحد أصدقائه أمامه يتابعه بعيناه في سكون .. حتى خرج صوته أخيرًا بحنق :
_ ما كفاية يانادر شرب بقى
قهقه الآخر بصوت مرتفع وتمتم :
_ أنا النهاردة في أسعد أيام حياتي .. الصفقة اللي ليه سنين ابن الشافعي شغال عليها كل يومين وتكون ليا أنا ، ووقتها هقف اتفرج عليه وهو مقهور على الملايين اللي خسرها
_ وإنت واثق في فريدة أوي للدرجة اللي تخليك مطمن إنها متقولش لعدنان حاجة عنك
ضحك نادرًا ساخرًا وأجابت بثقة تامة :
_ مين فريدة !! .. إنت عبيط يالا تقوله إيه ، هتقوله إن أنا اللي سرقت الملفات ولا إن هي اللي ساعدتني وادتني مفتاح المكتب .. ولا بقى هتقوله إنها بتخونه معايا ! ، متقلقش من فريدة
هتف صديقه بابتسامة ساخرة :
_ والله شكلها هي اللي هتجيب اجلك
تجاهل نادر جملته وهتف بجدية :
_ قولي عملت إيه مع الرجالة واللي اتفقنا عليه
رد في هدوء مبتسمًا بشر :
_ يومين بالظبط وتسمع الأخبار
لاحت ابتسامة جانبية شيطانية على ثغره وهو يلتقط كأس آخر من الڤودكا ويرد بمكر :
_ وأنا مستني
***
في بصباح اليوم التالي .......
ترجلا من سيارة أجرة أمام مقر المعرض .. ونزلت سهيلة أولًا ثم تبعتها مهرة ، التي بعد محاولات مرهقة وكثيرة من كل من صديقتها وجدتها وافقت على أن ترتدي بنطال ضيق من اللون الأسود يعلوه كنزة بيضاء قصيرة وفوقها بالطو من اللون الجملي طويل ، ورفعت شعرها لأعلى ذيل حصان ، وارتدت حذاءها الرياضي المعتاد .
نظرت لصديقتها أولًا قبل أن تتطلع للمعرض وقالت بخنق :
_ يارب تكوني مبسوطة وأنا مش طايقة اللبس الملزق اللي عليا ده
كانت سهيلة ترتدي رداء طويل من اللون الوردي وتترك الحرية لشعرها ، وعيناها معلقة على بوابة المعرض من الخارج تتأمل منظره الفخم ، وقالت تجيب على مهرة بقرف :
_ ده جزاتنا أننا عايزين نخليكي بنت .. إنتي مش شايفة العربيات والأشكال النضيفة اللي داخلة وخارجة دي ، لازم ناجي متشيكين يابت
مهرة بتأفف :
_ معلش احنا اللي أشكال زبالة .. اخلصي بقى خلينا نخلص من أم الطلعة المنيلة دي
تحركا باتجاه الباب لكن الحارس اوقفهم يمنع دخولهم قبل رؤية التذاكر الخاصة ، فأخرجت سهيلة من حقيبتها الكلاسيكية التذاكر ومدتها إلى الحارس الذي التقطها وحدق بالتذاكر ثم بهم لثواني يتحفص هيئتهم التي تختلف عن جميع زوار المعرض اللذين من الطبقة المخملية ، لكنه أفسح لهم الطريق للعبور وبمجرد عبورهم قبضت مهرة على ذراع سهيلة وقالت بغيظ من نظرات الرجل لهم :
_ إنتي جبتي التذاكر دي منين يابت .. مشوفتيش الحارس بيبصلنا إزاي
سهيلة بعدم مبالاة :
_ ما يبص براحته .. خليكي فريش يامهرة احنا جايين نتفرج .. بعدين عيب تسأليني سؤال زي دي ، صحبتك مش سهلة برضوا
لم تتجادل معها كثيرًا فهي ليست في مزاج للنقاش سترافقها فقط وتستمتع كما قالت ثم تعود لمنزلها ..
بمجرد دخولهم إلى ساحة المعرض ، دارت سهيلة بنظرها في جميع الزوايا الممتلئة باللوحات الفخمة والحوائط المطلية بطلاء بني فاتح لامع .. والأضواء تحيط بكل جزء في المكان وبجانب كل لوحة مصباح داخل الحائط يعكس الضوء على اللوحة فيظهر جمالها وتفاصيلها أكثر .
بينما مهرة فكانت نظراتها معلقة على الزوار ، أناس من عالم آخر تمامًا كالذي يشاهدونهم بالأفلام والمسلسلات ، الرجال يرتدون حلل سوداء ويتجولون في أرجاء المكان يتفحصون اللوحات ، نساء مرتدية ملابس تكشف أكثر ما تستر ، وأحذية الكعب التي في قدم كل امرأة تصدر أصوات مزعجة .
خرج صوتها ساخرًا متمتمة :
_ هو ده افتتاح معرض ولا مصيف !
على الجانب الآخر كان آدم يتجول بين كل الزبائن ويتحدث مع هذا دقيقة ومع ذاك أثنين في وجه بشوش ، بينما عدنان فكان يقف مع أحد رجال الأعمال المهمين أمام إحدى اللوحات التي نالت إعجابه وعزم على شرائها ويتحدث معه بقليل من الرسمية حول أمور متنوعة تخص العمل والمعرض واللوحات .
ظهرت من مقدمة المعرض جلنار وهي ترتدي رداء طويل من اللون الفيروزي ولديه أكمام سميكة تنزل عند منتصف أكتافها .. مما جعل الجزء العلوي من جسدها شبه مكشوفًا بداية من أكتافها حتى مقدمة صدرها التي لا تظهر داخلها ، لفتت أنظار الجميع إليها بهيئتها المثيرة وهم يتطلعون إليها بإعجاب ملحوظ .
أما صغيرتها فكانت ترتدي فستان يشبه امها قليلًا لكن اللمسة الطفولية اضفت عليه شكلًا مختلفًا أكثر رقة ، ظلت واقفة بجوار أمها تبحث بنظرها عن عمها وأبيها فلمحها آدم أولًا ، اتسعت ابتسامته لنهاية شفتيها واتجه إليها مسرعًا ، لتقبل هي عليه ركضًا .. انحنى عليها وحملها على ذراعيه يمطرها بوابل من قبلاته الحانية .
آدم محدثًا أياها في مشاكسة :
_ اتأخرتي يا هنون عليا وكدا المفاجأة قيمتها هتقل
زمت الصغيرة شفتيها بعبوس وقالت وهي تشير إلى أمها بحنق :
_ دي ماما مش أنا اللي اتأخرت
قهقهت جلنار عالية بينما هو فنظر لزوجة أخيه وقال بعذوبة :
_ عاملة إيه ياجلنار ؟
جلنار بمداعبة ونظرة سعيدة :
_ عايز الحقيقة ، فرحنالك بشكل لا يوصف .. مبروووك وعقبال نجاح كتير أوي جاي أن شاء الله يافنان
ضحك آدم والتفت برأسه حوله في شيء من الخوف المزيف وهتف مشاكسًا :
_ مجهزلك مفاجأة بمناسبة الافتتاح .. بس من غير ما يحس عدنان تاخديها وعلى البيت عدل ، عشان ده مجنون وممكن يتخانق معايا أنا
غمزت له ضاحكة وتمتمت بمرح وحماس :
_ متقلقش اطلع إنت بس بالمفاجأة وملكش دعوة بالباقي
كانت نظرات أسمهان وفريدة معلقة على جلنار ونظراتهم الحارقة لو كان بإمكانها إخراج النار لحرقت جلنار بأرضها .. تتابع أسمهان ضحكاتها وتبادلها أطراف الحديث مع ابنها بعفوية وتلقائية وهي تشتعل غيظًا ، بينما الآخرى فكانت تحدجها بأعين كلها وعيد ونقم .
أبعد عدنان نظره بتلقائية عن الرجل الذي يبادله أطراف الحديث ليقع نظره عليها ، التقطت عيناه فستانها الضيق والمكشوف من الأعلى ، شعرها المنسدل بانسايبة جزء منه على ظهرها والجزء الآخر على كتفها ، عيون الجميع متعلقة عليها يأكلونها بنظراتهم أكلًا .
أظلمت عيناه بشكل مخيف ونيران الغيرة تأججت في صدره ، كان سيندفع إليها كالثور الهائج لكنه تمالك أعصابه لعدم ملائمة المكان والوقت لما يود فعله بها الآن .. نظر إلى الرجل وقال بصوت محتدم :
_ استأذنك لحظة ياسامي بيه
هز رأسه الآخر بالموافقة وقال باحترام متبادل :
_ اتفضل أكيد
سار نحوها وعيناه لا ترى شيء سوى هدفه ، لدرجة أن من سيتطلع إليه ويرى وجهه سيصاب بالصدمة من مظهره المريب ، في تلك اللحظة انتهي آدم من حديثه معها وابتعد بهنا عنها قليلًا .
التفتت هي برأسها في عفوية على الجانب فوجدته مندفع نحوها ووجهه يشع بشرارة الغضب ، وقفت بثبات تام حتى وصل إليها وانحنى عليها يهمس في أذنها بصوت متحشرج محاولًا تمالك أنفعالاته :
_ إيه اللي لبساه ده !
قد عزمت على ارتداء هذه الفستان عمدًا حتى تشعله بالنيران كنوع من الكيد ، ردت عليه ببرود :
_ فستان !
عض على شفاه السفلى ونقل نظره في حركة سريعة بين الزوار ثم هتف بغيظ مكتوم :
_ مش عايز استعباط .. إنتي لبستي ده بالعند فيا يعني رغم إني الصبح منبه عليكي إنك متطلعيش بلبس مكشوف
جلنار بابتسامة سمجة ومستفزة :
_ وأنا اعند معاك ليه ياروحي .. كل ما في الحكاية إني بحب الفستان ده وشكله حلو عليا عشان كدا لبسته ، ودي مش أي مناسبة فكان لازم البس اجمل حاجة
كور قبضة يده يجاهد في التحكم بنفسه ثم رد عليها بوعيد حقيقي كله سخط :
_ ماشي ياجلنار حسابك معايا في البيت أنا هربيكي كويس
نظرت إلى الرجل الذي كان يقف معه ولاحظت أنه بين آن والآخر ينظر بتجاههم فقالت ببرود متعمد وهي مبتسمة بشماتة :
_ روح ياحبيبي عيب تسيب الراجل مستنيك كدا
نظرة مطولة بينهم كانت نارية منه وثلجية منها ، تنضج بالوعيد منه وغير مبالية منها .. حتى قطعت النظرة هي عندما تركته وابتعدت متجهة إلى اللوحات حتى تشاهدهم .
***
ظلت مهرة واقفة أمام إحدى اللوحات لدقائق طويلة ، تحاول فهم المعنى الفني من وراء لوحة عبارة عن تداخل الون وتزاحمها بشكل غير مفهوم فتظهر في النهاية في شكل لوحة فنية ! .. أين الفن في مزج الون مختلفة بشكل عشوائي ، لو كان هذا يسمى الفن فما اسهله .
تتطلع إلى اللوحة تارة من جهة اليسار وتارة من اليمين هاتفة لنفسها بتفكير :
_ أيوة فين المغزي برضوا .. ماهو أنا عايزة الاقي سبب مقنع يخليني ادفع فلوس في لوحة الشوارع دي
_ لوحة إيه !!!
انتفضت بأرضها على أثر الصوت الذي أتاها من ظهرها والتفتت فورًا بكامل جسدها فقابلت نفس الشاب الوسيم أو التركي كما وصفته ! .. والغريب أن للمرة الثالثة تقابله بمحض الصدفة ! .
تصنعت الثبات وقالت بشموخ :
_ افندم
آدم بنظرة قوية :
_ إنتي كنتي بتقولي إيه دلوقتي على اللوحة !
التفتت برأسها إلى اللوحة ورجعت برأسها إليه لتقول بثقة معبرة عن رأيها :
_ بقول إنها لوحة شوراع
أشار إلى لوحته بدهشة وهتف يعيد جملتها بنبرة مستاءة من إهانتها له بمعرضه وأمامه :
_ دي لوحة شوراع !
مهرة بقرف وعدم إعجاب :
_ أيوة فين الفن فيها .. دي شبه شارع السوق عندنا لما بيكون يوم الخميس وتفضل ماشي وسط خلق الله مش شايف حد ولا عارف إنت فين
مسح آدم على وجهه بغيظ وهتف :
_ إنتي بتقولي إيه !! .. وبعدين إزاي دخلتي أصلًا
ردت عليه مهرة في نبرة فظة وبغطرسة :
_ وإنت مالك دخلت إزاي هو كان معرض اهلك .. بعدين مالك محموق أوي كدا على اللوحة شكلك دفعت فيها الفلوس ومرضيوش يرجعهالك ، أنا قولت برضوا والله لوحة زي دي خسارة فيها ربع جنية
انحنى عليها أدم وهمس بنظرة مشتعلة ونبرة محذرة :
_ بت انتي احترمي نفسك أنا مش عايز أقل ادبي عليكي .. يعني جاية معرضي وبتغلطي في لوحتي وكمان بتقلي ادبك عليا
رمشت بعيناها عدة مرات تستوعب ما سمعته ، معرضه ولوحته ! .. ظلت تتلتفت برأسها بين اللوحة وبينه حتى قالت أخيرًا بذهول :
_ دي لوحتك إنت !!!
_ آه تخيلي
عادت تلقي نظرة متفحصة على اللوحة ثم عادت له وهمست بخفوت وجدية كان ملحوظ في نبرتها :
_ هو إنت عندك حالة نفسية .. يعني اهلك كانوا لا مؤاخذة بيضربوك إنت وصغير فطلعت معقد ، أصل أنا أعرف عيل عندنا في المنطقة كان عنده توحد وحالته شبهك كدا ، فكان أهله بيدوله كراسة الرسم ويفضل يشخبط بالالوان بس .. لدرجة أنهم شكوا أنه ملبوس و....
أوقفها عن الكلام وصاح بها منفعلًا :
_ بس إيه العبط اللي بتقوليه ده !
_ ده مش عبط دي دراسات نفسية .. نصيحة مني الحق نفسك قبل ما الحالة تتدهور
جز آدم على أسنانه وقال :
_ إنتي قولتيلي اسمك إيه ؟!
_ مهرة
_ طيب يامهرة برا
تنهدت الصعداء وقالت باستسلام في وجه متأثر :
_ طيب خلاص تصدق صعبت عليا .. هشتريها منك بس مش هدفع فيها اكتر من خمسة جنية وكترت عليها الصراحة
ابتسم آدم بسماجة وقال في نبرة فظة :
_ شرفتيني يامهرة واتمنى تكون آخر مرة نتقابل فيها
ألقت عليها نظرة ساخرة وهي تلوى فمها ثم قالت وهي تبتعد عنه :
_ كل الغرور دي على حتة اللوحة دي .. امال لو رسمتلك كام لوحة تاني كنت هتعمل إيه هتمشي تدوس على الناس برجلك
تابعها بعيناه وهي تبتعد متجهة إلى خارج المعرض بأكمله ، ونظراته كلها استغراب من هذه الفتاة التي تظهر له بكل مكان .. التفت برأسه وتطلع إلى لوحته وبتلقائيًا ضحك عندما تذكر محادثتهم وكلماتها ، ولا يمكنه إنكار أنها فتاة مسلية ! .
***
لمحت جلنار فريدة التي تقف وتتلفت حولها كأنها تتأكد من عدم متابعة أحد لها ، ثم أجابت على الهاتف بمكان بعيد عن أنظار الجميع وبعد لحظات قصيرة أنهت مكالمتها واتجهت إلى خارج المعرض بأكمله .. ضيقت جلنار عيناها بحيرة واحست أنها تخطط لشيء شيطاني كعادتها ، ووجدتها فرصة مناسبة حتى تعرف مخططها وتستغله في تحقيق انتقامها .
وقفت وأشارت إلى ابنتها أن تأتي إليها ثم اندفعت إلى الخارج فورًا دون أن يلاحظها أحد باستثناء آدم الذي لمحها وهي تنصرف على عجلة ومعها الصغيرة .
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق
_ ماما هو احنا ليه مشينا ؟!
كان سؤال متذمر من " هنا " التي تجلس بجوار أمها في السيارة منذ وقت طويل وهي تقود بهم .
ردت عليها جلنار دون أن تحيد بنظرها عن السيارة التي تلحق بها أمامها :
_ هنرجع تاني ياحبيبتي متقلقيش
كانت فريدة قد استقلت بسيارتها الخاصة بها وانطلقت بسرعة ، فاستقلت جلنار أيضًا بسيارتها هي وابنتها ولحقت بها دون أن تلاحظ مراقبتها لها خلال الطريق .
بعد وقت طويل من القيادة .. توقفت سيارة فريدة أخيرًا أمام إحدى البنايات الجميلة بأحد المناطق الراقية وترجلت من سيارتها ، قادت خطواتها إلى بوابة البناية وكان الحارس يجلس على مقعده الخاص أمام البناية وبمجرد رؤيته لها توقف والقى عليها التحية في وجه سمح ، مما أكد لجلنار أنها ليست المرة الأولى التي تزور بها هذه البناية ويبدو أن تتردد كثيرًا لهنا .
انتظرت حتى دخلت واستقلت بالمصعد الكهربائي واختفت عن انظارها ، فالتقطت شالًا من نفس لون فستانها ووضعته على أكتافها ثم انحنت على ابنتها وغمغمت بحنو :
_ خليكي هنا يا ماما أنا هروح عند عمو اللي واقف هناك ده وهرجعلك علطول .. متتحركيش من العربية
هزت هنا رأسها بالموافقة وتمتمت :
_ حاضر
فتحت جلنار باب السيارة ونزلت ثم عبرت الطريق متجهة إلى البناية ، وعند وصولها وقفت أمام الحارس الذي طالعها بنظرة متفحصة بسبب فستانها وهيئتها التي توحي بأنها قادمة من إحدى الحفلات الصباحية .
_ اؤمري ياست هانم .. اقدر اساعدك في إيه !
هتفت جلنار بنظرة دقيقة :
_ هي اللي طلعت دلوقتي دي طالعة لمين ؟
_ قصدك فريدة هانم
_ أيوة
نزل بنظره إليها وبنظرته الخبيرة فهم أنها من الطبقة المخملية ، فقال بنظرة لئيمة رافضًا :
_ آسف ياست هانم بس مقدرش افيدك بحاجة
اطالت جلنار التحديق به حتى توقعت ما يرمي إليه بنظراته اللئيمة ، فمدت يدها في حقيبة يدها وأخرجت نقود .. ثم وضعتها في يده بنظرة مشتعلة .. تفحص النقود وتحقق من عددها بعين لامعة ثم رفع نظره لها وقال مبتسمًا :
_ طلعت لواحد اسمه نادر المصري
ظهر الذهول على محياها فور سماعها لاسم نادر ، وبقت للحظات تحدق بالرجل في عدم فهم ثم سألت بترقب لإجابته :
_ طيب متعرفش طلعت عنده ليه ؟
رمقها بنظرة جانبية تشبه السابقة وقال :
_ معرفش
تأففت جلنار بغيظ ووضعت يدها في حقيبتها مرة أخرى وأخرجت مبلغ أكثر من السابق وقالت بحدة وهي تضعه بيده :
_امسك .. اتكلم يلا !
ابتسم الرجل بسعادة من النقود وقال بنظرة ماكرة :
_ هو أنا مش متأكد بس تقريبا في حاجة مش ولابد بينهم ، عشان دايمًا كل ما تطلع عنده ، الأستاذ نادر بيرن عليا ويقولي لو جه أي حد وسأل عليه اقوله إنه مش موجود في شقته وإني مطلعش اخبط عليه لأي سبب كان
اتسعت عيني جلنار بصدمة مما سمعته للتو ، هل يعقل إن يكون ما يدور بذهنها الآن حقيقي ، وأنها تخون عدنان ! .
طرحت السؤال الثالث في ملامح وجه واضح عليها عدم الاستيعاب :
_ طيب هي بتيجي كل قد إيه أو كام مرة جات قبل كدا
_ مفيش وقت محدد يعني ممكن في أي وقت تيجي .. أما بتيجي من إمتي فده من ساعة ما انتقل الاستاذ نادر لهنا يعني من حوالي سنة واكتر وهي بتيجي عنده ، الله اعلم بقى لما كان في شقته القديمة كانت بتروحله ولا لا
ردت جلنار بصدمة أكثر :
_ من سنة !!!
هتف الرجل في فضول ونظرة ضيقة :
_ هو حضرتك تعرفي نادر بيه وفريدة هانم ولا إيه ياست الكل ؟
شردت جلنار لثواني وهي تحاول استيعاب ما عرفته ، لكنها استفاقت من شرودها على أثر صوته وردت عليه بنظرة تائهة :
_ هااا .. لا كانوا معرفة قديمة
همت بالاستدارة والمغادرة لكنها توقفت وأخرجت من حقيبتها نقودًا أخرى واعطتها له هاتفة بنظرة قوية :
_ متجبش سيرة إن في حد جه وسأل عليهم .. اعتبرني مجيتش أساسًا
ثم استدارت مجددًا وعادت إلى سيارتها ، ثم استقلت بمقعدها ونزعت الشال عنها فهتفت " هنا " بتساءل بعدما وجدت أمها بدأت بالقيادة مرة أخرى :
_ هنرجع لبابي وعمو آدم ياماما
جلنار بتنهيدة حارة :
_ هنرجع ياحبيبتي .. هنرجع لبابي
***
ارتفع صوت رنين هاتفه في جيب بنطاله .. فأخرجه وابتعد عن الحشد قليلًا ليجيب بصوت أجشَّ :
_ أيوة ياصابر
رد عليه الآخر ببعض الاضطراب البسيط :
_ فريدة هانم طلعت من المعرض من حوالي نص ساعة وأنا كنت وراها زي ما حضرتك أمرت .. بس جلنار هانم كمان طلعت وراها فورًا وكانت بتراقبها تقريبًا
التفت عدنان برأسه في أرجاء المكان ينقل عيناه بين الجميع فلاحظ عدم وجود جلنار وابنته بالفعل ، أجاب على الهاتف بصوت غليظ :
_ طيب ووصلوا لفين ؟
هنا ظهر الخوف في نبرة صابر الذي هتف معتذرًا :
_ للأسف ياباشا .. الطريق كانت زحمة أوي وفجأة ملقيتش لا عربية فريدة هانم ولا جلنار هانم ، ومعرفتش ارقبهم لآخر الطريق
أغلق عدنان عيناه في محاولة منه لتمالك أعصابه حتى لا يفقدها على ذلك الأحمق ، وقال بصوت محتقن وبه لمسة مخيفة :
_ إنت غبي ، أمال أنا حاطك تراقبها ليه .. عشاني تيجي وتقولي الكلمتين دول !!
التزم الآخر الصمت خشية من الرد فيجد ما لن يعجبه منه ، هتف عدنان بآخر الأمر في غيظ وغضب عارم :
_ اقفل دلوقتي وحسابك معايا بعدين
انزل الهاتف من على أذنه وقام بإجراء اتصال آخر لكن هذه المرة كان بفريدة ، واستمر الهاتف في الرنين دون إجابة ! .
***
داخل منزل نادر .....
فتحت حقيبتها وبحثت بها لثواني بسيطة حتى مدت يدها وأخرجت فلاش صغيرة واعطتها لنادر هاتفة بإيجاز :
_ دي الفلاشة اللي عليها بيانات الشركات المنافسة في الصفقة وعليها بيانات كتير تاني هتفيدك
التقطها نادر من يدها وقلب الفلاش بين قبضته في نظرات لئيمة ثم رفع نظره عليها وحدجها بأعين جريئة وانحنى عليها يخطف قبلة سريعة منها هامسًا :
_ ربنا يخليكي ليا ياحبيبتي .. قريب أوي هنخلص من عدنان ده على الآخر ووقتها مش هتكون في حاجة تمنعنا إننا نكون مع بعض
ابتسمت له بحب ثم قالت بعجلة :
_ انا همشي لأن مش هينفع اخليه يحس بغيابي .. خصوصًا إني بدأت أحس أنه شك فيا أو هو بالفعل شك ، وصحيح الفترة الجاية مش هينفع نتقابل أبدًا وياريت كمان مترنش عليا خالص يانادر فاهم ، لغاية ما اشوف هتصرف إزاي مع عدنان واشيل الشك ده من ناحيته تجاههي
ظهرت الدهشة على محياه التي سرعان ما تحولت إلى الزعر وهو يجيب عليها باضطراب حاول إخفائه أمامها :
_ شك إزاي !! .. عرف حاجة عني طيب ؟!
حدقته بأعين مستنكرة .. تستعجب خوفه على نفسه وعدم اهتمامه بوضعها حتى ، لتقول بنظرة قوية ونبرة جادة :
_ عرف إيه يا نادر ! .. بقولك شك فيا وإنت تقولي عرف عني حاجة !!
نادر محاولًا تصحيح ما قاله :
_ مقصدش ياروحي ، على العموم متقلقيش اللي خلاه ميشكش فيكي طول السنين دي هيشك دلوقتي
_ عشان أنا مكنتش بديله الفرصة ولا المساحة إنه يشك فيا أساسًا ، لكن دلوقتي أنا شكلي بوظت كل حاجة وكنت بتصرف بتهور ومخدتش بالي من تحركاتي وتصرفاتي فشك فيا ، وأنا عارفة عدنان شكاك وطالما شك فيا يبقى مش هيهدى ولا يرتاح غير لما يعرف كل حاجة ويريح شكه
تنهد الصعداء وأجابها بحنو وهو يمد ذراعيه ويضمها لصدره :
_ متخافيش أنا معاكي وحتى لو عرف حاجة مش هسمحله يأذيكي
أغمضت عيناها بارتياح من دفء أحضانه وبعد لحظات معدودة ابتعدت عنه وقالت مسرعة وهي تتجه لباب المنزل :
_ كفاية بقى .. أنا همشي .. سلام ، وزي ما اتفقنا ياحبيبي هااا
_ تمام اطمني
تابعها بنظراته وهي تتجه لباب المنزل وتفتحه ثم انصرفت واغلقته خلفها ، فنزل بنظراته إلى الفلاش التي بيده ولاحت ابتسامة شيطانية على شفتيه التي سرعان ما أصبحت أكثر سخرية عندما تذكر حديثه معها وهتف بازدراء منها :
_ مش هسمحله يأذيكي !! .. ده إنتي أول حد هخلص منه بعديه ، بس كنت لازم الأول ابدأ برأس الأفعى الأول طبعا .. واصفي حساباتي القديمة مع عدنان الشافعي
***
توقفت بسيارتها أمام المعرض من جديد ، فتحت الباب ونزلت بعد أن فتحت الباب الآخر لابنتها لتنزل هي أولًا ،
ركضت هنا إلى الداخل ولحقت بها جلنار التي رأت عدنان كان يقف على البوابة الرئيسية ويمسك بهاتفه في يده وعيناه تطلق شرارات نارية بفعل الغضب .
انحنى على ابنته عندما وصلت إليه وحملها على ذراعيها لاثمًا وجنتها وهامسًا بترقب :
_ كنتوا فين يابابا
رفعت هنا كتفيها لأعلى بجهل وقالت زامة شفتيها :
_ معرفش .. ماما اخدتني ....
بترت جلنار جملة ابنتها حين وصلت لهم وقالت تستكملها على طريقتها :
_ اتخنقت شوية من جو المعرض ، واخدتها وطلعت بالعربية لفينا شوية ورجعنا
استقرت في عيني عدنان نظرة نارية لكن جعلها كلها حب حين نظر لابنته وهتف بحنو وهو ينزلها من فوق ذراعيه :
_ روحي ياحبيبتي لنينا أسمهان كانت بتدور عليكي جوا
اماءت لأبيها بالموافقة وهرولت راكضة للداخل حيث تجلس جدتها ، بينما هو فاندفع نحو جلنار وهمس أمام وجهها تمامًا في لهيب حار يخرج من بين شفتيه يوضح مدى اشتعاله الداخلي :
_ روحتي تعملي إيه ورا فريدة !
فريدة ! .. هل يعرف مكان تواجدها أو ماذا ؟! .. وجدت نفسها تطرح عليه سؤال في حيرة دون أن تدرسه مقدمًا قبل أن تسأل :
_ إنت عارف هي راحت فين !
ظهرت لمعة مختلفة في عيناه وقال بصوت متحشرج وأعين مظلمة لا تبشر بالخير مطلقًا :
_ راحت فين ؟
لا يعرف إذا ! .. بالتأكيد لا يعرف فلو كان يعرف لكانوا الآن يتلقون أخبار موتها ، تنهدت الصعداء لعدم معرفته بالأمر وقالت مخترعة كذبة سخيفة :
_ معرفش أنا شوفتها طالعة من المعرض واستغربت وبعدها طلعت لما حسيت نفسي اتخنقت ، بس معرفش راحت فين
لم تنطلي عليه كلمة واحدة من التي تفوهت به ، استمر فقط في الاستماع إليها وهو يطالعها بنظراته الجامدة التي تثير الرهبة في النفوس من فرط هدوءها ، ثم وجدته يتقدم أكثر نحوها وينحنى على أذنها ويهمس بصوت يقارب لصوت فحيح الأفعى :
_ إنتي آخر واحدة تعرف تكذب .. وبالذات عليا أنا لأن عنيكي بتفضحك ، خليكي بعيدة عن فريدة وملكيش دعوة بيها نهائي ياجلنار مفهوووم
فسرت تحذيره بشكل معاكس ، مما جعلها تشتعل بالغيظ والاستياء ناعتة إياه بالأحمق ، أيخاف عليها ولا يطيق تحمل أي مكروه يصيبها وهي تطعنه بظهره وفي شرفه دون علمه .. لكنها لم تفهم أنه يخاف عليها هي ، بعدما تسرب الشك لنفسه من زوجته لم يعد مطمئنًا لها أو واثقًا بها حتى ! .
***
_ مالك يابت قالبة وشك من وقت ما طلعنا من المعرض كدا ليه ! .. حصل إيه فهميني
صرخت بها مهرة بانفعال :
_ اكتمي خالص يا سهيلة بدل ما أمسك في زمارة رقبتك إنتي ، أنا اللي استاهل اني وافقت آجي معاكي
_ وهو أنا قولت حاجة يابنت المجانين .. أنا بسألك حصل إيه
تأففت مهرة بخنق وقالت بامتعاض :
_ قابلته تاني
_ مين ؟!
صاحت بها مندفعة :
_ ما تركزي معايا إنتي كمان .. هيكون مين يعني !
ادركت سهيلة الأمر بسرعة وقالت ضاحكة :
_ أه الواد التركي اللي قرفاني بيه ده .. شوفتيه فين ؟
_ في المعرض
عقدت سهيلة حاجبيها باستغراب وقالت بشيء من الاستهزاء :
_ ليه هو تركي بجد ولا إيه ! .. هيعمل إيه في مكان كله ناس متريشة كدا
ضحكت مهرة على صديقتها وصمتت للحظات ثم قالت بابتسامة عريضة كلها حماس لرؤية تعابير وجهها بعد ما ستسمعه منها :
_ لا ماهو صاحب المعرض والفنان اللي راسم اللوح
لم تدرك ما قالته جيدًا فردت عليها ضاحكة ببلاهة :
_ ما تقولي يابنتي هو مين ؟
_ ما انا قولت صاحب المعرض ، هي البعيدة مبتفهمش
لوحت بيدها وهي تلوى فمها بسخرية متمتمة :
_ ياشيخة قال وأنا اللي .....
توقفت عن الكلام فجأة ، وقد استوعبت وادركت أخيرًا ما كانت تقوله " مهرة " للتو ، وإذا بها رمقتها بعين واسعة من الصدمة تكاد تكون مخيفة بعض الشيء وصاحت :
_ آدم الشافعي !!!!
_ معرفش اسمه بس تقريبًا هو طالما هو ده اسم صاحب المعرض
بظرف لحظة كانت سهيلة تمسك بهاتفها وبعد ثواني قليلة أظهرت صورة له على الهاتف ورفعتها أمام عيناها هاتفة بعدم تصديق :
_ هو ده !
هزت مهرة رأسها بإيجاب ، فألقت سهيلة الهاتف بعدم اكتراث وغارت عليها تمسكها من رقبتها تخنقها بغيظ وهي تصيح بها :
_ ومتقوليش إزاي .. بقى هو ده اللي هزقتيه ياحمارة ، هقتلك يامهرة واطفي ناري
احمر وجه الأخرى وهي تتلوى بين ذراعيها محاولة دفعها حتى نجحت بالاخير وصرخت بها وهي تلتقط أنفاسها :
_ ابعدي هتموتيني بامبعقة .. بعدين نار إيه اللي تطفيها إنتي هطلة يابت
سهيلة بعد استيعاب وكأنها دخلت في حالة هيستريا :
_ أنا هولع فيكي مش بهزر .. ده بدل ما تستغلي الفرصة هو في حد يوقع في راجل زي ده ويطفشه من إيده يابنت الهبلة ، ولا حرام اغلط في خالتي والله ملهاش ذنب
صاحت به مهرة بعصبية من توبيخها لها :
_ الله وأنا مالي هو اللي مش طايقني أصلًا من أول مرة شافني فيها .. أنا يمكن النهارده صح زودتها لما اتريقت على لوحته وهو اتعصب فطردني
سهيلة بزمجرة وصدمة :
_ عملتي إيه !
همهمت مهرة بخوف بسيط وصوت خافت خشية من ردة فعلها :
_ اتريقت على لوحته
_ آاااه .. يارب إنت شاهد عشان لما اقتلها محدش يقولي عملتي كدا ليه !
هتفت مهرة بيأس وعبوس حقيقي :
_ ما خلاص بقى ياسهيلة .. أنا صحيح كان عاجبني وأعجبت بيه وصدقت الموضوع في البداية وكنت مخداه بهزار بس بعد ما شوفت شكل المعرض النهاردة والناس اللي كانت فيه وإن المعرض بتاعه وواضح أنه من الناس العالية اللي في البلد ورجال الأعمال .. شيلت الموضوع من دماغي ماهو مش معقول واحد زي ده حواليه كله البنات دي هيبص لحد مننا ياسهيلة
سكنت سهيلة تمامًا وهدأت قسمات وجهها المستاءة لتنعكس عليها البؤس والحزن على صديقتها ، وسرعان ما رسمت ابتسامة مرحة على شفتيها ونكزت مهرة في كتفها ضاحكة بمزاح :
_ إيه هي الصنارة غمزت ولا إيه !
مهرة بضحكة خافتة لم تصل لعيناها ، ثم استقامت واقفة وقالت بهدوء :
_ أنا هروح اعملنا حاجة نشربها بدل ما احنا قاعدين كدا ، شغلي حاجة على التلفزيون نتفرجها لغاية ما آجي
***
داخل المعرض .....
كانت أسمهان تجاور شقيقتها منذ قدومها ويتبادلون الأحاديث المختلفة فيما بينهم حتى انحنت عليها أسمهان وهمست بنظرات زائغة :
_امال فين زينة ياميرفت ؟!
