باللحظة الأولى التي اتخذت بها قراري الحاسم بالابتعاد عنك، كنت أعلم أنه ليس بالقرار السهل على كلانا، وكيف للمرء أن يتخلى بسلاسة عن خليل روحه دون اختلال حياته وفقدانه للاتزان الكامل. لقد رافق كل منا رحلة حياة الآخر منذ أن كنا صغارًا حتى أصبحنا بريعان شبابنا. لطالما كنتِ بعيني كزهرة برية رائعة المظهر، طيب عطرك سابقًا لخطواتك، ولطالما كنتِ الأنثى المفضلة لدي، بل الأفضل والأروع على الإطلاق وستبقين. برغم يقيني من هلاك قلبي
جراء ابتعادك عنه، لكنني اتخذت ذاك القرار عن قناعة امتثالًا لكرامتي وعزة النفس. قمعت مشاعري وضغطت على جرح قلبي بيدي وتركته يتلوّع وجعًا من شدة الاشتياق. ادّعيت الصمود لأقف شامخًا وبيدي كظمت صرخات قلبي الذي يئن ألمًا لكي أتفادى الانهيار. حاولت جاهدًا ألا أرى عيناكِ لكي لا أفقد طاقة صبري وينزف جرحي من جديد وأسرع مهرولًا كي أضمّك بروحي لإطفئ نار اشتياقي. واليوم قد عدت، وها أنا الآن أقف أمام سحر عينيكِ لينفجر قلبي صارخًا
من مجرد رؤيا من تمكنت من استيطان العقل وامتلاك لب القلب وثنايا الروح.
"يوسف عمرو البنهاوي" بقلمي "روز أمين" ***
لم تنم بليلتها الفائتة من شدة أنين قلبها الملتاع، تتسطّح على ظهرها فوق الفراش، تنظر لسقف غرفتها بعينين ثابتتين لا ترمشان إلا قليلًا، وفاه فاغر وكأنها مغيبة عن الواقع، فمنذ أن علمت من والدها الغاضب بحضور فارسها المتمرد إلى قصر جدها وهي في حالة يرثى لها، ما بين قلب عاشق يتتوق لوعًا لرؤية الحبيب، وما بين أنثى غاضبة عقلها يرفض تركها من رجلها الوحيد التي فضلته على جميع أبناء جنسه، يا له من رجل قاسِ، كيف له أن يترك ذاك
القلب الذي يعلم علم اليقين أنه ذائب بغرامه. تنفست بقوة ثم تطلعت بجوارها لتنظر بشاشة هاتفها تتفقد الوقت، وجدت الساعة لم تتخطى السادسة صباحًا بعد. زفرت وتهيأت للنهوض لتنفض عنها الغطاء وتحركت مهرولة باتجاه الشرفة الملحقة بحجرة نومها. خطت بساقيها خارج الشرفة لتقتحم جسدها قشعريرة بفضل برودة الطقس، بينما كانت ترتدي منامة من الحرير. رفعت رأسها للسماء وباتت تأخذ نفسًا عميقًا لعل مشاعرها الثائرة تهدأ ولو قليلًا. عادت بذاكرتها
لعام مضى، كانا مازالا معها وكل منهما روحه مرتبطة بالآخر.
عودة لما قبل عام من وقتنا الحالي، داخل الحرم الجامعي الخاص بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، انتهت من المحاضرة لتخرج إلى الفناء، توقفت لتستدير حين استمعت لصوت ذاك الثقيل المسمى بـ "نبيل"، هو بذاته ذاك الشاب الذي تشاجرا بالماضي من أجله أثناء ممارستها للعبة التنس معه بالمدرسة، اقترب عليها لينطق بنبرة بها بعض التعالي: -إزيك يا بوسي. بنبرة حادة حدثته بتنبيه: -أكتر من مرة قولت لك إن اسمي "بيسان".
-هو حبيب القلب بيتقمص لما حد غيره بيدلعك ولا إيه؟! قالها ساخرًا لتحتد بنبرة ساخطة: -ملكش دعوة بـ "يوسف" يا "نبيل"، أنا بحذرك. لتتابع مستنكرة وهي ترمقه بنظرات كارهة: -وبعدين أنت تدلعني بتاع إيه أصلًا؟! وضع كفيه بجيبي بنطاله لينطق بتعالٍ وتفاخر يرجع لتباهيه بأموال والده رجل الأعمال الشهير:
-أنت مكانك الحقيقي معايا يا بيسان، جنب "نبيل عاطف السرجاوي"، هي دي المكانة اللي المفروض تكوني فيها وتليق بواحدة بجمالك ومركز عيلتك، صدقيني وخليكِ معايا، هنعيش أنا وأنت ملوك على الأرض. ابتسمت بجانب فمها ساخرة قبل أن تقول بتقليل لشأنه: -أنا وأنت! ده أنت لو آخر راجل في الدنيا، مستحيل إني أتخيل نفسي معاك. ابتسم بزاوية فمه ساخرًا قبل أن يقول بغرور: -فيه مليون بنت غيرك تتمنى العرض اللي بقدمه لك ده. أجابته بكبرياء:
-أوك، روح بقى قدم عرضك ده لواحدة من المليون، لأني آخر واحدة ممكن توافق عليه. اشتعل داخله لكنه كظم غيظه وهو يقول بملامح متصنعة بالهدوء: -كل ده علشان خاطر الولد ابن مرات خالك؟! صدمت من حديثه ليتسع بؤبؤ عينيها وهي تسأله باستغراب: -أنت مين قال لك إن يوسف يبقى ابن مرات خالو؟! قهقه بصوت مرتفع ليرفع قامته لأعلى متباهيًا بحاله: -أنت شكلك مش عارفة أنت بتتكلمي مع مين يا بوسي.
وبرغم أنه استدرج صديقتها المقربة "علياء" وعلم منها صلة القرابة بين العاشقين، إلا أنه حاول إظهار حاله في صورة أكبر من حجمه الطبيعي: -أنا بعلاقاتي أقدر أعرف أي حاجة أنا عاوزها. احتدت ملامحها واكفهرت قبل أن تشير بسبابتها قائلة بتحذير صارم: -ابعد عني أنا و"يوسف" وده أفضل لك يا نبيل. لتتابع بتهديد مباشر: -ولو كنت مسنود على فلوس باباك رجل الأعمال، ابقى اسأل عن خالو "فؤاد" اللي بيعتبر "يوسف" ابنه، وجدو علام باشا زين الدين.
