حاولت "ليلى" أن تسحب نفسها بعيدًا وبحقيبة سفرها، لعلها تسلم من كل ما يحدث. ابتعدت الحقيبة عنها بسبب تغيير الحافلة لمسارها، فمدت بذراعها لتمسك بها. ليلى وهي تحدث نفسها: "آمتى رح أوصل! الله يسامحك يابابا! هذه ليلى، طالبة سنة ثالثة تخصص الطب. فتاة محجبة ولباسها كله محتشم. من يراها للوهلة الأولى يعتقد أنها متكبرة بسبب هدوئها الشديد وقلة كلامها. لكن من يعرفها جيدًا يعرف كم هي مرحة وبريئة.
نشأت ليلى في أسرة مقتدرة ماليًا في محافظة صغيرة، مكونة من أب وأم وأخت أصغر منها بثلاث سنوات. وبعد نجاحها في امتحان الثانوية العامة، تحتم على ليلى السفر خارج محافظتها إلى القاهرة لمتابعة دراستها وتحقيق حلمها بأن تصبح طبيبة أطفال ناجحة. تهتم ليلى بدراستها ودرجاتها، تحب أن ترى نفسها من الأوائل والحمد لله هي كذلك. واليوم، بسبب انشغال والدها بعمل مفاجئ، قدر لها أن تسافر بمفردها وبرفقة أشياءها الكثيرة إلى السكن.
جرت ليلى حقيبتها بيدها اليمنى وباليد الأخرى كانت تمسك ببقية الحقائب، لتتوقف أمام مكتب سيدة السكن، حيث كانت العديد من الطالبات متجمهرات للحصول على مفاتيحهن. تصاعد صوت رنين الهاتف، كانت نغمة هادئة. تركت كل شيء من يديها وأخذت تبحث في أعماق حقيبتها الصغيرة عن هاتفها. وضعت سماعة الأذن لتتمكن من السماع جيدًا بسبب الفوضى القائمة. إنها فوضى اليوم الأول بالسكن. ابتسمت عند رؤية الاسم ثم ردت: "آلو. كيفك يا مروة؟
مروة بانفعال: "بخير، وأنتي كيفك؟ وينك بنتي؟ استنيتك كتير." ليلى بعد تنهيدة طويلة: "اشكري زحمة الصبح وشوفير الأتوبيس اللي كل شوي يوقف خايف يعمل حادث." مروة بتساؤل: "شوفير إيه يابنتي؟ مش قلتي رح يوصلك أبوكي لما قلتلك يلا نطلع سوا للسكن؟ ليلى: "هيك كان المقرر، بس بتعرفي أشغال بابا اللي تطلع من الأرض وقت حاجتي." انتبهت ليلى على تزايد عدد الطالبات وأنها إن لم تسرع وتدفع نفسها داخل ذلك الزحام لن تحصل على مفتاحها أبدًا.
ليلى: "اسمي يا مروة، أنا لازم أقفل دلوقتي. رح أحصل المفتاح وأجي." مروة: "أوكي، يلا بعدين ناطرتك." أغلقت ليلى الخط، ثم حملت أشياءها وتقدمت الأمام. مروة طالبة سنة ثالثة طب، تعرفت عليها ليلى أثناء بحثها عن شريكة للغرفة، ومنذ ذلك الوقت وهما معًا. ورغم اختلاف شخصياتهما ومبادئهما، إلا أن مروة وليلى متفقتان، خاصة فيما يتعلق بدراستهما. ليلى بصدمة: "إزاي؟!! سيدة السكن: "ماني مسجلة ودفعت الحقوق."
ليلى: "يابنتي شوفي اسمي مش موجود بالسجل." قالت سيدة السكن، وهي امرأة في الخمسينات من عمرها، بهالات سوداء، وترتدي خمارًا أسود مليئًا بالغبار: "يا مدام فريدة، أنتي عارفة إنه أنا صارلي ساكنة بهالسكن سنتين، وأكيد مش رح أخرج منو وأنا جامعتي هون." سيدة السكن: "أكيد بعرف، بس مش هينفع. انتي مش مسجلة بهالسكن." ليلى: "بس... كانت ليلى يائسة وقلبها يخفق من شدة التوتر، حتى أن يديها بدأتا في الارتعاش.
سيدة السكن: "السجل بيقول ياحبيبتي، شوفي إذا مش مصدقاني." ابتسمت السيدة فريدة محاولة مواساة المصدومة. أمسكت ليلى بيديها المرتعشتين السجل وأخذت تدقق في السجل اسمًا باسم، لكن اسمها لا يوجد! ليلى بغصة: "هاعمل إيه دلوقتي؟! سيدة السكن: "والله يابنتي ماني عارفة. حتى موقع التسجيل انغلق زمان. اطلعي شوفي مع الإدارة وخلاص... والله يستر." ليلى بتوسل: "يا مدام فريدة، رح أخلي عندك أشيائي، اطلع أشوف وأرجعلك على طول."