تنهدت ميرفت بعدم حيلة وقالت :
_ في البيت حاولت اخليها تيجي معايا بس مفيش فايدة .. مزاجها مش لطيف اليومين دول ومش حابة تخرج تروح أي مكان
أسمهان بضيق ملحوظ :
_ إزاي بس وهي مناسبة زي دي ينفع متحضرش فيها ، دي حتى كانت مع آدم في كل التجهيزات
ميرفت زامة شفتيها بيأس :
_ قولتلها كدا والله بس دماغها ناشفة إنتي عارفاها
همت أسمهان واقفة وهي تقول بابتسامة حماسية ورفض لفكرة عدم وجودها :
_ أنا هقول لآدم واخليه يروح يجبها
قبضت ميرفت على يدها وقالت برزانة عقل وخفوت :
_ لا بلاش يا أسمهان خليها على راحتها أنا حاولت معاها بس هي كانت رافضة وآدم مش هيزعل أكيد وهيتفهم الوضع
اختفت الحماسة من على وجه أسمهان التي نطقت اسم ابنها في استنكار بعد جملة شقيقتها الأخيرة :
_ آدم .. اممم أكيد طبعًا مش هيزعل
على الجانب الآخر اندفع آدم تجاه جلنار الواقفة في زاوية بمفردها تتابع الجميع بنظرات تائهة وبالأخص على زوجها ، وكأنه عيناها كانت تظهر كل ما تخفيه عن الجميع .. ودون أن يلحظه أحد انحنى على أذنها هامسًا في نبرة جدية :
_ تعالي ياجلنار عايز اقولك حاجة
تطلعت إليه بتعجب من لهجته ونظرته لكنها ألقت نظرة سريعة بتلقائية حولها ثم لحقت به ، وقفا خارج المعرض تمامًا بعيدًا عن الجميع ، وانتظرته أن يبدأ بالحديث والذي بالفعل بدأه في وجه حازم :
_ بصي هسألك سؤال وأنا عارف وواثق انك مش هتخبي عني .. انتي طلعتي ورا فريدة ليه ؟!
أصدرت تنهيدة حارة وقالت ببساطة :
_ كنت مخنوقة وطلعت اشم هوا شوية
آدم بنظرة ثاقبة :
_ جلنار إنتي مبتعرفيش تكذبي
ضحكت وقالت بغيظ :
_ عرفنا إني مبعرفش اكذب مش لازم الكل يقولي الكلمة دي
_ حلو يعني إنتي اعترفتي أهو إنك بتكذبي !
جلنار بأصرار :
_ تمام فلنفترض إني بكذب .. بس صدقني مش هقدر اقولك يا آدم
ابتسم وقال بنظرة كلها غل ونبرة مزمجرة :
_ فريدة بقت مكشوفة أوي ياجلنار .. حتى عدنان شك فيها ويعتبر كشفها ، وأنا شاكك من بدري فاللي هتقوليه دلوقتي ماهو إلا تأكيد على شكوكي مش اكتر
لم تجب فقط تطلعت إليه بدهشة من كلماته وبالإخص عندما صرح بحقيقة أن الجميع شبه متشكك بفريدة حتى عدنان ، إذًا كان يراقبها اليوم لذلك عرف أنها خرجت ورائها ! .
حصل آدم على إجابته من صمتها فقال باسمًا بغضب ملحوظ على فريدة :
_ أنا كدا شبه اتأكدت من شكوكي ، هنتكلم تاني وتحكيلي كل حاجة عشان بس لا المكان ولا الوقت مناسب .. تعالي يلا نرجع جوا
سارت معه للداخل وهي شاردة الذهن وقد بدأ الوضع يزداد تعقيدًا في عقلها ، هي نفسها تجد بعض الخيوط ناقصة .. مثلًا منذ متى وهي في هذه العلاقة المحرمة ؟ .. كيف تمكنت من خداع الجميع هكذا وفي مقدمتهم عدنان ؟! .. لماذا فعلت هذا ؟! .
كانت في طريقها لمراقبتها حتى تكتشف إحدى مكائدها وتفضحها فتنتقم منها ومن عدنان ، لكن بعد ما عرفته أصبحت مشفقة عليه ! .. وعلى مشاعره الصادقة
الذي اهدرها عبثًا بمن لا يستحق .
***
عادت أخيرًا إلى المعرض وكانت نظرات جميع العائلة معلقة عليها بعضهم حيرة والبعض الآخر غضب وسخرية ، وجدت يد تقبض على ذراعها وتجذبها للخارج في عنف ، لم تكن بحاجة للنظر حتى تتأكد أن الفاعل هو عدنان .
أوقفها بالخارج وصاح بها منفعلًا :
_ كنتي فين ؟
فريدة بنبرة مرتبكة :
_ كــنـت... طلعت اجيب حاجة كنت محتجاها ورجعت تاني ياعدنان
_ انتي هتستعبطي حاجة إيه دي اللي بتشتريها دلوقتي
هذه المرة لم تصدمها طريقته التي أصبحت أكثر قسوة بقدر ما اخافتها حيث ردت عليه بعينان دامعة :
_ في إيه ياعدنان .. إنت اتغيرت معايا جدًا !
ابتسم بنظرة مميتة لا تحمل أي من نظرات الدفء والحب التي اعتادت على رؤيتها في عيناه .. وانحنى عليها هامسًا بنبرة مرعبة :
_ أنا وإنتي عارفين كويس أوي مين اللي اتغير .. وصدقيني لو طلع اللي في دماغي صح مش هرحمك ، والمرة دي الحب اللي بينا مش هيشفعلك بأي حاجة ، بل صدقيني هدوس عليه وعلى قلبي برجلي
لم ترد والتزمت الصمت ، تتطلع إليه منذهلة من تحوله الجذري ، كيف تمكن من أن يكون قاسيًا تجاه حبه لها بكل هذه السرعة والسهولة ! .. بينما هي تقف ترمقه صامتة خرجت صيحة عنيفة منه وهو يقول :
_ صابر مستنيكي برا .. هياخدك ويوديكي البيت ورجلك لو عتبت برا عتبة البيت بس هتتكسر يافريدة
أحست هذه المرة بأن دموع صادقة تجمعت في عيناها لكنها شدت على محابسهم واستدارت بصمت متجهة للخارج تمامًا حيث ينتظرها " صابر " كما اخبرها .
***
في مساء اليوم .....
يجلس في الشرفة الخارجية بالصالون على مقعد هزاز ، ضوء القمر ينعكس على ظلام الشرفة فيضيئها والرياح الباردة تلفح صفحة وجهه وشعره الغزير ، والأشجار تتمايل يمينًا ويسارًا بفعل حدة الرياح .. كانت أجواء باردة وقاسية قليلًا تمامًا كقلبه ، لم يعد يعرف على ماذا يجب أن يثبت كامل تركيزه .. على صديقه الذي يخونه بعمله ، أم على زوجته وحبيبته التي لم يعد يشعر أنها باءت هكذا .
كلما يستعيد ذكرياتهم في الفترة السابقة ويعيد التركيز على تصرفاتها كيف كانت ، يزداد اليقين في نفسه الثائرة .. تغيرها الدائم ونفورها من لمساته أو ربما تهربها تمامًا منه ، خروجها لأسباب واهية لم يكن ينتبه لها في بادئ الأمر ويترك لها كامل حريتها لثقته العمياء بها ، محادثتها التليفونية الليلية وتوددها في الهاتف ! .. فلو علمت الآن بكم الأعصار المدمرة التي تعصف في ثناياه لخشيت على نفسها ، لكم يود أن يذهب لها الآن ويفرغ بها كامل شحنة غضبه العاتية .
يبلغ قصاري جهده في تمالك ثوراته العمياء حتى لا يؤذيها ، على أمل أن يكون مخطأ ويصبح هو الظالم .. بل يتمنى أن تكون هي على حق وهو مخطأ بحقها .
كانت جلنار تقف بالمطبخ تقوم بتحضير فنجان من القهوة له ، بعد تردد لدقائق طويلة وهي كامنة بغرفتها ، تسأل نفسها بحيرة .. أفعلها أم لا ؟! .. لن أفعلها ! .. وبالأخير هتفت حسنًا سأفعلها ! .
منذ عودتهم من الأفتتاح وهو يجلس بسكون هكذا في الشرفة حتى أن هاتفه يتركه على الوضع الصامت غير عابئًا باتصالاته الكثيرة والتي في مقدمتهم اتصالات والدته .. كلما تتذكر ما عرفته بالصباح تستاء من تلك الحقيرة وتضحك في سخرية بنفس اللحظة .
لا يمكنها أن تكون سيئة لهذه الدرجة حتى تشمت بوضع كهذا ، بل بالعكس هي أكثر من ناقمة على تلك المرأة المليئة بالقذارة ، لكن بطبيعة الأنسان الفطرية هناك جزء من داخلها يشعر بالنشوة لحكمة القدر ، وكأن القدر يأخذ حقها دون أن تبذل أقل مجهود حتى .. يبدو أنها لن تحتاج لتشعره بما شعرت به طوال السنوات السابقة ، فخيانة زوجته ستكون كافية وزائدة عن اللازم .
تنهدت الصعداء بقوة ثم سارت بفنجان القهوة للخارج متجهة نحوه .. كانت ترتدي منامة منزلية قصيرة قليلًا بحاملات عريضة بعض الشيء وتنزل بفتحة مثلثية متوسطة عند منطقة الصدر .
وقفت بجواره ومدت يدها بالقهوة له فرفع نظره إليها وبتلقائية نزل لملابسها يتفحصها في نظرة دقيقة ، فليست من عادتها أن ترتدي مثل هذه المنامات بالمنزل ، لكنه لم يعقب وتصنع التجاهل ثم مد يده والتقط الفنجان من يدها هامسًا بنبرة عادية :
_ شكرًا ياجلنار
لم ترد وجذبت أحد المقاعد المجاورة لتجلس على مقربة منه وتقول بخفوت :
_ أنا هاخد هنا ونروح نقعد يومين عند خالتو انتصار
رفع الفنجان لفمه وارتشف منه بتريث ثم رد عليها بلهجة صارمة لا تقبل النقاش :
_ لا
اغتاظت من أسلوبه فقالت بحدة وغضب :
_ أنا مش بشاورك على فكرة .. أنا بعرفك
رمقها بنظرة مميتة اربكتها قليلًا ثم رد بهدوء مريب ينهي هذا الحوار قبل أن يأخذ منحنى لن يحبذه :
_ ادخلي الجو برد .. أو روحي نامي هيكون أفضل
التهبت عيناها وبقت تحدقه بعين نارية كلها غل وغيظ ، وبداخلها تلعن نفسها التي ذهبت واشفقت عليه وقامت بعمل القهوة ، بل حتى هو يستحق ما فعلته فريدة به .. خرجت همسة مسموعة ومحتدمة منها وهي تقول :
_ تستاهل أكتر من كدا كمان
سمع همستها فالتفت برأسه نحوها وقال بعدم فهم رافعًا حاجبه :
_ استاهل إيه ؟!
ثارت واقفة وهتفت :
_ كل حاجة ياعدنان كل حاجة
ابعدت المقعد من طريقها وهمت بالانصراف لكن كل الظروف تقف ضدها حتى قدمها ! ، التي التوت ففقدت السيطرة على توازنها وارتدت للخلف ، نسى تمامًا هو فنجان القهوة الموضوع بجواره على حافة المقعد ، وفرد ذراعه يلفه حول خصرها يجذبها إليه قبل أن تسقط ، وفي تلك الأثناء التي كان يحاول أن يحميها من السقوط ، وقعت القهوة الساخنة فانسكبت كلها على ملابسه وجسده .. وغزة بسيطة صابته من شدة حرارتها وبمجرد ما عادت هي لتوازنها وأدركت ما اقترفته فشهقت بهلع وانحنت عليه تسأل سؤال سخيف لا يجب سؤاله بموقف كهذا :
_ القهوة ادلقت عليك .. اتحرقت مش كدا ؟
رد عليها شبه منفعلًا وهو يستقيم واقفًا :
_ أكيد اتحرقت القهوة لسا سخنة ، ابعدي
عبر ودخل إلى الداخل ورفع يديه لأعلى عند ياقة تيشرته ينزعه عنه من الاعلى ويلقيه بعشوائية .. بينما هي فهرولت للغرفة حتى تجلب له مضاد للحروق ، بحثت بالإدراج في تلهف حتى عثرت عليه فخرجت وعادت له فورًا شبه راكضة فوجدته جلس على الأريكة وينظر لمكان الحرق .. أسرعت وجلست بجواره تبعد يده عن منطقة الحرق التي كانت أعلى البطن بالقرب من صدره ، وهتفت بقلق :
_ ابعد إيدك هحطلك من المرهم ده عشان الالتهاب ميزدش
رفع يديه دون أن يتفوه ببنت شفة وتابعها وهي تفتح العلبة الصغيرة وتضع مرهم بحجم عقلة اصبعها ثم وضعته على جسده وهي تمرر اصبعها بحركة دائرية على المنطقة الحمراء بفعل الالتهاب ، رفعت نظرها له وسألت بعين تعتذر لما سببته :
_ بتألمك جامد ؟
_ أيوة ياجلنار إنتي بتسألي أسئلة ذكية أوي ، قهوة سخنة وادلقت عليا فكرك هتكون بتألمني ولا لا !!
زمت شفتيها بضيق من انفعاله عليها وصاحت :
_ وانتي بتكلمني كدا ليه أنا مالي .. هو أنا اللي قولتلك امسكني
رفع حاجبه مستنكرًا ردها بدلًا من أن تشكره تنكر جميله .. رد عليها بابتسامة ساخرة :
_ صح عندك حق .. انا غلطان كان المفروض اسيبك تقعي وتتكسر رقبتك
جلنار بمضض وخنق من أسلوبه :
_ خلاص أنا آسفة معلش اللي حصل بسببي
لم يعقب فقط رمقها بصمت وتابعها وهي تكمل ما بدأت به للتو ، لحظة واثنين حتى غاص متأملًا إياها .. لون شعرها المتغير الذي يميل للكستنائي ، لاحظه منذ أن رآها في أمريكا ولكنه لم يعقب وبكل مرة يقرر بأن يسألها متى غيرت اللون لا تسمح الفرصة بسبب شجارتهم الدائمة منذ عودتهم ، هذا اللون يليق بها بشكل مثير ، يجلعها تمامًا كشمس الصباح المشرقة ، حين تكون دافئة ومتوهجة بنفس اللحظة .
خرجت همسة خافتة منه وهو يبتسم بنظرة إعجاب :
_ غيرتي لون شعرك لما كنتي في أمريكا
ردت عليه باقتضاب :
_ امممم وياريت بلاش تعليق سخيف أو .....
توقفت عن استرسال الحديث حين وجدته يمد أنامله ويبعد خصلاتها المتمردة من أمام عيناها ويتمتم بنظرة لئيمة مبتسمًا :
_ Very exciting ( مثير للغاية )
ارتفع حاجبها بدهشة من رده غير المتوقع ، أليس تغزله بها شيء يدعى للذهول !! .. ابتسمت وقالت بازدراء :
_ لولا إن القهوة ادلقت على بطنك كنت قولت حاجة تاني .. إنت متأكد إنك تقصدني أنا ! أصل ....
قاطعها للمرة الثانية وهو ينحنى عليها ويمد يده خلفه ليجذب التشيرت ، لوهلة ظنته سيقبلها لكنها حمدت ربها أنه لم يفعل ، توقف أمام وجهها قبل أن يبتعد وقال بلهجة حازمة ومغتاظة منها :
_ تصبحي على خير يارمانتي
وقبل أن يستقيم واقفًا خطف قبلة من جانب ثغرها ثم توقف وسار متجهًا نحو الغرفة ، ظلت مكانها تحاول استيعاب ما قاله وما فعله حتى هتفت بعفوية ساخرة :
_ هو في إيه .. ماله ده !!!
***
توقف بسيارته أمام إحدى المقاهي ونزل منها ثم قاد خطواته إلى الداخل ودار بنظره بين الجميع بحثًا عنها حتى وجدها تجلس بالقسم الثاني من المقهي المقابل للنيل على أريكة متوسطة الحجم مقابلة للماء .. تعرف عليها من شعرها وظهرها فتنهد بارتياح ، وفي تلك اللحظة دوى صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب على الهاتف وعيناه معلقة عليها :
_ أيوة ياخالتو
ميرفت بصوت مرتعد :
_ طمني يا آدم لقيتها
غمغم بصوت رجولي خافت :
_ لقيتها متقلقيش اهي قدامي
ميرفت برجاء :
_ طيب متتأخرش يا آدم لأحسن أنا مش قادرة أقف على رجلي من الخضة ، هاتها وتعالو علطول
_ حاضر مش هنتأخر متخافيش
انهى الاتصال معها ووضع الهاتف في جيب بنطاله مرة أخرى ، ثم تحرك باتجاهها في خطوات متريثة وعند وصوله إليها توقف للحظات خلفها ينظر إليها من الخلف ، كانت شاردة الذهن تتطلع للماء بعينان تائهة وبائسة .. مسح على وجهه بعبوس ، بات ناقم على نفسه المتسببة فيما وصلت إليه .
تحرك وجلس بجوارها ليخرج صوته الرزين وهو يحدق في الماء مثلها :
_ العزلة مش هتفيدك بالعكس بتأذي أكتر
صابتها نفضة بسيطة بخضة عندما سمعت صوته ورأته بجانبها .. متى جاء وكيف عرف مكان تواجدها ؟! ، سؤالان طرحتهم في وقت واحد بعقلها ! .. ابعد هو نظره عن الماء والتفت إليها برأسه مسترسلًا حديثه بنظرة ذات معنى ونبرة مهتمة :
_ هتفضلي تفكري في الحاجة اللي مضايقاكي اكتر واللي هيحصل إن الحزن هيفضل ملازمك .. ارمي الشيء اللي مضايقك يازينة ورا ضهرك ، صدقيني طالما مسبب ليكي الألم ده يبقى ميستاهلكيش ، ومفيش حاجة تستاهل إن ابتسامتك الجميلة تختفي من على وشك
لمعت عيناها وتلألأت الدموع فيهم وهي تحدق به بقلب منكسر ، يتحدث كأنه يعرف بكل شيء .. لكنه أصاب الهدف تمامًا بكلماته ، شعرت بدموعها على وشك الانهمار فالتفتت برأسها تجاه البحر مسرعة تهرب بنظراتها منه هامسة ببعض الاضطراب :
_ هو إيه ده اللي ميستاهلنيش !
_ اللي مضايقك
رمقته بنظرة طويلة .. نظرة عاجزة ومنطفئة ، وعينان دامعة تتحدث عن الآم قلبها المعذب بنار الهوى .. هذه المرة لم يبعد نظره عنه كالعادة بل ظل مثبتًا عيناه عليها يحاول إخبارها من خلالهم ( أجل أنا هو الذي اقصده .. لا استحقك ، بل تستحقين الأفضل مني ) .
اشاحت بوجهها مرة أخرى وهتفت بصوت حاولت إظهاره طبيعيًا :
_ عرفت إزاي إني هنا ؟!
آدم ببساطة :
_ تخمين
عندما لم تجب عليه استكمل هاتفًا بجدية :
_ مامتك كانت هتتجن من القلق والخوف عليكي ، كان على الاقل ردي عليها وطمنيها يازينة
_ أنا فاكرة إنها لسا في المعرض أو راحت عندكم عشان كدا عملت الفون صامت
استقام على قدميه وقال بخشونة :
_ طيب يلا قومي عشان نروح البيت وتطمن عليكي
زينة بصوت رقيق ورفض خافت دون أن تنظر له :
_ امشي أنت يا آدم وأنا هروح وحدي متقلقش عليا
لم تسمع منه أي رد فقط ظل واقفًا بصمت واضعًا قبضتيه في جيبي بنطاله ، وحين رفعت نظرها إليه ورأت نظرته الصارمة .. تنهدت بيأس وفهمت أن لا مجال للجدال معه ، فجذبت حقيبتها واستقامت واقفة ثم سارا معًا للخارج .. وعند وصولهم أمام السيارة توقفت والتفتت له بنصف جسدها هاتفة باعتذار لطيف :
_ عارفة إني مفيش عذر كافي لغيابي عن الافتتاح النهارده بس .....
قاطعها مبتسمًا في تفهم وبدفء وهو يفتح لها مقعد السيارة الأمامي المجاور لمقعده :
_ ولا يهمك أنا متفهم الوضع .. يكفي وقفتك معايا طول التجهيزات
طالعته وشفتيها مالت لليسار قليلًا في ابتسامة عابسة قبل أن تستقل بالسيارة ثم اغلق هو الباب والتفت من الجهة الأخرى وفتح باب مقعد القيادة واستقل بجوارها منطلقًا بالسيارة في طريق منزل خالته .
***
في صباح اليوم التالي ......
عدة طرقات منخفضة على الباب بفعل يدها الصغيرة ، لكن لا يوجد إجابة من والديها ! .. ظلت واقفة أمام الباب وهي تزم شفتيها بعبوس وتفكر بتردد اتفتح الباب وتدخل أم تستمر في الطرق إلى أن يستيقظوا ، لكن بفطرة الأطفال في عدم الصبر قررت أن تدخل .. وقفت على أطراف أصابع قدمها ومدت يدها لمقبض الباب وفتحته ببطء وحذر .. أدخلت رأسها فقط من خلف الباب تلقى نظرة عليهم فوجدتهم نائمين بعمق في الفراش .. والدها ينام على ظهره واضعًا كفه أسفل رأسه بوضيعة نومه المعتادة ، وأمها تنام على آخر الفراش مولية ظهرها لأبيها .. ابتسمت بخبث طفولي واندفعت نحو الفراش وصعدت عليه واستقرت في المنتصف بينهم ثم اقتربت من والدها وقالت بصوت منخفض :
_ بابي
لم يستيقظ فمدت كفيها الصغيرتين ووضعتهم فوق صدره تهزه برقة متمتمة :
_ بابي .. بابي اصحى
فتح عيناه تدريجيًا وبمجرد اتضاح صورتها كاملة أمامه ابتسم بحب واعتدل في نومته ثم انحنى عليها لاثمًا وجنتها متمتمًا بصوت مازال يحمل أثر النوم :
_ صباح الورد يا هنايا
ضحكت لأبيها بحب مماثل وقالت :
_ اتأخرت على الشغل
اتسعت ابتسامته وفغر عيناه بدهشة مصطنعة واردف :
_ بجد هي الساعة كام !
التقط هاتفه وتفقد الساعة فوجدها السابعة صباحًا عاد يجيب عليها غامزًا :
_ لسا بدري يالئيمة إنتي عايزة تمشيني ولا إيه ؟!
هزت رأسها بالنفي واقتربت منه تهمس في أذنه مبتسمة في دلال طفولي لا يقاوم :
_ خدني معاك يابابي
_ اخدك معايا الشغل !!
اماءت له بالموافقة وهي تطالعه بعينان لامعة كلها تشويق وحماس ، فرد عليها بحنو ابوي :
_ مش هينفع ياملاكي .. أنا هكون مش فاضي ومش هعرف اخد بالي منك
هتفت هنا مسرعة بتوسل وعينان تحاول اتسعطافه من خلالهم :
_ هسمع الكلام وهفضل قاعدة ساكتة جمبك
اطال النظر إليها فزمت هي شفتيها بحزن ويأس إلى أن وجدته يضحك ويقول مستسلمًا بغمزة مشاكسة :
_ بتعرفي تثبتيني إنتي ياقردة .. خلاص من غير زعل هاخدك
وثبت فوق الفراش بسعادة غامرة صائحة وهي ترتمي على أبيها عاقدة ذراعيها الصغيرة حول رقبته :
_ هييييه يعيش بابي
تعالت صوت ضحكته الرجولية وهو يلف ذراعه حولها ضامًا إياها إليه .
فتحت جلنار عيناها على أصواتهم وقبل أن تلتفت بجسدها ناحيتهم نزلت بنظرها تلقائيًا إلى الفراش النائمة فوقه ، كيف جاءت هنا هي تتذكر جيدًا أنها ليلة أمس نامت بجوار ابنتها في غرفتها حتى لا تكون معه بغرفة واحدة .. ثم رفعت جزء من الغطاء ونظرت للداخل فإذا بها تجد أن حتى ملابسها ليست التي كانت ترتديها بالأمس ! ، اشتلعت عيناها بعد جالت بعقلها عدة أفكار جعلتها تتحول لجمرة من النيران الملتهبة .. وثبت جالسة فجأة والتفتت نحوهم ، صائحة بغيظ :
_ عدنان
ابتعدت هنا عن أبيها وحدقت بأمها في استغراب بينما هو فلم يستغرق الموقف أكثر من ثانية ليدرك سبب اشتعالها ، أجابها ببرود مجاهدًا في إخفاء ابتسامته :
_ صباح الخير يارمانتي !
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق
اتساع عيناها كان ردًا كافيًا على جملته المغلفة بالهدوء المستفز .. " صباح الخير يارمانتي !! " يالك من مستفز .. كيف يمكنك التحدث بهذا البرود ، وكأنك لم تفعل شيء ! .
نظرت لابنتها التي تحدق بها بتعجب من غضبها ، فارتخت عضلات وجهها المتشنجة تدريجيًا ورسمت على وجهها ابتسامة مزيفة تجيب عليه بمضض :
_ صباح النور ياحبيبي
ثم فردت ذراعيها لابنتها تحثها على الانضمام بحضنها ففعلت الصغيرة فورًا .. هتفت جلنار بدفء :
_ صاحية بدري كدا ليه ياحبيبة ماما ؟
ردت هنا بحماس وفرحة :
_ بابي هياخدني معاه
رفعت نظرها لعدنان وطالعته بنظرة مشتعلة ثم عادت بنظرها مرة أخرى لصغيرتها وقالت بوجه لطييف تمامًا على عكس نظراتها له للتو :
_ ياخدك فين ؟
_ الشغل !
رفعت جلنار حاجبها باستغراب ثم ردت ببعض الجدية :
_ بس ياحبيبتي ده شغل وبابا مش هيكون فاضي يعني هتزهقي وحدك
هزت رأسها بالنفي وقالت بإصرار :
_ لا أنا هقعد مع بابي ومش هبعد عنه
ضحك عدنان وانحنى عليها من الخلف يقبلها من وجنتيها هامسًا بعاطفة جيَّاشة :
_ وهو بابي يقدر يبعد عن ملاكه لحظة أساسًا
وقعت عيناه بتلقائية على جلنار فوجدها ترمقه بنفس النظرات النارية ، لو كانت النظرات تحرق لحرقته مكانه ، أخفى ابتسامته المتسلية وهتف محدثًا ابنته لكن نظراته معلقة على الأخرى :
_ يلا ياهنايا عشان نقوم ونساعد ماما في تحضير الفطار وبعدين نلبس ونمشي
هنا بسعادة وحماس :
_ يلا ياماما
جلنار وهي لا تزال معلقة نظراتها على عدنان :
_ حاضر ياحبيبتي
استقامت من الفراش وتوجهت إلى الحمام وهي تتوعد له .. بينما هو فظل جالسًا مكانه والصغيرة توقفت وانصرفت متجهة إلى غرفتها تفتح خزانة ملابسها الصغيرة تفتش بين ملابسها بحماس طفولي عن ما سترتديه .
دقائق قليلة حتى خرجت جلنار من الحمام ، وقفت وتطلعت له بغيظ واندفعت نحو باب الغرفة حين لم تجد ابنتها ، أغلقت الباب وعادت له ثائرة تطرح السؤال الأهم من الطريقة المعروفة التي جاءت بها إلى الفراش بجواره :
_ أنا مكنتش لابسة كدا إمبارح قبل ما أنام .. إنت عملت إيه ؟!
توقف من الفراش ببرود أعصاب تام وأجابها :
_ معملتش حاجة
جلنار :
_ لا والله امال مين اللي غيرلي هدومي !!
عدنان بنظرة وقحة وابتسامة لعوب :
_ أنا
افغرت فمها وعيناها وسرعان ما تحولت نظراتها إلى أخرى ملتهبة كسابقها وهمت بالرد عليه ، لكنه لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه ثم بدأ بالتحدث في براءة متصنعة وبأنامل يده الأخرى يعبث في خصلات شعرها برقة ونظرات لئيمة :
_ لقيتك نايمة جمب هنا في الأوضة فشلتك وجبتك على سريرك جــمــبي في مكانك .. قولتي عايزة مايه جبتلك تشربي ومن غير ما تاخدي بالك بسبب إن النوم كان غالب عليكي المايه اتكبت على هدومك للأسف ، فجبتلك حاجة تلبسيها من الدولاب وكنت هطلع واسيبك تغيري وتلبسي .. بس إنتي اللي ندهتي عليا وقولتيلي تعالى ياعدنان ساعدني .. وأنا عشان قلبي طيب مقدرتش اشوفك محتجاني وملبيش طلبك وضعفت وساعدتك
رغم أن كل ما رواه لم يكن يستدعي الضحك أبدًا لكنها انفجرت ضاحكة .. ضحكة تحمل السخرية والاستنكار ، ظلت تضحك لنصف دقيقة تقريبًا حتى توقفت قليلًا وقالت من بين ضحكها بلهجة تحمل الاستهزاء :
_ كنت نايمة والمايه وقعت على هدومي وإنت ياعيني كنت هتسبني اغير وتطلع برا عشان إنت محترم أوي طبعًا .. روحت أنا ندهت عليك وقولتلك ياعدنان تعالى ساعدني ، ده أنا اللي قولت كدا صح ! ، وطبعًا زوجي البريء والمضحى والجميل ساعدني مضطر عشان ميرفضش طلبي !
رد عليها بنفس البرود وهو مبتسم :
_ بظبط كدا اضطريت .. إنتي عارفة أنا دايمًا بحب اساعد المحتاج
اختفت ابتسامته في لحظة وتحولت للوجه الآخر الذى كان كله غضب وغيظ ، ولكمته في صدره بعنف صائحة به بوجه أحمر من فرط الغضب :
_ وقح وقليل الأدب .. إزاي تقربلي هااا ، أنا قولتلك مليون مرة متلمسنيش
فشل في كتم ضحكته التي انطلقت بسيطة من بين شفتيه ، ثم انحنى بوجهه عليها وهمس في مكر أشد قاصدًا إثارة أعصابها أكثر :
_ متخافيش كنت مغمض عيني
_ عــــدنــــان
صيحة شبه عالية انطلقت منها وهي تشتعل من فرط الغيظ ، ثم دفعت يده عنها ورفعت سبابتها في وجهه تحذره بسخط حقيقي :
_ إياك تقربلي تاني فاهم ولا لا .. واحد متحرش
ثم استدارت واندفعت مسرعة إلى خارج الغرفة وهي عبارة عن جمرة نيران متوهجة بينما هو فعاد كلمتها الأخيرة ضاحكًا باستنكار :
_ متحرش !!!
***
يعرف ويتجاهل .. يفهم جيدًا مدى الألم الذي اعاني منه ، لكنه يبعدني عنه .. لا يحبني ولن يفعل ! .. لم تكن كلماته بالأمس في سياق الحديث ، بل كان يقصد كل حرف وكلمة تفوه بها .. كان لدي بعض الشكوك حول معرفته بمشاعري تجاهه ولكنني الآن تيقنت من شكوكي .. لم يكتب لتلك المشاعر الحياة ، كنت فقط اتبع وهم منذ البداية .. متأملة انني بيوم قد افوز بقلبه ويصبح لي ، لكنني كنت اتوهم وخلقت عالمًا مزيفًا تعايشت فيه بمفردي ، ومن الواضح أن الآن يجب على مغادرته .. هذا العالم لا يناسبني وليس لي ! .
كانت تقف أمام المرآة تستعد للخروج .. قد ارتدت بنطال أبيض اللون يعلوه كنزة من اللون الأسود وفوقها جاكت من اللون البني ، وتركت خصلات شعرها تتطاير بحرية على أكتافها وظهرها .
خرجت من غرفتها واتجهت إلى أمها الجالسة على الأريكة أمام التلفاز تشاهد إحدى البرامج الصباحية ، انحنت عليها وطبعت قبلة حانية على وجنتها متمتمة :
_ صباح الخير يافوفا
التفتت ميرفت لها برأسها وردت بإشراقة وجه من رؤيتها لابنتها وهي كلها نشاط وحيوية هكذا :
_ صباح النور ياحبيبتي .. على فين كدا ؟
_ معايا محاضرة في الكلية هروح احضر بما إني ليا فترة مش بروح الجامعة
ميرفت بحنان أمومي :
_ طيب ياحبيبتي روحي وخلي بالك من نفسك
اماءت لها بالموافقة واستدارت بجسدها تهم بالانصراف لكنها توقفت مجددًا وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدير مجددًا نحو أمها وتقول بوجه جامد :
_ صحيح كلمي طنط نرمين وقوليلها إني موافقة
وقعت الكلمات على ميرفت وقع الرعد .. حيث قالت بصدمة حقيقية امتزجت ببعض الفرحة :
_ موافقة على رائد ؟!
_ أيوة ياماما .. ولما ارجع نبقى نكمل كلامنا .. أنا همشي دلوقتي عشان مستعجلة
ميرفت بسعادة غامرة :
_ طيب ياحبيبتي روحي عشان متتأخريش .. ترجعي بالسلامة أن شاء الله
***
كانت فريدة تقف بالمطبخ تقوم بتحضير كوب من القهوة لها ، ولم تشعر بأسمهان التي تسللت من خلفها ووقفت خلفها مباشرة هاتفة بصوت منخفض أقرب للهمس :
_ قريب أوي هتكوني برا القصر ده وابني بنفسه اللي هيرميكي منه
انتفضت فريدة بفزع على أثر صوتها والتفتت فورًا للخلف بقسمات وجه مزعورة ، لكن ثواني قصيرة واختفت علامات الزعر من على محياها ليحل محلها الغطرسة بعدما أدركت كلامها وقالت :
_ هيرميني أنا !! .. وده ليه بقى إن شاء الله
أسمهان بغل ونقم ملحوظ في عيناها :
_ اللي بتخططيله من ورانا قريب اوي هنعرفه وسعتها هترجعي للزبالة اللي جيتي منها .. وقريب أوي هعرف إيه اللي مخبياه وبتعملي أيه من ورا الكل ، ومبقاش أنا أسمهان الشافعي أما رميتك زي الكلاب برا القصر ده
ضحكت فريدة بسخرية وردت عليها في نظرات شيطانية ونظرة كلها ثقة :
_ معتقدش يا أسمهان هانم .. وأنا من رأي إننا منستبقش الإحداث يعني الافضل خلينا نتفاجيء بنهاية القصة هتكون إزاي بدل ما نتوقع على الفاضي
قبضت أسمهان على ذراعها بعنف وهتفت بوعيد يلمع في عيناها :
_ نهاية القصة معروفة من البداية .. مش محتاجة نستني ونتفرج بنفسنا ، نهايتها إن الزبالة بيرجع للزبالة بتاعته لأنه مهما عاش في النضافة هيفضل زبالة بأصله
لم تثير كلماتها غضب فريدة التي على العكس كانت هادئة تمامًا وتطالعها بابتسامة مثلجة غير مبالية ثم ردت عليها وهي تهم بالانصراف :
_هنشوف يا أسمهان هانم .. عن أذنك
ثم سحبت يدها من بين قبضتها ورحلت بكل برود مما أشعل غيظ أسمهان أكثر وازدادت حقدًا وغلً لها ، متوعدة لها بالقريب العاجل أن تكون خارج حياتهم تمامًا للأبد ....
***
داخل شركة الشافعي تحديدًا بمكتب عدنان في الطابق الثالث ......
بينما كان يجلس على مقعده أمام المكتب ويقوم بإنهاء أعماله ، كانت هنا تجلس على الأريكة وتمسك بهاتف والدها تشاهد أحد أفلام الاطفال المشهور ( القط والفأر ) وبين آن والآخر تنطلق منها ضحكة طفولية وعفوية عندما تشاهد مشهدًا مضحكًا ، فيلتفت لها برأسه ويبتسم بدفء ويعود ويكمل عمله .
طرق الباب عدة طرقات خفيفة قبل أن ينفتح وتدخل ليلى وهي تمسك بيدها إحدى الملفات الخاصة بالعمل وتقترب من عدنان تقف بجواره وتقول برسمية :
_ الأوراق دي محتاجة توقيع حضرتك يافندم
التقط من يدها الملفات وتفقدها متمتمًا دون أن ينظر لها :
_ عملتي إيه في موضوع نادر ياليلى
ليلى بعبوس :
_للأسف مفيش أي حاجة في مكتبه وتصرفاته كلها طبيعية حتى الآن !