هو بالتأكيد يعلم أفراد عائلتها بالكامل ومكانتهم الاجتماعية المرموقة، حيث تحدث إلى أبيه عنها وعن رغبته بالزواج منها ويعود هذا لاختلافها عن كل بنات حواء اللواتي تعرف عليهن طيلة حياته وواعدهن، وعلى الفور سعد قلب الرجل حين علم بشخص جدها ومكانته الرفيعة داخل المجتمع، وحفزه على مواصلة لفت نظرها لتتقبل به كزوج. رفع حاجبه ليجيبها بتأكيد: -عارف وسائل كويس قوي، وعلشان كده متمسك بيك أنت بالتحديد.
رمقته باشمئزاز قبل أن تتركه وتتحرك بطريقها دون أن تعير لجملته اعتبار، لكنها صدمت بذاك الذي ولج لتوه من البوابة الحديدية للجامعة، وما أن لمحها تقف مع ذاك السمج حتى تحولت ملامحه لحادة غاضبة، هرولت لتقابله تقطع عليه الطريق كي لا يتشاجرا من جديد، لتسأله باستغراب: -يوسف! أنت مش المفروض عندك محاضرة؟! ثم استرسلت متعجبة: -وليه ما اتصلتش بيا وقولت لي إنك جاي؟! أجابها وهو يناظر ذاك الذي يطالعه كديك منفوش داخل حلقة مصارعة
ويبتسم بسماجة لينطق بجدية: -محاضرتي الأخيرة اتلغت فجيت أعمل للأستاذة مفاجأة واخدها ونخرج نتغدى مع بعض. حول بصره إليها ليتابع بحدة وعينين تطلق شزرًا: -لكن شكلي جيت في وقت غلط، لأن سيادة السفيرة كانت واقفة مع جنابه. أمسكت كفه لتحثه على المضي قدمًا باتجاه الخارج: -طب يلا علشان نتغدى، أنا جعانة جدًا ومفطرتش. طالعها بنظرات لائمة لتتابع بمثيلتها متوسلة: -علشان خاطري خلينا نمشي من هنا.
زفر بحدة حين وجد الرعب يسكن مقلتيها، فهي رقيقة كالنسيم، وأكثر ما يؤرق عليها حياتها ويصيبها بالارتياب والهلع هو الصوت العالي والشجار، لذا فضل المضي معها للخارج. وصلا لسيارته وفتح الباب المجاور لمقعد القيادة ثم نطق وهو يخرج هاتفه من جيب معطفه الرتيب: -اركبي. استمعت لحديثه بدون نقاش واستقلت المقعد ليغلق هو الباب بهدوء ثم تحدث إلى الحارس الخاص بقصر علام:
-شريف، تعالى على جامعة أستاذة بيسان وخد العربية بتاعتها وصلها الفيلا، أنا هسيب لك المفتاح مع أمن الجامعة. وبالفعل ترك المفتاح مع رجل الأمن الذي يعرفه جيدًا ويعلم شخصية "بيسان" وبأن تلك المرة ليست بالأولى، استقل مقعده لينطلق بالسيارة دون الالتفاف إلى تلك الجالسة بجواره وحدثها بحدة: -اتصلي على عمتي وقولي لها إنك خارجة معايا.
أومأت لتخرج هاتفها ثم تحدثت إلى "فريال" وبدورها رحبت، ظل ناظرًا أمامه دون أن يعير لوجودها اهتمام، لم تحزن منه لعدم تقديره لوجودها بل حزنت لأجل غضبه العارم وغيرته الحادة عليها، هي تحبه بل تعشقه حد الجنون وتقدر جيدًا غيرته العمياء عليها. التفت ناحيته لتنطق بدلال عل صوتها الذي يعشقه وهو حنون يستطيع إخراجه مما هو عليه: -ها يا جو، هتغديني فين؟ بصوت حاد نطق وهو ينظر أمامه دون الالتفاف لها: -شوفي عاوزة تروحي فين.
تدللت أكثر: -بس أنا عاوزاك تغديني على ذوقك، عاوزة كل حاجة أعملها في حياتي تبقى بموافقتك ورضاك. طالعها يعنفها بنظراته المتعذبة: -يهمك قوي رضايا يا بوسي؟ -طبعًا يا حبيبي... قالتها بنعومة مؤكدة ليصيح بعينين متألمتين: -طب ليه مصرة تثيري جنوني، برغم إني نبهتك بدل المرة ألف إنك ما تختلطيش مع اللي اسمه نبيل، إلا إنك مصرة تخالفي كلامي وتخرجي الوحش اللي جوايا. واستطرد:
-تعرفي إني مسكت نفسي بالعافية علشان ما أجريش عليه وأضربه بوكسين في خلقته يشوهوه، يمكن يفهم ويحس على دمه، ويبعد عنك. واسترسل بما أثبت مدى رجاحة عقله رغم حداثة سنه: -بس طبعًا سيادتك عارفة لو ده كان حصل في كلية عريقة زي دي، كان إيه اللي ممكن يحصل.
تعلم مدى خطورة نتيجة ذاك التصرف الأهوج لو كان فقد عقله وأقدم عليه، فكلية السياسة والعلوم السياسية هي واحدة من أعرق الكليات داخل مصر حيث يتخرج منها أغلب الساسة وصفوة الدولة، لذا الاقتراب من طلابها أو افتعال المشاكل داخل حرمها كي يعرض صاحبه للاحتجاز من قبل رجال الشرطة. وضعت كفها تحتوي خاصته لتنطق بنبرة حنون تطمئنه:
-أنا مش قادرة أفهم أنت ليه شاغل نفسك بواحد زي نبيل، الكلام ده كان ممكن يشغلك لو أنت مش واثق ومتأكد من حبي ليك، لكن أنت عارف يا جو إن مفيش في قلبي ولا هيكون غيرك. طالعها بنظرات تقطر عشقًا ليقول هامسًا: -أنا مفيش حاجة مصبراني في حياتي على كل اللي عرفته عن ماضي أهلي، وخسارتي لحلم النيابة غير حبك وعيونك يا بوسي. ابتسمت وتراقصت حولها فراشات العشق جراء كلماته، ليرفع هو كتفيه باستسلام ليتابع:
-بس غصب عني غيرتي بتقتلني لما بشوف الولد ده بيقرب منك. لتحتد عينيه ويهتف بقلب مشتعل: -ده حول من كلية الحقوق بعد ما عرف إنك مش فيها زي ما كنتي مقررة، ودخل اقتصاد وعلوم سياسة علشانك يا بوسي، وجالي مخصوص كلية الهندسة وقالي شوفت، أنا وهي بقينا في نفس الكلية، يعني القدر بيهيء لنا حياتنا اللي جاية مع بعض. زفرت حين استمعت لحديثه لتنطق بطريقة متذمرة:
-وبعدين معاك يا يوسف، هو أنت مخرجني علشان ننبسط مع بعض ولا علشان نضيع الخروجة كلها في سيرة البتاع ده! تنفس بعمق محاولًا تهدئة حاله، لكنه لم يستطع كبح غضبه ليسألها بصوت جاهد بإخراجه هادئًا: -كان عاوز منك إيه؟ طالعته متعجبة لتزفر قبل أن تجيبه بحدة عل ذاك النقاش عديم المنفعة ينتهي ويرتاح قلبه: -كان بيسخف وكالعادة اديته في وشه وسيبته ومشيت. ابتسم رغمًا عنه ليسألها مكررًا المصطلح التي استخدمته للتو:
-اديتيه في وشه إزاي يعني؟ رفعت كتفيها قبل أن تقول بابتسامة: -صحبتي بتقولها كده، لما تحرج حد بتقول اديته في وشه. قهقه عاليًا من شدة ضحكاته لتتجمد وهي تنظر على ذاك الوسيم الذي يستطيع بضحكة منه أن يأسر قلبها ويسحبها من العالم أجمع ليسحرها بعالمه الخاص به هو وهي فقط لا غير. نطقت وهي تطالعه كالمسحورة: -خليك كده دايمًا يا "يوسف"، الضحك والسعادة لايقين عليك قوي.