سيدة السكن: "روحي يحبيبتي، ولا يهمك." أمسكت ليلى بحجابها الطويل والفضفاض بلون زهري فاقع، وأخذت تصعد الدرجات درجتين درجتين لتصل إلى المكتب. تناقشت ليلى مطولًا مع الإداري حول تسجيلها، وكم كان التناقش صعبًا عليها، خاصة وهي تعود إلى عند السيدة فريدة من أجل الحصول على الأوراق التي تثبت تسجيلها. الإداري: "شكله وقع غلط هنا." ليلى بنفاد صبر: "ماني عم أشرح لحضرتك إنه وقع غلط، ما أنا أساسًا دافعة المستحقات."
الإداري: "بس ما فيه مكان، أعملك إيه دلوقتي؟ ليلى بصدمة: "يعني إيه بكلامك؟! ثم تابعت بنبرة حاولت أن تبعث من خلالها الهدوء والاطمئنان إلى نفسها: "ما أنا غرفتي موجودة وشريكتي موجودة، يعني عندي مكان من الأساس." الإداري: "أي لي موجود؟ فيه بنت ناقلة لغرفتك أساسًا." ليلى: "يعني إيه؟! الإداري: "يعني ما ضل النا مكان نسكنك فيه مع الأسف. كل الأوض مشغولة."
شعرت ليلى بالاستهزاء من كلامه. كانت على وشك البكاء، لكنها تمالكت نفسها. فليلى ليست من النوع الذي يبكي بسبب الآخرين على الإطلاق. إنها لا تبكي إلا عندما تشاهد مسلسلاتها وأفلامها فقط، ولطالما كان هذا شيئًا تفخر به. لن ينزع لها هذا المهمل فخرها أبدًا! وقفت ليلى من الكرسي وأخذت تنظر للإداري بنظرات حادة تدل على نفاذ صبرها. ليلى: "هاعمل إيه دلوقتي أنا؟ الإداري: "وأنا شو بيعرفني."
هذا ما قرأته ليلى من نظراته كرد على سؤالها، أنه يريد التخلص منها في أقرب وقت على الأرجح. الإداري: "هنعملك نقل وخلاص." كان هذا ما وجده الإداري كحل أخير لهذه المشكلة التي جاءت إليه في أول يوم من العمل. كم كان يتمنى لو أنه ضل في البيت نائمًا ولم يستيقظ هذا الصباح ليقابل هذه المزعجة. ليلى بحيرة: "نقل لوين... بس أنا معتادة على السكن هنا وما فيني... الإداري بغيظ: "إذا بدك ترجعي لبيت أهلك، ما في ولا مشكلة."
صممت ليلى وأخذت تستمع إليه وهو يجري مكالماته مع مدير سكنها الجديد. خرجت ليلى من عند الإداري بعد أن علمت بموقع السكن، وكم كان حظها سيئًا. ألا يمكن لهذه المشاكل المزعجة أن تتوقف؟!
على حسب كلام الإداري، اتضح أن السكن يبعد عن جامعتها وعن المستشفى الجامعي قرابة الساعة. ليس ذلك فقط، فهذا السكن هو السكن الذي طالما سمعت من صديقاتها عن سوء إدارته، وعن غياب الرقابة فيه، وعن ما يحدث فيه من أمور لا أخلاقية. كم يمكن لهذا أن يحدث؟! نظرت إلى هاتفها الذي تجاهلت رناته في وقت سابق. ثلاث اتصالات من مروة، اتصال من والدها، واتصال آخر من والدتها. أعادت الاتصال بمروة
التي ردت على الفور وبغضب: "قوليلي فينك بالله عليكي! شو اللي عم يصير؟ ليلى بنبرة باردة: "هدي يا مروة. كنت عند الإداري." ليلى: "تخيلي شو صار! فيه بنت هون عم تقول إنها رفيقتي بالغرفة الجديدة. تصدقي؟ ليلى بسخرية: "آه بصدق، لأني انطردت من السكن." مروة بصدمة: "يا خربيتك ليه!! شو عملتي؟! تابعت ليلى السخرية: "هيك قرار عشوائي، ضحيتو أنا." مروة بقلق: "وهتعملي إيه هلأ؟ ليلى: "رح انتقل بكرة لسكن جديد."
نظرت إلى أمتعتها التي أخذتها من عند السيدة فريدة، التي نظرت إليها نظرة تفاؤل قابلتها ليلى بعبوس. السيدة فريدة بخفوت وسط إزعاج الطالبات: "ولا يهمك حبيبتي! السيدة فريدة: "أنا جاية أبات عندك الليلة يا مروة... تخيلي صرت ضيفة عند حالي." مروة: "يلا بسرعة، عم استناكي." سلمت ليلى على مروة التي عانقتها بقوة، وعلى الفتاة الجديدة، ثم أخذت تتصل بوالدها. بعد أن اغتسلت وصّلت فرضها، ولم تنسَ التوكل على الله في أمرها.