رفع نظره عن الأوراق ونظر لها وهو يهز رأسه بإيجاب وعينان شاردة تفكر بشيء آخر .. فطرحت ليلى سؤالها وقالت بتساءل واهتمام :
_ طيب حضرتك هتعمل إيه ياعدنان بيه الملفات دي مهمة جدًا وفيها صفقة بملايين !
ابتسم عدنان بنظرات غريبة ثم قال بثقة وصوت خشن :
_ إنتي لسا جديدة معايا ومتعرفنيش .. اصبري واتفرجي ياليلى هعمل إيه
لاحت ابتسامة على ثغر الأخرى .. نظرة كلها ثقة وتشوق .. بينما هو فقال وهو ينظر لابنته :
_ اطلبي ليا ولهنا يا ليلى غدا من المطعم
نظرت إلى هنا المنشغلة بالمشاهدة على الهاتف وابتسمت ثم رجعت برأسها ناحيته وقالت بود :
_ تحت امر حضرتك
عدنان بنظرة محبة :
_ هنون .. تعالى ياملاكي
تركت الهاتف من يدها فور سماعها لصوت أبيها وهو يطلب منها القدوم إليه .. توقفت وتحركت إليه حتى وقفت أمامه فحملها واجلسها على سطح المكتب أمامه وغمغم بحنو أبوي :
_ دلوقتي وقت الغدا جه .. وطنط ليلى هتجبلنا الأكل عشان نتغدا .. تحبي بقى ناكل إيه ياحياتي
انحنت ليلى عليه وقالت بمداعبة بسيطة شبه ضاحكة :
_ مش كبيرة عليا شوية طنط دي ياعدنان بيه
انطلقت منه ضحكة بسيطة ثم أجابها من بين ضحكته :
_ خلاص يا ليلي .. هخليها تقولك ليلى من غير أي حاجة حلو كدا
ليلى كاتمة ضحكتها :
_ حلو .. هااا ياسكرة تحبي تاكلي إيه النهارده ، ده بابي أول مرة يعملها ويتغدا في المكتب هنا .. وده عشان إنتي موجودة بس يعني استغلي الفرصة
تطلعت هنا إليها بخجل دون أن تجيب عليها ، وطال صمتها للحظات حتى انحنت على أذن أبيها وهمست في خفوت وخجل طفولي لطيف بنوع الطعام الذي تريده ، وكان صوتها واضحًا رغم محاولتها لإخفاضه حتى لا يصل لأذن ليلى التي سمعت ما همست به في أذن والدها جيدًا .. بينما عدنان فنظر لليلى وغمز لها باسمًا دون أن يتكلم لمعرفته بأنها سمعت كل شيء ، أماءت له بالموافقة الأخرى بابتسامة عذبة قبل أن تستدير وتنصرف .
فور انصراف ليلى نظر هو لصغيرته وقال :
_ هااا قوليلي كنت بتتفرجي إيه بقى ؟
هتفت هنا بلطافة لا تقاوم وقد عادت لطبيعتها على عكس الخجل الذي كان يهيمن عليها للتو :
_ Tom and jerry ( القط والفأر .. توم وجيري )
_ طيب إيه رأيك أول ما يجي الأكل نطلع وناكل فوق على الروف ، هيعجبك أوي
هزت رأسها بإيجاب في وجه مشرق بإبتسامتها الرائعة ، ثم عبست وقالت بحزن :
_ بابي ماما كانت زعلانة الصبح
_ ليه !!!
_ عشان أنا سبتها وحدها وجيت معاك
قهقه بقوة وأجاب على ابنته :
_ بجد !! .. طيب تعالي هنكلمها ونشوفها لسا زعلانة ولا لا
أمسك بهاتفه وأجرى مكالمة فديو بها .. وبعد لحظات من الرن المستمر انفتح الاتصال أخيرًا وثواني حتى ظهر وجهها بشاشة الهاتف ، كانت قاطبة حاجبيها من اتصاله حتى وجدته يهتف وهو يوجه الهاتف عليه هو وهنا ويقول باسمًا :
_ هنون بتقول إنك كنتي زعلانة ياماما الصبح عشان سابتك وجات معايا .. فقولنا نتصل ونشوف ماما لسا زعلانة ولا إيه بظبط
كتمت جلنار ضحكة عالية كانت ستنطلق منها ورسمت العبوس والضيق على وجهها بمهارة لتجيبه بتأكيد :
_ أيوة زعلانة ، يهون عليها تسيب مامي وحدها في البيت كدا !
ردت هنا على أمها بوجه حزين لعبوس والدتها :
_ خلاص مش تزعلي .. هنجبلك شيكولاته احنا وجايين
_ هتجبيلي قد إيه ؟!
فتحت ذراعيها على أخرهم وقالت برقة :
_ كتييييير أوي ، قد كدا .. مش صح يابابي ؟
أجابها عدنان ضاحكًا :
_ صح ياروح بابي .. تحبي نجبلك حاجة تاني ياماما واحنا جايين
_ لا كفاية الشيكولاته
تفوهت به جلنار وهي شبه ضاحكة ، حتى قالت بتذكر وجدية :
_ أكلتوا ولا لسا ؟
ردت هنا مسرعة وحماس :
_ لسا طنط ليلى راحت تجيب الأكل
هتفت جلنار باهتمام وحزم :
_ خلي بالك ياعدنان ومتجبوش أكل مش healthy وأهم حاجة تخليها تغسل إيدها كويس أوي قبل الأكل وكمان .....
_ خلاص ياجلنار .. أنا عارف كل ده أكيد ، متقلقيش كل حاجة زي الفل الحمدلله .. يلا سلام هقفل عشان ورايا كام حاجة عايز اخلصها
ثم وجه الهاتف على وجه صغيرته وهتف :
_ يلا قولي باي لماما
لوحت هنا بيدها لأمها ثم كتمت بكفها الصغير على فمها ترسل لها قبلة في الهواء من خلف شاشة الهاتف ففعلت جلنار بالمثل وهي تضحك بحب ودفء .
***
دوى صوت رنين باب المنزل فور انتهائها من حديثها مع ابنتها وزوجها في الهاتف .. ضيقت عيناها باستغراب وظنته في باديء الأمر أنه " حامد " ، فاتجهت نحو الباب وفتحت في وجه معالمه عادية تمامًا .. حتى رأت أبيها أمامها فتحولت لنظرات الدهشة الممتزجة بالاستياء .
هتف نشأت بخفوت :
_ عاملة إيه يابنتي
جلنار بجفاء وصرامة :
_ جاي ليه !! .. ياترى هتسلمني لمين المرة دي كمان !!
_ أنا عملت كدا لمصلحتك ياجلنار
صاحت به منفعلة :
_ مصلحتي في إني أبعد عن عدنان وأطلق منه .. لكن إنت مش شايف كدا عشان طبعا مصلحتك إنت إني أفضل متجوزاه
هم بالاقتراب منها وهو يتمتم بتأثر وضيق :
_ يابنتي والله مبقيش يهمني حاجة .. أنا عايز ترجعي تاني لحضني ، كرهك ليا ده بيقتلني ، ولولا إني حسيت إن عدنان عايزك بجد مكنتش هسيبك في أمريكا معاه وأرجع
تقهقهرت للخلف حتى لا يلمسها ويقترب منها وقالت ضاحكة بسخرية :
_ عايزني !! .. هو فعلًا عايزني بس مش بيحبني ، عايزني عشان السبب اللي أنت أجبرتني اتجوزه عشانه
نشأت بصدق ونظرات مشتاقة لابنته :
_ لا المرة دي مختلفة صدقيني هو عايزك إنتي وبنته بجد اديله فرصة .. وكمان ارجعيلي يابنتي ابوس إيدك
اطالت النظر إليه واحست بأنها ستضعف أمامه .. رغم كل ما فعله بها سيظل أبيها ولن تتمكن من حمل الضغينة والكره له في قلبها ، ولته ظهرها وقالت بقسوة وصوت مبحوح :
_ امشي يابابا لو سمحت مش عايزة اشوفك وياريت متجيش تاني كمان ، أنت بعتني من الأول وتخليت عني فمتحاولش تمثل قدامي دلوقتي مشاعر الأبوة اللي ممكن تكون مش حقيقية أساسًا
تحرك خطوة نحوها حتى وقف خلفها مباشرة وبمجرد ما لمس كتفها بيده نفرت منه بتلقائية وقالت وهي تبتعد عنه أكثر :
_ قولتلك امشي من فضلك
توقف بأرضه للحظات طويلة يحدق بها بأسى وعجز ووجه يائس حتى أصدر تنهيدة حارة واستدار مغادرًا المنزل .. التفتت برأسها نحو الباب بعد رحيله وانهمرت على وجنتيها دموعها بحرقة وألم ، قلبها يؤلمها على كل شيء .. تريد مسامحته لكنها لا تستطيع ، نفسها الثائرة والمنكسرة لا تسمح لها بالصفاء وربما لن تصفو ! .
***
في مساء ذلك اليوم وداخل معرض آدم بعد رحيل جميع الزوار ......
انتهت جميع اللوحات المعروضة للبيع بالمعرض معادا واحدة .. كان يقف آدم أمامها يتأملها بسكون متذكرًا محادثته مع تلك الفتاة ، جميع اللوحات تم بيعها معادا هذه اللوحة .. لا يذكر أن أحد توقف أمامها وأعجبته سواها ، رغم أنها لم تعجبها وسخرت منها لكنها الوحيدة التي توقفت أمامها .. رأتها لوحة متزاحمة ومعقدة ولم تخطأ حين ربطت اللوحة به ، هي تشبه تعقيدات نفسه المتداخلة والتي لا يجد لها تفسير ، فأخرج تلك المشاحنات التي تعصف بروحه في هذه اللوحة .. التي لم ينتبه لها أحدًا سواها .
انتشله من شروده صوت صديقه " زياد " الذي هتف بسعادة وعين تلمع بوميض النصر :
_ مبروووك يافنان .. اللوح كلها اتباعت مفضلش غير اللوحة دي
_ مش هبيعها
رد زياد بتعجب :
_ هي إيه دي اللي مش هتبيعها
تمتم آدم وهو معلق نظره على اللوحة :
_ اللوحة دي
_ هتحتفظ بيها لنفسك يعني ولا إيه ؟!
لوى آدم فمه ورد بإيجاب وهو يهز رأسه ببساطة :
_ حاجة زي كدا
هتف زياد بمرح ضاحكًا :
_ مش مهم ياعم .. المهم هو نجاح المعرض ، مبروووك ياصاحبي
_ الله يبارك فيك
_ طيب أنا هسبقك واستناك برا بقى تمام
اماء له آدم بالموافقة وظل واقفًا كما هو يتطلع للوحة بتمعن ، حتى مرت دقيقة أو أكثر تقريبًا وهم بالاستدارة والانصراف لكنه لمح عقدًا فضي اللون به فصوص بيضاء لامعة على طول العقد كله .. انحنى على الأرض والتقطته ينظر إليه بتدقيق ، ظنه في باديء الأمر أنه سقط من إحدى الفتيات الذين مروا من أمام اللوحة ، لكن عندما عصفت بذهنه صورتها تذكر أنه لمح برقبتها نفس هذا العقد ، كانت ترتديه ويظهر بوضوح حول رقبتها البيضاء .. بقى للحظات وهو يحدق بالعقد حتى تأكد أنه لها فلاحت ابتسامة جانبية على شفتيه واعتدل في وقفته ثم وضع العقد في جيبه واتجه لخارج المعرض بأكمله بعد أن أطفأ جميع الأضواء .. ووقف أمامه من الخارج ثم أمسك بالباب واغلقه بالمفتاح جيدًا وسار باتجاه صديقه الذي كان بانتظاره في السيارة .
***
بعد مرور ساعات بسيطة ....
مجتمع هو ووالدته وأخيه على المائدة ويتناول الطعام بصمت .. عدم وجودها على المائدة معهم يثير جنونه ويحاول تجاهل الأمر ، لكن ثورانه الداخلي منعه من الصمود كثيرًا ، حيث فجأة القى بالشوكة التي بيده على سطح الطاولة وقال بعصبية :
_ منزلتش تاكل ليه دي كمان !!
زمت أسمهان شفتيها وقالت بعدم اكتراث :
_ معرفش .. سيبها ياحبيبي هي لو عايز كنت نزلت واكلت
عض على شفاه السفلية في غيظ متمالكًا أعصابه بصعوبة ، استقام واقفًا واندفع إلى الأعلى باتجاه غرفته ، تابعته أسمهان بأعين نارية وناقمة على فريدة أما آدم فتأفف بخنق وقرف ! .
فتح الباب على مصراعيه بعنف ودخل فوجدها تجلس على الأريكة وتمسك بهاتفها تعبث به ، اندفع نحوها وجذب الهاتف من يدها هاتفًا بزمجرة :
_ قاعدة هنا ليه !! .. الأكل لما يتحط ياهانم الكل يكون على السفرة
تعمدت عدم النظر إليه وقالت بتمرد :
_ مش عايزة اكل ياعدنان
_ ليه بقى إن شاء الله
ردت عليه بحنق دون أن تنظر له :
_ وإنت مهتم بيا كدا ليه .. كفاية شكك فيا وكأننا متجوزين إمبارح .. ولا قعدتك عندها تلات أيام مبتجيش البيت هنا وسايبني
انحنى بنصف جسده عليها وهمس في نظرة مميتة ونارية :
_ أنا مشكتش فيكي من فراغ
هبت واقفة وصاحت به بغضب ودموع حقيقية انهمرت على وجنتيها :
_ إنت بتعاملني بطريقة عمرك ما عاملتني بيها قبل كدا .. بعدت عني .. أنا مشوفتكش ليا تلات أيام غير امبارح في المعرض متخيل .. حتى مش بتتصل بيا ياعدنان ، وبتحاسبني دلوقتي على تغيري معاك .. طيب ما أنا اتغيرت بسببك ، شايفاك إزاي اتغيرت من وقت ما رجعت الهانم وأنت قاعد عندها علطول .. تفكيرك فيها علطول وخوفك عليها وكنت بتحجج وتقولي إنك خايف على بنتك ، بس الحقيقة كانت إنك زي ما خايف على بنتك خايف عليها كمان .. لما اتجوزتها وعدتني وقولتلي مستحيل يكون في قلبك واحدة غيري وإنك متجوزها عشان الطفل اللي نفسك فيه مش اكتر وبعدها هتطلقها .. وجابتلك الطفل اللي نفسك فيه .. طلقتها .. لا ، بالعكس بقيت أحس إنها بتسحبك واحدة واحدة من غير ما تحس ولا أي حد فينا يحس لغاية ما اهو أنت شايف بعينك الوضع وصل لفين .
توقفت عن الكلام وجففت دموعها ثم استكملت بصوت مبحوح وهي مطرقة أرضًا :
_ متحاسبنيش على حاجة إنت السبب فيها
لانت نظراته ونبرته أمام كلامها ودموعها ولوهلة رغب بضمها لصدره ليشعرها بحنانه مرة أخرى ويمطرها بحبه لها كالعادة ، لكن لا يزال الشك الذي تعشش في ثنايا يمنعه وبإمكانه القول أنه فقد جزء كبير من ثقته بها .
تنهد الصعداء بعدم حيلة وقال بنبرة لينة :
_ متعيطيش .. يلا تعالي ننزل عشان تاكلي
صرخت به بعصبية وعينان ممتلئة بالدموع :
_ مش عايزة اطفح ياعدنان .. سبني لوحدي لو سمحت .. أو اقولك روحلها تاني كمان أصلا مبقتش فارقة معايا من زمان اوووي
دهشه ردها عليها ، مما جعله يقف للحظات يتطلع إليها بعدم استيعاب واردف بابتسامة تحمل الاستنكار والصدمة بآن واحدًا :
_ مبقتش فارقة !!
اشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى بينما هو استمر في التحديق بها ينتظر منها أي توضيح ، لكن لا رد وفقط دوى صوت رنين هاتفه في جيبه فأخرجه وتطلع باسم المتصل وكانت جلنار .. القى نظرة مطولة عليها قبل أن يستدير وينصرف إلى الخارج مجيبًا على الهاتف شبه منفعلًا :
_ خير ياجلنار
أتاه صوت صغيرته العابس وهي تقول :
_ بابي إنت مش جاي ؟!! ، إنت قولتلي هتيجي ومش هتتأخر
مسح على وجهه متنهدًا وقال بخفوت في لطف :
_ أنا جاي ياحبيبتي متقلقيش ، استنيني ومتناميش
عادت البهجة لصوتها حيث ردت عليه بفرحة :
_ حاضر هستناك
في الداخل التقطت فريدة الوسادة الصغيرة والقتها بعرض الحائط هاتفة في صوت مبعثر وبائس :
_غبية إيه اللي قولتيه ده .. بدل ما تصلحي الوضع وتمحي شكه فيكي نيلتي الدنيا اكتر ، كان لازم يعني تنفعلي وتقولي اللي شايلاه جواكي !!
***
في مدينة كاليفورنيا بأمريكا تحديدًا داخل منزل حاتم ......
يجلس بغرفة مكتبه الخاصة وأمامه حاسوبه النقال ، يتنقل بين الصور بقلب منفطر ، اشتاق لها كثيرًا ولا ينكر هذا .. ومشاهدته لصورها ربما ترضى القليل من شوقه وتطفي النيران المشتعلة في صدره من فراقها ، حديثهم الأخير معًا وكلماتها لا تزال تتردد في أذنه .. هي لديها الحق بكل كلمة ، لم يكن موجودًا في الوقت التي كانت فيه بحاجة إليه .. وحين عاد كان الآوان قد فات .. لكن هذا لا يمحي حقيقة حبه لها وأنه لا يزال حتى الآن يريدها وقلبه يعاني من فراقها .
انفتح الباب وظهرت من خلفه نادين وهي تحمل فنجانين من القهوة ، فانزل غطاء الحاسوب قليلًا حتى لا ترى الصور ونظر لها مبتسمًا فقالت وهي تقترب منه وتضع القهوة على سطح المكتب أمامه :
_ شو عم تسوي ؟
حاتم ببساطة وهو يتلقط فنجان القهوة :
_ ولا حاجة .. ميرسي على القهوة
نادين وهي تدقق النظر به :
_ العفو .. بس ليش شكلك مو عاجبني في شي صار ولا شو ؟!
_ مفيش حاجة يانادين متقلقيش ، أنا مخنوق شوية بس
جلست على المقعد المقابل له واستندت بمرفقها فوق سطح المكتب واسندت كفها أسفل وجنتها متمتمة برقة تليق بجمالها المذهل :
_ ويا ترى شو السبب ؟
ابتسم لها وقال بغمزة مشاكسة :
_ طبعًا لما تبعدي عني ببقى مخنوق ومش طايق نفسي
قهقهت بخفة على مشاكسته وبادلته إياها وهي تتصنع الخجل :
_ لك عم تحرجني هيك والله
علت ضحكته الرجولية ، وبعد لحظات قصيرة تلاشت ابتسامته تدريجيًا وجمدت ملامحه ثم نظر لها وسأل بنظرات تائهة :
_ نادين هو إنتي شيفاني شخصية إزاي !
تعجبت من سؤال وطالت النظر في وجهه ومعالمه العابسة فتنهدت بحرارة وقالت بنعومة مبتسمة :
_ عم شوفك .. أفضل صديق وأخ وأب ، إنت بتعرف إني ما إلى حدا غيرك .. يكفي إنك ضليت جمبي في أوقاتي الصعبة وما تركتني بنوب لحالي ، يمكن ما قلتلك هاي الكلام من قبل بس حقيقي إنت كِل بنت تتمناك .. رِجال وقلبك كبير وكتير حنين وأهم شي إنك مخلص في حبك لأي شخص بحياتك .. يعني عن جد أنا ما بيكفيني اليوم كِله مشان احكي عنك واوصفك .. السنين اللي بينا ومواقفنا مع بعض هي ياللي بتحكي
امعن النظر بها في عينان تفيض حبًا صافيًا ونقيًا ، ربما سؤاله كان بدافع معرفته لجوانب شخصيته لربما يرضى ثورانه وعدم فهمه لمعارضة كل شيء له في حياته .. وظن أنه هو الذي يفسد كل شيء بأفعاله وجوانب شخصيته السلبية ، لكن لم يكن يتوقع أن يسمع منها كل هذا الكلام .
مد يده واحتضن كفها الناعم بين كفيه متمتمًا بنظرات دافئة :
_ وهفضل دايمًا جمبك لغاية ما اسلمك لعريسك بنفسي واكون مطمن عليكي
ظهرت ابتسامة شبه مختفية على شفتيها لم تصل لعيناها حتى وقالت بخفوت :
_ شو سبب السؤال ؟
_ مفيش سبب حبيت أسأل عادي .. بس دلوقتي أنا فهمت إنت مستحملاني ليه رغم عيوبي التي لا تحتمل
نادين بضحكة رقيقة ولطيفة :
_ أي مجبورة .. مو قدامي حدا غيرك .. لا عم امزح نحن اتعودنا على بعض ياحاتم وعيوبنا ما عادت بتضايق حدا منا .. بتعرف أنا بفرح وبحس بالفخر إني أنا الوحيدة ياللي بتقدر تهديك بوقت عصبيتك ولما يجن جنونك هيك وتضل تكسر وتصرخ بالكل
حاتم ضاحكًا :
_ يجن جنوني !!
_ ما تتريق على .. بدل ما اضربك والله
اماء لها بالموافقة كاتمًا ضحكته ، ثم رفع فنجان القهوة لفمه وارتشف منها ببطء وهتف بصدق :
_ تسلم إيدك على القهوة والله بجد
_ thank you ( شكرًا لك )
***
عودة للقاهرة بمصر .....
يقود عدنان السيارة وعقله مشغولًا بالتفكير في كلمات فريدة .. أو بالأخص في جملتها الأخيرة .. لم يعد يفرق معها !! .
أصدر تنهيدة حارة عندما وجد صوت رنين هاتفه يرتفع فمد يده وفتح الاتصال وكذلك مكبر الصوت ليجيب على ابنته .. وبينما هو منشغل بالحديث والقيادة كانت تسير شاحنة نقل ضخمة باتجاهه من الشارع الموازي واصطدمت بسيارته بقوة .. !!!
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
دوى في الهاتف صوت اصطدام قوى وانقطع صوته فجأة ، انحبست أنفاس جلنار في صدرها التي كانت تجلس بجوار ابنتها وهي تتحدث مع أبيها وتفتح مكبر الصوت .. جذبت الهاتف من يد " هنا " فورًا بزعر وهتفت :
_ عدنان .. عــدنـان !
انقطع الاتصال في لحظتها فحدقت بشاشة الهاتف في ذهول وقد بدأت نبضات قلبها تتصارع بشدة ، أعادت الاتصال به مرة أخرى لكن ارتفع صوت سيدة في الهاتف تردد ( الهاتف الذي طلبته مغلق أو غير متاح !! ) .. ازدردت ريقها بصعوبة وبقت لدقيقة تتطلع في الهاتف ، تحاول السيطرة على نفسها التي تنتفض نفضًا ، وتستمر بتهدئة نفسها أن ما تظنه ليس حقيقيًا وأنها تتوهم وقد يكون هاتفه انتهت بطاريته .
تابعت هنا تقلبات وجه والدتها المزعور وسألت بحيرة وطفولية :
_ بابي ليه قفل ياماما ؟!
ردت عليها جلنار بصوت تائه ومبعثر :
_ مش عارفة ياحبيبتي .. إن شاء الله هيجي دلوقتي
***
بعد مرور ساعة تقريبًا .....
خرج آدم من الحمام بعدما أخذ حمامًا دافئ ، وكان يلف حول نصفه السفلي منشفة طويلة ويمسك بأخرى صغيرة يجفف بها خصلات شعره السوداء .. ارتفع رنين هاتفه الملقي فوق الفراش ، فترك المنشفة من يده واقترب من الفراش لينحنى ويجذب الهاتف يجيب على الرقم مجهول الهوية :
_ الو
رد الطرف الآخر بنبرة متوترة :
_ أيوة يا آدم أنا سمير
ابتسم آدم ورد عليه بحرارة مشاكسًا :
_ أهلًا ياعم بالناس اللي مش بتسأل .. اخبارك إيه واخبار عملياتك وشغلك اللي ماخدك مننا ده
سمير بنبرة خافتة ومرتبكة :
_ آدم عايزك تهدى كدا قبل ما تسمع اللي هقوله ده
ضيق عيناه بريبة وقد بدأ القلق يتسرب لقلبه فقال بحيرة :
_ في إيه يا سمير ؟!!
تنهد سمير وقال بأسى ونبرة واضح عليها الحزن :
_ عدنان عمل حادث وموجود في المستشفى عندي وهيدخل على العمليات فورًا دلوقتي
وقعت الكلمات على أذنه أثر الرعد .. استغرق ثلاث ثواني يستوعب ما صك سمعه للتو ، حتى خرج صوته غير منظمًا من أثر الصدمة :
_ حـ .. حادث إزاي يعني !! .... طيب .. طيب أنا جاي يا سمير سلام
انهي الاتصال دون أن يسمع رده عليه حتى وكان سينبهه بألا يخبر أمه أو زوجته ، لكنه لم ينتظر ليسمع أي شيء .. القى بالهاتف وشرع فورًا في ارتداء ملابسه متلهفًا وبدأ قلبه يطرق كالمطرقة من الزعر على أخيه ، وفي ظرف دقيقتين انتهى من ارتداء ملابسه وجذب هاتفه واندفع إلى خارج المنزل شبه ركضًا مستقلاً بسيارته وانطلق بها بسرعة البرق .
دقائق ليست بطويلة وكانت سيارته قد توقفت أمام المستشفى .. ترجل من السيارة وهرول راكضًا إلى الداخل فتوقف عند الاستقبال وسألها فدلته على الطابق ورقم غرفة العمليات الموجود بها ، اسرع ركضًا نحو الدرج حتى دون أن ينتظر المصعد .. وصل أمام غرفة العمليات وكان سمير يقف مستندًا على الحائط عاقدًا ذراعيه أمام صدره ومطرقًا رأسه أرضًا بحزن ، أحس بأن قلبه توقف للحظة فأسرع نحوه وهتف :
_ سمير !!!
رفع نظره له وبمجرد ما رأى معالم وجه آدم التي فرت منها الدماء رد عليه بهدوء ليطمئنه :
_ أهدى متقلقش هو دخل العمليات من حوالي تلت ساعة
_ حصل إزاي الحادث ده !
زم شفتيه بجهل ورد عليه بتنهيدة حارة :
_ حادث سير عربية نقل خبطت في عربيته .. حالته كانت صعبة جدًا لما وصل المستشفى
عاد الزعر يظهر على ملامحه أشد من السابق وقد تحول كالوحش وهو يصيح لاعنًا سائق تلك الشاحنة :
_ وهو فين ****** الي كان سايق العربية ***** دي !
_ نزل من العربية وهرب ومعرفوش يمسكوه بس البوليس بدأ يبحث عنه دلوقتي
استند بظهره على الحائط وانحنى بجزعة للأمام ماسحًا على وجهه بخوف ملحوظ فرتب سمير على كتفه متمتمًا في شيء من بث الطمأنينة لنفسه :
_ متقلقش إن شاء الله يكون مفيش حاجة خطيرة ويطلع منها بخير
ردد آدم بتنهيدة حارة وصوت ينبع من صميم قلبه :
_ يااارب .. يارب
***
مرت ساعة وأكثر وهو لم يتصل ولم يصل حتى الآن !! .. تمسك بهاتفها منذ ساعة كاملة وتجوب الصالة إيابًا وذهابًا وعيناها معلقة على ساعة الحائط ، وتدعو ربها أن ما تعتقده يكون خاطئًا ، لكن صوت الاصطدام والضجة التي ارتفعت في الهاتف لا تزال تصدع في رأسها كالرعد .. بينما هنا فكانت جالسة على الأريكة تتابع أمها بنظرات عادية لكنها متعجبة من حالة أمها .. حتى سمعتها تهتف بقلق وهي تهز رأسها بالنفي :
_ لا أنا مش هقدر اصبر اكتر من كدا
رفعت هاتفها الذي بيدها واجرت اتصال بآدم .. وضعت الهاتف على أذنها تستمتع للرنين في انتظار الرد منه .
استمر آدم في التحديق في الهاتف وفي اسم جلنار الذي ينير الشاشة كلها ، يفكر مترددًا أيجيب أم لا .. لا يعرف سبب اتصالها ولكن يبدو أنها عرفت شيء .. بقى على هذا الوضع للحظات حتى انتهى الرنين ، لحظة وعاد الرنين يصدع مرة أخرى فتنهد بعدم حيلة واجاب عليها بصوت خافت :
_ أيوة ياجلنار
ردت عليه بصوت مزعور وخائف :
_ آدم .. عدنان تلفونه مغلق من ساعة .. كان بيكلمنا وفجأة سمعت صوت اصطدام ودوشة عالية والخط فصل ومن ساعتها موصلش وتلفونه مقفول
أخذ نفسًا متأففًا بأسى وقد أدرك أن لا مفر من الكذب عليها خصوصًا بعد ما قالته فلو حاول الكذب لن تصدقه .. أردف بنبرة مبحوحة :
_ عدنان في المستشفى ياجلنار
لجمت الدهشة لسانها رغم أنها كانت متوقعة هذا لكن سماعها للحقيقة كان أصعب .. تمالكت أعصابها وردت بصوت مضطرب وشبه متلعثم :
_ مستشفى .. إيه ؟
اخبرها باسم المستشفى وأستكمل حديثه بسرعة في جدية :
_ بس متجيـ .......
توقف عن الكلام عندما سمع صوت صافرة اغلاق الخط ، لم تنتظر وأغلقت الاتصال فورًا .. أصدر تأففًا مسموعًا وهو يمسح على وجهه ! .
دقائق قصيرة وكانت قد انتهت من ارتداء ملابسها وتجهيز ابنتها وكل هذا تحاول الصمود بقوة وعدم إظهار أي شيء ، وقفت أمام صغيرتها وانحنت عليها هامسة :
_ هنون ياحبيبتي .. أنا هروح مشوار ضروري وهوديكي تقعدي عند خالتو انتصار واول ما اخلص هرجع اخدك .. اتفقنا ؟
هنا بعبوس طفولي :
_ وبابي فين ؟
تمالكت نفسها وقالت بابتسامة رسمتها بمهارة على شفتيها :
_ بابي كمان جاله مشوار مهم وأنا كلمته وقالي إنه هيتأخر ، وقالي كمان بوسيلي هنا لغاية لما ارجع وقوليلها متزعلش
انهت كلماتها وطبعت قبلة عميقة على وجنتها متمتمة بنظرات حانية :
_ خلاص بقى مش هنزعل صح ؟!
اماءت لها بالموافقة في ابتسامة طفولية جميلة ، فاستقامت جلنار واقفة وسارا معًا للخارج .. استقلوا بسيارتها واتجهت أولًا إلى منزل الخالة انتصار حتى تترك لديها هنا ثم عادت مرة أخرى في طريق المستشفى .
***
تجوب في كل الغرفة .. تبحث بكل مكان تقع عيناها عليه .. في الخزانة وأسفل الفراش والإداج ، حتى كادت تفقد عقلها .. هي متأكدة أنها كانت ترتديه ومعها ، أين ذهب إذا ؟! .
دخلت فوزية الغرفة وقالت بإيجاز وهي تهم بالانصراف مرة أخرى :
_ يلا يامهرة عشان العشا
مهرة بخنق وشيء من العصبية :
_ ياتيتا مشوفتيش السلسلة بتاعتي
_ سلسلة إيه ؟!
ردت عليها وهي مستمرة في البحث :
_ السلسلة الفضي اللي فيها فصوص لونها أبيض
صمتت فوزية لوهلة تتذكر أين آخر مكان رأت فيه العقد ، حتى هتفت بسرعة متذكرة :
_ أيوة إنتي مش كنتي لبساها لما روحتي مع سهيلة المعرض ده ولا إيه !
توقفت عن البحث وتسمرت بأرضها تعيد في ذهنها ذكريات ذلك اليوم وبتلقائية رفعت يدها إلى رقبتها ، وعصفت بذهنها صورته عندما لاحظت عيناه انحرفت إلى رقبتها ينظر لعقدها .. فور تذكرها لتلك اللحظة أصدرت تأففًا قويًا وقالت باستياء وهي تضرب قدميها في الأرض كالطفل الصغير :
_ اووووف شكله وقع مني هناك
هدرت فوزية مبتسمة بحب :
_ خلاص يابنتي مش مشكلة .. ابقى انزلي وجيبي ليكي واحد غيره
توجهت وجلست فوق الفراش تقول بوجه حزين وعينان بائسة :
_ ما إنتي عارفة يا تيتا إن العقد ده الذكرى الوحيدة اللي من ماما الله يرحمها
تنهدت فوزية بحرارة واقتربت منها تجلس بجوارها وتقول مقترحة فكرة :
_ طيب ما تروحي المعرض ده تاني وتشوفي يمكن تلاقيه
قفزت لعقل مهرة لحظة جدالها السخيف مع آدم الذي انتهى بطرده لها من المكان تمامًا أو من معرضه بمعنى أدق ! .. فردت على جدتها بيأس وهي تهز رأسها بالنفي :
_ لا مش هينفع اروح
كانت ستجيب عليها فوزية لولا أنها قاطعتها وهتفت بعبوس بعد شعورها باليأس لتوقعها بأنه سقط في ذلك المعرض :
_ خلاص يازوزا السلسلة ضاعت وخلاص .. هو العيب عليا من البداية معرفش إزاي وقعت من رقبتي ومخدتش بالي .. يلا عشان نقوم ناكل
هزت فوزية أكتافها بعدم حيلة وتوقفا معًا ثم سار للخارج حتى يتناولوا وجبة عشائهم البسيطة .
***
وصلت إلى المستشفى أخيرًا وهرولت مسرعة إلى الدرج لتصعد إلى الطابق الموجود به .. تتحامل على نفسها ولكنها تشعر بأن قدماها لا تستطيع حملها من الخوف .. توقفت في بداية الطرقة ولمحت آدم يقف مستندًا بظهره على الحائط ورافعًا رأسه لأعلى يتطلع في السقف بسكون تام ويجلس على مقربة منه شاب فوق مقاعد المستشفى الحديدية الخاصة .
اندفعت نحو آدم مسرعة وقد بدأ قلبها ينبض كالمطرقة وتستطيع سماع ضرباته العنيفة .. لمحها آدم فاعتدل في وقفته وتقدم نحوها عدة خطوات حتى وقف أمامها فوجدها تهتف بوجه مزعور :
_ حصل إيه يا آدم .. هو فين ؟
آدم بوجه لا يقوى على الحديث :
_ في العمليات لسا مطلعش
لمعت عيناها بلمعة بسيطة تثبت الدموع التي تحاول الانهمار ولكنها تمنع سقوطهم .. تمتمت بترقب وصوت شبه متقطع :
_ طـ..يب هو الحادث ده كان .. كان ....