تنفس عاليًا حين تذكر حياته الرائعة وضحكاته قبل ذاك اليوم المشؤوم الذي نزل عليه كقنبلة فوق أرضه لتتناثر أحلامه هنا وهناك وتتوقف ضحكاته وتتجمد، ولولا وجود عيناي تلك الرقيقة ووقوفها بجانبه رغم رفضه وثورته على الجميع ودخوله بنوبة اكتئاب حادة أثرت بالسلب على إيثار وأدخلتها بنوبة هلع وبكاء هيستيري لا ينقطع، مما جعل من فؤاد يتحرك سريعًا ويعرضه على طبيب نفسي، وبمساعدته والجميع وخصوصًا "علام" استطاعوا إخراجه بصعوبة، وبرغم هذا لم يعد لحياته كما كانت، لكنه مازال يحاول مواصلة الحياة وتخطي تلك الطامة الكبرى.
تطلع عليها ثم تحدث ونبضات قلبه تنتفض وتدق كطبول حرب: -بحبك يا قلب وعمر يوسف كله. ابتسمت لتسحب عنه عينيها بخجل أسعده، ليعود متابعًا الطريق من جديد. بعد قليل كانا يتناولان أكلتهما المفضلة، تلك الشطائر "البيتزا". نظر عليها وهي تجفف فمها بمحرمة ورقية لينطق وهو يشير إلى صحنها: -كملي أكلك يا قلبي. أشارت بكفها لتنطق باكتفاء: -عاوزني آكل إيه تاني يا جو، أنا أكلت لدرجة إني مش قادرة أتنفس خلاص.
ثم تابعت وهي تتطلع عليه بنظرات تهيم عشقًا: -تعرف يا يوسف، معاك كل حاجة بيبقى لها طعم تاني ومختلف، حتى الأكل. ابتسم ليقول وهو يمسك مثلثًا من الشطيرة استعدادًا لقطمها: -بالهنا والشفا يا حبيبتي.
أمسكت بالمياة الغازية ترتشف منها وتبتسم، بعد قليل كانت تجاوره الجلوس داخل السيارة وهي بقمة سعادتها، فحقًا معه كل شيء مميز ومختلف. وصلا لمكان منزليهما لتتبدل ملامحها حين وجدت ذاك الحانق ينتظرها والسخط يكسو ملامحه، توقف يوسف أمام منزلها الذي يسبق القصر ببضعة أمتار، ليترجل وهي أيضًا بنفس التوقيت، تحدث بهدوء لذاك الواقف يرمقهما بحدة: -إزي حضرتك يا دكتور. نطق مرغمًا وبحدة: -الله يسلمك. ثم وجه حديثه لابنته: -فين عربيتك؟!
تحدثت بهدوء لاعتيادها على ذاك الأمر منذ أن أهدت "إيثار" تلك السيارة إلى "يوسف" بعيد ميلاده التاسع عشر: -الـ bodyguard أخدها من الكلية وجابها هنا، وأنا خرجت مع جو اتغدينا. رمقها بحدة ليسألها بطريقة جديدة عليها ومختلفة كليًا عما هي معتادة عليه: -استأذنتي مني قبل ما تخرجي معاه؟ شعر بتلبكها فأراد التدخل كي يرفع عنها كهل تلك المواجهة: -إحنا استأذنا من عمتي. -مين عمتك؟! قالها وهو يرمقه بنظرات حادة كالصقر، ليجيبه
الآخر وهو يبتلع لعابه: -عمتي فريال. -أولًا فريال مش عمتك، ولا عمرها هتكون… قالها بجبروت ليكمل بقسوة وحروف ذات مغزى: -أنت كبرت وكل الحقايق انكشفت قدامك، والمفروض تتعامل على ده الأساس. قالها بحقد ملمحًا ما علم به الشاب مؤخرًا عن عائلته مما جعل الحزن يقتحم قلبه وما شطره لنصفين ما نطق به متابعًا: -المفروض كمان إنك تستأذن مني أنا لما تحب تخرج مع بنتي، ولا علشان اللي ربتك واحدة ست فانطباعك إن كل البيوت بتديرها ستات؟!
وبرغم كلماته القاتلة والمقصودة ليبتعد عن ابنته إلا أنه تماسك ووقف بقوة شامخًا قبل أن ينطق بحزم: -أنا اللي رباني سيادة المستشار علام زين الدين وسيادة المستشار فؤاد زين الدين، والاتنين علموني الأصول كويس قوي وعمري ما أتخطاها، وطول عمري وأنا بخرج أنا وبيسان لوحدنا، وبستأذن من "فريال" هانم. واسترسل بذات مغزى: -طالما كلمة عمتي بتزعل حضرتك. وتابع مسترسلًا: -وعمرك ما اعترضت على ده، بالعكس، حضرتك كنت واخد الموضوع عادي جدًا.
وتساءل تحت دموع بيسان التي سالت لأجله: -إيه اللي اتغير علشان كلامك ده؟! بقوة وصرامة أجابه: -حاجات كتير قوي اتغيرت، وبلاش أقولها علشان ما أجرحكش. وتابع آمرًا بحدة: -ومن النهاردة ممنوع منعًا باتًا إنك تخرج مع بنتي أو تقعد معاها لوحدكم، حتى لو كان في جنينة قصر الباشا.
