كانت المعركة مستعرة بعد اختفائى. مع كارمى، عادت فانتا مع بقية الجيش للحرب مرة أخرى وضغطوا على مؤخرة الجيش المرتبك. كان كارمى مستنداً على ركبتيه، وكنت واقفة إلى جواره، واضعة سيفى فوق عنقه. عندما ظهر ناب، "اقتل كارمى تنتهى الحرب. مليش أي أطماع في زعامة قطيع الذئاب. ثانيا هتتولى المسؤولية." بعض الجنود حملوا كارمى بين أيديهم وبدأوا ينبهون بصوت مرتفع البقية. نظرت لوجه كارمى المنكسر. كان فيه شيء غريب!
منذ تركنا أرض الوادي الصامت، وكارمى لم يرفع رأسه. قبل ما أنحر عنقه، كنت عايزة أبص في عينيه. رفعت رأس كارمى وهززتها بالسيف. لقيت الشاب المشوه بين يدي. انصدمت، "مستحيل! " صرخت. "انت جيت هنا إزاي؟ كيف دا حصل؟ الشاب كان مريض جداً لدرجة مقدرش يرد عليا. "كارمى بدل شخصيته إزاي؟ وهل دا معناه إنه لسه في الوادي الصامت؟ فتح الشاب فمه بضعف، لكنه نطق بصوت كارمى: "أنا هو، نحن شخص واحد."
رن صوت كارمى اللئيم: "لا يمكنك التخلص مني بسهولة يا آرين، ستفقدين حبك للأبد." وقفت مبلمة، مش لاقية تفسير. كارمى عملها مرة قبل كده. دماغي هتنفجر. كارمى فين؟ معقول يكون محبوس داخل الشاب؟ كان لازم أوقف سيل الدم الأول. صرخت: "الحرب انتهت، تانيا؟ تانيا؟ انت زعيمة القطيع الآن ولا داعي للحرب." انفصل الجيشين عن بعضهم، أمرت فانتا بتقييد الشاب وتحركنا تجاه قصري.
قررت احتفظ بكارمى أو الشاب لحد ما ألاقي حل، مبرر، أكتشف طريقة أفصلهم عن بعض. أول ما وصلنا القلعة، تذكرت حاجة مهمة. بعت فانتا للمغارة اللي أخفيت الشاب فيها. كنت عايزة أتأكد إنه لسه موجود أو إن كارمى اخترق شخصيته فعلاً. وأمرت بحبس الشخص اللي بحوزتي. واللي كان كلامه غريب، كان صوت كارمى فعلاً، لكن كان طويل الصمت. بيقول كلمة، ثم زي ما تكون بتتلبسه حالة تمنعه من الكلام. أمرت بحبسه داخل زنزانة لحد ما أشوف هعمل إيه!!
كنت فرحانة إن فاسينوس رجع لحضني، كنت خايفة جداً عليه، فكرة إني أفقده ما كانتش محتملة بالنسبة ليا. هناك أشخاص لا نستطيع تخيل حياتنا بدونهم. لكن على كل حال، تمر الأيام وتطوى صفحات الألم، ويغلق الكتاب الذي ظننا أننا لن نستطيع قراءة خاتمته. أكثر من مرة أقسمت أن اللحظة التي أعيشها لن تمر أبداً إلا إذا فقدت معها جزء من جسدي وروحي.
قدر الألم الذي تحملته، اليأس، الانهزام، والضبابية الحالكة، ورأسي التي تكاد تنفجر ولا أستطيع وضعها على وسادة. هذا الانبثاق الأثر وافوران. أكثر من مرة في مشوار حياتي أعتقدت أنني انتصرت على شياطيني وتصورت أنه على المدى الطويل سأنتهي لقتلها والتخلص منها. وأنني قد أبعدتها تماماً وإلى الأبد. لكن لم تكن هذه الحالة. غالباً ما تكون شياطيننا حاضرة، تتربص في مكان ما في الظل.
وتنتظر من دون كلل اللحظة التي يتخلى فيها الإنسان عن حذره، عن إيمانه، اللحظة التي يغيب فيها الحب، لتنقض مرة أخرى وتدمر كل ما بنيناه!! عادت فانتا بوجه شاحب، زي ما يكون تلبسها عفريت. سألتها: "وجدتي الشاب؟ قالت: "وجدته ولم أجده." مكنش عندي وقت للألغاز. "فانتا، فيه إيه؟ متقولي شفتي إيه؟ "الشاب موجود لكنه مجرد جسد بلا روح، يئن ويتألم بلا وعي." فهمت كل شيء. كل ما علي فعله أن أستدعي كارمى، أن أدفعه للخروج إلى لحظة واحدة.
دخلت زنزانة كارمى، كان مضجعاً على جانبه الأيمن، ساكناً وصامتاً. "كارمى، انت هنا؟ فتح الشاب عينيه بضعف. "مش هتقدرى تتخلصي مني يا آرين إلا لما تتخلصي من الشاب معايا. أنا ربطت مصيري بمصيره." غمضت عيني، وأنا اخترت العفو. "كارمى، اخرج من جسد الشاب ولك الأمان." "إيه اللي يضمني كده؟ أنا مش خاينة يا كارمى، ومش هقتل شخص بريء من أجل انتقامي." "انت خلاص انتهيت وأنا ضحيت بانتقامي. اخرج واترك الشاب يعيش، ارحل من هنا للأبد."
تملل كارمى، كان مش مصدق كلامي. "أنا بمنحك فرصة لحد بكرة. لو ما وافقتش هضطر أقتلك." وصل جسد الشاب فاقداً الوعي، وضعناه على سرير. كان يتألم كأنه يكوى بالنار. وروحه تعذب داخل كارمى. كارمى قال: "أنا مش هخرج من جسده!! "انت اخترت يا كارمى، حاولت أديك فرصة لكنك خبيث مخادع قذر." "هتعملي إيه؟ " صرخ كارمى برعب. أمرت الحراس يحضروا الشاب. "إذا كنت عايش داخل جسد الشاب، فذلك يعني أن موته يعني موتك."
وضعت يدي على صدر الشاب. الخدعة القديمة. أوقفت قلبه. "كان التحدي إلى متى سيصمد كارمى بلا جسد." بدأ كارمى يصرخ، يضع يده فوق رأسه. تغير لون وجهه وأصبح مصفراً. دقيقة، دقيقتين، وبدأ كارمى يخرج من جسد الشاب على هيئة طيف قبل أن يتشكل. كنت منتظراه بسيفي ومزقت جسده. عدت للشاب ودعوت من كل قلبي أن يقاوم من أجلنا، أن يسعفه جسده في العودة مرة أخرى. أطلقت طلسم الشفاء وانتظرت. مرت دقيقة كأنها دهر قبل أن يتنفس. يسعل دم وقيح.
أخذته في حضني واستدعيت الأطباء والحكماء. أمرتهم بمعالجته بكل الطرق المتاحة. بعد عودته وشفائه، تزوجت أردين وقضينا عمر طويل كله سعادة وفرح. تعلمت أن أثق بنفسي مهما كان شكلي أو حجمي وأن أحلامي لا تحتاج مني أن أغير نفسي بل أن أكون واثقة على تطويعها بما يلائمني.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!