قاطعها آدم بنظرة دافئة يبث لنفسها القليل من الطمأنينة التي هو بحاجة إليها أكثر :
_ ان شاء الله هيطلع بالسلامة متقلقيش .. هو وضعه كان صعب لما وصل ، بس بإذن الله هيقوم منها بالسلامة
سكنت تمامًا وانحرفت عيناها لتحدق في اللاشيء بنظرات تائهة .. حتى شعرت بيد آدم التي أمسكت بذراعها وهو يأخذها معه إلى أقرب مقعد ويتمتم :
_ تعالي اقعدي وهدي نفسك .. هي هنا فين ؟
ردت عليه كالمتغيبة دون أن تنظر له :
_ وديتها عند خالتو انتصار
اماء لها بالموافقة ثم اقترب وجلس على المقعد المجاور لها وبقى يحدق في الأرض وبحركة تلقائية منه تدل على فرط التوتر كانت قدماه تهتز بشدة .. بينما جلنار فكانت معلقة نظرها في الفراغ بسكون مريب ، لا تستوعب فكرة أنه قد لا يخرج من هذه الغرفة .. لا تريده أجل وترغب في الانفصال عنه ، لكن تريده حيًا .. هي ليست جاهزة لفراق قاسي كهذا .. لن تتحمله ! .
نصف ساعة أخرى مرت وهو لم يخرج من تلك الغرفة حتى الآن ومرور الوقت يقتلهم كالسيف من فرط الخوف ، ولكن فجأة لمحوا أسمهان وفريدة وهم يركضون باتجاههم .. بقت جلنار بأرضها تتطلع إليهم بصمت بينما آدم توقف واقترب من أمه يهتف بحيرة :
_ إنتوا عرفتوا إزاي ؟
هتفت أسمهان بانهيار وبكاء عنيف :
_ عدنان فين يا آدم .. اخوك فين طمني يابني ابوس إيدك
حاوطها بذراعيها وتمتم في صوت رخيم :
_ اهدي ياماما هو لسا في العمليات إن شاء الله هيطلع بخير
انهارت باكية وهي تهتف بهستيريا وعدم وعي :
_ أنا عايزة اشوف ابني .. مش هقدر استحمل لو حصلته حاجة
_ يا ماما متقوليش كدا بعد الشر .. اهدي عشان خاطري
ثم امسك بذراعها وساعدها على الاقتراب من المقعد بينما هي لا تتوقف عن البكاء والنحيب ولا تنطق بشيء سوى اسم عدنان ، حتى امتلأ وجهها كله بالدموع وأصبحت لا تقوى على الوقوف .. اجلسها على آخر المقعد وجلس هو بالمنتصف بينها وبين جلنار ، التي كانت عيناها ثابتة على فريدة ترمقها بنظرات نارية .. وقفت فريدة في أحد الأركان منزوية تبكي بدون صوت .. لكن دموعها كانت صادقة هذه المرة ، كانت تبكي بحرقة وألم وتتذكر مكالمتها لنادر فور معرفتها بخبر الحادث .
_ أنت اللي عملت كدا .. صح يانادر ؟!!
نادر بعدم مبالاة وبقسوة :
_ إنتي قولتي عايزة تخلصي منه يافريدة وأنا نفذتلك طلبك أهو
صرخت به بهستيريا ورعب :
_ بس مقولتش تقتله .. إنت مجنون ، أنا لا يمكن آذيه .. صدقني يا نادر لو عدنان حصله حاجة مش هرحمك
***
_ وافقتي إزاي يعني .. إنتي أكيد بتستهبلي يا زينة !!
كانت جملة مستنكرة وساخطة من صديقتها التي تشاركها بعض الوقت في منزلها ليتحدثوا قليلًا .. بينما زينة فتنهدت وقالت بيأس :
_ وافقت يا سمر .. كفاية أوي كدا وقولت مفيهاش حاجة لما ادي لنفسي فرصة وادي للشخص ده فرصة ، مش يمكن يكون هو الشخص الموعود وأحبه بعدين
سمر مستاءة :
_ تدي لنفسك فرصة أه بس مش كدا .. بالمنظر ده لا هتعرفي تكوني سعيدة ولا هتقدري تحبيه .. على الأقل كنتي صبرتي شوية لغاية ما تفوقي من وهم آدم ده
زينة بوجه بائس ومنطفي :
_ أفوق أيه اكتر من كدا .. بقولك كلمني بوضوح والغبي يفهم ، أنا ضيعت سنين في وهم زي ما بتقولي ، وكفاية أوي كدا المفروض ابص لنفسي وأعيش حياتي
تنهدت سمر بعدم حيلة وقالت بعدم اقتناع :
_ وإنتي يعني متأكدة من القرار ده !! .. أنا عن نفسي الصراحة اللي اسمه رائد ده مستلطفتهوش نهائي حسيته بني آدم غتت كدا
ضحكت زينة ببساطة وقالت ساخرة :
_ وإنتي شوفتيه فين يابنتي أصلًا !!!
_ في الصور اللي ورتهالي
زينة بضحكة بدأت تتضح أكثر :
_ وإنتي حللتي شخصيته من الصور بقى !
سمر بثقة وغرور :
_ طبعًا أنا ليا خبرتي يابنتي في تحليل الشخصيات دي
_ أه بس مش من الصور ياروحي .. تحليل شخصية إيه ده اللي بيبقى من الصورة ! ، عمومًا أنا محسيتهوش كدا ، بالعكس لطيف والله
لوت سمر فمها بسخرية وردت عليها بقرف :
_ لا والله لطييف !! .. طيب لما نشوف اللطيف بتاعك ده ياست الحسن والجمال إنتي
انطلقت من زينة ضحكة عالية رغم الأجواء المغلفة بالكآبة إلا أنها ضحكت ، حتى أن سمر بادلتها الابتسامة عندما رأتها تضحك وسعدت لأنها تمكنت من رسم الابتسامة على وجهها العابس .
***
تتابعها منذ وصولها ، تتخبط في وقفتها وتبكي .. منتظرة من الجميع تصديق تلك الدموع الكاذبة ، لكن حتى لو صدقها الجميع لن تصدقها هي .. رؤيتها لها أمامها تثير جنونها ، وقد زاد الطين بلة عندما وصل ذلك الوغد والحقير " نادر " .. بين كل آن وآن ترمقه فريدة بنظرة مشتعلة ومستاءة ، ألا يخجلون من تبادل النظرات في تلك الأوضاع حتى لو كانت نظرات غضب ! .
لم تتمكن من تحمل مشاهدتهم أمامها وتجلس صامتة بهذا الشكل .. استقامت واقفة واتجهت نحو فريدة في وجه عبارة عن جمرة ملتهبة .. وقفت أمامها وهمست في نبرة ناقمة :
_ دموع التماسيح ده بلاش منها أحسن
رمقتها فريدة باستغراب وهتفت في استياء بسيط وصوت مبحوح :
_ بتقولي إيه إنتي كمان
جلنار وقد ارتفعت نبرتها قليلًا من الهمس وهي على وشك الانقضاض عليها :
_ بقول إنك مش بعيد تكوني إنتي والحيوان اللي واقف هناك ده السبب في الوضع اللي عدنان فيه دلوقتي
_ سبب إيه .. إنتي مجنونة !
تمالكت جلنار نفسها والقت نظرة قاتلة على نادر ثم عادت بنظرها إلى فريدة وقالت بتحذير حقيقي وبقرف :
_ قولي للحقير اللي واقف هناك ده يغور وإلا قسمًا بالله افضحكم إنتوا الأتنين
ارتبكت فريدة وظهر الزعر على وجهها فرفعت أناملها تجفف دموعها وترد على جلنار بصوت مضطرب :
_ تفضحي إيه ؟!!
طالعتها جلنار شزرًا وقالت باشمئزاز :
_ إنتي فاهمة قصدي كويس أوي
فرت الدماء من وجه فريدة التي أخذت تنقل نظرها بينها وبين نادر الذي كان يتابعهم بنظراته في قلق بسيط من نظرات جلنار له .
انحنت جلنار على أذن فريدة وهمست بصوت يقارب لفحيح الأفعى وبشراسة :
_ صدقيني لو طلع ليكم إيد في الحادث ده هوديكم ورا الشمس .. وهعرف لو ليكم إيد سعتها ابقى خليكي جاهزة للي هيحصلك
اقترب آدم منهم وقال بنظرات دقيقة ومتشككة :
_ في إيه ياجلنار ؟!
ردت عليه جلنار في شيء من الاستهزاء الملحوظ في نبرتها وهي معلقة نظراتها المميتة على فريدة :
_ مفيش حاجة .. كنت بدي لفريدة منديل تمسح دموعها أصلها منهارة زي ما أنت شايف !
انهت جملتها واستدارت عائدة إلى مقعدها بينما آدم فألقى نظرة متقرفة ومشتعلة على فريدة قبل أن يستدير ويعود هو الآخر لمقعده .. بينما جلنار فجلست على مقعدها وأشارت بنظرها في حدة وإنذار ناحية نادر .. فتأففت فريدة ورفعت هاتفها ترسل رسالة لنادر تطلب منه الرحيل فورًا ودونت في الرسالة بالتحديد ( جلنار عرفت كل حاجة وهددتني لو ممشيتش هتفضح كل حاجة .. امشي فورًا أنا مش ناقصة كفاية اللي أنت هببته )
تطلع لجلنار بنظرة غاضبة وكلها شر .. ثم القى نظرة أخيرة على فريدة قبل أن يستدير وينصرف تمامًا كما طلبت منه .
***
في صباح اليوم حسب فرق التوقيت بين ولاية كاليفورنيا ومصر .........
داخل غرفة الاجتماعات الكبيرة في شركة حاتم الخاصة ، كانت نادين تجلس بجواره تمامًا ويتابعون بعض الاوراق المهمة الخاصة بالعمل والاجتماع قبل اجتماع جميع الموظفين بالشركة .. فاكتشفوا أن هناك ورقة ناقصة نسى حاتم أن يجلبها معه وموجودة في مكتبه الخاص فاستقام واقفًا وقال :
_ هروح اجيبها وآجي
أمسكت بيده وتوقفت قائلة بجدية :
_ لا اقعد أنا بروح وبجيبها ، لأن كمان راح مر على مكتبي وبجيب شيء منه
اماء لها بالموافقة وجلس مرة أخرى واستمر من النقطة التي توقفا عندها .. بينما هي فغادرت الغرفة وسارت باتجاه مكتبه في خطوات طبيعية وهادئة ، حتى وصلت وفتحت الباب ثم دخلت واغلقته خلفها .. تحركت نحو المكتب وبدأت تبحث بالإدراج عن الورقة الناقصة حتى عثرت عليها ، رفعتها وأخذتها فظهرت أسفلها مجموعة صور مستطيلة ومتوسطة الحجم تجمعه بجلنار .. كانت صور حميمية قليلًا يضحكون ومتقربين من بعضهم بطريقة مثيرة للأعصاب .. فتركت الورقة والتقطت الصور تقلب بينها وهي تركز في كل تفصيلة بكل صورة .
تأججت نيران الغيرة في صدرها واحمرت عيناها من فرط الغيظ والغضب .. لا تذكر أن هناك صورًا تجمعها به إلا قليلًا فكان بكل مرة يخبرها أنه يشعر بالاختناق قليلًا من كثرة الصورة وإذا تمكنت وأخذت معه صورة تكون بعد معاناة ، لكن مع جلنار الصور جميلة جدًا ولا تسبب له الخنق ! .
القت بالصور في عنف بالدرج ثم جذبت الورقة واندفعت إلى خارج المكتب وهي تشتعل غيظًا وغيرة ، عادت إلى غرفة الاجتماعات ودخلت ثم وضعت الورقة أمامه بقوة وجلست .. رمقها بحيرة من تحولها الغريب ووجهها الذي أصبح لونه أحمرًا من فرط الغيظ فسألها بخفوت :
_ في إيه يانادين ؟!
ردت عليه باقتضاب دون أن تنظر في وجهه :
_ ولا شيء
_ طيب في حد ضايقك أو قالك حاجة ؟!
بهذه اللحظة نظرت له وهتفت شبه صائحة بغضب هادر :
_ I said nothing ( قلت لا يوجد شيء )
ممكن نركز على الشِغل قبل الاجتماع ما يبدأ
ازاح الأوراق من أمامه بعدم اكتراث وقال باهتمام وهو يثبت كامل تركيزه عليها :
_ ملعون أبو الشغل كله ياروحي .. قولي يلا عشان طالما اتعصبتي كدا يبقى أنا اللي عصبتك
رمقته بنظرة جانبية في قرف ، بينما هو فظل يتطلع إليها بنفس النظرة منتظرًا منها أن تبدأ بالحديث ، فتأففت هي بعصبية وحنق لتهتف في غيرة ملحوظة في نظرتها ونبرتها :
_ أنت ليش كل ما اطلب منك نتصور مع بعض تقولي مو بتحب الصور وبتخنقك
ضيق عيناه باستغراب .. من غضبها وسؤالها الغريب !! ، ليرد عليها يؤكد سؤالها ولا تزال علامات الاستفهام تعلو وجهه :
_ لأني فعلًا مبحبش أتصور كتير وإنتي عارفة ده .. بس برضوا مش فاهم إيه اللي معصبك في كدا !!
صاحت به في انفعال شديد وزمجرة :
_ كذاب ياحاتم مشان .........
توقفت عن الكلام عندما اقتحم الغرفة أحد الموظفين بسبب حلول وقت الاجتماع .. انحنى حاتم عليها وهمس بالقرب من أذنها بجدية بعدما رأى انفعالها الحقيقي :
_ هنكمل كلامنا بعدين ونشوف الموضوع اللي مضايقك أوي ده ومخليكي تقولي عني كذاب !
تعمدت عدم النظر إليه ونظرت إلى الشاب الجالس أمامها وبدأت تتبادل معه أطراف الحديث باللغة الأنجليزية بخصوص العمل بينما هو فكان كل آن وآن ينظر لها وعقله مشغول في سبب غضبها منه ، يحاول توقع الشيء الذي جعلها تنفعل بهذا الشكل لكن لا يستطيع ! .
***
عودة إلى القاهرة ......
وأخيرًا بعد مرور ساعات من الانتظار خرج الطبيب من غرفة العمليات ، كان أول من هرول إليه هو آدم وتبعته أسمهان ، بينما جلنار فظلت واقفة في الخلف تستمع للطبيب وهو يقول بأسف :
_ احنا عملنا اللي علينا والعملية نجحت الحمدلله بس حالته مازالت غير مستقرة وخطرة ولازم هيفضل تحت المراقبة خلال 48 ساعة الجايين وهيدخل العناية المشددة .. ادعوله هو محتاج دعواتكم دلوقتي
انهارت أسمهان باكية وكانت على وشك أن تفقد توازنها وتسقط لولا آدم الذي حاوطها بذراعيه وضمها لصدره متمتمًا بصوت حاول إخراجه طبيعيًا وصلبًا :
_ ادعيله ياماما وإن شاء الله ربنا هيقومه بالسلامة .. أنا واثق
خرج صوت أسمهان غير واضح من فرط البكاء وهي تدفن وجهها بين ثنايا صدر آدم :
_ آه يابني ياحبيبي .. عدنان
انسحبت جلنار بهدوء من بينهم عندما شعرت بأنها ستفقد التحكم بزمام نفسها التي تجبرها على البقاء صامدة منذ ساعات ، سارت باتجاه الحمام وهي شاردة الذهن ، تسير مسلوبة العقل لا ترى شيء ولا تسمع شيء فقط ترى صورته أمام عيناها .
عادت من الحمام بعد دقائق طويلة ووقفت في أحد أركان المستشفى بصمت تام لمدة نصف ساعة أو أكثر .. حتى وجدت قدماها تقودها دون أن تشعر نحو غرفة العناية المشددة .
وقفت أمام زجاج الغرفة الذي يعكس الغرفة بأكملها من الداخل ، رأته متسطح على فراش يناسب طوله وعرضه ، ووجهه به بعض الجروح الذي تخفيها اللاصقات الطبية وهناك جهاز صغير يقفل على أصبعه متصل بجهاز نبضات القلب ، وكانت تقف بجواره إحدى الممرضات تتابع حالته وتضع المحلول .. فظلت هي تتابعه بعينان شاردة ومنطفئة حتى فشلت أخيرًا بعد ساعات من محاولاتها لمنع دموعها من السقوط .. انهمرت أخيرًا دموعها على وجنتيها بصمت وهي تتطلع إليه في أسى ..
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت هي تتابعه بعينان شاردة ومنطفئة حتى فشلت أخيرًا بعد ساعات من محاولاتها لمنع دموعها من السقوط .. انهمرت أخيرًا دموعها على وجنتيها بصمت وهي تتطلع إليه في أسى .. ظلت تحدق به من خلف الزجاج في ثبات مزيف وعيناها تنهمر منها الدموع بصمت تام .. قلبها يؤلمها حين تعصف بذهنها أفكار سيئة حول سوء حالته الصحية ، وهمسة خافتة خرجت منها بأعين بائسة ومتوسلة :
_ أنا طلبت منك تسيبني .. بس مش دي الطريقة اللي تسيبني بيها .. هنا محتجاك يا عدنان ، قوم
أتاها صوت آدم الخافت من خلفها وهو يقول :
_ جلنار !
رفعت أناملها وجففت دموعها بسرعة ثم التفتت له بجسدها كاملًا وردت :
_ نعم
آدم برزانة :
_ إنتي تعبتي ، عم حامد مستني برا .. روحي البيت وأنا موجود هنا وهبلغلك بأي تطورات متقلقيش
التفتت برأسها نحو عدنان وهتفت رافضة وهي تهز رأسها بالنفي :
_ لا أنا هفضل موجودة لغاية ما يفوق
آدم متنهدًا بعدم حيلة :
_ وجودك مش هيفيد بحاجة والله صدقيني .. ريحي في البيت وتعالي بكرا الصبح
جلنار بإصرار :
_ قولتلك مش همشي يا آدم
_ جلنار بلاش عناد .. اسمعي الكلام حتى ماما وفريدة هيروحوا البيت ، وإنتي كمان لازم تمشي عشان هنا مينفعش تسبيها وحدها
عندما نطق باسم هنا .. لان اصرارها قليلًا والتفتت بنظرها تحدق بعدنان في تمعن قبل أن تعود بنظرها لآدم وتقول بعينان راجية :
_ طيب همشي بس وعد إنك هتتصل بيا لو حصل أي حاجة .. وكمان أول ما يفوق كلمني
ابتسم لها بلطف وتمتم بإيجاب :
_ حاضر هتصل بيكي والله متقلقيش
تنهدت الصعداء بحرارة وهي تلقي النظرة الأخيرة عليه من خلف الزجاج ثم استدارت وسارت مبتعدة عن الغرفة بصعوبة كمن أجبرت على الرحيل .. وصلت إلى بوابة المستشفى بعد لحظات من السير للخروج من المستشفى .. وجدت حامد بانتظارها أمام السيارة فأخذت نفسًا عميقًا واقتربت منه ثم استقلت بالمقعد الخلفي للسيارة واستقل هو بمقعده ثم هتف هو يسألها بتأكيد :
_ عند الحجة انتصار مش كدا ياهانم ؟
اماءت له بالإيجار في وجه عابس وتمتمت :
_ أيوة ياحامد
***
داخل منزل الخالة انتصار .....
كامنة في غرفتها منذ عودتها ، تجلس على مقعد خشبي قديم أمام النافذة ومستندة بمرفقها عليه واضعة كفها أسفل وجنتها ، تتأمل الفراغ من أمامها بشرود وعينان دامعة .. لا تفهم لما البكاء لكن قلبها يؤلمها عليه وهناك صوت خافت في أعمق ثناياها ينادي به .. يرغب في رؤيته سالمًا يتحدث وربما أيضًا يغضب كعادته وينشب شجار عنيف بينهم ككل مرة .
فتحت هنا الباب بهدوء ودخلت ثم اقتربت من أمها ، فجففت جلنار دموعها بسرعة والتفتت برأسها تجاه ابنتها تقابلها بابتسامة حانية ، حتى وصلت ووقفت أمامها فسألت الصغيرة بعبوس :
_ هو بابي ليه مجاش ياماما ؟
ازدردت جلنار غصة مريرة في حلقها ثم انحنت عليها وطبعت قبلة دافئة على جبهتها متمتمة بعينان دامعة :
_ بابي تعبان شوية ياروحي .. والدكتور قاله لازم يقعد عنده لغاية ما يخف ، وعشان كدا هو قعد مع الدكتور في المستشفى .. بس وعد إنه أول ما يبقى كويس هنروح أنا وإنتي ونشوفه
زاد عبوس الصغيرة وتحول إلى حزن فور سماعها بمرض أبيها ، ثم قالت بملامح وجه بائسة لا تليق بوجهها الملائكي الصغير أبدًا :
_ بس أنا عايزة اسوف ( اشوف ) بابي هو وحشني
تمالكت جلنار زمام دموعها بصعوبة وردت عليها مبتسمة بثبات مزيف :
_ مش هينفع ياحبيبتي الدكتور قال مينفعش حد يشوفه .. أول ما يبقى كويس زي ما قولتلك هاخدك ونروحله ، تمام ؟
هزت رأسها بالموافقة مغلوبة على أمرها ثم طرحت سؤالها الثاني وهي تمعن النظر في وجه أمها وعيناها السابحة في الدموع :
_ إنتي زعلانة عشان بابي تعبان ؟
أخذت نفسًا عميقًا في محاولة بائسة منها لمنع دموعها من الأنهمار لكنها فشلت وسقطت دمعة متمردة من عينها .. ثم هزت رأسها بإيجاب تؤكد سؤال صغيرتها وهي تفرد ذراعيها وتضمها إلى أحضانها ، فلفت الصغيرة ذراعيها حول رقبة والدتها وردت بحزن طفولي :
_ وأنا كمان زعلانة
بتلك اللحظة انهارت جميع حصونها الضعيفة وتوالت الدموع على وجنتيها بغزارة لكن دون صوت ، دموع ألم وخوف وشجن .. أبدًا لم تتخيل أن يأتي يوم وقلبها ينفطر حزنًا وخوفًا عليه من الفقدان .
قطع اللحظة الدافئة والمؤثرة بين الابنة والأم دخول الخالة انتصار التي فتحت الباب وهي تحمل فوق ذراعيها صينية نحاسية اللون وفوقها ثلاث صحون كل صحن يحتوي على نوع طعام مختلف .. ابتعدت هنا عن أمها ونظرت إلى الخالة ثم ركضت إليها وتعلقت بقدمها تقول بصوت عابس وعينان شبه دامعة :
_ بابي تعبان وماما زعلانة يانينا انتصار
نظرت انتصار إلى جلنار نظرة معاتبة لعدم تمالكها نفسها أمام الصغيرة ، ثم وضعت الصينية فوق الفراش وانحنت على هنا تحتضن وجهها الصغير بين كفيها وترد عليها بحنو وحب :
_ بابي تعبان شوية صغنين أوي ياحبيبتي وإن شاء الله هيبقى كويس وزي الفل
ثم ألقت نظرة سريعة على جلنار التي تتابعهم بعيناها وانحنت على أذن هنا وهمست :
_ و زي ما إنتي بتحبي بابا وزعلانة إنه تعبان ماما كمان زي كدا
التفتت الصغيرة برأسها ناحية أمها ثم عادت بها أخرى إلى الخالة وسألت بحزن به لمسة الاطمئنان :
_ يعني بابي هيبقى كويس ؟
_ طبعًا هيبقى كويس ياحبيبتي إن شاء الله .. يلا بس إنتي زي الشطار كدا اجري على السرير ونامي عشان بابي لما يرجع ميزعلش إن هنون بتنام متأخر
ابتسمت هنا بلطافة وجهها الملائكي ثم ركضت فورًا نحو الفراش وتدثرت بالغطاء فضحكت انتصار بخفة وارسلت لها قبلة في الهواء ثم حملت الصينية مرة أخرى وأشارت لجلنار بأن تلحق بها .
الخالة انتصار .. كانت تعمل خادمة في منزل نشأت الرازي ، وكانت علاقتها بوالدة جلنار حميمية جدًا وتحبها كثيرًا .. ساعدتها في تربية جلنار من الصغر لذلك تعتبرها جلنار والدتها الثانية .. حتى بعد وفاة أمها في سن صغير كانت انتصار دائمًا بجوارها لم تتركها ، تمامًا كأمها ، وكانت جلنار تتردد على منزلها كل آن وآن بعدما تركت العمل في منزلهم فور وفاة أمها .
خرجت خلفها وجلسا على الأريكة الكبيرة في الصالون فقالت انتصار بنبرة مشفقة :
_ كلي إنتي مكلتيش حاجة يابنتي
جلنار برفض :
_ مليش نفس يادادا
_ احنا مش اتفقنا إنك تمسكي نفسك قدام البنت ياجلنار
_ مقدرتش والله من غير احس لقيت دموعي نزلت
تنهدت انتصار مبتسمة ثم قالت بوضوح وصراحة تامة وهي مثبتة نظرها عليها بثقة :
_ اللي يشوفك خايفة عليه بالشكل ده ميشوفكيش وإنتي عايزة تتطلقي منه
ارتبكت قليلًا وردت عليها بحزم :
_ دي حاجة ودي حاجة .. الاتنين ملهمش علاقة ببعض
انتصار ضاحكة :
_ لا إزاي ملهمش علاقة ببعض !! .. ده إنتي من ساعة ما رجعتي من المستشفى وإنتي دموعك موقفتش ، وده معناه حاجة واحدة هي إنك بتحبيه
رمقت جلنار انتصار بدهشة امتزجت بالتوتر الذي سرعان ما حاولت إخفائه وهي تهتف نافية بجفاء :
_ لا طبعًا مش بحبه !! .. أنا بس زعلانة على الوضع اللي هو فيه وطبيعي ازعل ، في الأول والآخر هو أبو بنتي .. بعدين بحبه إيه يادادا إنتي كأنك متعرفيش اللي بينا
انتصار بابتسامة مستنكرة :
_ عارفة وعشان كدا مستغربة ! .. عمومًا ربنا يقومه بالسلامة يارب
همهمت جلنار بخفوت وصوت يكاد يسمع :
_ يارب
***
على الجانب الآخر من العالم ، بمدينة كاليفورنيا بأمريكا .....
انتهى الاجتماع أخيرًا وخرج الجميع تباعًا من الغرفة وقفت نادين وحملت أوراقها واشيائها تهم بالانصراف لكنه قبض على رسغها يجبرها على الجلوس ويهتف بجدية :
_ اقعدي احنا لسا مخلصناش كلامنا
ردت عليه بقسوة غير معهودة منها :
_ بعتقد انو خلص .. ممكن تترك إيدي
تأفف حاتم بنفاذ صبر ثم هب واقفًا واتجه نحو باب الغرفة في خطوات قوية واغلق الباب بعنف ثم عاد لها وهتف بشيء من العصبية :
_ نادين أنا خلقي ديق وإنتي عارفة كدا .. اتكلمي وقولي إيه اللي حصل
طالعته بابتسامة ساخرة وهدرت بعد ثواني معدودة من التحديق به في عدم اكتراث :
_وأنا مو طلبت منك تهتم بشو مضايقني .. إنت ياللي سألت وأنا رديت وقلتلك ولا شيء
حاتم بغضب :
_ ياسلام .. امال إيه موضوع الصور ده وكذاب ومعرفش إيه !!
نادين ببرود تام وهي تهم بالانصراف :
_ بتقدر تعتبرني ما قِلت شيء
القت بجملتها واندفعت نحو الباب في خطوات سريعة فلحق بها وجذبها من ذراعها هاتفًا بسخط :
_ أنا لسا مخلصتش كلامي يانادين
نظرت ليده المقبضة على ذراعها بقوة فاشتعلت نيران غضبها وصاحت به منفعلة وهي تسحب يدها من بين قبضته :
_ وأنا بالنسبة إلي الكلام خلص ياحاتم .. ما تنسي حالك وتقربلي بهاي الطريقة مرة تاني عم تفهم ولا شو !
رفع حاجبه في استنكار ملحوظ بنظرته من أسلوبها الجديد ولاحت ابتسامة متسلية فوق ثغره على عكس حالته الغاضبة منذ قليل .
وجدته يتقدم نحوها بخطوات متريثة وتلك الابتسامة المريبة تزين وجهه ، ارتبكت وتوترت بشكل ملحوظ .. وبشكل تلقائي منها تقهقهرت للخلف وهي تهتف بتحذير سخيف وترفع سبابتها المضطربة مثلها تمامًا في وجهه :
_ لا تقرب .. حاتم لا تقرب قلتلك !!
لا يبالي لتحذيرها اللطيف ، كان هدفها بث الخوف بهذا التحذير ولكنها فعلت العكس .. ظلت تتراجع وقد نست أن نهاية هذا الاتجاه هو الحائط ، فاصطدمت بظهرها به والتفتت برأسها للخلف تتطلع للحائط بتوتر ثم عادت برأسها إليه وحدقته بشراسة تليق بجمال أنثى فاتنة ورقيقة مثلها .. وقف أمامها وابتسامته المتسلية زاد اتساعها على ثغره ، ثم رفع كلتا ذراعيه وأسند كفيه على الحائط يحاوطها من الجهتين يرمقها بنظرة مشاكسة متحدثًا بنفس لهجتها اللبنانية :
_وإذا قربتلك شو بتسوي ؟!
ازدردت نادين ريقها بارتباك واستحياء ملحوظ على وجهها ، ابتسامته ونظراته أذابتها في لحظة كقطعة ثلج وضعت فوق النيران ، ظلت تتأمله بهيام ولسانها انقعد فلم تتمكن من الرد عليه ، استمرت فقط في التحديق به مسلوبة العقل .
ابتسم باتساع اكثر حين رأى سكونها التام واستسلامها وهي تتطلع إليه بعينان شاردة ، فغمز لها بعيناه البندقية وتمتم شبه ضاحكًا :
_ شششش .. سرحتي في إيه
فاقت من رحلتها القصيرة على أثر صوته وغمزته المثيرة ، فزاد توترها وخجلها أكثر وبعفوية وضعت يديها الناعمتين على صدره ودفعته بعيدًا عنها فارتد هو للخلف ، وهرولت هي نحو الباب تفر منه قبل أن يمسك بها مرة أخرى .. فتحت الباب وكانت على وشك الرحيل لكنها توقفت والتفتت له برأسها هاتفة بغيظ ووعيد حقيقي :
_راح حاسبك على هاد الشي اللي سويته هلأ
تفوهت بتلك الجملة ورحلت فورًا دون أن تغلق الباب حتى خلفها من فرط توترها ، بينما هو فضحك بخفة وهو يلوح بيده في عدم حيلة .
***
عودة إلى القاهرة في مصر .....
أخرج آدم هاتفه من جيب بنطاله بعد ارتفاع صوت رنينه الصاخب .. قرأ اسم المتصل الذي ينير الشاشة ثم رد بخشونة صوته الرجولي :
_ هاا عملت إيه ؟
رد عليه الطرف الآخر بأسف :
_ للأسف يا آدم بيه لغاية دلوقتي مقدرتش أوصله
صرخ به بصوت جهوري لكن سرعان ما حاول إخفاض نبرته عندما تذكر أنه موجود بالمستشفى :
_ وهو أنا باعتك تدورلي عليه عشان تقولي مقدرتش اوصله .. بكرا عايز **** ده يكون قدامي وقبل ما البوليس يمسكه فاهم ولا لا
أجاب عليه الآخر بنبرة متلعثمة قليلًا تحمل القليل من الخوف :
_ حاضر يابيه
انزل الهاتف واغلق الاتصال ثم اتجه نحو أقرب مقعد وجلس فوقه ، قم رفع كفه ماسحًا على وجهه متأففًا بإرهاق وتعب .. لمح الطبيب يخرج من غرفة أخيه فتوقف وهرول مسرعًا يلحق به قبل أن يرحل .
اوقف الطبيب وسأله باهتمام :
_ طمني يادكتور حالته تحسنت شوية ولا لسا زي ماهي
لمس الطبيب نبرة القلق والارتعاد في صوت آدم فابتسم له وقال مربتًا على كتفه بنبرة متفائلة :
_ للأسف لسا زي ماهي .. بس متقلقش إن شاء الله هيقوم بالسلامة ، ولغاية بكرا الصبح ممكن كل حاجة تتغير وحالته تتحسن ويفوق كمان
تنهد آدم بأسى ورد في تمنى :
_ يارب .. متشكر جدًا يادكتور
_ على إيه ده واجبي
انصرف الطبيب وبقى آدم يقف بأرضه متسمرًا في حزن .. ثم تحرك بقدماه نحو زجاج الغرفة ووقف أمامه من الخارج ينظر لأخيه المتسطح على الفراش ، امعن النظر به في قلب منفطر للحظات حتى خرجت همسة تحمل في طياتها الوعيد وكلها غضب :
_ أنا شاكك في حد وصدقني لو طلع هو السبب في الوضع اللي إنت فيه دلوقتي ده مش هرحمه
***
خرجت فريدة من الحمام وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة ، فصك سمعها صوت رنين هاتفها .. تحركت باتجاهه والتقطته تنظر للشاشة وتقرأ اسم المتصل الذي كان مسجل باسم " لميا " .. تأففت بخنق ثم حركت اصبعها على شاشة الهاتف لتفتح الاتصال ورفعت الهاتف تضعه على أذنها تجيب بشيء من السخط :
_ خير
نادر مبتسمًا بسخرية ونبرة لا تبشر بخير :
_ اخبار اللي لو حصله حاجة مش هترحميني عشانه إيه ؟!! .. فاق ولا لسا ؟
ردت فريدة في استهزاء من سؤاله وبعصبية :
_ مهتم اوي يعني سيادتك مثلًا تعرف وضعه إيه .. طيب يانادر عدنان حالته خطرة ودخل العناية المشددة ياترى إنت مرتاح كدا
ضحك ورد ببرود وفرحة داخلية :
_ جدًا .. الحقيقة أنا اللي مش فاهمك هو مش انتي برضوا بتحبيني ومش بتحبيه .. امال ايه لزمة الخوف ده كله عليه ، ولا بقى إنتي كنتي مفهماني غلط وبتحبي عدنان
أصدرت زفيرًا حارًا بنفاذ صبر وردت عليه باستياء :
_ هو الكلام ده وقته دلوقتي يانادر .. بقولك حالته خطرة وممكن ميقومش منها وإنت بتقولي بتحبيني وبتحبيه و.....
قاطعها بخنق وصوت أجشَّ :
_ خلاص خلينا نركز في الأهم دلوقتي .. جلنار عرفت إزاي ؟
_ معرفش كانت نقصاها هي دي كمان .. لو مكتمناش نفسها هتفضحنا ووقتها عدنان هو اللي هيقتلنا
نادر بابتسامة شيطانية ونظرة لعوب لم تراها بسبب تحدثهم في الهاتف :
_ ده في حالة لو مكتمناش نفسها زي ما بتقولي
فريدة متأفف بقرف وحنق :
_ اقفل يانادر أنا مش في وضع يسمح ليا بالتخطيط والكلام دلوقتي خالص .. لما افوق وعدنان كمان يطلع من العناية وحالته تتحسن نبقى نفكر هنعمل إيه في المصيبة اللي نزلت فوق راسنا دي
انهت الاتصال دون أن تنتظر رده حتى .. مما جعله ينزل الهاتف من على أذنه ويتطلع إليه بشيء من الدهشة مبتسمًا بازدراء ، ثم هدر بغل ينبع من صميمه :
_ عدنان ! .. أصلًا حادث زي ده المفروض كان يوصل المستشفى ميت لكن هو بسبع أرواح
ثم سكت للحظة يفكر بشيء وسرعان ما انفجر ضاحكًا وهو يهتف بتسلي لمجرد مرور الفكرة على ذهنه :
_ كنت ناوي اخلص منك ياديدي ياحبيبتي بنفسي ، بس هسيبك للي مش بيرحم بجد وهبقى ضربت عصفورين بحجر واحد خلصت منك وعدنان الشافعي دخل السجن
ثم انحنى على كأس الڤودكا الموضوع فوق المنضدة الصغيرة وسكب منه في الكأس البيضاوي ورفع الكأس لفمه يرتشفه كله دفعة واحدة ويهتف مستكملًا ضحكه الشيطاني :
_ مجرد التخيل باللي هيعمله فيكي لما يعرف بخيانتك بيشعرني بالنشوة ياديدي
***
في صباح اليوم التالي داخل منزل نشأت الرازي ......