اتسعت عينيه وتمزق قلبه ألمًا من شدة ما شعر به من إهانة توجهت له على يد والد الفتاة التي يعشقها، ما زاد من إيلام روحه هو وجودها أمامه لترى عجزه أمام والدها الحقير، لم يعطه حق الرد والدفاع عن نفسه ليجذب نجلته من رسغها ويجرها خلفه بطريقة همجية صدمتها كونها المرة الأولى التي يعاملها بها والدها بتلك الطريقة الغير متحضرة بالمرة، ليتركا الآخر يتلقى خيبة جديدة تضاف لخيباته التي تتوالى واحدة وراء الأخرى. عودة للحاضر
تنفست بألم ينخر بأعماق قلبها ويكاد يفتك به، تحركت للداخل كي تغتسل وتبدل ثيابها، بعد عدة دقائق كانت تنزل الدرج لتنضم إلى طاولة الفطار التي تضم والديها وشقيقها، سألها والدها باهتمام: -عيونك منفخة ليه كده؟ أشاحت بوجهها عنه لتنطق بهدوء: -مش نايمة كويس. -ليه؟! كلمة حادة وجهها لها لتجيبه بتوتر: -كنت بذاكر. لم ينطلِ عليه حديثها ولهذا تحدث بصرامة: -زي ما اتفقنا، مفيش دخول لقصر الباشا النهار ده، اقعدي ذاكري أحسن.
نطق الفتى باستغراب: -بس ده جو جاي النهاردة يا بابي. -فؤاد... قالها حازمًا ليصمت الفتى مستغربًا حالة والده التي تحولت كليًا وكأنه تبدل لآخر، تلك المرة تحدثت فريال وهي تقول بنبرة مبطنة بالتحذير: -ولو جدها سأل عليها يا دكتور، هترد عليه تقول له إيه؟ طالعها بجبين مقطب ليتحدث بقوة: -دي مشكلتي يا فريال وهعرف أحلها، اهدي أنت بس كده وريحي أعصابك المشدودة دي.
تنفست لتكظم غيظها منه وتستدعي الصبر على تصرفات ذاك المتحول، وقفت الفتاة لتنطق وهي تتحرك للتأهب للصعود إلى غرفتها من جديد بعدما شعرت وكأن حجرًا ضخمًا يجثو فوق صدرها: -بعد إذنكم. -رايحة فين؟! التفتت ليتابع والدها بأمر: -اقعدي كملي فطارك. بكسرة قلب تحدثت بنبرة خرجت مختنقة لتوقف الدموع بمقلتيها: -مليش يا نفس، ومن فضلك يا بابي سيبني براحتي وبلاش تخنق في روحي أكتر من كده.
نطقت جملتها الأخيرة لتسرع مهرولة للدرج ودموعها تسيل فوق وجنتيها من شدة شعورها بالظلم التي تتعرض إليه على أيادي جميع أحبتها. ***
بقصر سعادة المستشار "علام زين الدين" تحديدًا داخل الجناح الخاص بذاك الحبيب وتلك العاشقة التي خرجت بطلة رائعة من ملحق غرفة الملابس، فقد ارتدت أفضل ما عندها وتأنقت احتفاءً بقدوم نجلها الحبيب إلى القصر اليوم، فسعادتها اليوم لا توصف، تطلعت بعينين سعيدتين على ذاك الذي يتوسط الفراش ومازال بالنوم غارقًا، اقتربت من المنضدة لتلتقط جهاز التحكم عن بعد الخاص بالستائر، ضغطت زر الفتح لتنزاح الستائر ويقتحم نور الشمس الغرفة لتتسلط أشعتها الذهبية من خلف الزجاج وتسقط فوق وجه ذاك الغافي الذي تملل لتنكمش عينيه بانزعاج ثم فتحهما رويدًا رويدًا ليحجب بذراعه الشمس عن عينيه، نظر أمامه ليرى تلك الجميلة المبتسمة وهي تقول
بوجه مبهج كإشراقة الصباح: -صباح الخير يا حبيبي، يلا قوم بسرعة يا كسلان علشان نفطر مع بابا. فرد ذراعيه وتمطأ بتكاسل وهو يسألها: -هي الساعة كام؟ -تمانية. تعجب ليسألها: -وإيه اللي مصحيكِ بدري كده، المفروض النهاردة الجمعة يعني يوم أجازتنا، والكل عارف إننا بنسهر الخميس برة البيت وبنرجع متأخر نكمل سهرتنا هنا في الجناح، وطبيعي بنقوم متأخر. تطلع إلى تلك المبتسمة لينطق بعدما تذكر: -آه، مش تقولي إن جو جاي النهاردة.
اقتربت عليه لتجلس بجواره وهي تقول بسعادة هائلة: -يظهر إن سهرة إمبارح في أوضة الجاكوزي أثرت على ذاكرة سيادة المستشار. غمز لها قبل ان يقول بمشاكسة: -وهو اللي حصل منك إمبارح يخلي الواحد يحتفظ بعقله يا مديرة. نطقت بذهول وعدم استيعاب لما حدث منه بالأمس: -فيه راجل عاقل يدخل بمراته أوضة الجاكوزي بعد سهرة طويلة برة البيت، وفي عز الشتا والساعة واحدة بالليل يا مفتري. -بس أنت كنت وحش يا إيثو...
قالها وهو يغمز بوقاحة مما جعلها تضحك بدلال، جذبها من رسغها لتعتليه وتحدث غامزًا: -تعالي هنا، أنت مين اللي سمح لك تاخدي شاور وتسيبيني نايم، ها؟ حاولت التملص من بين قبضتيه وهي تقول: -بطل شقاوة ويلا خد الشاور بتاعك علشان ننزل نفطر ونستنى يوسف. بدلال تحدث: -طب نامي في حضني شوية. -فؤاد... قالتها بتملل ودلال ليجيبها بهمس: -عيون حبيبة يا بابا. ابتسمت لتنطق بنعومة أنثوية: -وحياتي تقوم علشان تفطر معايا. ثم تابعت
بحماس وعينين تنطق سعادة: -عاوزة أدخل المطبخ علشان أعمل ليوسف بنفسي كل الأكلات اللي بيحبها. تلمس بشرة وجنتها الناعمة وهو يقول بابتسامة حنون: -مبسوط قوي علشانك، وعلشان يوسف أكتر، إن شاء الله تبقى بداية وربنا يهديه، وعلى الأقل يزورنا هنا كتير علشان أخواته اللي متعلقين بيه. اكفهرت ملامحها لتهب من فوقه وبلحظة كانت تقف على الأرض، تحدثت باعتراض: -يزورنا، طب قول ربنا يهديه ويرجع يعيش معانا؟
نفض عنه الغطاء وبلحظة كان يقابلها الوقوف ليحتضن وجنتيها قبل أن يقول بتعقل: -يوسف مش هيتخلى عن أخته، ده تربية إيدي وأنا أدرى بيه. ثم تابع ناصحًا: -ياريت تأقلمي نفسك على كده علشان ما تتعبيش وتتعّبيني معاكِ. تملك الألم من ملامحها وارتسم الحزن لتنزل عينيها للأسفل مما جعله يتألم لأجلها فتحدث وهو يتأمل عينيها:
-وحياة فؤاد عندك لتهدي وتسيبي الولد يعمل اللي يريحه، يوسف مبقاش صغير يا بابا، ده راجل ومش أي راجل، يوسف راجل يعتمد عليه وسند لأخته. تنهدت بألم، لا تنكر أنها تحاول جاهدة مؤخرًا الاعتياد على هذا الوضع الذي فرض عليها، لكن قلب الأم لا يستوعب ولا ولن يتقبل بعد، ذاك الذي لطالما رأته ذاك الصغير ذو الستة أعوام والتي حاربت من أجله عالمها بأجمع.