وضعت ليلى الهاتف على وضع السبيكر فوق طاولة مروة المليئة بمنتجات العناية والمكياج، بعد خروج الفتاتين لشراء بعض الأغراض سويًا، وأخذت تضع كريم الترطيب على البشرة. "آلو، كيفك يا ليلى! كان ذلك والدها الذي رد بعد وقت. ليلى: "بخير يابا." الأب: "كيف استقريتي بالسكن؟ ليلى بتوتر: "بابا، فيه شغلة عايزة أحكيهالك." الأب بقلق وحيرة: "خير إن شاء الله؟ فيه حد ضايقك شي؟ فيه حد عملك حاجة؟
ليلى بسرعة: "لا والله، بس شغلة متعلقة بالسكن وهيك." الأب: "احكي بابنتي، حيرتيني معك." قصت ليلى لوالدها ما حدث بالتفصيل، والذي لم يفاجئها برده الغاضب، والذي كما توقعته. الأب: "وكل هاد وما فكرتي ترني علي! أنتي عم تقولي إنو السكن مش منيح، شو واخدك لهنيك!! مش المفروض تتصلي فيني وتسأليني بالاول." ليلى وهي تحاول إقناعه: "يابا مش قضية السكن مش منيح، هو بعيد بس... الأب باستياء: "ولو!
كم مر من الوقت على ليلى وهي تحاول إقناع والدها بالموافقة. ربما كل هذا الجهد المبذول كان لإقناع نفسها أولًا. وحيث كانت الفتاتان ليلى ومروة جالستان على سرير مروة تاكلان الشوكولاتة والشيبس. مروة وهي تغمس أصابعها في باكيه الشيبس: "وهالغبي مالقى غير هذاك السكن.!! على القليل يتذكر تخصصك!! ليلى: "شو دخل التخصص بالنص؟ مروة: "لتكوني ناسية إنك طالبة طب بابنتي! تخصصنا الو قيمتو في هالبلد." ضحكت ليلى ثم ردت: "مش بالضرورة."
ثم نظرت إلى السرير المقابل والذي كان فارغًا، فالفتاة الجديدة ليست موجودة. مروة: "وبعدين زميلتك وينها؟ ليلى: "وأنا شو بيعرفني؟ تذكرت: هزت ليلى رأسها وقالت: "مبين البنت كويسة، فبلاش تخوفيها." مروة بصدمة مزيفة: "شو قصدك!! مروة: "وبعدين أنا مروة بنتي، مروة بتعرفي شو مروة الجمال والذكاء. آآه، على فكرة شفت من شوي فيديو لبنت بتعمل ميكب بيجنن." ليلى بنفي: "مارح أجرب." مروة وكأنها تتوسل: "يابنتي المكياج خفيف مش أوفر خالص!
كلها قصة كونسيلر اللي بتحطيه وشوية برونزر." ليلى: "بفكر... مروة بخبث: "يابنتي فكري، دا مستقبل وعلى القليلة خلينا نعيشه حلو." ليلى: "قصدك إيه؟ مروة بأحلام كبيرة: "يابنتي بكرة أو بعده رح نروح المستشفى الجامعي، وفيه كتير دكاترة، فخلينا نشوف قسمتنا عاملة إزاي! ليلى بصدمة ممزوجة بسخرية: "دكاترة إيه يابت؟! رح تلاقيهم أكبر من أبوكي وأبوي!! مروة برفض قاطع: "لأ، مش ضرورة!! مش بتشوفي مسلسلات أنتي... آآه (تتذكر)
الطبيب المعجزة، فاكرتيه؟ مش شفتي الدكاترة عاملين إزاي!! ليلى تضحك: "والله خيالك واسع ياصاحبتي!! مروة بثقة: "أكيد!! قالت باستياء ممزوج بالحزن: "تعرفي، حاسة بوجع بقلبي إنك رح تتركيني... ثم عدلت جلستها وقالت: "ياليلى، إيه رأيك أكلم بابا أحكيله على شو صارلك؟ أنتي عارفة إنه عنده معارف بالجامعة." ليلى بجدية: "لأ! شكراً يا مروة! وبعدين خلاص أنا قررت أروح. والبنت الغلبانة اللي معك بتروح لوين؟ (وأشارت إلى السرير الفارغ)
مروة بلا اهتمام: "تشتعل! تروح هيا وتضلي انتي! ابتسمت ليلى ابتسامة خافتة. كم هي محظوظة بوجود مروة في حياتها. هي لم تكن تتوقع أن تصبح صداقتهما قوية إلى هذا الحد. مرت الساعات واحدة تلو الأخرى والفتاتان ساهرتان، لم تنتبها للوقت إلا بعد دخول سهى. كانت الساعة الثانية والنصف صباحًا. سهى بدهشة وهي تغلق الباب: "لساتكم صاحيين؟! مروة باستغراب: "إنتي يابنتي، إيه وين كنتي لهلأ؟ نكزت ليلى مروة بمرفقها. سهى وهي تتقدم
ناحية السرير وتتجهز للنوم: "كنت مع رفقاتي ساهرة بغرفتهم." ثم قالت بعد أن وضعت رأسها على الوسادة: "تصبحو على خير يابنات." ليلى ومروة: "وانتي من أهله." ليلى باستياء: "بتعرفي، لازمني أحط عشر منبهات لأصحى بكرة." مروة: "نامي نامي! ما فيها شي لو غبنا يوم. حصل خير! وضحكت الفتاتان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!