يمسك بفنجان القهوة الصباحي المعتاد ، جالسًا في حديقة المنزل على مقعد أمام طاولة بيضاء ودائرية ، مستمتعًا بالأجواء الهادئة من حوله واللون الأخضر الذي يملأ نظره .
قطع عليه خلوته الصباحية اقتراب مساعده الخاص ووقوفه أمامه مغمغمًا :
_ صباح الخير يانشأت بيه
_ صباح النور ياصلاح خير !
أردف صلاح بنبرة جادة تحمل القليل من التعجب :
_ هو سيادتك متعرفش آخر الأخبار ؟
نشأت بحنق متأففًا :
_ لا معرفش .. اتكلم علطول من غير مقدمات في إيه ؟!
_ عدنان الشافعي عمل حادث خطير امبارح وهو في العناية المشددة دلوقتي
كان فنجان القهوة في فمه يرتشف منه .. فأخرجه فورًا وهو يبتلع القهوة التي في فمه بزعر .. ثم اسنده على الطاولة في قوة وهتف بصدمة :
_ حادث !! .. وإزاي متقوليش من امبارح يابغل أنت !
صلاح معتذرًا ببعض الاضطراب :
_ ياباشا أنا يدوب لسا عارف الخبر ده دلوقتي .. وأول ما عرفت جيت لسعاتك جري عشان اقولك
نشأت بعصبية وهو يلوح بيده له في عنف :
_ طيب خلاص خلاص .. قول كل اللي عرفته اخلص
_ عربية نقل خبطت في عربيته وحالته كانت صعبة أوي لما وصل المستشفى قبل العمليات .. وكمان اللي فهمته أن الحادث ده مقصود والدليل أن آدم بيدور على سواق عربية النقل دي وقالب الدنيا عليه من إمبارح .. وبنت حضرتك هي والبنت الصغيرة حفيدتك قاعدين عند الحجة انتصار
توقف عند كلمة " مقصود " وعقله بدأ يعمل .. من لديه الغاية في التخلص منه حتى يدبر له حادث كهذا ؟! .. سؤال طرحه على نفسه بتفكير وحيرة ، وبعد لحظات من الصمت القاتل خرج صوته وهو يملي تعليماته الصارمة على صلاح :
_ خلي حد من الرجالة يفضل ورا الموضوع ده ويعرفلي مين اللي دبر الحادث ده .. أما أنت فعايزك تبقى ورا جلنار وهنا زي ضلهم لغاية ما نعرف مين اللي عايز يأذي عدنان .. وأياك عينك تغفل عنها لحظة واحدة فاهم ولا لا ، وأكيد مش محتاج أوصيك إنك متخلهاش تلاحظ إنك مراقبها وماشي وراها
هتف صلاح يقترح فكرة ليست سيئة لكنها بائسة :
_ طيب ياباشا ما تخلي جلنار هانم وبنتها يقعدوا عندك في البيت هنا عشان تبقى قدام عينك ومطمن عليها اكتر
تنهد نشأت بيأس وهدر بوجه عاجز :
_ ياريت يا صلاح بس هي مش عايزة تبص في وشي ، فكرك هتوافق تقعد معايا
_ جرب ياباشا مش هتخسر حاجة
أصدر نشأت زفيرًا حارًا وتمتم :
_ روح أنت دلوقتي ياصلاح اعمل اللي قولتلك عليه بس
أماء له الآخر بالموافقة وهو يزم شفتيه ثم استدار وسار مبتعدًا إلى خارج المنزل بأكمله .. تاركًا نشأت يحاول تخمين من الذي دبر ذلك الحادث ، ومن جهة أخرى يفكر بابنته وحفيدته وقد بدأ القلق يتسرب لقلبه خشية من أن يلحق بهم أي مكروه .. لكنه لن يسمح بهذا ! .
***
خرجت مهرة من البناية الصغيرة لمنزلها .. تسير في الشوراع الداخلية لمنطقتها لكي تصل إلى الشارع الرئيسي وتستقل بإحدى سيارات الأجرة وتذهب لعملها قبل أن تتأخر .. لكن أثناء مرورها من أحد الشوارع أوقفها شابًا يبلغ من العمر حوالي سبعة وعشرون عامًا من أبناء منطقتها .
قفز أمامها من بوابات أحد المنازل فجأة فانتفضت مهرة فزعًا وارتدت للخلف كردة فعل تلقائية ثم صاحت بعفوية بعدما أدركته :
_ إنت اتهبلت ولا إيه يا ريشا
وقف أمامها وهتف بنظرة خبيثة :
_ على فين كدا يافرسة المنطقة
تجمدت معالم وجهها للحظة تستوعب جملته ، الجميع يعرف أنه ماجن ومنحرف لكنه لم يسبق له وتجرأ أن يتحدث معها بهذه الطريقة ! .
مهرة بتصنع عدم الفهم ووجه بدأت تعتلي ملامحه الغضب :
_ بتقول إيه لا مؤاخذة !
رد عليها الآخر بوقاحة وعينان جريئة تتفحص جسدها :
_ أنا أول مرة اشوف شغل بيبقى الصبح .. أصل اللي اعرفه أن الشغل اللي زي كدا بيبقى بليل بعد نص الليالي
اشتعلت مهرة غضبًا وصاحت به بصوت مرتفع وبعصبية :
_ أنت اتخبلت في نفوخك بتقول إيه يالا .. ابعد من وشي جاتك القرف
ابتعدت من أمامه وهمت بأكمال طريقها لكنه قبض على ذراعها وهتف بنظرة وضيعة وابتسامة جانبية ساخرة :
_ بقول المشي البطال ياما بهدل أبطال مش كدا ولا إيه يابطل الحتة
نظرت ليده القذرة الممسكة بذراعها ، ورفعت نظرها له تطالعه بعينان تطلق شرارات نارية يمكنها أن تحرقه وتحوله لرماد بلحظة .. أظهرت عن شراسة الانثى الشعبية التي تكمن داخلها .. حيث رفعت حقيبتها التي محاطة بالخارج بقطع حديدية تزين شكلها من الجوانب ومن الأعلى ، ثم غارت عليه تلكمه بها في وجهه ورأسها بكل عنف وشراسة وتهتف باستهزاء وغل :
_ بظبط زي ما انا هبهدل **** دلوقتي .. ياتربية *** وزبالة وعرة
كان يحاول تفادي لكماتها بحقيبتها الثقيلة والمؤلمة وهو يصرخ بها ويده تعبث في الهواء لكي تمسك بها وتوقفها لكنه لم يتمكن من مجابهة هجومها الشرس عليه .. وبعد لحظات من الضرب المتواصل توقفت ونظرت لوجهه الذي بدأت تسيل الدماء من اعلى جبهته وكذلك جانب ثغره ، فابتسمت بثقة وانتصار لتجيب عليه بنفس طريقته الشعبية في الحديث :
_ يا تخليك قد كلامك .. ياتخلي كلامك على قدك هااا
القت بجملتها ثم استدارت وسارت تكمل طريقها للخارج وهي تبتسم بتشفي .. بينما الآخر فرفع أنامله يتحسس دماء جبهته وثغره وعيناه معلقة عليها تتابعها وهي تسير مبتعدة عنه ، ثم خرجت منه همسة متوعدة بغضب هادر وغل :
_ ماشي يابنت رمضان الأحمدي وحياة أمي لأعرفك ريشا مين على حق
***
توسلات كثيرة من ميرفت وهي تحاول إقناع أسمهان بالبقاء وعدم الذهاب .. لكن الأخرى لا تسمع لأحد ومصرة على الذهاب لرؤية عدنان ، ولا تتفوه سوى بشيء واحد ( أنا هروح اشوف ابني مش هقعد هنا وهو قاعد في المستشفى ) .
توقفت ميرفت وهتفت برجاء ولطف :
_ يا أسمهان .. هتروحي تعملي إيه بس هو لسا في العناية ومفاقش وممنوع حد يدخله ، وآدم موجود هناك أول ما يفوق أكيد هيتصل بينا ويقولنا
أسمهان بعصبية وإصرار :
_ أنا قولت هروح يعني هروح ياميرفت
تنهدت ميرفت بعدم حيلة وتبادلت النظرات مع زينة التي رفعت كتفيها الأخرى مغلوبة على أمرها وقالت :
_ خلاص ياماما سبيها على راحتها هي هترتاح اكتر لما تروح وتفضل جمبه هناك
ارتفع صوت رنين ميرفت فأمسكت به ونظرت لاسم المتصل وردت فورًا بتلهف :
_ آدم طمنا يابني مفيش أخبار ؟
ظهر التلهف المماثل والقلق على وجه كل من زينة وأسمهان بينما آدم فتنهد بأسى وقال نافيًا بنبرة صوت مختلفة من فرط الحزن والإرهاق :
_ لا لسا مفاقش ياخالتو .. بس الحمدلله حالته احسن شوية من امبارح ، انا اتصلت عشان اسألك عن ماما عاملة إيه ؟
ابتعدت قليلًا عن أسمهان وردت عليه بخفوت وصوت منخفض :
_ رافضة تاكل أي حاجة ودموعها موقفتش من ساعة ما رجعت بليل من المستشفى ودلوقتي بتلبس ومصممة إنها هتروح المستشفى
_ طيب ادهاني ياخالتو هكلمها أنا
عادت ميرفت مرة أخرى إلى أسمهان ومدت الهاتف لها تهتف :
_ خدي كلمي آدم يا أسمهان عايز يكلمك
صاحت أسمهان بصوتها المرتفع وانفعال بعدما فهمت سبب رغبته في الحديث معه :
_مش هتكلم أنا قولت كلمتي وخلاص
ضمت يدها مرة أخرى ورفعت الهاتف إلى أذنها تجيب على آدم بيأس :
_ سمعتها طبعًا
آدم متنهدًا بتعب :
_ طيب خلاص ياخالتو خليها تاجي بس تاكل الأول متطلعش من البيت من غير فطار وخلي بالك عليها معلش
_ حاضر ياحبيب خالتك متقلقش .. وخلي بالك إنت كمان من نفسك
رد عليها بالموافقة في نبرة لينة ثم انهى الاتصال وتحرك باتجاه غرفة أخيه ووقف أمام الزجاج يتابعه هكذا ملازمًا إياه منذ مساء الأمس دون أن تحيد نظراته عنه ! .
***
في مساء ذلك اليوم ......
منذ الصباح ولا توجد أي أخبار سارة .. قلبها يتآكل خوفًا وحزنًا ، وكل ساعة والأخرى تجري اتصال بآدم تسأله عن إذا حدثت أي تطورات بحالته الصحية فيجيب عليها بالنفي .. تجاهد بصعوبة في تمالك دموعها التي تحارب من أجل الأنهمار ، وصغيرتها لا تكف عن السؤال ( متي سيعود أبي .. هيا نذهب إليه إذًا ) وبكل سؤال لها تجيب هي عليها بحجة مختلفة وثبات مصطنع حتى لا تنهار أمام طفلتها .. وكانت تود أن تهتف وتخبرها من بين بكائها ( قلبي يؤلمني على أبيكِ مثلك تمامًا ياصغيرتي ، ولأول مرة أشعر باشتياقي له ! ) .
تجلس على مقعدها الخشبي أمام النافذة .. ترفع ساقيها إلى صدرها وتلف ذراعيها حول ساقيها محتضنة نفسها كطفلة صغيرة تائهة .. وعيناها تحدق في الفراغ بشرود متذكرة إحدى لحظاتهم اللطيفة معًا في الماضي ...
منكبة على البكاء بحرارة وهي بين ذراعيه تدفن وجهها بين ثنايا صدره الدافيء وتبكي كالأطفال تمامًا ، بينما هو فيلف ذراعه حولها ويملس على أعلى ذراعها بلطف ورقة كي يساعد في تهدئتها لكنها تزداد في البكاء أكثر مما جعله يهتف بحيرة :
_ كفاية ياجلنار خلاص .. ليه العياط ده كله !
أجابت عليه من بين بكائها بصوت متقطع :
_ أنا خايفة أوي على دادا انتصار
عدنان متنهدًا بنفاذ صبر وهو مستمر بحركة يده التلقائية على ذراعها ويزيد من ضمه لها :
_ احنا مش كنا عندها دلوقتي ولسا جايين وكانت كويسة الحمدلله .. خلاص بقى ارحمي نفسك وارحميني
توقفت عن البكاء ورفعت رأسها قليلًا عن صدره وهي لا تزال بين ذراعيه وطالعته بوجه ممتليء بالدموع ونظرات بريئة .. احس لوهلة أن ينظر لطفلته الصغيرة التي لم تتعدى السنة ونصف فابتسم بتلقائية قبل حتى أن يسمع جملتها الألطف من نظراتها :
_ بكرا الصبح هروح اطمن عليها تاني
رد عليها بخفوت هاديء وابتسامة دافئة :
_ روحي هو أنا قولتلك لا !
اخفضت نظرها وعادت تدفن وجهها مجددًا بين ثنايا صدره واستمرت في البكاء من جديد فوجدته يهتف بنفاذ صبر حقيقي هذا المرة وبخنق :
_ اوووووف وبعدين ياجلنار !
هتفت بصوت تمكن من استيعاب كلماتها من خلاله بصعوبة بسبب بكائها الحار :
_ إنت لما بتحضني أنا بعيط اكتر
فاقت من ذكرياتها ووجهها كله كان ممتليء بالدموع .. تبكي الآن ليس لمرض الخالة بل من أجله هو ، الجميع حولها سواه .. لا تعرف إلى متى سيظل نائمًا في ذلك الفراش البائس ، ألا يكفي هذا القدر ليعلم مقدار محبته في قلوبهم ، ألا يكفيه دموع الخوف والرعب التي تسيل من عيونهم كالدماء .. لا يحق له أن يؤلم قلبها في الخير والشر ! .. يكفيه اللآم التي الحقها بها .. ستثأر منه عندما يستيقظ لأنهم لم يتفقا على فراق قد يكون ابدي ! .
***
استقام آدم من مقعده بتلهف فور رؤيته للطبيب وهو يخرج من غرفة أخيه .. اسرع إليه شبه راكضًا وسأل بقلق :
_ وضعه إيه دلوقتي يادكتور !
علت ابتسامة مشرقة فوق ثغر الطبيب أعادت الأمل والروح لوجه آدم العابس منذ يومًا كاملًا .. وتابع الطبيب وهو يعطي البشرى المنتظرة بود وسعادة :
_ الحمدلله فتح عينه وتجاوز الخطر على حياته
تهللت أسارير آدم والبسمة ملأت وجهه كله ، وكأنه ثقلًا ازاحه عن صدره بتلك البشرى المنتظرة .. لمعت عيناه بسعادة غامرة ودفن وجهه بين ثنايا كفيه متمتمًا براحة مرددًا :
_ الحمدلله .. ألف حمد وشكر ليك يارب
رفع وجهه وهتف يسأل الطبيب :
_ طيب كدا هيخرج من العناية ولا لسا
_ لا للأسف لازم يفضل تحت الملاحظة تحسبًا لأي تطورات ممكن تحدث .. بس هو حتى الآن حالته مستقرة ومفيش خطر الحمدلله
اماء آدم برأسه في تفهم وعاد يطرح سؤاله الثاني بترقب :
_ طيب اقدر ادخل اشوفه ؟
هز الطبيب رأسة بالموافقة وتمتم ببعض للأسف :
_ تمام بس اتنين بس اللي هيدخلوا ليه و كل واحد ثلاث دقائق بحد أقصى وبدون كلام كتير عشان متحصلش مضاعفات ويتعب
_ تمام يادكتور شكرًا
_ على إيه .. وحمدلله على سلامته مرة تاني
_ الله يسلمك
ابتعد آدم بعد رحيل الطبيب وأجرى اتصال بأول شخص كان في آخر قائمة الاتصالات ووضع الهاتف على أذنه يستمع الرنين بانتظار رده .
التقطت جلنار هاتفها ونظرت لاسم المتصل فقفزت جالسة بفزع وأجابت هاتفة بتلهف وهي تجفف دموعها التي مازالت فوق وجنتيها :
_ أيوة يا آدم
لاحظ بحة صوتها وهي تجيب عليه فابتسم بإشفاق وهتف في فرحة :
_ عدنان فاق ياجلنار وحالته كويسة الحمدلله
خرجت منها تنهيدة كان بمثابة عودة الروح لقلبها المنفطر ، وظهرت على شفتيها الشاحبتين ابتسامة شكر وعادت الدموع تتجمع في عيناها مرة أخرى من السعادة ، ثم ردت على آدم بصوت مبحوح :
_ الحمدلله .. طيب اقدر ادخل اشوفه لو جيت يا آدم
ابتسم الآخر واردف بوداعة :
_ انا متصل بيكي عشان كدا أساسًا .. الدكتور قال اتنين بس اللي يدخلوا ، تعالي عشان تدخلي تشوفيه وكمان ماما هتصل بيها وهتيجي عشان تدخل وتشوفه
اتسعت ابتسامتها أكثر ثم سرعان ما قالت بريبة :
_ وإنت مش هتدخل تشوفه ؟!
_ ياستي تعالي انتي بس وملكيش دعوة بيا
هبت من مقعدها واقفة وقالت بحماس وفرحة :
_ طيب طيب انا هلبس وآجي دلوقتي فورًا
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى محمود توفيق
ارتدت الملابس الطبية الخاصة بالزيارة .. ووقفت أمام باب غرفته للحظة تسحب أنفاسها لصدرها في راحة ثم تخرجها زفيرًا متمهلًا ، وعلى ثغرها ابتسامة سعادة وشوق .
فتحت الباب ببطء شديد حتى لا تسبب إزعاج ، ودخلت ثم اغلقته خلفها ببطء أشد من السابق ، استدارت بجسدها له ورأته نائم في الفراش والأجهزة الطبية حول الفراش من الجهتين وبيده إبرة متصلة بانبوبة صغيرة تصل إلى زجاجة المحلول المعلقة بجانب فراشه .. تلألأت الدموع في عيناها في لحظة لكنها شدت على محابسهم بسرعة واقتربت بخطواتها الهادئة منه ، وقفت بجانب فراشه بالضبط واستغرقت لحظات قصيرة وهي تمعن النظر في وجهه الشاحب ، فلم تتمكن من حجز دموعها أكثر فانهمرت على وجنتيها بغزارة .. مدت يدها الناعمة وامسكت بيده الكبيرة ، احتضنت كفه بقوة تستشعر لمسة يده التي ترغب بالشعور بها لأول مرة .. وعيناها لا تتوقف عن زرف الدموع .
توقفت عن البكاء وتجمدت ملامحها حين شعرت به يضغط بوهن على كفها الممسك بيده ، وباللحظة التالية يفتح عيناه ببطء في تعب وتخرج همسة خافتة منه :
_ جلنار
تهللت اساريرها وعلت الابتسامة الواسعة شفتيها فور سماعها لصوته ورؤية عيناه ، طالعته بنظرة دافئة دون أن تجيب ، فمال هو برأسه بعض الشيء وتطلع لوجهها وعيناها الغارقة بالدموع فلاحت شبح ابتسامته الواهنة على شفتيه وهمس بصوت بالكاد يسمع وهو يزيد من ضغط يده على كفها :
_ متعيطيش أنا كويس
ردت عليه أخيرًا بصوت ناعم كلمسة يدها تمامًا بعينان معاتبة ودامعة :
_ كنت عايز تفارقني واحنا متفقناش على فراق زي كدا
ازدادت ابتسامته اتساعًا وحرك إبهامه بضعف على كفه الصغير يملس عليه متمتمًا بصوت بدأ يظهر عليه التعب الحقيقي :
_ متخافيش .. طول ما فيا النفس .. يبقى .. مفيش فراق
وضعت كفها الآخر فوق يده وملست على ظهره بلطف متمتمة باهتمام وقلق :
_ طيب متتكلمش كتير عشان متتعبش .. وشد حيلك أنت بس وقوم بالسلامة يلا عشان هنا واحشتها اوي وكل دقيقة بتسألني عليك وعايزة تشوفك
خرجت همسة خافتة بابتسامة جانبية بها بعض اللؤم :
_ هنا بس ؟!
ابتسمت وهي تشيح بوجهها الجانب الآخر في عدم حيلة منه ، ثم قالت بوداعة :
_ أنا هطلع عشان مينفعش أفضل وقت طويل .. وإنت ارتاح
سحبت يدها من بين يده ببعض الصعوبة كأنه لا يرغب بتركها ، ثم ألقت نظرة مطولة عليه تبادلا فيها النظرات قبل أن تستدير وتنصرف مسرعة .
خرجت وبدأت تنزع عنها الملابس الطبية فاقترب منها آدم وتمتم يسألها :
_ كلمك ؟
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة وهتفت :
_ أيوة الحمدلله هو كويس .. بس طبيعي بيتعب من الكلام الكتير زي ما قال الدكتور فمخلتهوش يتكلم كتير وطلعت علطول
تنهد آدم تنهيدة حارة براحة ، ثم ابتسم وطالعها بنظرة ذات معنى :
_ الحمدلله .. وإنتي بقى ؟
فهمت ما يرمي إليه فبادلته الابتسامة وقالت بخفوت وهي شبه ضاحكة تعطيه الإجابة المقصود سؤاله من أجلها :
_ بقيت كويسة .. المهم إنت مش هتدخل تشوفه
_ لا لا أنا تمام .. وهو حالته مستقرة وكويس الحمدلله يعني ممكن بكرا الصبح يطلع من العناية وهشوفه
ثم استكمل كلامه في شيء من المشاكسة اللئيمة وهو يضحك :
_ بعدين أنا اخدت ثواب فيكي إنتي وماما ، حالتكم تصعب على الكافر .. بس ماشاء الله اللي يشوفك وإنتي طالعة من عنده ميشوفكيش وإنتي داخلة
رفعت جلنار حاجبها مبتسمة باستنكار وقالت بضحكة مكتومة :
_ لم الدور يا آدم !
قهقه بصوت مرتفع قليلًا ثم هتف ببعض الجدية :
_ طيب خلينا في الأهم .. تعالي نقعد شوية عايز اتكلم معاكي قبل ما توصل ماما وفريدة
توقعت الأمر الذي يرغب في تبادل أطراف الحديث معها عنه ، فتنهدت مغلوبة على أمرها وسارت خلفه دون اعتراض .
***
ملازمة فراشها منذ ساعات وتعبث في هاتفها ، تتصفح موقع التواصل الاجتماعي ( الانستغرام ) .. ضغطت على منطقة البحث فارتفعت لوحة المفاتيح أمامها .. سكتت للحظة تهمس لنفسها بصوت مسموع :
_ هو كان اسمه إيه .. آه آدم الشافعي
كتبت اسمه باللغة الانجليزية فظهرت لها نتائج لأشخاص لا تعرفهم .. بحثت بينهم قليلًا حتى عثرت على ملفه الشخصي حيث كان يضع صورته ، ضغطت على الملف وفتح ، استغرق لحظات حتى يتم تحميل جميع الصور وبدأت هي تشاهد الصور واحدة تلو الأخرى وفي مقدمة الصور كانت صوره من داخل افتتاح ذلك المعرض .. صورًا كثيرة له مع أصدقاء له وعائلته وصوره بمفرده وبعضًا من الصور كانت مع فتيات من الطبقة المخملية أيضًا ، لكن الذي لفت نظرها أكثر شيء بين كل هذه الصور هي صوره الكثيرة التي تظهر فيها طفلة صغيرة معه .. صور جميلة يظهر بها مدى حبه لتلك الطفلة وهو يلتقطون معًا صورًا طريفة ودافئة .
توقفت عن التقليب بين صوره للحظة وهي تحدق في اللأشيء أمامها بشرود امتزج بالدهشة وهي تهز رأسها بالنفي وعدم الاستيعاب :
_ لا لا أكيد مش بنته !
ارتفع صوت جدتها وهي تصيح منادية عليها من الخارج ، فالقت بالهاتف بجوارها على الفراش والقت هي الأخرى بجسدها ووضعت رأسها على الوسادة وتدثرت بالغطاء متصنعة النوم ! .. فتحت فوزية الباب ودخلت ثم قالت وهي تتجه نحوها :
_ بت يا مهرة إنتي نمتي ؟
جلست بجوارها على حافة الفراش وهزتها برفق في كتفها متمتمة :
_ مهرة قومي عايزة اقولك حاجة مهمة
تأففت لتوقعها " الحاجة المهمة " التي ترغب بمشاركتها معها .. اعتدلت جالسة وهي تتطلع لجدتها بابتسامة مغلوبة وتهتف :
_ نعم يازوزا ؟
فوزية بعفوية وبتساءل حقيقي :
_ أنا سمعت الإعادة بتاعت المسلسل اللي بتسمعيه والحلقة خلصت على إن الولا ابو شعر اصفر ده اضرب بالنار .. هو هيموت ولا لا ؟
مسحت مهرة على وجهها وهي تتأفف بقوة أشد وهدرت بنفاذ صبر :
_ ياتيتا ارحميني ابوس إيدك .. دي عاشر مرة تسأليني السؤال ده .. بعدين قولتلك اسمه اردا مش الولا الأصفر
لوحت فوزية بيدها في قرف ثم قالت وهي تحاول نطق الاسم :
_ اسمه إيه .. ارداف !!
مهرة بصدمة :
_ ارداف !! .. اه اسمه ارداف ياتيتا
_ ما تخلصي قولي هيموت ولا لا يابت
أمسكت بهاتفها عن طريق الخطأ وقالت بعدم حيلة :
_ والله مش عارفة .. استني أما اكلملك ارداف واسأله هتموت ولا لا الحلقة الجاية ! .. أكيد معرفش يعني ما انا بتفرج معاكي زي زيك
لمحت فوزية صور آدم على الهاتف فقالت فورًا بدهشة :
_ مين ده ؟!!
أدركت مهرة الخطأ الفادح الذي ارتكبته دون قصد وابتسمت ببلاهة متمتمة وهي تخفي الهاتف عن أعين جدتها :
_ ده الولا الأصفر ارداف .. بس صبغ شعره وخلاه اسود
جذبت فوزية الهاتف من يدها عنوة وهي تدقق النظر في صورة آدم وتهتف باستهزاء :
_ لا مش هو .. ده احلى من ارداف اللي عامل زي صفار البيض ده
قهقهت بصوت عالي وهتفت مهرة من بين ضحكها :
_ إيه ده يازوزا إنتي بتعاكسيه قدامي !
تجاهلتها فوزية ولم تجب عليها فقط ظلت تتطلع في صورة آدم .. تحاول تذكر أين ومتى رأته ، حتى قفز الموقف وصورته في ذهنها فقالت مسرعة :
_ مش ده الشاب اللي قابلانه عند الصيدلية وكان هيخبطني بالعربية ؟!
هزت مهرة رأسها بالنفي حتى لا تفتح على نفسها ابوابًا من الأسئلة اللامتناهية .. وقالت نافية :
_ لا مش هو يازوزا التاني كان بني آدم غتت ، ده واحد تاني
فوزية بثقة تامة :
_ لا هو أنا متأكدة ، الحمدلله لسا بعقلي وصحتي وفكراه كويس .. اسمه إيه كمان ؟
قربت الهاتف من وجهها أكثر لتستطيع قراءة اسمه وتمتمت تقرأ اسمه بصعوبة بسبب ضعف النظر :
_ آ..دم .. الشافعي
ثم نظرت إلى مهرة وقالت بنظرة ثاقبة :
_ وإنتي عرفتي اسمه منين عشان تبحثي عنه ؟!
لوت مهرة فمها مغلوبة على أمرها وقالت :
_ المعرض اللي اخدتني سهيلة معاها ليه .. طلع هو صاحب المعرض وعرفت اسمه من هناك
_ المعرض اللي وقعت سلسلتك فيه ؟!
_ أيوة هو يا زوزا .. على حظي النحس السلسلة متلاقيش غير هناك وتقع مني !
رتبت فوزية على ذراعها بحنو متمتمة :
_ ولا يهمك يابنتي .. متعرفيش الخير فين ، أنا هقوم انام وانتي كملي نومك
اماءت لها بالموافقة وتابعتها وهي تنهض وتتجه نحو الباب ، فور انصرافها أخذت مهرة نفسًا عميقًا واخرجته زفيرًا قوي ثم أغلقت الهاتف ووضعت رأسها على المخدة من جديد ثم مدت يدها واطفأت ضوء الغرفة ، وبعد دقائق قليلة غاصت في ثبات عميق .
***
ارتفع رنين الباب فظنت انتصار أن جلنار قد عادت .. ضيقت عيناها باستغراب وهتفت وهي تسير نحو الباب :
_ حاضر حاضر .. هو إنتي لحقتي تروحي تشوفيه !
وصلت إلى الباب ثم أمسكت بالمقبض وإدارته وجذبت الباب إليها .. فتصلبت بأرضها كالصنم حين رأت نشأت أمامها .
كانت هنا في الداخل وحين سمعت صوت رنين الباب ركضت وهي تهتف بحماس :
_ ماما
لكنها وقفت تحدق في جدها بدهشة .. لم تراه منذ أكثر من شهرين وقاربت على ثلاثة أشهر ، فانطلقت منها صيحة عالية بفرحة :
_ جدو !
انتبه نشأت على أثر صوتها الرقيق فعلت الابتسامة المشرقة وجهه وهو يتقدم خطوة للداخل وينحنى للأمام بجزعة فاردًا ذراعيه لها يحثها على الركض والانضمام لحضنه ففعلت الصغيرة فورًا والقت بجسدها الصغير بين ذراعين جدها الذي امطرها بوابل من قبلاته وهو يتمتم بشوق حقيقي :
_ وحشتيني أووي ياحبيبة جدو
هنا بصوتها الطفولي الساحر :
_ وإنت كمان .. إنت كنت فين ياجدو ؟
أبعدها عنه قليلًا وحدقها بنظرة دافئة متمتمًا بأسف:
_ سامحيني ياحبيبتي
زمت هنا شفتيها بحزن وتمتمت :
_ تعرف ، بابي تعبان وماما راحت تشوفه وقالتلي إنها بكرا هتاخدني عشان اروح اشوفه كمان
نشأت ببعض الحزن المماثل لها :
_ عارف ياحبيبتي ، متخافيش بابا هيبقى كويس إن شاء الله
اعتدل في وقفته وتطلع لانتصار متمتمًا بنبرة عادية :
_ عاملة إيه يا انتصار ؟
انتصار بمضض :
_ بخير الحمدلله يانشأت بيه .. جلنار راحت تشوف عدنان يعني مش موجودة
_ عارف يا انتصار أنا جاي اتكلم معاكي إنتي
ظهرت معالم الحيرة على وجهها وضيقت عيناها باستغراب ثم افسحت له الطريق ليدخل وأغلقت الباب خلفه .. تحركت أمامه نحو الصالون وجلست على أحد المقاعد الواسعة وجلس هو على الأريكة المقابلة لها وفوق قدميه جلست هنا بين ذراعين جدها الذي أخفض نظره لها وقال بحب وهو يطبع قبلة فوق وجنتها :
_ تعرفي تجبيلي ماية ياهنون ؟
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة واسعة ثم نزلت من فوق قدميه تركض نحو المطبخ حتى تجلب لجدها الماء كما طلب منها .. بينما هو فهتف بإيجاز في نبرة مهتمة ولأول مرة تشعر انتصار بخوفه وحبه الحقيقي لابنته :
_ أنا عارف إني لو كلمت جلنار وطلبت منها تيجي تقعد معايا لغاية ما عدنان يتحسن ، مش هتوافق .. فأنا جيت عشان اقولك بس واوصيكي بنتي وحفيدتي أمانة في بيتك يا انتصار .. وأنا هخلي رجالة تبعي يقفوا عند بوابة العمارة تحت عشان اكون مطمئن اكتر عليهم
_ وكل ده ليه يعني ؟!
_ عشان حادث عدنان كان مدبر .. وممكن اللي أذاه يحاول يأذي بنتي وحفيدتي وأنا مش هسمح بده ، صلاح بيراقب جلنار في كل خطوة ، وفي تلاتة هيبقوا تحت بيحرسوا العمارة ، لغاية ما يقوم عدنان بالسلامة وانا هتكلم معاه
ضربت انتصار على صدرها شاهقة بهلع وهتفت بخوف :
_ يامصيبتي يعني ممكن يأذوا جلنار ؟
نشأت بحدة ونظرة قوية :
_ قولتلك مش هسمح أن حد يمس شعرة من بنتي أو حفيدتي يا انتصار .. كل اللي طالبه منك بس إنك تخلي بالك عليهم وتبلغيني بكل تفصيلة بتحصل ، وكمان ياريت متقوليش لجلنار إني جيت أو تجيبي ليها سيرة بخصوص مراقبة صلاح ليها وحتى الرجالة اللي هيقفوا تحت لو سألت قوليلها أي حاجة غير إنهم تبعي
هزت رأسها بالموافقة وقد فرت الدماء من وجهها بسبب الهلع ثم سألت بقلق :
_ طيب ومعرفتوش لغاية دلوقتي مين اللي ورا الحادث ده ؟
وصلت هنا ووقفت أمام جدها وهي تمد يدها الصغيرة حاملة كوب الماء الصغير وهاتفة برقة :
_ المايه ياجدو
التفت برأسه لها ولم يتمكن من الرد على سؤال انتصار ، فجذب كوب الماء من يد حفيدته وهو ينحنى لاثمًا وجنتها ومتمتمًا وهو يشرب الماء :
_ شكرًا يا اميرة جدو
وضع كوب الماء فوق الطاولة الصغيرة وهتف وهو يملس على شعرها بلطف ودفء :
_ انا همشي ياهنا دلوقتي بس اوعدك إني هاجي تاني إن شاء الله خلاص
ردت عليه بحزن :
_ خليك شوية متمشيش
طبع قبلة رقيقة فوق شعرها وهتف :
_ مش هينفع ياجدو عشان ورايا شغل .. بس وعد زي ما قولتلك هاجي تاني والمرة الجاية هقعد كتيييير أوي لغاية ما تزهقي مني ، تمام ؟
اماءت برأسها في يأس مغلوبة على أمرها ثم ضمها لصدره بعانقها بلطف ويثلم وجنتيها بقبلاته الحانية قبل أن يستقيم ويوجه كلامه إلى انتصار بجدية هاتفًا :
_ زي ما اتفقنا
_ تمام يا نشأت بيه
سار باتجاه باب المنزل وانصرف فظلت انتصار واقفة مكانها تفكر بحديثه والقلق والخوف ينهش قلبها نهش وفقط تردد من بين شفتيها ( ربنا يستر ) .
***
_ احكيلي بقى إيه موضوع فريدة بالتفصيل
كان ردًا قويًا من آدم على سؤال جلنار له بنوع الحديث الذي يرغب في التحدث به معها .. فصمتت هي لبعض الوقت متطلعة إليه بتردد حتى قالت أخيرًا بعدما حسمت أمرها :
_ طيب هحكيلك بس متجبش سيرة لعدنان دلوقتي خالص على الأقل لغاية ما يقوم بالسلامة ويطلع من المستشفى
_ طيب قولي ياجلنار بس يلا
أخذت نفسًا عميقًا قبل تبدأ بسرد كافة التفاصيل التي حدثت منذ خروجها من المعرض خلف فريدة حتى تهديدها لها بالمستشفى ، وكان آدم يستمع إليها وعيناه تخرج شرارات نارية من فرط الغضب ، يقفل يده ويضغط على قبضته بقوة .. يرغب الآن بالذهاب لذلك الوغد الذي يدعى " نادر " ويخنقه بيديه .