جذبها لتسكن أحضانه، تنهدت براحة شعرت بها لتستمتع بلمسات يده الحنونة وهي تصول فوق ظهرها بنعومة وهمسات بكلمات حنونة من ذاك العاشق جعلتها تدخل في حالة من الاسترخاء، تلاشت بلحظة دخول ذاك المشاغب الصغير الذي اقتحم الباب وهو يقول: -أنتوا بتعملوا إيه؟! انتفضت لتبتعد سريعًا ليتحدث إليها متعجبًا: -فيه إيه يا إيثار؟! ابتلعت لعابها خجلًا ليتابع بحدة: -محسساني إنه قفشنا في وضع مخل، أنت لابسة كامل هدومك وحجابك يا بابا.
ثم تطلع على ذاك الذي يربع ذراعيه ليتابع بحدة وغضب طفولي: -جو قرب ييجي وأنتوا لسه منزلتوش، دي زوزة عملت له الجيلي اللي بيحبه، وأنا كمان بحبه معاه. كظم فمه لينطق بمداعبة: -اسكت يلا، كلامك بيعمل مشاكل. ابتسمت زينة على الصغير لتقول بهدوء: -أنت جميل قوي يا "مالك". -وأنت كمان.
بات يتطلع بعينيه باحثًا عنها بلهفة بين جميع الحضور، أصابه الإحباط عندما تأكد من عدم وجودها، أقبلت عليه والدته التي احتضنته بحبور تجلى بعينيها، وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول: -نورت بيتك يا حبيبي. لتبتعد قليلًا تحتضن وجنتيه متلهفة وهي تقول: -وحشتني يا جو، وحشتني قوي يا حبيبي. بلهفة لا تقل عن لهفتها تحدث وهو يحتوي ذراعيها بكفيه: -أنت كمان يا قلبي وحشتيني قوي، طمنيني عليكِ يا ماما. هتفت بسعادة وعينين
تتلالأ بهما دموع الفرح: -أنا بخير لما شوفتك قدامي يا يوسف. التفتت إلى تلك التي تقف وشعرت بحرجها، أقبلت عليها لتحتضنها وهي ترحب بها بحفاوة وسعادة: -نورتي يا "زينة"، إزيك يا حبيبتي. لطالما وضعتها بخانة المظلوم وأشفقت عليها وعلى الطريقة التي أتت بها إلى الحياة، لكن تعاطفها تضاعف بعدما ذهبت إلى منزل "حسين" ورأت بعينيها تلك الحياة البائسة التي نشأت وكبرت بها.
كانت تتمسك بذراع يوسف وتتطلع على تلك الدخيلة بحدة وتقييم لهيأتها قبل أن يوجه يوسف إليها الحديث: -مش هتسلمي على "زينة" يا "تاجي"؟ يناديها بـ تاجي كنوع من الدلال والغنَج ونسبها إليه كونها الفتاة الوحيدة بالمنزل والتي لاقت من الجميع دلالًا لو قام توزيعه على بلدة بأكملها لكفى وفاض. تنهدت بثقل وبابتسامة متصنعة تحدثت: -إزيك. برغم الشعور بعدم التقبل الذي وصل لديها من تلك المراهقة إلا أنها عذرت تفكيرها كونها فتاة صغيرة
وتحدثت بابتسامة بشوش: -الله يسلمك يا "تاج". أما ذاك الخلوق زين فتحدث باحترام: -أخبارك إيه يا "زينة"؟ فجميع أشقائه تعرفوا عليها بالسابق أثناء زيارة شقيقهم، أجابته بابتسامة: -أنا بخير الحمد لله يا "زين". -عامل إيه يا بطلي في المذاكرة؟ جملة قالها يوسف بحفاوة لذاك الرزين الذي عدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجدية ووقار يسبقان سنوات عمره القليلة: -كويس جدًا يا جو، بتبع نصايحك في المذاكرة. -ربنا يبارك فيك يا حبيبي...
قالها ثم نظر لشقيقته "زينة" يتمسك بكفها ويتحرك للأمام كي لا تشعر بوحدتها، توقف ليُقبل على "علام" الذي فتح ذراعيه يستقبله بحفاوة: -الندل اللي نسي جده خلاص. احتضنه بقوة ليقول بتأثر: -مش علام باشا اللي يتنسي، حضرتك علامة بتثبت وتستوطن جوة عقل أي حد يشوفك ولو مرة، فما بالك باللي عاش واتربى جوة حضنك يا حبيبي. تأثر بكلماته لدرجة أنه كاد أن يوشك على البكاء، لكنه تماسك وضمه من جديد ليشتم رائحته العطرة التي تتوق إليها،
نطق بعتب عليه: -كده يا يوسف، تسيب حبيبك بعد ما كبر وعجز وبقى محتاج لك تسنده في شيبته. ثم ابتعد تحت تأثر كل من حوله ليتابع وهو يخبط على وجنته بخفة: -ده أنا كنت بقول لنفسي إنك هتبقى عكازي يا ندل. -وأنا روحت فين بس يا باشا، أنا تحت الأمر ورهن إشارتك... ليتابع بصدق وعينين متأثرتين: -في أي لحظة تحتاجني رن لي، هتلاقيني تحت رجليك في ثانية.
ربت عليه ليميل على وجنته يقبلها باشتياق مما أسعد قلب يوسف، لتجذبه تلك الحنون التي تشوقت هي الأخرى وطال انتظارها لاحتضانه: -هو دلع جدك "علام" هينسيك تيتا ولا إيه يا جو. -حبيبة قلبي وحشتيني... احتضنها بقوة لتبتسم بسعادة وتقول: -أنت اللي وحشتني جدًا يا "يوسف". استقبل علام الفتاة قائلًا: -إزيك يا "زينة"، عاملة إيه يا بنتي. -الحمد لله حضرتك. استقبلتها أيضًا عصمت بترحيب عالٍ أسعد قلبها وبث بداخله الطمأنينة.
-إزيك يا حبيبي... قالتها فريال وهي تقبل خديه بحفاوة، فقد تربى على يدها واتخذته كنجليها تمامًا، نطق بسعادة: -الله يسلمك، إزي حضرتك. لكزته بكتفه بقوة قبل أن تهتف باعتراض: -إيه حضرتك دي يا ولد، نسيت أيام ما كنت لسه بشورت وبتقولي. وقلدت صوت طفولته: -تعالي العبي معايا لحد ما جدو علام ييجي من الشغل يا عمتو.
أطلق الجميع ضحكاتهم تحت غضب "ماجد" وحدة نظراته المصبوبة كسهام نارية إلى زوجته التي تجاهلته تمامًا لتحول بصرها إلى تلك المجاورة لـ إيثار: -أنت زينة؟ أومأت بصمت وخجل لتتابع الأخرى بانبهار: -ده أنت طلعتي جميلة قوي يا زينة، زي القمر يا حبيبتي. وأقبلت تقبلها تحت شعور الفتاة بالاطمئنان والراحة من قبل تلك الحنون.
أما "ماجد" فأقبل باسطًا كفه إلى "يوسف" كي لا يدع الجميع يلاحظون العداوة، فهو شخص شديد الذكاء يتمتع بالخبث والدهاء معًا، وتلك العادات طارئة عليه نتيجة حقده مما حدث من مستجدات مؤخرًا، كخسارته الكبيرة بحلم ابنته الوحيدة واستيلاء إيثار ووضع يدها على جميع أملاك العائلة من وجهة نظره وما تبثه والدته من سموم داخل نفسه، فلطالما عامله أمام الجميع بمنتهى اللطف، بينما ينتهز فرصة انفرادهما ويمارس عليه شعور القوة ليقهره ويشعره بالضعف، ويقوم بالتقليل منه كي يجبره على الابتعاد مرغمًا عن "بيسان":
-إزيك يا يوسف. -الحمد لله يا دكتور... نطقها بقامة مرتفعة ليشيح عنه نظره سريعًا لعدم تقبله للنظر إليه مؤخرًا. ظهر فؤاد حيث كان بالداخل يعمل على بعض الملفات الهامة لتخبره العاملة، بابتسامة سعيدة فتح ذراعيه ليقبل عليه الآخر بلهفة ويرتمي بأحضانه مستندًا برأسه فوق كتفه مثلما كان يفعل دومًا، فلطالما كان له السند والدفء والعون بعد الله، تحدث وهو يشدد من تمسكه به وكأنه يتمنى الرجوع إلى الماضي وطفولته البريئة:
-إزيك يا أنكل، وحشتني. ربت فؤاد على ظهره بحنان قبل أن ينطق بصوت متأثر: -عامل إيه يا حبيبي. ابتعد قليلًا وتحدث: -أنا بخير الحمد لله، وحشتني مناقشاتنا وقعدة الجنينة بالليل. ابتسم له وتنهد متأثرًا قبل أن يقول: -تعالى كل يوم يا حبيبي وإحنا نقعد زي زمان، هات أختك وتعالى، ده بيتك يا جو. أومأ بابتسامة فقال فؤاد من جديد: -مجهز لك ماتش هنلعبه مع بعض بالليل، ومش هرتاح غير لما أغلبك النهار ده.
-وأنا مستعد للهزيمة لخاطر عيونك يا باشا... قالها وهو يتحرك بجواره ليقول فؤاد بمشاكسة: -بس يلا يا بكاش، كل مرة بتقول فيها كده وبردو بتهزمني، ومش أي هزيمة، ده بيكون فوز ساحق. بدعابة تحدث: -ما أنت اللي ما بتعرفش تلعب يا باشا، لا وفاكر لي نفسك حريف. تشاركا القهقهة ليجد من تهرول إليه لتحتضنه بحفاوة قائلة: -كده تيجي من غير ما تسأل عليا يا يوسف؟ -والله يا حبيبتي كنت لسه هدخل لك.
-سماح المرة دي، أما أنا بقى عاملة لك طاجن مسقعة باللحمة المفرومة، هتاكل صوابعك وراه. -طول عمري وأنا بعشق أكلك يا وزة... قالها بدلال لتبتسم ثم تحدثت إلى فؤاد: -شايف الناس اللي كلامها زي البلسم يا باشا. وربتت على صدرها بكف يدها لتتابع بفخر وهي تهز رأسها: -تربيتي. اتسعت عينيه ليتحدث بذهول: -بقى المحترم ده تربيتك أنت؟! ***
باللحظة الأولى التي اتخذت بها قراري الحاسم بالابتعاد عنك، كنت أعلم أنه ليس بالقرار السهل على كلانا، وكيف للمرء أن يتخلى بسلاسة عن خليل روحه دون اختلال حياته وفقدانه للاتزان الكامل. لقد رافق كل منا رحلة حياة الآخر منذ أن كنا صغارًا حتى أصبحنا بريعان شبابنا. لطالما كنتِ بعيني كزهرة برية رائعة المظهر، طيب عطرك سابقًا لخطواتك، ولطالما كنتِ الأنثى المفضلة لدي، بل الأفضل والأروع على الإطلاق وستبقين. برغم يقيني من هلاك قلبي
جراء ابتعادك عنه، لكنني اتخذت ذاك القرار عن قناعة امتثالًا لكرامتي وعزة النفس. قمعت مشاعري وضغطت على جرح قلبي بيدي وتركته يتلوّع وجعًا من شدة الاشتياق. ادّعيت الصمود لأقف شامخًا وبيدي كظمت صرخات قلبي الذي يئن ألمًا لكي أتفادى الانهيار. حاولت جاهدًا ألا أرى عيناكِ لكي لا أفقد طاقة صبري وينزف جرحي من جديد وأسرع مهرولًا كي أضمّك بروحي لإطفئ نار اشتياقي. واليوم قد عدت، وها أنا الآن أقف أمام سحر عينيكِ لينفجر قلبي صارخًا
من مجرد رؤيا من تمكنت من استيطان العقل وامتلاك لب القلب وثنايا الروح.
"يوسف عمرو البنهاوي" بقلمي "روز أمين" ***
داخل الشقة التي استأجرها يوسف ليقطن بها هو وشقيقته، دقت الساعة الحادية عشر ظهرًا، ارتدى كامل ثيابه ونثر عطره الرجولي على جسده بسخاء، تطلع على حاله عبر المرآة، انتفض قلبه بقوة داخل صدره عندما تذكر أنه من المحتمل أن يراها اليوم، هي من تملكت من القلب والعقل معًا، لقد نشأ غرامها بداخله تزامنًا مع سنوات عمرهما معًا، تذكر دموعها باليوم الذي تركها به، يا الله، كم كان يومًا كئيبًا بل الأبشع على الإطلاق منذ نشأته، حتى أن حزنه في ذاك اليوم فاق صرخات قلبه الرافضة حين عَلِم بقصة عائلته، ألم قوي اقتحم قلبه ليزلزل كيانه بالكامل حين لاحت بمخيلته مشهد دموعها وتأوه قلبها النازف وهي تترجاه وتتوسله بكل ما هو عزيز لديه بألا يفعل بهما هذا.