انتهت جلنار من التكلم فخرج من فم آدم لفظ بذيء يسب ويشتم به كلٌ من نادر وفريدة ، ثم هب واقفًا ينوي الذهاب لنادر لكن جلنار أمسكت به وقالت بحدة :
_ رايح فين يا آدم .. مينفعش ده واحد حقير وممكن يعمل أي حاجة ويأذيك
آدم بصوت مرتفع قليلًا وهو يصيح بانفعال :
_ وانتي متخيلة إني هسيب **** بعد اللي عمله في عدنان ، أنا كنت شاكك فيه أصلًا ودلوقتي اتأكدت منو مفيش حد **** ليه مصلحة يأذي عدنان غيره هو وال**** فريدة
هتفت جلنار محاولة تهدئته وهي تمسك بذراعه حتى لا يفر من بين قبضتيها :
_ ولا أنا كمان متأكدة أنا شاكة زيك يا آدم أنهم هما اللي ورا الحادث ده ، ابوس ايدك اهدى عشان خاطري وخلينا نفكر الأول بهدوء هنعمل إيه ونكشفهم إزاي ، لأن دول شياطين واحنا مش ضامنين ممكن يعملوا إيه
انطلقت من آدم ضحكة ساخرة رغم ملامح وجهه المخيفة وهو يلوح بيده في بعض الدهشة :
_ فريدة .. ومن سنة واكتر ومع *****
لمحت جلنار فريدة وأسمهان وهم يركضون نحوهم فضغطت على يد آدم متمتمة بنظرة جادة :
_ جم .. متخلهاش تحس إنك عرفت حاجة وامسك نفسك قدامها يا آدم
وصلت أسمهان إليه شبه ركضًا وارتمت على ابنها وعانقته بفرحة غامرة متمتمة :
_ عدنان فاق يا آدم .. اللهم لك الحمد والشكر يارب
ملس على ظهرها بيده في رقة وعيناه عالقة على فريدة ، تستقر في عينه نظرات قاتلة تكاد تفتك بها وتسرق أنفاسها ، وبالفعل هي ارتبكت من نظراته فاشاحت بنظرها بعيدًا عنه متسائلة عن سبب تلك النظرات المرعبة التي يرمقها بها .
هتف آدم بابتسامة رسمها بصعوبة بسبب الغضب الذي يهيمن عليه ورد على أمه :
_ فاق ياماما الحمدلله وكويس .. ادخلي شوفيه واطمني عليه بنفسك عشان ترتاحي اكتر
هزت أسمهان رأسها في سعادة وهتفت بحماس وتشوق :
_ طبعًا هدخل اشوفه
انتبهت إلى جلنار التي تقف بالقرب من آدم وتتابع ما يحدث بصمت فرمقتها بنظرة حاقدة كلها نقم وقرف ! .
***
في صباح اليوم التالي .....
تم نقل عدنان إلى غرفة عادية بعد تحسن حالته الصحية واستقرارها تمامًا .
سحب آدم مقعدًا وجلس بجوار فراش أخيه وتمتم باسمًا :
_ حمدلله على السلامة ياعم .. شيبت شعر راسنا من الخضة والله
ضحك عدنان ورد عليه مداعبًا وهو يغمز بعيناه :
_ عمر الشقي بقى
ثم هتف متسائلًا بجدية :
_عملت إيه في اجتماع الصفقة اللي كان المفروض امبارح ؟
آدم بنبرة رجولية خشنة :
_ اجلته لغاية ما تقوم بالسلامة وتظبط كل حاجة بنفسك ، لكن قولي إنت ناوي علي إيه صحيح ؟
تنهد بقوة وعلى ثغره ابتسامة لئيمة متمتمًا :
_ هتشوف استني بس اطلع من المستشفى واتفرج
ضحك آدم وهو يغمز لأخيه بلؤم مماثل ثم هدر بجدية أشد من السابق تكاد تكون غضب ونقم :
_ سواق العربية النقل اللي خبطتك هربان بس الرجالة قالبين الدنيا عليه وهيتجاب ونتأكد مين اللي ورا الحادث ده
_ إنت شاكك في مين ؟!
_ هقولك بس مش دلوقتي ، لما نمسك الحقير ده الأول
اقتحمت هنا الغرفة حيث فتحت الباب بقوة رغم جسدها الضئيل وركضت نحو أبيها صائحة بفرحة غامرة :
_ بابي
ظهرت إشراقة وجهه فور رؤيته لها واعتدل في نومته بصعوبة ليستقبل صغيرته ، التي قفزت فوق فراشه وجلست بجواره ثم ارتمت عليه تعانقه بشوق حقيقي هاتفة بصوتها الطفولي اللطيف :
_ وحشتني يابابي
لم يجبها فقط زاد من ضمها إليها وهو يستنشق رائحتها المحببة لقلبه ويتمتم بنبرة مختلفة كلها مشاعر أبوية نقية :
_ وإنتي كمان وحشتيني ياهنايا
ظلت بين ذراعيه للحظات وهو مغمض عيناه ويتمتم بصوت خافت ودافيء :
_ كنت خايف مقدرش اشوفك تاني يا قلب بابا
ابتعدت عن حضنه وحدقته بعين لامعة بكل براءة وحب نقي مثلها تمامًا وعلى وجهها ابتسامة عريضة ، ارغمته على الابتسام فاقترب من جبهتها وطبع قبلة حانية مطولة .
التفت آدم برأسه ينظر لجلنار التي تقف على مسافة ليست ببعيدة تتطلع لهم بعينان دامعة ومتأثرة ، فظهر شبح الابتسامة على شفتيه ثم هب واقفًا وسار نحو الباب ينوي الرحيل حتى يترك لهم بعض المساحة الشخصية كعائلة ، وأثناء مروره من جانب جلنار رمقها باسمًا بمشاكسة وغمز لها بعيناه الخضراء ، فرمقته هي بنظرة حادة تكتم ابتسامتها وتابعته بنظراته حتى رحل عن الغرفة ، فتحركت باتجاه مقعده وجلست عليه ثم همست برقة :
_ حمدلله على سلامتك
التفت لها برأسه وابتسم بدفء ثم قال :
_ الله يسلمك
انحنت هنا على أذن والدها وتمتمت بخبث طفولي ضاحكة :
_ بابي تعرف .. ماما كانت تعيط كتير وقالتلي إنها بتعيط عشان زعلانة إنك تعبان
اتسعت عيني جلنار وهي ترمق ابنتها بغيظ بينما هو فكتم ضحكته وهمس لصغيرته بمكر وعيناه ثابتة على جلنار :
_ امممم ما أنا عرفت ياحبيبة بابي .. هي كانت بتعيط كتير أوي يعني ؟!
هزت رأسها بإيجاب وردت بخفوت وبعض التوتر من نظرات أمها لها :
_ أيوة كتيييير أوي
اماء برأسه وهو يبتسم بمشاكسة ثم رمق جلنار بنظرة دقيقة .. مثبتًا نظره على عيناها الحمراء والمتورمة من كثرة البكاء .. ثم هتف بمكر مقصود باسمًا :
_ امممم ماهو واضح عليها ياهنون فعلًا
ارتبكت من نظراته المثبته على عيناها فوجدت نفسها بتلقائية تشيح بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه ليضحك هو بصمت ويتطلع لابنته هامسًا بعد أن لثم وجنتها بقلبة سريعة :
_ روحي يابابا قولي لعمو آدم ، بابا بيقولك جيب ليا الشوكولاته اللي بحبها
قفزت فرحًا وصاحت :
_ بجد
_ أيوة بجد ياملاكي يلا اجري الحقيه قبل ما يمشي ، هتلاقيه واقف برا
نزلت من الفراش وهرولت راكضة للخارج بجسدها الصغير وفستانها الطفولي اللطيف مثلها تمامًا ، بينما هو فتابعها حتى رحلت ثم ادار نظره نحو الجالسة على المقعد ولا تزال تشيح بوجهها عنه ناحية النافذة المفتوحة ، فتحرك في فراشه ببطء على الجانب الذي تجلس هي فيه وخرج صوته الوديع :
_ ششششش
رمقته بطرف عيناها في نظرة خاطفة وسريعة فابتسم وهتف :
_ بصيلي هنا
التفتت برأسها مرة أخرى ناحيته في اقتضاب ، تخفي توترها وخجلها بتصنعها الحزم والجدية ، لكنه غمز لها بابتسامة لعوب وهمس بصوت يحمل بحة جديدة :
_ عيطتي للدرجة اللي خلت عيونك يبقى منظرها بالشكل ده !
ابتسمت بسماجة وتمتمت بتصنع عدم الاهتمام رافضة الاعتراف بخوفها وحزنها الشديد عليه :
_ لا ده أنا عيني كانت وجعاني وفضلت ادعك فيها كتير فورمت وبعدين أنت متعرفش ااا .....
توقفت عن الكلام حين وجدته يمسك بكفها محتضنًا إياه بين قبضته الضخمة ، ويتطلع إليها بعينان حكت الكثير عن الذي يرغب بقوله لها الآن ، قد يكون مندهشًا وسعيدًا ، عليه الاعتراف أن آخر شخص كان يتوقع أن يحزن كثيرًا عليه بوضع كهذا هي جلنار ، لكنها اصابته بالدهشة فعلًا .
رفع كفها ببطء لشفتيه وطبع قبلة عميقة على ظاهره مغمغمًا بنظرة ذات معنى :
_ أنا اللي اعرفه إن عيون زهرتي الحمرا مش لايق عليها العياط أبدًا
لأول مرة ينعتها بزهرته الحمراء .. لطالما اعتاد أن يقول لها " رمانتي " نسبة إلى اسمها الذي يعني " زهرة الرمان الحمراء " .
سرت رعشة متلذذة في أنحاء جسدها من ملمس شفتيه واحتكاك ذقنه بكفها ، وكأنها الوهلة الأولى التي يلمسها بها ! ، شبهها بالزهرة الحمراء وقد تحولت بالفعل لحمراء ، تلونت وجنتيها بلون الدماء وانعقد لسانها فاستمرت بالتحديق به بصمت تام ، كان وجهها كلوحة إبداعية من صنع الخالق عز وجل جعلته يذوب من فرط جمالها ، عيناها البندقية وبشرتها البيضاء مع وجنتيها الحمراء وشعرها الأسود الحريري .. بتلك اللحظة قذفت في ذهنه أكثر من فكرة منحرفة لكنه كبح رغباته بصعوبة .
انفتح الباب وظهرت من خلفه فريدة فانزل يد جلنار تدريجيًا ، التي التفتت برأسها للخلف تتطلع لفريدة باشمئزاز .. أسرعت فريدة إلى عدنان وارتمت عليه تعانقه بقوة وتهتف برقة مقصودة حتى تثير غيظ جلنار :
_ حمدلله على سلامتك ياحبيبي .. كنت هتجن من الخوف عليك
لم يبادلها عناقها كعادتها بل اكتفى بأنه ملس بيده على ظهرها في لطف وتمتم بنبرة فاترة :
_ الله يسلمك يافريدة .. أنا كويس متقلقيش
انطلقت من جلنار ضحكة بسيطة كلها استهزاء وهي معلقة نظراتها الشرسة على فريدة من ادعائها أنها كانت في حالة هلع من فرط خوفها عليه ، ولم تتمكن من منع نفسها من الرد حيث قالت بخبث أنوثي وابتسامة مائلة للجانب في سخرية :
_ صحيح يافريدة .. نادر كان موجود يوم الحادث وبعدين مشي فجأة متعرفيش ليه ؟
فقدت فريدة النطق للحظة وابتعدت عن عدنان بعلامات وجه ظهرت عليها الاضطراب لكنه لم يلحظ لاهتمامه بجلنار وسؤالها عن نادر وطريقتها الغريبة في الحديث ..
هتف عدنان بصوت رجولي غليظ :
_ وإنتي مالك بنادر ؟!
جلنار بنظرات لا تزال ثابتة على فريدة وكلها غل وغضب :
_ لا أصل شوفته واقف مع فريدة بيتكلموا
التفت عدنان بنظره لفريدة يرمقها بحدة وعينان تلوح بها علامات الاستفهام ينتظر منها تبرير ، فابتلعت هي ريقها وردت بقوة متصنعة :
_ عادي كان بيسألني عن وضعك وقولتله
ابتسمت جلنار بلؤم ثم هبت واقفة وقالت بنظرات غريبة ليست لجلنار الرقيقة ابدًا :
_ أنا هروح اشوف هنا
استدارت وسارت لخارج الغرفة بأكملها بينما فريدة فتحركت وجلست على مقعدها وهي تتفادي نظرات عدنان المشتعلة لها ، كان يحدقها بأعين لا تملك ذرة ثقة ويخبرها من خلالهم " لم اصدق أي كلمة ! " ، نظراته مميتة اربكتها حقًا لكنها تصنعت التجاهل وقالت بإشراقة وجه :
_ تقوم بالسلامة بس وترجع البيت وأنا بنفسي هعملك كل الاكل اللي بتحبه ياحبيبي .. ورايح مش هسمح لأي حاجة انها تخلق مشاكل بينا ، أنا كانت هتجرالي حاجة من خوفي عليك
رمقها بنظرة جانبية قاسية ، لم يعد اعمي حتى يصدق كل كلمة تتفوه بها .. هو الآن كالأسد المتربص لفريسته ينتظر منها أن تخطأ حتى يتلهمها ، وبات لا يطيق رؤيتها هو فقط انتظار اللحظة المناسبة التي سيتأكد فيها من شكوكه حينها ستكون الفريسة قد سقطت بين فكي الأسد .
***
بمساء مدينة كاليفورينا في أمريكا .....
خرجت من غرفتها بعد سماعها لصوت طرق الباب .. سارت في خطوات هادئة باتجاه الباب وهي ترتدي " بيجامة " منزلية لطيفة وترفع شعرها لأعلى بمشبك كبير .
وصلت امام الباب ونظرت من العين السحرية فرأت حاتم .. أصدرت زفيرًا حارًا بغيظ ثم تراجعت خطوة للخلف وفتحت الباب له ، وقفت تسد الطريق عليه حتى تمنع من الدخول هاتفة بقرف مصطنع :
_ خير شو بدك ؟
حاتم بتصنع الجدية محاولًا تمالك ابتسامته من الانطلاق على شفتيه :
_ ممكن افهم يا آنسة مجتيش الشغل ليه النهاردة .. ولا هو عشان إنتي رئيسة التحرير في الشركة ومع المدير دايمًا في كل حاجة يبقى هو هيسكت عن الإهمال وعدم الانتظام ده
استدارت وسارت عائدة للداخل وهي تقول بسخرية وعدم مبالاة :
_ شو راح تعمل يعني يا حــاتم بيك
ضحك في ظهرها دون صوت ثم دخل وأغلق الباب خلفه متمتمًا بثقة وحزم مزيف :
_ هعمل كتير يا آنسة
لاحت الابتسامة المستنكرة على وجهها فتوقفت والتفتت بجسدها كاملًا له وهدرت بنظرة كلها تحدي وبثقة تامة :
_ إذا بتقدر تقلعني من الشغل .. قلعني
رفع حاجبه وثلاث ثواني بالضبط من التحديق الصامت بها ، لم يتمكن من كبح ضحكته اكتر من ذلك حيث انفجر ضاحكًا على كلمتها الأخيرة ، بينما هي فضيقت عيناها باستغراب وهتفت بغضب من سخريته :
_ على شو عم تضحك ؟!
أجابها وهو يجاهد في تمالك نفسه من الضحك :
_ لا ولا حاجة متركزيش معايا .. وأكيد يعني مقدرش اطردك يا نادين ، أنا جيت عشان نتكلم ونحل الموضوع اللي مضايقك مني ده
نادين باقتضاب :
_ أي موضوع بالضبط فيهم ؟
_ ماشاء الله هما بيزدوا ولا إيه مع الوقت ؟!
نادين بعصبية وغيظ :
_ الموضوع الاساسي ياللي تخانقنا مشانه ياحاتم ولا اللي سويته قبل ما امشي
حك مؤخرة رأسه وهتف باعتذار وهو يضحك :
_ لا اللي سويته ده كنت بهزر عشان اعصبك وانكش فيكي مش اكتر .. وعلى العموم حقك عليا ياستي أنا آسف ، هاا إيه الموضوع الاساسي بقى
هدأت ثورتها وردت عليه ببرود :
_ خلاص مو مهم .. ماني زعلانة
حاتم باستنكار وسخرية على طريقتها في الكلام :
_ لا والله ماني زعلانة !! .. امال الحوارات اللي عملتيها دي إيه لزمتها
حان دورها هي لتضحك لكنها كتمت ضحكتها وتصنعت الحدة والبرود وهي تدفعه بخفة تجاه باب المنزل هاتفة :
_ ميرسي ياحاتم على اعتذارك المقبول ، وهلأ معلش مضطرة اقلك تصبح علي خير مشان أنا بدي انام
اتسعت عيناها بدهشة وهي تدفعه نحو الباب حتى يغادر فقال باستهزاء وبعض الضيق :
_ اه ده أنا بطرد رسمي بقى .. طيب اعزميني حتى على كوباية مايه
ظهر شبح ابتسامتها على شفتيها وهي تجيبه باللهجة المصرية :
_ المايه قاطعة
وصل إلى الباب فلوحت له بكفها تودعه في ابتسامة مثلجة ثم أغلقت الباب في وجهه ، فاستمعت له يهتف بغيظ حقيقي من خلف الباب :
_ ماشي يا نادين .. الساعة ستة الصبح الاقيكي اول واحدة موجودة في الشركة ولو اتأخرتي دقيقة هزعلك بجد المرة دي
انفجرت ضاحكة بقوة وهي تستند على الباب من الداخل تستمع له وهو يملي عليها تلعيماته الصارمة ، وتشعر بالنشوة لأنها نجحت أخيرًا في إثارة غيظه ! .
***
مرت ساعات طويلة حتى غابت الشمس واستر الليل ستائره ، قضت الصغيرة هنا النهار كله بجوار أبيها حتى تعبت في آخر اليوم فأخذتها جلنار وعادت بها لمنزل الخالة انتصار ، وأثناء عودتها لعدنان مرت على منزلها جمعت بعض الملابس له ثم خرجت واكملت طريقها للمستشفى .
منذ أمس تلاحظ سيارة تتبعها بشكل مريب وبكل مرة تقول ربما هي يتهيأ لها ، لكن هذه المرة تأكدت تمامًا أن تلك السيارة تلاحقها .
فتوقفت بسيارتها بجانب الرصيف في الشارع لتتأكد هل ستقف تلك السيارة خلفها أم لا لكنها رأتها تعبر بجوراها وتكمل طريقها ، فتنفست الصعداء قليلًا براحة وعادت تشغل محرك السيارة من جديد وتنطلق بها .
بينما صلاح فتوقف في أحد الشوارع الموازية وهو يحمد ربه أنها لم تكشف أمره وإلا كان لقى عقابه العسير من نشأت ، رآها وهي تعبر من الطريق الرئيسي بسيارتها فانطلق هو خلفها ولكن هذه المرة بحرص حتى لا تلاحظه مرة أخرى .
وصلت أمام غرفته أخيرًا بالمستشفى اخذت نفسًا عميقًا قبل أن تفتح الباب وتدخل ، فالتفت هو برأسه في اتجاه الباب وهتف باستغراب :
_ جلنار !! .. إيه اللي جابك تاني ؟
أغلقت الباب خلفها واقتربت منه وهي تلقي بالحقيبة الصغيرة جدًا فوق المقعد والتي تحتوي على ملابس له ثم تقول بعفوية :
_ هقعد معاك .. مينفعش تفضل وحدك في المستشفى
ابتسم وقال موضحًا لها ببساطة :
_ دي مستشفى ياروحي ومليانة دكاترة وممرضات يعني مش لوحدي ولو عوزت حاجة الممرضات موجودين
اشتعلت نظرتها وهي تقول بشراسة :
_ really ( حقًا )
طيب nurses ( الممرضات ) موجودين عشان يتابعوا حالة المريض مش يلبوا احتياجات المريض يا أستاذ يامحترم
ضحك وقال بمشاكسة غامزًا :
_ هي إيه الاحتياجات دي بظبط بقى ؟!
تأففت بصوت عالي وقالت بنفاذ صبر متجاهلة جملته الوقحة :
_ أنا قولت لآدم يروح البيت ويرتاح شوية .. تعب جدًا ، ليه يومين مش بينام وقاعد في المستشفى معاك هنا
_ أنا قولتله يمشي هو اللي راسه ناشفة
جلنار بوداعة واشفاق :
_ جزاته يعني إنه مش عايز يسيبك وحدك .. حقيقي يمكن اكتر واحد كان خايف وقلقان عليك هو آدم ، عشان تعرف قيمة اخوك بس
تنهد وهدر بخفوت ونبرة صادقة تنبع من القلب :
_ إنتي عارفة إن أنا بعتبر آدم ابني مش اخويا .. أنا اللي مربيه
هزت رأسها بإيجاب وهي تجيب بنظرات متأثرة تنبع بالحب :
_ عارفة ربنا يخليكم لبعض
اعتدل في جلسته قليلًا وغيّر مجرى الحديث في لحظة متمتمًا بلؤم مقصود :
_ قولتيلي إنتي هنا ليه بقى ؟
استقرت في عيناها نظرة نارية رمقته بها جعلته يضحك ويهتف متداركًا الأمر بخبث أشد :
_ آه عشان تلبي احتياجات المريض .. طيب بما إنك جبتي هدوم للمريض وهو عايز يغير هدومه ، نفذي مهمتك وساعدي المريض بقى
جزت على أسنانها بغيظ ، وكادت أن تنفجر في وجهه كالقنبلة ، لكنها تمالكت أعصابها بصعوبة ومدت يدها في الحقيبة تخرج منها قميص وبنطال وتقترب منه ثم تضع الملابس بين يديه هاتفة بمضض :
_ لا ماهو المريض الحمدلله ايده ورجله سليمة يعني مش محتاج مساعدة
همت بالاستدارة والابتعاد عنه فقبض على رسغها وجذبها إليه فارتدت للأمام لتصطدم بصدره وتصبح فوقه تمامًا ، خرجت همسته اللعوب أمام وجهها وهو يغمز :
_ ويهون عليكي المريض !
حركت رأسها بحركة سريعة ومدروسة حتى ترجع خصلات شعرها خلف ظهرها ثم قالت بنظرة ثاقبة كنظرته بالضبط وببرود لكن نبرتها كانت كلها أنوثة ونعومة :
_ أه يهون
ثم دفعت يده عنها واستقامت واقفة تقول بحزم :
_ متلمسنيش تاني
أجابها بابتسامة تخفي ورائها نيران غصب بدأت تشتعل :
_ امممم رجعت ريما لعادتها القديمة
مالت بجسدها عليه وهمست أمام وجهه في صوت أنوثي امتزج بين الشراسة والنعومة :
_ جلنار القديمة اللي كانت وقت ما تحب تقرب منها تلاقيها موجودة وبتلبي طلبك ووقت ما تكون مش حابب تسيبها وترميها ومتسألش فيها كأنها نكرة ، خلاص مبقتش موجودة .. وأنا لو زعلت وخوفت عليك فده هيكون بسبب العشرة والسنين اللي بينا وإنها ماهنتش عليا .. لكن غير كدا متوهمش نفسك بأوهام ملهاش وجود
اطال النظر في عيناها بتمعن .. لم تعد زهرته الناعمة والرقيقة حقًا ، التي تقف أمامه الآن هي كزهرة الصبار القوية والصلبة التي تنمو في اشد وأقسى الظروف ومن يحاول الاقتراب منها تؤذيه بأشواكها الحادة .
راقه كثيرًا التحول الجذري في رمانته الحمراء وعلى عكس المتوقع ابتسم وقال بنظرات ذات معنى مثبتًا عيناه على خاصتها :
_ ومين قالك إني عايز جلنار القديمة !
لحظة واثنين وثلاثة وهي مستمرة بالتحديق به حتى استقامت واقفة فورًا وهتفت وهي تشير باتجاه الحمام الداخلي للغرفة :
_ انا رايحة الحمام
لم تنتظر أي رد منه بل استدارت ودفعت بنفسها إلى الحمام مسرعة بينما هو فمسح على وجهه نزولًا لذقنه وهو يتنهد باسمًا بعدم حيلة ! .
***
كان آدم في فراشه وعلى وشك الاستسلام لسلطان نومه لولا رنين هاتفه الصاخب الذي ارتفع ودوى صوته الغرفة بأكمله .. فأصدر تأففًا حارًا بخنق ثم مد يده والتقطه يجيب على المتصل دون أن يتحرى أولًا من هويته :
_ الو
أتاه الصوت الرجولي على الطرف الآخر وهو يقول بجدية :
_ لقينا سواق العربية يا آدم بيه
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
نظرات طويلة استقرت في عيني عدنان وهو يتطلع إليها ، تجلس أمامه على أريكة صغيرة ومعلقة نظرها على النافذة تتأمل السماء من خلالها .. شعرها يتطاير بخفة فوق كتفيها وظهرها بفعل نسمات الهواء الباردة وتستند بمرفقها فوق ذراع الأريكة وتضع كفها أسفل وجنتها ، استمر لدقائق طويلة يتأملها بينما هي تتأمل السماء ! .
حتى أصدر تنهيدة حارة وتمتم بخفوت :
_ اقفلي الشباك ياجلنار هتبردي
ردت عليه دون أن تحيد بعيناها إليه :
_ مش بردانة
ثم زفرت والتفتت برأسها له تسأله باهتمام :
_ إنت بردت ؟
حرك حاجبه وشفتيه بمعنى لا وهو يبتسم فتنهدت وعادت تنظر للسماء من جديد ، مرت لحظات طويلة حتى سألت بنبرة خافتة تحمل بعض التردد :
_ فريدة كانت موجودة قبل ما آجي .. مقعدتش معاك ليه ؟
عدنان بجفاء :
_ أنا مشيتها
_ ليه ؟!
كان سؤالًا تلقائيًا منها وحصلت على إجابته بالصمت وهو يلوى فمه بصلابة وجه .. تفهمت رغبته في عدم الحديث فهزت رأسها بتفهم ثم قالت وهي تتمدد على الأريكة الصغيرة :
_ أنا هنام ، تصبح على خير
عدنان بنظرات دقيقة :
_ الكنبة صغيرة وإنتي مش بتعرفي تنامي غير على السرير ، يعني مش هترتاحي .. تعالي جمبي
اطالت التحديق به في صمت لثواني ثم هتفت رافضة وهي تعتدل بجسدها لكي تلائم صغر تلك الأريكة :
_ لا أنا مرتاحة
ردود مختصرة وجافة تجيب بها عليه منذ ساعات بسبب جدالهم الأخير .. لكنه تعجبه حالاتها المزاجية المتغيرة ويجدها لا بأس بها ! .
دقيقة واثنين وثلاثة وهي تتقلب فوق الأريكة يمينًا ويسارًا ، لا تجد راحتها في النوم وتحاول إيجاد وضعية مناسبة للنوم فوق تلك الأريكة الصغيرة .. كانت عيناه ثابتة عليها يتابعها بتركيز فابتسم بعدم حيلة منها وهتف ببعض الحدة :
_ اسمعي الكلام وبلاش عناد
التفتت له برأسها وهتفت في غيظ :
_ وهو أنا اشتيكتلك
_ وهي دي كنبة ينفع تنامي عليها أصلًا !
_ أيوة ينفع ، نام بقى وسيبني أنام أنا كمان
ضحك مستنكرًا عنادها وقرر تجاهلها تمامًا أو بمعنى أدق جعلها تظن بأنه تجاهلها ، اغمض عيناه متصنعًا النوم ، بينما هي فاستمرت في حربها المرهقة مع تلك الأريكة ، يمينًا .. يسارًا .. حتى أنها حاولت النوم شبه جالسة ولكن دون فائدة ، فاصدرت تأففًا عاليًا بعد ما يقارب من خمسة عشر دقيقة في محاولاتها البائسة للنوم .
هبت جالسة بقوة وهي تشتعل من فرط غيظها ، علقت نظرها عليه فتراه نائمًا بهدوء وراحة على عكسها تمامًا لا تستطيع حتى اغلاق عيناها ، بقت لدقيقتين تتطلع إليه بتردد ، أتقبل عرضه أم ترفض وتتقبل الأمر الواقع وتقضي الليلة دون نوم ؟! .. سكون تام للحظات لا يُسمع فيها سوى صوت الرياح فحسمت هي بالأخير قرارها بعدم الخنوع له ، وبقت جالسة مكانها تنوي عدم النوم الليلة .. مرت دقائق ليست قصيرة وهي تقاوم شعورها بالنعاس وعيناها التي بدأت تنغلق وحدها وبين كل لحظة والأخرى ترفع كفها لفمها حتى تغلق عليه أثناء تثاؤبها .
انهارت حصونها ورفعت راية استسلامها حيث تأففت واستقامت واقفة ثم سارت باتجاه فراشه ووقفت أمامه تهتف باقتضاب :
_ عدنان .. عدنان
فتح عيناه وطالعها بنظرة بها بعض اللؤم مصدرًا همهمة مسموعة دون أن يفتح فمه " اممممم " ، فردت هي عليه بمضض :
_ مش عارفة انام
فشل في حجب ابتسامته من الانطلاق فوق ثغره حيث افسح لها بجواراه رغم صغر الفراش أيضًا وتمتم بنظرة دافئة :
_ تعالي ياعنيدة
قاست حجم الفراش بعيناها ثم قالت بحنق :
_ السرير صغير ومش هيكفينا
_ هيكفي تعالي بس وملكيش دعوة
جلنار بتراجع :
_ لا لا مش هينفع بعدين كدا أنا ممكن اضايقك في النوم وإنت لسا تعبان ولازم ترتاح كويس
زم شفتيه ببرود مقصود ورد عليها بعدم مبالاة متصنعة :
_ براحتك .. خلاص خليكي صاحية للصبح
خرجت " اووووف " طويلة من بين شفتيها بعدم حيلة ، ثم تمددت بجواره ولصغر حجم الفراش فرد هو ذراعه اسفل رأسها فدخلت لحضنه ونامت برأسها فوق صدره وبين ذراعيه ، مرت ثلاث ثواني بالضبط حتى رفعت رأسها قليلًا تنظر له وتهتف برقة غير مقصودة :
_ مرتاح ؟
اماء برأسه في إيجاب وهو يمد يده ويسحب الغطاء عليهم ويضمها إليه بذراعه أكثر ، صمتت للحظة ثم عادت تسأل :
_ ممكن حد يدخل صح ؟!
_ لا كله نايم دلوقتي محدش هيدخل ياجلنار ، وبعدين حتى لو دخل حد فيها إيه يعني !
_ فيها طبعًا .. مفيهاش حاجة إزاي يعني ثم إن ااا....
قاطعها عن استكمال كلامها مردفًا :
_ جلنار !
_ هااا
ردت بكل عفوية فقابلت منه نظرة قوية بعض الشيء هامسًا :
_ نامي ياحياتي وإنتي ساكتة
لوت فمها بقرف واخفضت نظرها ثم التصقت به أكثر لتستمد منه الدفء في تلك الأجواء الباردة واغمضت عيناها براحة أخيرًا بعد معاناة ، وما هي إلا لحظات حتى غطت في نوم عميق .. أخفض نظره إليه يمعن النظر في وجهها ثم ابتسم بحنو وطبع قبلة رقيقة لكنها طويلة فوق شعرها قبل أن يغمض عيناه ويخلد هو الآخر للنوم .
***
ترجل آدم من سيارته أمام مقر الشركة وقاد خطواته الواثبة باتجاه المخزن الموجود في ظهر الشركة بالأسفل .. فتح الباب ونزل الدرجات المؤدية للأسفل حيث المخزن ، وقف عند آخر درجة يتطلع لذلك المكبل بالحبال من يديه في المقعد ومن كل جانب يقف رجل بجانبه .. اشتدت ملامح وجهه وتصلبت ثم تحرك نحوهم وهز رأسه للرجال بمعنى أن يخرجوا ، امتثلوا لأوامره وساروا للخارج بينما هو فوضع قبضتيه في جيبي بنطاله وتطلع لذلك السائق بنظرات قاتلة ثم هتف :
_ من البداية كدا عشان نبقى على نور .. أنا معنديش طولة بال ، يعني بالذوق ومن غير ما تتعبني تقول مين اللي باعتك
_ مش فاهم !
آدم ببشائر غضب بدأت تلوح على وجهه :
_ امممم بدأنا تستعبط
ظل الآخر يرمقه بعدم فهم متصنع دون أن يتحدث فاستشاط آدم وفقد صموده حيث غار عليه يلكمه في وجهه بعنف :
_ اخويا كان بين الحيا والموت يا ***** .. انطق مين اللي متفق معاك على الحادث ده ؟
ظهرت علامات الزعر البسيطة على ملامحه وهو يجيب عليه ملتقطًا أنفاسه :
_ محدش .. صدقني عربية اخوك هي اللي طلعت في وشي مرة واحدة
آدم بشراسة ونظرات نارية كلها انتقام :
_ من الآخر إنت كدا كدا هتتسلم للشرطة .. فتروح القسم سليم ولا تروح متكسح ، قدامك خمس ثواني لو منطقتش انا مش مسئول عن اللي هيعملوه الرجالة فيك
رفع آدم كف يده وبدأ يعد تصاعديًا على اصابع يده للخمسة ، والآخر يتطلع إليه بخوف مترددًا من الاعتراف ، إن استمر في الصمت لن تكون النتائج مرضية أبدًا كما هدده .. وصل آدم إلى الرقم أربعة وكان على وشك أن ينطق بالأخير لولا أنه هتف مسرعًا بصوت مضطرب :
_ فريدة هانم
لم يندهش بل على العكس تمامًا ابتسم بنظرات مريبة ثم سأل بترقب :
_فريدة بس ؟
اماء له الرجل بإيجاب وهو يهتف :
_ أيوة هي اللي طلبت مني اقتل اخو سيادتك وادتني عربون مقدم وقالتلي بعد العملية ما تتم هتديني الباقي
مسح على وجهه وهو يضحك بشكل غريب ، يكاد ينفجر الآن ودمائه تغلي في عروقه بغل ، لا يكفيها خيانتها بل وتتآمر على قتله .. اقسم أنه لن يدعها تفر بفعلتها هذه دون عقاب .
استدار واندفع إلى خارج المكان كله وهو عبارة عن جمرة متوهجة من النيران .. وأثناء مروره بجانب الرجال هتف يلقي عليهم تعليماته وهو مستمر بالسير :
_ اعملوا معاه الواجب قبل ما تسلموه للبوليس
***
في صباح اليوم التالي .....
خرجت مهرة من منزلها وتسير في طريقها إلى عملها ككل يوم غير منتبهة للعيون التي تراقبها بغضب من بعيد .. تتوعد لها وتعد الخطط الشيطانية للنيل منها .