عودة لما قبل الشهرين.
أصبحت رؤيته لوجه ذاك الـ "ماجد" تثير اشمئزازه وتورق عليه حياته، وما عاد فيه تحمل سخافاته أكثر من ذاك، بالإضافة إلى وضع شقيقته المزرِي، فمنذ أن علم بوجودها وذهب لرؤيتها التي صدمته، فما كان يخطر على باله أن تكون تلك هي حالة شقيقته، تأثر كثيرًا وبات يضغط على حاله في البحث عن فرص عمل أكثر عبر الإنترنت ليزيد من فرصة كسبه للمزيد من المال من أجل انتشال تلك البائسة والنأي بها من مستنقع العوز الذي حيت بداخله منذ نشأتها، انغمس
في المذاكرة وتطوير ذاته بالإضافة إلى العمل كي يشغل كل وقته، انعزل في غرفته وبات يقضي بها معظم وقته أثناء تواجده في المنزل كي يقلل من فرص رؤية ماجد وأيضًا بيسان، مما جعل حالة إيثار تتأثر سلبًا من عزلته، استطاع جمع المال من عمله وبلحظة قرر الرحيل، قام بتأجير مسكن في منطقة متوسطة الحال وقرر إخبار مالكة القلب، ذهب إليها في الجامعة، فذاك هو المكان الوحيد الذي يستطيع أن يراها به دون قيود، هاتفها ففرحت كثيرًا وانتظرته، وصل
إلى الجامعة وجدها تنتظره بلهفة داخل الفناء، هرولت عليه لتنطق بحبور ظهر جليًا
بمقلتيها الساحرتين: -يوسف، أنا مبسوطة قوي إنك طلبت تقابلني، أخيرًا هتفوق وتبطل تاخدني بذنب بابي. مع كل كلمة تنطقها كانت تزيد من إيلام روحه وأنين قلبه الذي امتلأ شروخًا وما عاد فيه الاحتمال، أكملت لتزيد من عذاباته: -أنت وحشتني قوي يا يوسف. واسترسلت بقلب يفيض غرامًا ويترجم ذاك الشعور ليظهر جليًا بعينيها: -بص لي يا يوسف، عيونك وحشتني قوي.
انتفض قلبه صارخًا يئن ألمًا مطالبًا إياها بالرحمة والكف عن تلك الكلمات التي ما تزيد روحه إلا مزيدًا من الوجع، بحث عن صوته كثيرًا وترجاه كي يظهر ولا يخجله، ليمتثل لأمره قائلًا: -إحنا لازم نتكلم يا "بيسان". -أول مرة تقول لي يا "بيسان" وإحنا لوحدنا! ... قالتها بحزن وخيبة أمل لتتابع بحيرة: -مالك يا "يوسف"، فيك إيه يا حبيبي؟
كلماتها جالدة للذات، نظراتها كصرخات تنزل على جسده تشعل ناره، بلحظة فكر بأن ينصاع لنداء قلبه ويشق صدره ليخبأها داخله ويرحل مهرولًا تاركًا عالمه المظلم ذاك، ويحيا معها حياة العاشقين، ينهل من شهد غرامها ويسقيها من كأس عشقه العظيم، لكن العقل والضمير متيقظان ويقفان لذاك القلب بالمرصاد، بصعوبة أخرج صوته بعدما حسم أمره: -تعالي نتكلم برة في العربية.
سعد داخلها ومَنّت حالها بأنه عاد معتذرًا عن كل ما مضى من الابتعاد اللعين الذي قرره منذ ما يتخطى الستة أشهر، أمسكت كفه سريعًا وضمته بين راحتها لتنطق وهي تتعمق بمقلتي ذاك الذي انتفض جسده بالكامل من إثر لمستها معلنًا العصيان على ذاك العقل الجاحد، رغمًا عنه أطبق أنامله يحتوي كفها وترك لجام قلبه ليستمتع بلمساتها الأخيرة، وصلا للسيارة لكنه توقف أما الباب الخاص به ولم يفعل ككل مرة كان يهرول بها ويفتح لها الباب حتى تجلس براحة ويطمئن على وضعيتها ثم يغلقه بهدوء كي لا يزعجها بصوته، وقفت تتطلع على ذاك الذي ناظرها
بملامح جامدة وهو يقول: -اركبي يا بيسان. تنهدت وتحركت بساقين متثاقلتين تجر بهما أذيال خيبتها، استقلت بجواره لتجده يتطلع أمامه متمركزًا بمقلتيه في نقطة اللاشيء، تلاشت حدسها المتشائم لتسأله بنبرة متفائلة رغم ما تشعر به من أعاصير قادمة: -مش هتتحرك، تعالى نروح الكافية بتاعنا ونشرب الكابتشينو اللي بنحبه. نظر للأمام وبمنتهى القسوة تحدث: -مش هينفع، إحنا هنتكلم هنا، وبعدها هتنزلي وتاخدي عربيتك وتروحي على بيتك.