نكزته بدرية في كتفه بعدما لاحظت انشغاله بالتركيز على خطوات مهرة وقالت ضاحكة بسخرية :
_ جرا يا ولا هي اللي ما تتسمى دي عجباك ولا إيه
ريشا بابتسامة ماكرة :
_ لا يا خالة .. بس ليا حساب لازم ولابد اصفيه معاها اصلها فردت نفسها أوي عليا ونست أنا مين
بدرية بضحكة حماسية :
_ عملت إيه ياولا احكيلي
لم يجيب عليها وظلت عيناه ثابتة على اللاشيء امامه
بتفكير حتى نظر إلى بدرية وهتف بخبث وهو يغمز لها :
_ بقولك إيه ياخالة .. عايز منك خدمة صغيرة كدا
بدرية بلؤم مماثل له :
_تخص بنت رمضان
اماء لها برأسه في عين تنبع بالأفكار الشيطانية فابتسمت هي وردت عليه بنبرة حاقدة ومستمتعة :
_ عنيا ليك .. ده إنت ابن الغالية
***
خرج من الحمام الملحق بغرفته وقد ارتدى ملابسه كلها ، أسرعت إليه ووقفت أمامه تهتف باستياء بسيط :
_ عدنان إنت لسا تعبان ومينفعش تطلع من المستشفى .. الدكتور قالك إن حالتك بقت كويسة الحمدلله بس كمان قال لو هتخرج من المستشفى يبقى لازم يكون في اهتمام في البيت وترتاح تمامًا والأفضل كمان إنك تكون هنا تحت رعاية الدكاترة
عدنان بإصرار :
_ قولتلك أنا كويس يا جلنار .. وبعدين أنا مبحبش المستشفيات ولا جو الدكاترة ده وإنتي عارفة ده ، يعني في بيتي هرتاح اكتر
جلنار بعصبية شديدة :
_ اشك إنك هترتاح الصراحة .. لازم يكون في اهتمام بنوعية الأكل وبعلاجك وكمان راحتك التامة وإنت في البيت مش هتلتزم بأي حاجة من دول
أجابها بمداعبة وهو يغلق ازرار قميصه العلوية بابتسامة لعوب :
_ طيب ما إنتي موجودة وهتهتمي بيا أنا واثق
تجمدت معالم وجهها وطالعته بعينان تطلق علامات استفهام في عدم فهم ، ثم رفعت سبابتها تشير لنفسها بحيرة :
_ أنا !!!
_ أيوة إنتي !
جلنار بتعجب ملحوظ في نبرتها ونظرتها :
_ طيب ما أنا مش هكون موجودة .. إنت هتروح تقعد مع مامتك في البيت !
انتهى من زر ازراره قميصه وغمز لها بمشاكسة :
_ مين اللي قال كدا .. أنا هقضى فترة تكملة علاجي مع رمانتي وبنتي
لحظات أخرى مرت من السكون التام المهيمن عليها .. لكن هذه المرة كانت تتطلع إليه بذهول ، فخرج صوتها بازدراء وعدم تصديق :
_ يعني إنت هتسيب فريدة وتقعد معايا أنا !!!
اختفت الابتسامة من على وجهه فور ذكرها لاسم فريدة وتحول من المرح والمشاكسة إلى الحزم وهو يجيب عليها :
_ خلينا في موضوعنا افضل .. لو خلصتي وجهزتي يلا بينا
استدار وسار مبتعدًا عنها فهرولت خلفه وامسكت بذراعه تديره إليها وتهدر بجدية واستغراب :
_ استنى هنا .. إنت امبارح تقولي أنا مش عايز جلنار القديمة وبتتصرف بطريقة غريبة من امبارح وبليل تعالي نامي جمبي عشان مش هترتاحي على الكنبة ودلوقتي هقعد معاكي إنتي .. هو في إيه بظبط ؟!!
ضيق عيناه باستغراب مزيف ورد بكل بساطة وهدوء أعصاب :
_ مفيش حاجة إنتي شايفة إن تصرفاتي غريبة لكن في الواقع هي طبيعية جدًا
ضحكت بصوت عالي وردت عليه مستهزئة بانفعال :
_ لا والله طبيعية !! .. ولما هي طبيعية مكنتش بتتصرف معايا من بدري زي كدا ليه !
_ إنتي غاوية نكد على الصبح يعني ؟!
احتدمت نبرتها بشدة ولا تعرف لماذا شعرت بوغزة ألم في قلبها فردت عليه بثبات وقوة :
_ لو بتعمل كل ده عشان تخدعني وتخليني أتراجع وانسى موضوع الطلاق ، فبلاش منه احسن لإني لسا عند قراري وقريب أوي هوكل محامي عشان نبدأ في الإجراءات
خرج عن إطار هدوئه المزيف وصاح بها منفعلًا بغضب هادر :
_ محامي وطلاق إيه ده على الصبح اللي طب في دماغك .. وبعدين احنا مش هنخلص من الزفت الطلاق ده !! ، أنا صبري ليه حدود
غامت عيناها بالعبارات وظهر الألم فيهم ، فكلماته لا تزال تتردد في أذنها حتى الآن ، تشعرها بكسرة النفس والعجز .. سقطت دمعة حارقة على وجنتيها وهي ترد عليه بصوت مبحوح :
_ وأنا كمان صبرت واستحملت كتير بس عشان ....
توقفت للحظة عن الكلام دون أن تكمل جملتها وعادت تكمل كلامها :
_ بس حتى أنا صبري ليه حدود ياعدنان .. وإنت عارف كويس أوي إيه اللي وصلني للحالة دي وخلاني اطلب الطلاق .. فبلاش تمثل عليا دور الاهتمام والحب المزيف ده لأنه مبقاش يفرق معايا
انهت كلامها واندفعت إلى خارج الغرفة بأكملها وتركته .. فمسح هو على وجهه متأففًا بضيق ، يقسم لها أنه حاول أكثر من مرة أن يلبي رغبتها في الانفصال عنه .. لكنه يفشل في كل المحاولات لسبب قد لا يعرفه .
***
وصلت أمام باب غرفة أسمهان وطرقت عدة طرقات خفيفة حتى سمعت صوتها يسمح للطارق بالدخول ، ففتحت الباب ببطء ودخلت ، رأتها قد ارتدت ملابسها وتستعد للخروج ، فابتسمت فريدة وسألت بخبث :
_ رايحة لعدنان في المستشفى ؟
أسمهان دون أن تنظر لها :
_ أيوة
تحركت فريدة بخطواتها المتريثة نحوها وهي تهتف بعينان ناقمة :
_ بس عدنان طلع من المستشفى وراح عند بنت الرازي
ردت أسمهان بعصبية :
_ نعم !! .. يعني إيه راح عند جلنار وليه مجاش هنا
_ من وجهة نظرك ليه ياترى !
كانت جملة مدروسة تمامًا من افعى تسير على خطا ثابتة لتحقيق نوياها .. بينما أسمهان فصاحت بغيظ وغل :
_ وهي فاكرة إني هسيبلها ابني الحقيرة دي
قررت فريدة بالقاء ورقتها النهائية والرابحة وهي تقترب أكثر من أسمهان وتهمس بصوت يقارب إلى صوت فحيح الأفعى :
_ أنا عارفة إنك عايزة تخلصي مني وإنك طول السنين اللي فاتت بتمثلي الحب قدامنا بس أنا كمان كنت عارفة إنك مش طيقاني ومستنية الفرصة اللي تخلصي فيها مني .. بس لو فكرتي بذكاء اكتر شوية هتشوفي إن مش أنا خالص اللي عدوتك بالعكس احنا الاتنين عندنا نفس الهدف .. إنتي عايزة ابنك وأنا عايزة جوزي يرجعلي ، وعلى الأقل أنا مكنتش باخده منك ، لكن دلوقتي عدنان من وقت ما رجعت جلنار وهو طول الوقت عندها ، يعني شوية وهتاخده تمامًا منك ومش بعيد تعمل مشاكل بينكم وتحرمك منه
التهبت عين أسمهان بنيران البغض والغل وهتفت ضاحكة بسخرية :
_وإنتي متخيلة إني هسمحلها تخدع ابني وتلهف كل فلوسه
فريدة بخفوت خبيث :
_ عارفة وعشان كدا بقول نركن كرهنا لبعض ومشاكلنا على جنب ونركز على الهدف اللي احنا الاتنين بنسعى ليه ونشوف طريقة نخلص بيها من بنت الرازي تمامًا .. هااا قولتي إيه ؟!
التزمت أسمهان الصمت للحظات طويلة وهي تتطلع لفريدة بقوة ، حتى لاحت ابتسامة شيطانية على شفتيها فلا بأس مش اتحادهم معًا ليتخلصوا من واحدة بينما هي ستسعى على الجانب الآخر للتخلص من الأخرى ، خرجت همسة بصوت مريب منها وهي تجيب عليها باسمة :
_ تمام موافقة
***
مع تمام الساعة الخامسة مساءًا داخل منزل ميرفت .....
أسرعت ميرفت بعدما انتهت من كافة التجهيزات وفتحت باب غرفة ابنتها وهي تهتف :
_ يلا يا حبيبتي عشان الناس على وصول
صابتها الدهشة حينما رأت ابنتها لم ترتدي ملابسها حتى الآن ولا تزال تجلس بالملابس المنزلية .. فهدرت بحيرة :
_زينة ملبستيش ليه لغاية دلوقتي .. بقولك رائد على وصول
ردت عليها بعبوس وهي تهب واقفة :
_ هلبس اهو دلوقتي ياماما .. أنا حسيت نفسي مرهقة شوية وعشان كدا قعدت وملبستش
اقتربت منها ميرفت ووقفت أمامها مباشرة ورفعت يده تملس على شعرها بحنو هامسة :
_ طيب إنتي مضايقة من حاجة ياحبيبتي
هزت رأسها بالنفي في ابتسامة متكلفة :
_ لا مفيش حاجة .. عشر دقايق وهكون جهزت
ميرفت بتنهيدة حارة وبدفء :
_ طيب أنا هستناكي برا
التفتت بجسدها وسارت إلى خارج الغرفة لتتركها ترتدي ملابسها براحة أكثر ، بينما زينة فتلألأت الدموع في عيناها فور تذكرها لكلماته ( ارمي الشيء اللي مضايقك يازينة ورا ضهرك ، صدقيني طالما مسبب ليكي الألم ده يبقى ميستاهلكيش ) ، قلبها يسحق تحت الشجن والوجع ، ولا يزال قلبها ينبض بالهوى لكنها ستوقف ذلك النبض وستحاول أحيائها بفرصة جديدة علها تكون هي الملجأ وطوق النجاة له .
ارتدت رداء كلاسيكي جميل من اللون الوردي .. طويل ولديه أكمام شفافة وفي المنتصف يندرج من أعلى الكتف إلى الكتف الآخر بفتحة دائرية عند منطقة الصدر ومن الخلف نفس الشيء لكنها تركت الحرية لشعرها لينسدل على ظهرها من الخلف ويغطي الجزء الظاهر من جسدها ، ووضعت القليل من مساحيق الجمال البسيطة فزدادت من جمالها أكثر .
ارتفع صوت رنين الباب ولحظات معدودة حتى انفتح الباب وسمعت أصواتهم بالخارج ، أخذت نفسًا عميقًا ثم أخرجته زفيرًا متهملًا وارتدت حذائها العالي وجلست فوق مقعدها الخاص تنتظر قدوم والدتها لتسمح لها بالخروج .
وبعد مرور ما يقارب النصف ساعة انفتح الباب وظهرت ميرفت أخيرًا وهي تهتف بأشراقة وجه وسعادة :
_ يلا يا زينة تعالي ياحبيبتي
زينة بابتسامتة خافتة :
_ قريتوا الفاتحة ؟
اماءت لها ميرفت بالإيجاب وهي تضحك باتساع فضحكت زينة لضحك والدتها وفرحتها الغامرة ثم توقفت والقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة قبل أن تسير مع أمها إلى الخارج .
رفع رائد نظره لها فور دخولها وابتسم بإعجاب بينما هي فاخفضت نظرها أرضًا باستحياء ومرت تلقي التحية على كل من والدته وشقيقته وكذلك أبيه ، ثم جلست بجوار أمها في سكون تام لا ترفع نظرها ولا تخرج صوتًا إلا عندما يوجه لها سؤال من أحدهم ، استمرت جلستهم لدقاىق طويلة وهو يضحكون ويتبادلون الأحاديث فيما بينهم حتى ارتفع صوت رنين والد رائد الذي استأذن وخرج لشرفة الصالون حتى يتمكن من الرد على الهاتف .. فاستغلت نرمين الفرصة حتى تترك العروسين على انفراد للحظات وهتفت موجهة حديثها إلى ميرفت وهي تبتسم بمكر :
_ إني غيرتي الوان المطبخ صحيح ياميرفت .. حتى أنا والله بفكر قريب أوي اغير الوان البيت كلها
ضحكت ميرفت بعدما فهمت ما تسعى إليه صديقتها وهبت واقفة تجيب عليها بنفس نظراتها الماكرة :
_ اه غيرته .. تعالى افرجك عليه
هبت نرمين واقفة فورًا وأشارت لابنتها بأن تلحق بهم ، بينما زينة فتابعتهم وهم يغادرون متنهدة بعدم حيلة ، والقت نظرة خاطفة على رائد الذي كان يجلس أمامها ويتطلع إليها بابتسامة ساحرة .. ازدردت ريقها بتوتر بسيط واخفضت نظرها تتأمل في حذائها كنوع الهروب من الموقف .
هتف رائد بهدوء جميل :
_ عاملة إيه ؟
اضطرت لرفع رأسها ونظرت له وهي تجيب بحياء ملحوظ :
_ الحمدلله و إنت ؟
رائد بمداعبة لطيفة وهو يبتسم باتساع :
_ كويس أوي .. مبرووك
ردت عليه بابتسامة صافية :
_ الله يبارك فيك
صمت تام لدقيقة كاملة وهو مستمر في التحديق بها بإعجاب ، لا يتمكن من إبعاد نظره عنها بينما هي تنقل نظرها بين كل شيء معادا وجهه كأنها تتفحص منزلها لأول مرة ! ، خرج صوته أخيرًا هامسًا لها :
_ شكلك حلو أوي على فكرة
ارتبكت بشدة ورفعت أناملها المضطربة ترجع خصلات شعرها خلف أذنها ، وردت عليه في نبرة صوت منخفضة بشكل لا إرادي منها :
_ ميرسي
انتهى والده من مكالمته وعاد لهم وهو يهتف ضاحكًا باستغراب :
_ ايه ده هما راحوا فين ؟
زينة بابتسامة رقيقة شبه ضاحكة :
_ ماما اخدت طنط نرمين تفرجها جوا على المطبخ
***
اندفع آدم نحو الحديقة الخارجية للمنزل فور رؤيته لفريدة تجلس بها ، رأته يتجه نحوها كالعاصفة المدمرة ، فتركت فنجان القهوة الذي بيدها واعتدلت جالسة باستغراب وماهي إلى ثواني حتى أصبح أمامها .
انحنى آدم عليها وهتف بتهديد حقيقي :
_ هديكي مهلة يومين يافريدة .. ياتقولي لعدنان كل حاجة بنفسك يا إما صدقيني أنا اللي هفضحك
دلو من الماء المثلج سكب فوقها ، لكنها تصنعت الثبات والقوة ، حيث استقامت واقفة وصاحت به بعصبية تخفي ورائها توترها :
_ هو إيه ده اللي اقوله .. بعدين إنت ازاي بتتكلم معايا الأسلوب ده يا آدم ، متنساش إني مرات اخوك
تقدم خطوة إليها كالأسد الذي سيلتهم فريسته ، وتلقائيًا تقهقهرت هي للخلف بارتباك ثم وجدته يجيب عليها بغيظ مكتوم :
_ أنا لغاية دلوقتي عامل حساب إنك لسا مرات عدنان لولا كدا اقسم بالله أنا كنت عملت حجات لا يمكن في حياتك تتخيليها
فريدة بانفعال وتلعثم :
_ إنت مجنون إيه اللي بتقوله ده
رفع سبابته في وجهها وهدر بتحذير يحمل في طياتها الوعيد بالانتقام :
_ أنا قولت اللي عندي قدامك يومين تجهزي فيه نفسك وتقولي لعدنان على كل حاجة ومتنسيش طبعًا محاولتك لقتله وإلا أنا اللي هقول كل حاجة
ظلت صامتة تستمع لتهديداته وتحذيره لها حتى انتهى واستدار وسار باتجاه سيارته يستقل بها وينطلق لخارج المنزل ، جذبت فنجان القهوة والقت به بقوة على الأرض صارخة :
_ اووووف هو أنا كل ما اخلص من مصيبة تطلعلي التانية
هدأت ثورتها فجأة عندما أدركت جملته بوضوح الآن " محاولتك لقتله " ماذا يقصد بتلك الجملة ؟! ، من خطط لذلك الحادث هو نادر وليس هي ! .
***
خرج من غرفة صغيرته بعدما أرهقت من كثرة اللعب والضحك معه ونامت ، دثرها بالغطاء جيدًا وقبلها من شعرها بمشاعر أبوية حانية قبل أن يرحل ويغلق الباب بحذر شديد حتى لا تستيقظ .
كان في طريقه لغرفته لولا استماعه إلى أصوات عبث قادمة من المطبخ جعلته يتوقف لوهلة قبل أن يغير اتجاهه ويذهب للمطبخ في خطوات هادئة ، ووقف عند الباب يتطلع إليها من الخلف وهي تقوم بتحضير شطيرة من المربى لها ووجهها عابس ومنطفىء ، تنهد بحرارة وشيء مجهول في داخله دفعه إليها دون أن يشعر .
أحست بخطواته الواثقة وهي تقترب منها ، فتوقفت عن إكمال شطيرتها وتصلبت بأرضها تنتظر وصوله إليها في فضول لمعرفة ما سيقوله ، توقفت خطواته وأصبح في ظهرها تمامًا ولفحت أنفاسه الحارة رقبتها من الخلف ، نجحت في البقاء صلبة حتى شعرت بأنامله تمتد لشعرها ويزيحه عن وجهها ورقبتها فيتجمع كله على الجانب ويهمس بخفوت جذاب :
_ هتفضلي مكشرة كدا كتير !
رغم تبعثرها الداخلي إلا أنها استمرت في البقاء شامخة وثابتة وأجابت عليه ببرود وبنفس كلمته في الصباح :
_ أنا مش مكشرة دي طبيعتي
ظهر شبك ابتسامته على ثغره وسكن لثواني معدودة قبل أن يعود ويهمس باسمها :
_ جلنار
في تصرف لا إرادي منها التفتت برأسها له بعد همسته باسمها وعلقت عيناها على خاصته البندقية الثاقبة كعيني العُقاب تمامًا ، لحظات طويلة مرت من الصمت بينهم حتى قطع هو الصمت بهمسة جميلة ونظرة دافئة :
_ أنا مش عايز اطلقك !
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
اعترف بالحقيقة التي كان يخفيها منذ إعلانها التمرد عليه وبداية الشجارات التي لا تنتهي بينهم وإصرارها على الانفصال ، قالها بوضوح شديد وأوضح رغبته في بقائها معه ورفضه لفكرة الفراق .. لكن لا تزال هنا نقاط ناقصة يحب أن تضع فوق الحروف لتكمل المعنى تمامًا .
اطالت النظر إليه بتدقيق .. رغم دهشتها من جملته غير المتوقعة إلا إنها ابتسمت وقالت بمكر امتزج ببعض السخرية :
_ ومش عايز تطلقني ليه .. مش على أساس إنك مش بتحبني !
أصدر تنهيدة خرجت مصاحبة تأففًا قوي منه و هو يجيبها :
_ مكنتش اقصد ياجلنار .. قولتها في وقت عصبية ! ، إنتي مصممة على الطلاق عشان كدا !
جلنار بصلابة وجفاء :
_ اللي اعرفه إن الكلام اللي بيتقال وقت الغضب بيكون هو الحقيقة .. وبيني وبينك إنت معملتش أي حاجة تثبت عكس اللي قولته
ثم مدت يدها تعبث بقميصه في رقة مقصودة وأعين شرسة كلها قوة :
_ والأولاد اللي كنت متجوزني عشانها ، الحمدلله معانا هنا فمتتوقعش إن ممكن اسمح إن تحصل حاجة بينا واجبلك طفل تاني .. impossible ( مستحيل )
ثم همت بالانصراف والذهاب للخارج لكنها قبض على ذراعها وجذبها إليه وهتف أمام وجهه بغضب ونظرة مشتعلة :
_ مش هطلقك
اتسعت الابتسامة فوق شفتيها وردت عليه بثقة :
_ براحتك .. وادينا قاعدين وخلينا نشوف هتفضل ثابت على مبدأك كدا لغاية امتى
ثم نزعت يده عن ذراعه وسارت للخارج وهي تبتسم بتشفي وتلذذ متمتمة لنفسها :
_ ده احنا لسا هنبدأ ياعدنان االشافعي
***
مدينة كاليفورنيا ......
يباشر أعماله جالسًا فوق مقعده أمام مكتبه في غرفته الخاصة بشركته .. يرتدي نظارة العمل المعتاد على ارتدائها أثناء عمله ، لأن كثرة التطلع في الأوراق والحاسوب تتعب عيناه وتسبب له الآلام .
انفتح الباب دون طرق أو استآذن مسبق ودخلت نادين وهي تسير بحذائها العالي المعتاد الذي يصدر اصواتًا عالية تجذب الانتباه إليها ، ولم يكن هو بحاجة لرفع رأسه لينظر للمتطفل الذي اقتحم الغرفة دون آذن ، فصوت حذائها كفيل ليكشف له هوية المتطفل ، خرج صوته حازمًا قليلًا :
_ الساعة السابعة يا آنسة وأنا قولت ستة تكوني في الشركة
كانت على وشك الابتسام لولا أنها لاحظت نبرته الصلبة فضيقت عيناها ببعض الدهشة وسارت نحوه وهي تتمتم :
_ حاتم إنت عنجد زعلت منى مبارح ؟!
رفع نظره لها وهتف بضيق مزيف :
_ ومزعلش ليه !
اقتربت ووقفت بجوار مقعده ثم هزته في كتفه بخفة وهتفت مشاكسة وهي تضحك :
_ بلا ولدنة !!
لانت حدة نظراته وقال بابتسامة خفية :
_ احنا موضوعنا دلوقتي في التأخير يا أنسة مش زعلت ومزعلتش
_ ما أتأخرت اجيت على الوقت الطبيعي واللي تعودت عليه
ظهرت ابتسامته أخيرًا وقال مستسلمًا لكن بنبرة تحمل الجدية :
_ طيب خلاص .. المهم أنا مسافر خلال اليومين الجايين
ضيقت عيناها بحيرة وهتفت فورًا بشيء من الحزن :
_ لوين ؟!
تنهيدة طويلة تبعتها همسة حازمة :
_ مصر
لجمت الصدمة لسانها فبقت تتطلع إليه للحظات بسكون .. وألف سؤال يدور في ذهنها ، وأول سبب استنتجته هو رغبته في رؤية جلنار ! .
زكأنه هو فهم ما يجول بعقلها الآن فأسرع بإنقاذ الموقف يكمل في لطف :
_ في شغل مهم ولازم اكون موجود بنفسي هناك ، وكلها اسبوع وهرجع تاني .. وفي الحقيقة كنت هسألك واشوفك لو حابة تيجي معايا ياريت والله
صمت تام يهيمن عليها وهي مستمرة في التحديق به بيأس ، حتى وجدته يلوح بيده أمام وجهها حتى تنتبه له ، فوقفت بصلابة وشموخ متمتمة بقوة :
_ لا مو بدي .. سافر إنت وخلص شغلك وأنا بنتظرك هون
_ ليه ؟!!
نادين ببساطة مزيفة :
_ مو حابة
حاتم بترقب لردها :
_ مش حابة تسافري مصر ولا مش حابة تسافري معايا أنا
_ بشو راح تفرق يعني ؟!
رد بابتسامة ساحرية ونبرة دافئة :
_ لا هتفرق طبعًا ، لو مش حابة لمجرد إنك مش عايزة تروحي مصر فده أمر هين ومقدور عليه أما لو الاحتمال التاني فكدا هيكون الكلام مختلف
لا يوجد أي احتمال من الاحتمالين صحيح .. بل الحقيقة هي فقط ليست جاهزة للتعامل مع أي موقف قد يجرح كبريائها ، وليست في حالة تسمح لها بمشاهدة جلنار ورؤية تودده لها بالنظرات والكلام .
غمغمت بخفوت تام تختار الاحتمال الأول :
_ تقدر تقول أول احتمال
_ لا إذا كان كدا مفيش مشكلة .. إنتي بقى تجهزي نفسك وشنطتك من دلوقتي عشان هتسافري معايا خلاص
نادين بذهول :
_ شكلك ما سمعتني منيح ، عم اقلك مو حابة
حاتم بعين تطلعت إليها في نظرات اذابتها :
_وأنا هحتاجك معايا يانادين .. سواء في الشغل أو انك تكوني جنبي
لمعت عيناها بوميض مختلف ، وكلماته أصابت الهدف تمامًا حيث صعدت ابتسامتها لوجهها دون أن تشعر وردت عليه بعفوية في لهفة :
_ عنجد يعني بدك ياني اكون جنبك !
_ امممم عنجد ونص كمان
غيرت رأيها بجملة واحدة منه وردت عليه تتصنع ثقل الشخصية حتى لا تثبت له تلهفها :
_ ماشي راح فكر واقلك
ضحك حاتم ببساطة وهو يعلق نظره عليها يتفحص حالاتها الغريبة ومحاولاتها لعدم إظهار رغبتها في الذهاب بعدما أوضح لها رغبته في مجيئها معه أيضًا .
***
بصباح اليوم التالي ......
بينما كانت مهرة في طريقها لعملها اعترت طريقها بدرية التي اوقفتها في منتصف الطريق وهتفت :
_ ازيك يامهرة
رمقتها مهرة بنظرة نارية ولم تجب عليها وهمت باستكمال طريقها لكنها أسرعت وقالت باعتذار يضمر خلفه نوايا خبيثة :
_ متزعليش مني يابنتي ، كانت دخلة شيطان وراحت لحالها .. منهم لله ولاد الحرام اللي مش سايبن بنات الناس في حالها ، حقك عليا يامهرة سامحيني
مهرة بعصبية وغضب هادر :
_ اسامحك في إيه .. انتي غلطتي في اهلي وشرفي ، وتقوليلي دخلة شيطان !
همت بدرية بأن تمسك بكفها لكن مهرة أسرعت وسحبته فورًا بقرف بينما الأخرى فأكملت اعتذارها المزيف متمتمة :
_ طب والنعمة الشريفة أنا ما عارفة انام من ساعة اللي حصل وضميري بيأنبي كل دقيقة على اللي قولته في حقك .. حقك عليا وخلينا نفتح صفحة جديدة ، ده احنا أهل وعشرة وجيران برضوا
اطالت مهرة النظر في وجهها بابتسامة ساخرة ولم تلين نظراتها ولو بقدر ذرة لها ، كانت تتطلع لها بكل نقم وقالت بالأخير في قوة تليق بها :
_ عليكي نور .. أهل وعشرة والعشرة متهونش إلا على ولاد الحرام ، وإنتي هانت عليكي العشرة
القت بجملتها القاسية في وجهها وابتعدت من أمامها تكمل طريقها لمكان عملها ، بينما بدري فظلت مكانها كالصنم ودمائها تغلي في عروقها من فرط الغيظ للاهانة التي تعرضت لها للتو ، وبعد لحظات من الصمت تمتمت بوعيد :
_ شكلك مش هتجبيها لبر يابنت رمضان
***
خرجت جلنار من الحمام بعدما أخذت حمامها الصباحي الدافيء ، وتمسك بمنشفة صغيرة تجفف بها شعرها .. تسمرت مكانها حين رأته يرتدي ملابسه ويستعد للخروج فقالت فورًا باستغراب :
_ رايح فين ؟!
رد عليها بإيجاز وهو يرتدي سترته :
_ رايح الشركة هخلص كام حاجة ضروري وراجع
انزلت يدها الممسكة بالمنشفة في حركة بطيئة ثم ألقت بها علي الفراش في عدم مبالاة وتقدمت نحوه متمتمة بلهجة آمرة :
_ مش هتروح
سكون مريب للحظات وكأنه يستوعب لهجتها الآمرة وهي تلقي عليه بالأوامر ، ثم التفت لها برأسه مبتسمًا بشيء من الاستنكار :
_ نعم !!!
وقفت أمامه مباشرة وهتفت بنبرة قوية وصلبة لم تهزها نظرته :
_ مش هتخرج ياعدنان .. كلام الدكتور كان واضح وقال الراحة التامة ، وإنت لسا مكملتش أربع أيام حتى وعايز تروح الشغل !
طال النظر بها بأعين مريبة ففهمت هي من خلال نظرته أن طريقتها استفزته ، لكنها لم تكترث واكملت بكل برود وهي تمد يدها لسترته تنزعها عنه :
_ متبصليش كدا عشان نظراتك دي مش هتجيب بفايدة .. إنت اللي اخترت تقعد عندي يبقى تستحمل شروطي ، اقلع هدومك ويلا عشان نفطر
قبض على كفيها بيديه وانزل يدها للأسفل وهو يرمقها بنظرة تلوح بها بشائر الغضب ، واعاد سترته لوضعها الطبيعي وهندم من مظهره ثم استدار وهم بالانصراف لكنها هرولت ووقفت أمامه تسد طريقه وتهتف بإصرار :
_ قولت مش هتخرج
جز على أسنانه بغيظ وتمتم بهدوء ما قبل العاصفة :
_ابعدي ياجلنار
_ لا مش هبعد .. ومينفعش تخرج
تمالك أعصابه ورسم ابتسامة متكلفة وهو ينحنى عليها ويطبع قبلة على وجنتها هامسًا بصوت يحمل الإنذار :
_ طيب ابعدي يارمانتي ربنا يهديكي .. عشان أنا ماسك نفسي ومش عايز اتعصب عليكي
ردت جلنار بغيظ من قبلته وهي تقف على أطراف اصابعها حتى تكون في مستوى طوله :
_ ما تتعصب هو أنا خايفة منك .. بعدين إنت بتبوسني من خدي ليه !
عدنان مسايرًا إياها بغيظ مكتوم :
_ حاضر المرة الجاية هبقى استهدف الهدف وابوسك منه
قطعت اللحظة " هنا " الصغيرة التي دخلت ووقفت بجانب والدتها تنظر لأبيها وتسأل بضيق ظهر على ملامحها البريئة :
_ رايح فين يابابي ؟
نظرت جلنار لابنتها وتمتمت بلؤم متصنعة البراءة :
_ هنون احنا مش لما نكون تعبانين بنفضل في البيت لغاية ما نخف
_ أيوة
_طيب ياحبيبتي بابي تعبان وعايز يروح الشغل .. ينفع كدا ؟!
اقتربت الصغيرة من أبيها وتشبثت بقدمه متمتمة برجاء وهي تنظر له بنظرات مستعطفة :
_ مش تروح الشغل يابابي عشان خطري ( خاطري ) .. كدا إنت هتتعب وتروح الدكتور تاني
لم يتمكن من التفريط بها وبنظراتها التي تأثره أثر فانحنى عليها وحملها فوق ذراعيه لاثمًا وجنتها بحنو ، ثم رفع نظره لجلنار فرآها تقف عاقدة ذراعيها أمام صدرها وترمقه بابتسامة نصر ، عض على شفاه بغيظ وبعيناه يتوعد لها ، بينما هنا عندما لم تحصل منه على أجوبة عادت تسأل من جديد بلطافة :
_ مش هتروح صح ؟
لحظات من الصمت وهو يستمر بالتحديق في جلنار التي تضحك بتشفي ثم عاد بنظره إلى صغيرته وكان على وشك أن ينفي سؤالها لكنه خر مستسلمًا أمام نظراتها ولم يتمكن من رد طلبها فتنهد مغلوب على أمره وهو يوميء لها بالإيجاب .. فصاحت هنا بسعادة وهي تتعلق برقبته هاتفة :
_ هييييه ، بحبك أوي يابابي
_ وأنا كمان بحبك ياروح بابي
اتسعت ابتسامة جلنار وقالت بثقة ونظرات متعمدة بها استفزازه :
_ أنا هروح احضر الفطار .. وإنت غير هدومك يا أبو هنا يلا
تابعها بعيناه وهي تستدير وتنصرف ، زفر بصوت مسموع ونظر لابنته وتمتم بعدم حيلة شبه مبتسمًا :
_ والله ما في حد تاعبني غير أمك .. آخ منها
لم تفهم ما قصده فاكتفت بضحكتها الخافتة دون أن تفهم ، لتتسع ابتسامة بحب على ضحكتها ! .
***
في تمام الساعة الرابعة عصرًا دوى صوت رنين الباب ، فاستقام عدنان الذي كان يشاهد التلفاز اتجه نحو الباب ليفتح .. أمسك بالمقبض واداره ثم جذب الباب إليه فقابل أمامه كل من أخيه وأمه التي عانقته بقوة فور رؤيتها له وتمتمت بحب واهتمام حقيقي :
_ عامل إيه ياحبيبي .. مقدرتش مجيش اشوفك
رفع نظره لآدم يرمقه معاتبًا لأنه جلبها فرفع آدم كتفيه بعدم حيلة ، بينما عدنان فملس على ظهر أمه بلطف هامسًا :
_ أنا كويس ياماما الحمدلله متقلقيش
ابتعدت عنه أسمهان وهتفت بضيق واضح وملحوظ :
_ بقى كدا متجيش تقعد معايا جمبي وتقعد هنا
عدنان بابتسامة متصنعة :
_ مش وقته الكلام ده ياماما
لوت فمها بخنق ثم دخلت ولحق بها آدم الذي انحنى على أذن عدنان وهمس :
_ اعمل إيه صممت تيجي معايا لما عرفت إني جايلك
رتب على كتفه أخيه باسمًا :
_ طيب ادخل خلاص .. ربنا يستر ومتحصلش مشاكل عشان أنا مش ناقص
خرجت الصغيرة هنا من غرفتها وفور رؤيتها لجدتها ركضت عليها تعانقها واستقبلتها أسمهان بحرارة وحب ، بينما جلنار فوقفت على بعد خطوات منها وتمتمت بابتسامة صفراء :
_ أهلًا يا أسمهان هانم
رمقتها بقرف وغل وكانت على وشك أن تجيب عليها لولا وصول أبنائها فتحركت وجلست على المقعد بجوار عدنان وهتفت تسأله باهتمام :
_ بتاخد علاجك يا حبيبي ؟
_ أيوة الحمدلله
كان رده هادئًا تمامًا ثم استكملت هي بترقب لرده :
_ تعالى اقعد معايا في البيت يابني عشان اكون مطمنة عليك
مسح عدنان على وجهه وتمتم بأعين دافئة :
_ أنا مرتاح هنا ياماما
كانت جلنار تتابع حديثهم بنظرات مغتاظة ، تلك المرأة الخبيثة لا يعجبها بقائه معها وتريد أخذه معها .. قد فهمت الآن سبب زيارتها المغلفة بإطار الحب والاهتمام .
استقامت جلنار واقفة متمتمة وهي توجه حديثها لآدم بود :
_ تشرب إيه يا آدم ؟
هز رأسه بالنفي في ابتسامة صافية ، فالتفتت ناحية أسمهان وقبل أن تسألها ردت عليها بقرف :
_ مش عايزة
اشتعلت عيني جلنار وهي تتطلع بها فسمعت عدنان وهو يهتف بنظرات بها بعض الحزم واللين بذات اللحظة :
_ جــلــنـار أنا عايز مايه لو سمحتي
رفعت نظرها عن أسمهان ورمقته بهدوء وهي تهز رأسها بالموافقة وتسير باتجاه المطبخ .. لحظة من الصمت مرت حتى بدأ عدنان وآدم يتبادلون الأحاديث فيما بينهم وبقت هي تتابعهم بصمت ثم وقفت دون أن يشعروا بها وذهبت لجلنار بالمطبخ .
كانت جلنار تقف تستند بظهرها على المطبخ وقدماها تهتز بعنف من فرط الغيظ ، حتى رأت أسمهان وهي تدخل عليها .. فاعتدلت في وقفتها وطالعتها بقوة ، بينما أسمهان فهتفت بحقد :
_ أنا فاهمة كويس أوي اللي بتحاولي تعمليه ، بس أنا لا يمكن اسيبلك ابني
لم تجيب عليها واستمرت في النظر إليها بصمت وازدراء حتى تقدمت أسمهان نحوها أكثر وأصبحت أمامها مباشرة وتمتمت :
_ رغم إنك عارفة إن ابني مش بيحبك وإنه ماخدك وسيلة للإنجاب مش اكتر ، لسا موجودة معاه وده يثبت حاجة واحدة بس إنك بلا كرامة وكل همك الفلوس .. بعد ما أبوكي طبعًا خسر شغله وبقى على عتبة الأفلاس حاطة عينك على فلوس ابني دلوقتي
خرجت عن إطار هدوئها وفشلت في حجب انفعالاتها وتمامًا كان هذا ما تريده اسمهان من البداية ، حيث صاحت جلنار بها في انفعال :
_ أنا لا عايز ابنك ولا عايز فلوسكم المقرفة دي ، وخدي بالك من كلامك معايا يا أسمهان عشان صدقيني مش هسكت واسمحلك تهنيني فاهمة ولا لا
نظر كل من عدنان وآدم لبعضهم البعض بحيرة فور سماعهم لصوت جلنار المرتفع وكان عدنان أول من وثب واقفًا وهرول نحو المطبخ ولحق به آدم .
_ في إيه ياماما ؟
سؤال خرج من عدنان وهو ينقل نظره بينهم باستغراب ، زوجته عبارة عن جمرة نيران متوهجة وأمه تبدو أقل هدوءًا منها بعض الشيء .. أجابت عليه أسمهان بعصبية :
_ الهانم مراتك عشان بديها نصايح وبقولها تاخد بالها منك إزاي في فترة علاجك بتزعق وتقولي إنتي مالك وكمان بتطردني من بيت ابني
ضحكت جلنار على كذبها السخيف مثلها ولم تعلق وتحاول حتى الدفاع عن نفسها لعدم مبالاتها بالأمر من الأساس .. نظر آدم لعدنان وهز رأسه له بمعنى فهمه جيدًا ثم انحنى على أمه وهمس :
_ ماما انتي مش خلاص اطمنتي على عدنان يلا عشان ارجعك البيت
نقلت أسمهان نظرها بين الجميع باستياء ، والقت نظرة أخيرة على عدنان الذي كان يقف ويتنهد بحنق وعدم حيلة ثم استدارت وسارت مع آدم الذي ربت على كتفه أخيه بلطف قبل أن يغادر .
طالت نظرات عدنان على جلنار التي تقف وتشيح بوجهها للجانب الآخر ، كانت عيناها دامعة وتخشي أن يراها فتحركت وسارت مسرعة للخارج لكنه قبض على ذراعها أثناء مرورها من جانبه وهمس بخفوت :
_ حصل إيه ؟
لاحت ابتسامتها الساخرة على شفتيها وردت دون أن تنظر له حتى لا يرى عيناها :
_ زي ما سمعت مامتك
عدنان بصوت هاديء :
_ ولما هو ده اللي حصل فعلًا بتعيطي ليه .. المفروض إن إنتي الغلطانة لو زي ما بتقول ماما
هتف بتلك الكلمات عن قصد حتى يستفزها ويجعلها تنظر لوجهه وتتحدث وبالفعل انفعلت ورمقته بنارية هاتفة :
_ بعيط عشان مجنونة ارتحت
_ أيوة كدا بصيلي الأول وبعدين ابقى قولي اللي حصل
جلنار بعناد رافضة أن تقص له ما حدث :
_ وإنت سمعتها
هز رأسه بالنفي متمتمًا :
_ أنا عايز اسمع منك إنتي
تأففت بقوة وهتفت مستاءة حتى تتخلص من الحاحه :
_ قالت اللي كلنا عارفينه
_ واللي هو ؟!
جلنار بعينان واهنة ونبرة عكس نظراتها تمامًا :
_ إنك مش بتحبني ياعدنان
الفصل العشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل العشرون 20 - بقلم ندى محمود توفيق
لحظات عابرة من الصمت المشحون بطاقة قوية وشرسة ، تنتظر رده وهو يتطلع إليه بسكون مريب .. عيناها الدامعة ونبرتها التي تحمل في طياتها بعض الضعف لمست قلبه وبعد أن كان سينهي النقاش ربما برد يزيد من إشعال النيران في نفسها ، لانت نظراته ولان قلبه كذلك فخرجت منه شحنات حانية ، جعلته يمد كفه إلى شعرها يملس عليه بلطف ثم نزلت أنامله إلى وجنتها وتحرك ابهامه برقة فوق بشرتها الناعمة متمتمًا :
_ متضايقيش نفسك بكلام ماما .. احنا عارفين إنها بتحب تضايقك بالكلام
ثواني معدودة من الصمت القاتل هيمن عليها ، أهذا هو رده على ما قالته ! .. أن لا تزعج نفسها بكلمات والدته .. هي أساسًا لا تهتم لما تقوله بل ما يزعجها أنها على حق ! .
جلنار بعدم فهم :
_ يعني !!
عدنان بتعجب :
_ يعني إيه ؟! .. متزعليش ياجلنار وخلاص حصل خير
كيف له أن يكون بهذا البرود والثبات الانفعالي ، وإن كان هو يستطيع فهي لا تستطيع حيث ضحكت بقوة ووضعت كفها على صدره تدفعه بعيدًا وهي تصيح :
_ أنت مستفز أوي .. اقوله بتقولي إنك مش بتحبني وإني معنديش كرامة وإنك متجوزني عشان الأطفال وهو يرد يقولي متضايقيش نفسك هي بتحب تضايقك .. يابرودك !
هدر بهدوء تام وبعينان ثاقبة تترقب ردها :
_ إنتي عايزاني اقول إيه ؟!
ضحكت باستنكار ثم مالت برأسها ناحيته وهمست بألم مدفون في أعماقها :
_ متقولش حاجة أنا ردك وصلني خلاص .. واثبتلي إنك مقولتهاش وقت غضب ولا حاجة زي ما بتقول ، فأنا أحب اقولك دلوقتي إني أنا كمان كنت ومازالت وهفضل مش بحبك ومش عايزاك ، هتفضل حاجة اتفرضت عليا ياعدنان ومستنية اليوم اللي اخلص فيه منها بفارغ الصبر عشان ارتاح
احتدمت نظرته ونبرته أصبحت أكثر خشونة وهو يرد عليها :
_ وياترى بعد ما تخلصي مني بقى هتعملي إيه ؟
ابتسمت بمكر وهمست بكلمات مدروسة تعرف أثرها جيدًا ، لكنها لم تكترث وتفوهت بهم في وجهه بكل شجاعة :
_ هتجوز واعيش حياتي .. هتجوز راجل بيحبني بجد ويستاهل أي حاجة اعملها عشانه ، راجل يعوضني عن اربع سنين من القهر والألم والحزن عشتهم مع واحد مستغل مش بيفكر غير في نفسه
سكتت للحظة تمعن النظر في معالم وجهه المخيفة ، فقد نجحت في تحقيق مبتغاها وتحولت نظراته من الهدوء إلى أخرى تضج بالغضب ، وتشنجت عضلات وجهه ، برغم خوفها البسيط من تحوله المرعب إلا أنها قررت إلقاء ورقتها الرابحة التي ستزيد اللعبة حماسًا وستعلن الفائز في حرب تخوضها قطة شرسة أمام أسد جائع لا يرحم .
استكملت حديثها بثقة أشد :
_ راجل افتحله قلبي وأحبه بكل جوارحي مش ....
هاجت عواصفه وقد نجحت في إيقاظ الوحش ، حيث كتم على فمها بكفه ودفعها حتى اصطدمت بمبرد المطبخ وانحنى عليها يهمس بتحذير مرعب وعينان نارية :
_ كلمة تاني وصدقيني إنتي المسئولة عن اللي هيحصلك
أصدرت تأوهًا مكتومًا من اصطدامها بالمبرد وحدقته بعيناها في ثبات مزيف فقد بدأ الأمر يخرج عن سيطرتها ، ابعدت كفه عن فمها وقالت بسخرية :
_ إيه مالك متعصب كدا ليه .. أنت سألتني سؤال وأنا رديت بالحقيقة
عدنان بصوت غليظ وأنفاسه المشتعلة تلفح صفحة وجهها بعنف :
_ ده في خيالك إنتي ولا يمكن يبقى حقيقة .. وقولتها قبل كدا وهقولها تاني إن مكنتيش ليا مش هتكوني لحد تاني ، فكرك إني هسمح لجنس مخلوق إنه يلمسك وأنا فيا الروح .. محدش يتجرأ يلمسك غيري
صرخت به في هسيتريا تلكمه بكفيها وتهتف بجملتها المشهورة في عدم وعي من فرط استيائها وحالة الانفعال العنيف التي سيطرت عليها :
_ إنت واحد مريض ياعدنان وأنا بكرهك
قبض على رسغيها بقوة يوقفها عن ضربه وينحنى عليها وينل من رحيقها بعد عذاب لشهور من الشوق ، بكل مرة ينجح بصعوبة في تمالك نفسه النابضة بالاشتياق لكن الآن رفع الراية وأعلن استسلامه ، فقد قتله الانتظار بلا هدف ووجب عليه أن يضع له نهاية ! .
ابتعد عنها بعد لحظات هامسًا بلهاث يجيب على آخر كلماتها :
_ وأنا كمان
تلون وجهها بالأحمر القاتم من فرط الغيظ والغضب لما فعله وما قاله بعد ! ، فرفعت كفها وكانت على وشك صفعه لكن توقفت يدها في الهواء وضمت قبضتها بقوة وهي تجز على أسنانها ، ثم انزلتها وهتفت وهي تندفع للغرفة :
_ حــقـــيــر
انصرفت وهي عبارة عن جمرة متوهجة وحمراء من الغيظ بينما هو فكان يبتسم بنفس هادئة بعد أن كانت ثائرة .. يستطيع القول أنه روى القليل من شوقه لها .
***
تخرج همهمات مستاءة منها منذ أن خرجا من المنزل وصعدا بالسيارة وهو يلتفت لها بين آن وآن متنهدًا بعدم حيلة ، لكن بالأخير طفح كيله وهتف بنفاذ صبر :
_ ماما كفاية
أسمهان بعصبية :
_ هو إيه ده اللي كفاية
آدم بهدوء متصنع :
_ كفاية اللي بتعمليه مع جلنار
_ آه واسيبها تلهف كل فلوس ابني هي وأبوها وتخدعه
مسح على وجهه متأففًا بخنق واجابها بنبرة صوت مرتفعة قليلًا وعيناه عالقة على الطريق أمامه وهو يقود :
_ ماما جلنار مش كدا أبدًا وإنتي عارفة ده متعلقيش كرهك ليها على شماعة الفلوس ، سيبي عدنان يعيش مرتاح مع مراته وبنته
ضحكت أسمهان وردت بازدراء :
_ آه مراته اللي هربت والله اعلم كانت بتعمل إيه هناك من وراه
_ وهي هربت ليه مش لما ابنك كان عايز ياخد بنتها منها ويطلقها
تأففت أسمهان بخنق وردت عليه في قرف :
_ سوق يا آدم وإنت ساكت ومتجبليس سيرتها تاني أنا مش ناقصة حرقة دم
هز رأسه مغلوبًا على أمره في نفاذ صبر فهمها حاول لن يجدي بنفع مع امرأة قاسية كأسمهان الشافعي .
***
في مساء ذلك اليوم .......
أريكة هزازة متوسطة في منتصف حديقة المنزل ، والأضواء البيضاء الخافتة تضيء المكان بهدوء ، لتنشأ أجواء ساكنة ومريحة للأعصاب .
كان يجلس فوق الأريكة وعلى فخذيه تجلس صغيرته ونائمة برأسها على صدره ، عيناه عالقة على السماء بشرود وهي تمسك بدمية باربي الصغيرة تعبث بأناملها الرقيقة في شعرها برقة وساكنة تمامًا بين ذراعين والدها .. انزل عدنان نظره إليها وابتسم ثم همس بحنو :
_ يلا ياهنون ندخل جوا كدا هتبردي يابابا
هزت الصغيرة رأسها بالنفي ولفت ذراعيها حول خصر والدها متشبثة به بقوة كتعبير عن رفضها التام في الابتعاد عنه ، فعلت شفتيه ابتسامة أبوية دافئة ثم نزع عنه سترته الثقيلة ولفها حول جسد ابنته الصغير .. رفعت هي رأسها له وتمتمت :
_ بابي إنت بتحبني وبتحب عمو آدم وتمان ( كمان ) نينا صح ؟
استعجب سؤالها للحظة لكنه هز رأسه لها بالإيجاب في ابتسامة خافتة ، فظهر العبوس على محياها وسألت للمرة الثانية :
_ طيب ومامي ؟
تجمدت ملامحه لوهلة وتمتم بعدم فهم :
_ مالها مامي ؟!
هنا بتأمل وبعض العبوس الذي مازال يعلو معالمها :
_ بتحبها زينا !
عم الصمت لثواني معدودة حتى رأت هنا الابتسامة تزين ثغر والدها من جديد وهو يرد عليها بإيجاب :
_ بحبها ياحبيبتي أكيد
سعدت للحظة بتأكيد أبيها ثم عادت وهتفت بعبوس مجددًا :
_ طيب ليه زعلتها ؟
أشار لنفسه بدهشة متمتمًا :
_ أنا زعلتها ؟!!!
اماءت هنا برأسها فضيق عدنان عيناه وسألها بفضول :
_ وإنتي عرفتي إزاي ؟
هنا بخفوت تسرد له ما حدث :
_ مامي كانت قاعدة على السرير وزعلانة ، أنا سألتها مش رضيت تقولي .. بعدين أنا قولتلها زعلانة من بابي عملت كدا براسها
ثم هزت رأسها بإماءة قوية حتى تمثل ردة فعل والدتها عندما سألتها هل سبب حزنها أبيها أم لا .. فانطلقت ضحكة بسيطة منه وهو يعيد هز رأسه بنفس طريقة صغيرته ويتمتم مستعجبًا :
_ عملتلك كدا .. امممم طيب وهي صاحية ولا نامت ؟
رفعت كتفيها بجهل وردت :
_ مش عارفة
حملها فوق ذراعه واستقام بها واقفًا هامسًا وهو يسير نحو المنزل :
_ طيب تعالي نشوفها
دخلا المنزل وصعد عدنان الدرج حاملًا ابنته فوق ذراعه وقاد خطواته تجاه غرفته ، وقف أمام الباب وأمسك بالمقبض ثم فتحه ودخل .. وقعت عيناهم عليها في الفراش وهي متدثرة بالغطاء ونائمة بثبات عميق .. فهمست هنا في أذن أبيها باسمة :
_ نامت !
تمعن النظر في جلنار للحظات قبل أن يلتفت بنظره لصغيرته ويهتف بحنو :
_طيب مش يلا احنا كمان ننام ولا إيه
ابتسمت بطفولية ونظرات بريئة ثم همست بتردد ولطافة :
_ مش عايزة انام في اوضتي
_ امال عايزة تنامي فين ؟!
اتسعت ابتسامتها ونزلت من فوق ذراعيه ثم هرولت راكضة نحو الفراش وتسطحت بجوار أمها متطلعة لأبيها بأعين متسعطفة ، فأجابها هو ضاحكًا وهو يقترب من الفراش :
_ وده من إمتى بقى إن شاء الله !
كتمت على فمها بكفيها حتى لا تخرج اصوات ضحكها وتابعت أبيها وهو يلتفت حول الفراش ويتسطح بجوارها من الجانب الآخر وهي بالمنتصف بين والديها .. رفع الغطاء وسحبه على جسده وتلقائيًا تدثرت هي أيضًا ثم التفتت للجهة الأخرى ودثرت أمها جيدًا وعادت مرة أخرى لأبيها تلقي بجسدها الصغير بين ذراعيه .
مد عدنان يده للضوء واطفأه فخرجت صيحة بخوف :
_ لا
فتح النور مرة أخرى مفزوعًا وحدجها باستغراب فهتفت هي بصوتها الطفولي :
_ كدا العفريت هيجي يابابي
_ عفريت أيه يابابا .. مفيش ياحبيبتي الكلام ده
اعتدلت جالسة ورفعت يديها لأعلى ورسمت على ملامحها الطفولية البريئة الجميلة ملامح مرعبة لا تناسب وجهها بتاتًا وهتفت تمثل لأبيها :
_ لا في هيعملي كدا اعاااا
قهقه بقوة فالتفتت هي برأسها مسرعة ناحية أمها وأشارت بسبابتها على فمها هامسة :
_ شششش مامي هتصحى !
اخفض من نبرة صوته وهو يجذبها لصدره متمتمًا :
_ طيب يلا مش هطفي النور نامي بقى متتعبنيش
امتثلت لكلام أبيها وسكنت تمامًا في حضنه ودقائق معدودة واغمضت عيناها سابحة في ثبات عميق .
***
بأمريكا الشمالية تحديدًا مدينة كاليفورينا داخل منزل حاتم في المساء ........
كان جالسًا بغرفة مكتبه ويمسك بيده الكتاب الذي اهدته له بعيد ميلاده الأخير قبل أن ترحل .. لا تزال صورتها عالقة بذهنه .. صوتها يرن في أذنه بين الحين والآخر ، لم ينساها ولن يتمكن بسهولة كما ظن .. لكن الجيد في الأمر أن شوقه له يتناقص يومًا بعد يوم ، ولم يعد مشتاقًا لرؤيتها كالسابق .. سيعاني قليلًا في تحمل نتيجة الخطأ الذي ارتكبه حين سمح لقلبه بأن يتعلق بها مرة أخرى وهو يعرف بأن الأمور قد لا تسير كما تهوى نفسه .
قطع لحظات تفكيره طرق الباب القوى .. ضيق عيناه بريبة وأسند الكتاب فوق سطح المكتب واستقام واقفًا مغادرًا الغرفة ومتجة نحو الباب ، أمسك بالمقبض وجذب الباب إليه فقابل أمامه نادين ووجهها ممتلئ بالدموع ، صابه الفزع من مظهرها وهتف بصدمة :
_ نادين !
ارتمت عليه دون أي مقدمات ولفت ذراعيها حول رقبته دافنة وجهها في كتفه وتبكي بحرقة .. ارتفعت علامات الاستفهام والقلق لعيناه لكنه لف ذراعه حولها يملس على ظهرها برفق متمتمًا بصوتًا ينسدل كالحرير ناعمًا :
_ مالك يانادين إنتي كويسة ؟!!
ابتعدت عنه وردت عليه من بين بكائها بصوت متقطع :
_ كنت بحفلة عيد ميلاد صديقتي وأنا وعلى الطريق للبيت قابلت شوية شباب مو متربين ضلوا يضايقوني بالكلام وبالذول لعرفت امشي وكمان ضلوا ورا سيارتي بسيارتهم فخفت اروح على البيت وأجيت لعندك
احتدمت ملامح وجهه وهتف بغلظة :
_ فضلوا وراكي لغاية ما وصلتي هنا عندي !
نادين ببكاء وجسد يرتعش :
_ ما بعرف أنا كتير خوفت وضليت سوق بسرعة حتى اوصل لعندك
أمسك بيدها في رفق وادخلها ثم اغلق الباب ورمقها بنظرات حانية مطمئنة بعدما احس بارتعاشة جسدها وخوفها الشديد :
_ متخافيش خلاص أنا معاكي أهو .. اهدي يانادين
نادين بصوت مرتجف :
_ كانوا مو بوعيهم لهيك خفت اكتر
لف ذراعه حول كتفها وسار معها للداخل حتى وصلا للأريكة المتوسطة واجلسها عليها ثم جلب لها كوب ماء ومد يده لها فالتقطت الكوب وشربته كله دفعة واحدة .. بينما هو فهتف بنبرة صارمة تحمل السخط :
_ وإنتي إيه اللي يقعدك في عيد ميلاد صحبتك للوقت ده يا هانم
_ كانت الحفلة كتير حلوة وهي رفضت تتركني امشي إلا بعد ما تنتهي الحفلة
حاتم بنبرة أشد غلظة من السابق :
_ ومرنتيش عليا ليه آجي اخدك !!
نادين بصوت مبحوح من أثر البكاء :
_ ما حبيت ازعجك ياحاتم ، وأكيد ما كنت بتوقع إن هيك راح يحصل
مسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وغضب ملحوظ ثم هتف بتحذير حقيقي ونظرات مخيفة :
_ أول وآخر مرة يا نادين مفهوووم .. ورايح متتأخريش برا وحدك
اماءت برأسها وهي مطرقة رأسها أرضًا ، بينما هو فتفحص بعيناه بداية من قدماها وفستانها القصير حتى أعلى كتفها الذي تتدلي من حمالات الفستان التي فوق كتفيها فتحة مثلثية عند منطقة الصدر وتترك الحرية لشعرها البني .. طال تأمله بها للحظات لا يتمكن من إزالة نظره عنها حتى سيطر على ذاته وهتف بعصبية :
_ إيه اللي لبساه ده .. ما طبيعي تلاقي شباب بتضايقكي باللبس ده
نزلت بنظرها لملابسها وعادت له تهتف باستغراب وبعض الغيظ :
_ شو به فستاني !!!
حاتم بغضب وحدة :
_ فستان إيه .. ده قميص نوم !
ردت عليه مشتعلة بغيظ :
_ احترم حالك .. وبعدين ما إلك دخل انا بلبس ياللي بيعجبني
_ ولما مليش دخل جاية تعيطيلي ليه !
وثبت واقفة بانفعال وهدرت بغيظ وهي تهم بالانصراف :
_ أي أنا غلطانة إني اجيتلك أساسًا
اندفعت نحو الباب لكنه اسرع وقبض على رسغها يهتف بنبرة رجولية حازمة :
_ خدي هنا رايحة فين ؟!
_ رايحة على بيتي .. شو عندك مانع !!
_ آه عندي هتطلعي بالشكل ده تاني !! .. اطلعي فوق في أوضة ماما هتلاقي هدوم في الدولاب غيري والبسيلك حاجة عدلة بدل القرف ده
نادين بعناد وباستياء شديد وهي تصيح به :
_ ما تقول قرف عم تفهم .. ومو راح اطلع لفوق وراح امشي على بيتي غصب عنك
استدارت وسارت مسرعة نحو الباب لكنها أصدرت شهقة عالية بفزع عندما وجدته يحملها فوق كتفه عنوة ويسير بها عائدًا نحو الأعلى إلى غرفة والدته ، صرخت بأعلى صوتها تضربه بكفيها على ظهره :
_ نزلني يا منحط .. حاتم اتركني .. عم اقلك اتركني .. حــــاتــــم
لم يعيرها إهتمام حتى وصل بها إلى الغرفة وانزلها على الأرض ثم قال بلهجة آمرة :
_ غيري يلا وأنا هستناكي برا
همت بأن تندفع نحوه وتضربه وتشتمه لكنه كان اسرع منها حيث تراجع واغلق الباب فاتاها صوته من الخارج وهو يقول بحزم :
_ خمس دقايق وتكوني خلصتي
سمع صرختها المغتاظة من الداخل :
_ انقلع من هون !
ابتسم ولم يجيب عليها فقط ابتعد عن الباب قليلًا ووقف يستند بظهره على الحائط منتظرًا أياها .. وبعد دقائق طويلة نسبيًا فتحت الباب وخرجت وهي ترتدي بنطال واسع يعلوه كنزة بأكمام طويلة ، وقفت أمامه وهي تنظر لنفسها بعدم رضى فرد هو عليها مبتسمًا برضا على عكسها تمامًا :
_ الاحترام حلو برضوا .. كدا اقدر اقولك يلا عشان اوصلك لبيتك
هتفت بخنق :
_ لا راح روح وحدي
استقرت في عيناه نظرها مرعبة جعلتها تصمت وسارت أمامه دون أن تتفوه ببنت شفة متقبلة الأمر الواقع .. فهي من لجأت له في خوفها ويجب عليها الآن أن تتحمل النتائج ! .
***
بصباح اليوم التالي داخل شركة أل الشافعي تحديدًا بغرفة الاجتماعات .......
انفتح الباب ودخل أولًا عدنان وخلفه كان آدم ، جلس عدنان على مقعده في صدر الطاولة وهو ينقل نظره بين الجميع بتدقيق وآدم عيناه النارية ثابتة على نادر .
هتف صاحب الشركة الأخرى التي سيعقد معه الصفقة :
_ حمدلله على سلامتك يا عدنان بيه
عدنان بثبات ونظرات ثاقبة كالصقر :
_ خلينا ندخل في المهم .. اعتقد إنك عرفت إن الملفات والتصميمات اللي وصلت ليك مزورة ومش الحقيقية وكمان الحقير اللي وصل ليك على إنه من شركتنا ده واحد نصاب
نظر سليم لآدم وتمتم مبتسمًا :
_ آه آدم بيه بلغني .. دي عملية نصب عيني عينك
عدنان باسمًا بشيطانية :
_ اللي عمل كدا غبي وعقله خيل ليه إنه هيقدر على عدنان الشافعي ، بس الحمدلله ياسليم بيه إننا لحقنا المصيبة دي قبل ما تمضي العقد معاه
هز سليم رأسه بإيجاب وتمتم :
_ أيوة الحمدلله
مد عدنان بالملفات الحقيقية على سطح الطاولة يعطيها لسليم الذي التقطها منه واستغرق دقائق وهو يتفحص كل جزء بها بإمعان وبالأخير تمتم مبتسمًا بإشراقة وجه :
_ فعلًا دي التصميمات والاوراق اللي احنا متفقين عليها من البداية .. كدا نقول مبروووك علينا ياعدنان بيه أول تعامل بينا
أشار سليم لمدير أعماله بأن يخرج الاوراق الخاصة بالعقود وبدأوا كلاهما بالامضاء على العقود ، وفور انتهائهم استقاموا واقفين وتصافح كل من سليم وعدنان الذي هتف بوجه سمح :
_ إن شاء الله يكون في اجتماع قريب بينا ياسليم بيه ونتكلم فيه على كل حاجة بالتفصيل
_وأنا في الانتظار أكيد
سار سليم ومدير أعماله للخارج ولحق به آدم فورًا بعد أن القى نظرة خبيثة على أخيه ، كان نادر يجلس بمقعده وهو عبارة عن جمرة ملتهبة من فرط الغيظ والغضب .. ولم يلحظ نظرات عدنان المميتة له إلا عندما التفت برأسه ناحيته في تلقائية فاربكته نظراته له لكنه ابتسم بطبيعة متصنعة وتمتم :
_ مبروووك ياعدنان وأخيرًا صفقة العمر حصلت عليها رغم اللي حصل
ابتسم بأعين تطلق شرارات مخيفة وهتف بكلمات ذات معنى :
_ اللي حصل ده كان بتخطيط مني .. والصفقة كانت بتاعتي من البداية ، مش عدنان الشافعي اللي تفوت عليه إن في شوية ***** حواليه .. ودلوقتي هفضالهم
سقط قلبه في قدمه من الخوف .. كان يحدثه وكأنه يعرف بكل شيء ويلقي إليه بالتلمحيات أن نهايته قد اقتربت كثيرًا .. استقام واقفًا وهتف مضطربًا :
_ طيب أنا هروح ااا ... اشرب فنجان قهوة تحب اجبلك معايا
_ شكرًا
استدار نادر واندفع لخارج الغرفة فورًا مسرعًا ولحظات ودخل آدم الذي قابل سؤال أخيه المهتم :
_ هااا عرفت منه أسم ومكان الحقير اللي وداله الملفات المزورة
هتف آدم متنهدًا وهو يجلس على المقعد المجاور له :
_ عرفت عرفت .. أنا مش فاهم إيه لزمته طالما عارف إن ال**** نادر هو اللي ورا الموضوع
تشجنت ملامح وجهه وظهر الحقد والغضب عليه وهو يجيب على أخيه دون أن ينظر له :
_ الصفقة حاجة واللي هيوصلني ليه الراجل ده حاجة تاني
زفر آدم بعدم حيلة وطال النظر في أخيه .. لكم يرغب في أخباره بالعلاقة القذرة التي تمارسها زوجته من خلفه ، لكن خوفه من ردة فعله يجعله يتراجع بكل مرة وخصوصًا أنه مازال لم يتعافى تمامًا من أثر الحادث .
خرج صوت آدم خافت ومترقب لرده :
_ فريدة مقالتش حاجة ليك صح ؟
_ حاجة زي إيه ؟!
كانت جملة بنبرة قوية منه قابلت الصمت من آدم وهو يوميء بتفهم ، بينما هو فتوقف وسار للخارج وهو يتمتم بوعيد في صوت غير مسموع :
_ مش هتلحق تقول حاجة أصلًا
***
_ حصل إيه امبارح ؟!
كان سؤال فضوليًا ومتحمسًا من فريدة فردت عليها أسمهان بعصبية :
_ متحبليش سيرة امبارح نهائي يا فريدة .. بقى أنا ولادي محدش يصدقني ويصدقوا الحرباية بنت نشأت دي !
فريدة باستغراب :
_ ازاي يعني محصلش أي حاجة .. ولا حتى عدنان زعقلها !
_ ولا إي حاجة ! وطلعت أنا الكاذبة قدام ولادي
لمعت بعين فريدة فكرة خبيثة حيث قالت بتشويق :
_ طيب أنا عندي فكرة وأكيد المرة دي هتصيب
أسمهان بخنق ونفاذ صبر :
_ هي إيه
فريدة بابتسامة لئيمة :
_ حاتم
هيمن السكون على أسمهان للحظات تحاول فهم ما تلمح إليه حتى لمعت عيناها أخيرًا وارتفعت الابتسامة الشيطانية لشفتيها وهي تتبادل النظرات معها .
***
تقف جلنار في المطبخ وتقوم بتحضير وجبتها الصباحية المعتادة هي وابنتها ، وهنا تجلس فوق سطح المطبخ الرخامي وتتابع ملامح وجه والدتها المستاءة بصمت حتى هتفت بخفوت :
_ بابي قالي إنه مش هيتأخر ياماما والله
جلنار بعصبية :
_ يتأخر ولا ميتأخرش بابي لسا تعبان ، ازاي يروح الشغل .. وإنتي ليه مصحتنيش ؟
ردت الصغيرة وهي تزم شفتيها بيأس :
_ هو قالي متصحيش ماما
جلنار بغيظ :
_ آه لازم يقولك متصحيش ماما .. عشان عارف لو ماما صحيت مش هتخليه يخرج
تنهدت الصغيرة بعدم حيلة ثم ابتسمت فجأة عندما قذفت فكرة في ذهنها وهمست لأمها بذكاء طفولي لطيف :
_ عارفة ياماما .. بابي امبارح قالي إنه بيحبك أوي
تسمرت بأرضها كالصنم واختفت علامات الغضب عن وجهها بلحظة ليحل محلها الصدمة والسكون التام .. ثم همست بعدم تصديق :
_ هو قالك كدا ؟!!!
_ أيوة
تخبطات أصابت عقلها وهي تنفر عنه أي أفكار وتهز رأسها بالرفض لتصديق شيء كهذا .. مقنعة نفسها أن ابنتها قامت بالضغط عليه فلم يجد مفر أمامه إلا من أن يخبرها بأنه يحب أمها كثيرًا .
انفتح باب المنزل فصاحت هنا في تلقائية باسم والدها " بابي " بينما جلنار فأخذت نفسًا عميقًا واستعادت قوتها للتتصرف بطبيعية أو بالطريقة الجديدة التي قررت اتباعها معه .
وصل إلى المطبخ وانحنى للأمام حتى يستقبل صغيرته التي هرولت إليه راكضة ، حملها فوق ذراعيه ولثم وجنتيها بحب شديد متمتمًا :
_ امممم وحشتيني أوي ياهنايا في الكام ساعة دول
هنا بدلال طفولي جميل وهي تطبع قبلة دافئة فوق وجنة أبيها :
_ وأنت كمان يابابي
ثم انحنت على أذنه وهمست وهي معلقة نظرها على أمها :
_ مامي متعصبة عشان روحت الشغل
دقق النظر في وجه جلنار التي تتجاهله تمامًا وكأنه غير موجود ثم همس لصغيرته بإيجاب :
_ اه مهو واضح .. اوعي تكوني قولتليها حاجة عن المفاجأة
ضمت يدها وفردت سبابتها فقط وهزتها يمينًا ويسارًا بالرفض وهي تبتسم بمكر فعاد هو يقبّل وجنتها متمتمًا بغمزة :
_ شطورة .. روحي استنيني برا يلا عشان جايب لملاكي لعبة حلوة أوي .. بس الأول هشوف ماما وأجيلك
صاحت بسعادة غامرة ثم هزت رأسها بإيجاب وهي تنزل من فوق ذراعيه وتقول بحماس :
_ بس بسرعة
عدنان ضاحكًا :
_ حاضر
هرولت راكضة للخارج كما طلب منها بينما هو فاقترب بخطواته من جلنار ووقف بجوارها يتابعها بنظراته المستمتعة وهي تتصنع عدم الاكتراث به .
خرج صوته خافتًا بلؤم :
_ بقى هو ينفع تشكيني لبنتي وتقوليلها بابا مزعلني
ودت بشدة أن تجيب عليه من فرط غيظها لكنها تمالكت نفسها حتى لا تفسد مخططها واكملت تجاهلها له .. استمر هو بالتكلم قاصدًا إثارة غيظها أكثر :
_ إنتي زعلانة ليه .. أكيد مش عشان بوستك يعني صح !
نجح في إشعال نيرانها وكانت ستنفجر من فرط الغيظ ونجحت أيضًا بتجاهله ولكنها شعرت أنها إذا لم تتكلم وتصرخ ستصاب بنوبة قلبية ، فغرزت السكين بعنف في الطماطم وصاحت بنبرتها المرتفعة :
_ وطي TV يا هـــنـــا
ضحك وانحنى عليها يطبع قبلة فوق شعرها هامسًا بدفء :
_ متزعليش !
رمقته بنظرة نارية وصاحت مرة أخرى وهي عبارة عن بركان ثائر :
_ ياهـــــنــــا
كانت ستنطلق منه ضحكة عالية لكنه تمالك نفسه بصعوبة حتى وجدها تندفع للخارج وتتركه ، فترك العنان لضحكته تنطلق بحرية .
***
كان آدم يقود سيارته في طريق عودته للمنزل ، لكنه فتح الدرج الصغير في السيارة حتى يأخذ منديلًا ورقيًا .. فلمح العقد الفضى الخاص بمهرة ، التقطه وقلبه بين يده بتمعن ، تارة ينظر له وتارة للطريق .. وبعد دقائق من التفكير العميق استدار بالسيارة متجهًا في طريق مغاير لطريق منزله .
على الجانب الآخر كانت مهرة في طريقها للمنزل بعد انتهاء دوام عملها اليومي .. كانت تسير في طريقها المفضل والأقرب لمنزلها رغم أنه يكون هاديء دائمًا ولا يسير به أحد إلا أنها لا تبالي .. سمعت صوت بدرية من الخلف وهي تهتف :
_ مهرة !!
توقفت وتأفف بصوت مسموع وبخنق ثم استدارت لها بعد ثواني وهي تقول بقرف :
_ خير !
اقتربت منها بدرية وهي تمسك بيدها قماشة بيضاء صغيرة وهدرت بغل :
_ مكنش ينفع معاكي غير كدا .. معلش بقى يابنت الغالي
ثم غارت عليها تكمم فمها وانفها بالقماش الممتليء بمادة مخدرة .. وسط محاولات مهرة لأبعادها عنها ونجحت بالأخير فعلًا ، حيث استدارت تركض بعيدًا عنها لكن بعد خطوات قصيرة تشوشت الرؤية أمامها وكل شيء أصبح يتراقص من حولها ، فتوقفت محاولة استعادة وعيها لكن الدوار يشتد أكثر ورغمًا عنها دون أن تشعر سقطت على الأرض فاقدة الوعي .
الفصل الواحد والعشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)