توقف لوهلة ثم ابتلع لعابه يجاهد بإخراج الكلمة التي خرجت حروفها كأنها تصرخ بأعلى صوتها: -وتنسيني للأبد. فغر فاهها ببلاهة، لم تستوعب ما نطق به، تشوش عقلها وكأنه رافض تصديق ما وصله، نطقت بحروف متقطعة: -أنساك إزاي يعني، هو فيه إيه يا يوسف؟! تطلع عليها بجمود حارب ليستطيع الصمود عليه، تابعت وهي تهز رسغه عله يستفيق: -يوسف، أنت بتخوفني بكلامك ده، أرجوك اتكلم وطمني. تنهد بقوة لينظر بعينيها قائلًا بما نزل على
قلبها ليشطره بدون رحمة: -أنا جاي أحلك من أي وعد وعدتهولك في يوم من الأيام، حكايتنا خلصت لحد كده. -أنت بتقول إيه؟! ... قالتها بهلع لتتابع وهي تهزه من كتفه بقوة: -فوق يا يوسف، فوق وشوف أنت بتقول إيه. أخذ نفسًا مطولًا ليتماسك ثم تحدث ناطقًا:
-أنا فايق كويس قوي وعارف أنا بقول إيه، قراري أخدته بعد تفكير عميق، ولقيت إن ده أنسب حل ليا وليكِ، أنا أخدت شقة بعيد، وهنقل فيها النهاردة، هعيش فيها أنا وأختي، والقصر أنا مش هرجعه تاني. صرخت ودموعها شرعت بالهطول كأمطار غزيرة بليلة شتوية شمسها غائب: -مش هسمح لك تدمر حلمنا علشان أوهام في دماغك، حرام عليك بقى. -دي مش أوهام، فوقي بقى، ده الواقع اللي عايشينه... كلمات نطقها بنظرات حادة ليتابع بصياح مرتفع أرعبها
وأصاب جسدها بالانتفاض: -أنت فاكرة إيه؟ سهل قوي بالنسبة لي لما أجي وأقولك خلاص، إحنا لازم نسيب بعض، أنا بموت من جوايا وأنا بنطق الكلمة. ليتابع مسترسلًا بألم: -بس خلاص، الواقع بيقول إن حكايتنا خلصت لحد كده. مالت برأسها ونطقت وقلبها يتمزق: -وأنا المفروض أعمل إيه الوقت، أضغط على زرار النسيان جوايا وأنزل من عربيتك ناسيه كل حاجة كانت بينا؟! وتابعت بوجع وهي تبتسم ساخرة مشيرة بكفها:
-ذكريات سنين طويلة بقى، وحب عمره قد سنين عمري، مشاعر اتخلقت جوانا ومواقف عشناها زودت ارتباطنا ببعض. تابعت بدموعها المنهمرة: -لمسات ونظرات زودت من ارتباط روحنا، وكلام هيج جنون حبنا لبعض، أحلام حلمناها وصدقناها وسعينا نحققها، المفروض إني أضغط على زرار وأعمل delete لكل المشاعر دي؟! طالعها بعينين تتلألأ بداخلهما دموع القهر والخذلان لتتابع بضعف ودموع وهي تهز كتفيها مستسلمة: -طب قولي أنت يا "يوسف"، أعمل إيه؟
-ده نصيبنا ولازم نرضى بيه... قالها باستسلام طارئ على شخصيته القوية ولا يليق به، لتصرخ باعتراض: -ده مش نصيبنا، ده قرارك الأناني اللي أخدته لأنك ضعيف ومش قد المواجهة. اتسعت عينيه ليصيح بحدة معترضًا: -أنا مش ضعيف. بحدة مماثلة عارضته: -لا ضعيف، وطلعت مش راجل كمان زي ما كنت فكراك يا يوسف، لأن مفيش راجل بيتخلى عن وعد إداه لواحدة سلمت له قلبها واطمنت على نفسها وهي معاه. هتف بحدة تنم عن مدى ما أصابه من غضب جراء حديثها
المهين له كرجل شرقي حر: -أنا لو مش راجل بجد، ما كنتش قتلت نفسي في الشغل علشان أقدر أتحمل تكاليف العيشة أنا وأختي لوحدنا، لو مش راجل، كنت سيبت أختي لكلاب الشوارع تنهش فيها وأنا عايش مرتاح وملك زماني في قصر علام باشا. أشارت على حالها تسأله بذهول وعدم استيعاب: -طب وأنا يا يوسف، ما فكرتش فيا زي ما فكرت في أختك وفي معاملة بابا ليك؟! بكلمات جادة وملامح وجه جامدة أجابها:
-فكرت، ولقيت إن أبوكِ عنده حق في تفكيره، هو من حقه يطمن عليكِ مع راجل من عيلة محترمة. -هترضاها عليا يا "يوسف"؟! هتتحمل تشوف "بيسان" مع راجل غيرك؟! برغم كلماتها المميتة والذي أشعلت داخله وحولته لجحيم مستعر إلا أنه تظاهر بعكس ما يدور وتحدث ببرود قاتل: -ربنا يوفقك مع الإنسان اللي يستاهلك بجد. ذهول وحالة من النكران وعدم الاستيعاب سيطرت عليها وشلت جميع حواسها، صمت رهيب دام لبضعة دقائق. -انزلي يا بيسان.
شهقت من شدة ذهولها لكلمته ليتطلع أمامه ويقول بنبرة ضعيفة أظهرت كم الآلام الساكنة روحه: -انزلي بقى... نطقها بصوت يئن وجعًا لترتفع شهقاتها ليدفع بيده فوق عجلة القيادة وبات يدق عليها بصراخ كمجنون: -انزلي، يلا انزلي وانسيني، انزلي بقول لك.
اتسعت عينيها وصاحبتها انتفاضة قوية لجسدها لتمسك بمقبض الباب بيد مرتعشة وتفتحه لتهرول هاربة ودموعها تتدفق كشلالات فوق وجنتيها جعلت من كل المارة ينظرون عليها باستغراب وشفقة، كانت تجفف دموعها بكفيها معتقدة بأنها ستتوقف، هرولت على السيارة لتفتح بابها بارتباك ويد مرتعشة، وأخيرًا ارتمت فوق مقعدها لتتوارى خلف زجاجها المفيم من أعين الجميع التي ألحقت بها تتفرسها. "عودة للحاضر"
اعتصر قنينة عطره بقوة ولولا صلابة زجاجها لتحطمت وتحولت لأشلاء مزقت راحته، تنهد والألم يعتصر قلبه ثم زفر محاولًا طرد ذاك الشعور المرير، يشعر بالحقارة لتخليه عنها لكنه ليس بالرجل الذي يفرض حاله على أحد، يكفيه شعورًا بالرضا أنه احتوى شقيقته ليرحمها من قسوة الزمن، ومَن منا يستطيع الحصول على كل ما يريد، فهكذا هي الحياة، تنتزع منا أشياء لتمنحنا أخرى بالمقابل. خرج من غرفته ليقف في البهو وهو ينادي:
-زينة، لو جهزتي يلا علشان ما نتأخرش على الناس. فتح الباب وخرجت منه وكأنها كانت تنتظر ورائه، كانت ترتدي ملابس عصرية لائقة أظهرتها بصورة رائعة، فقد عرضها على إحدى خبراء الأزياء لتنتقي لها ما يناسبها من حيث تناسق الجسد ولون البشرة ولم تنسى احتشامها والحجاب، تطلع عليها وقال بابتسامة لطيفة: -زي القمر يا زينة.
ابتسمت وشعرت ببعض الراحة التي غابت عنها منذ أن علمت بتلك الزيارة وضرورتها ليوسف، أقبل عليها وتمسك بكفها لينطق محاولًا طمأنتها: -ما تقلقيش، الناس اللي رايحين عندهم دول، لطفاء جدًا، أنا متأكد إنك هتحبيهم وهما كمان هيحبوكِ. تبسمت لتقول بهدوء كعادتها: -أهم حاجة عندي إنك تكون مبسوط يا يوسف. أمسك ذقنها بحنو ليقول: -أنا مبسوط طول ما أنتِ مرتاحة يا زينة.
لطالما كانت كلماته داعمًا عظيمًا يبث داخلها شعور الراحة والثقة بالنفس والاطمئنان. تحركت بجواره وبعد قليل كانا يلجان بالسيارة داخل القصر، تطلع أمامه ليُذهل لرؤية انتظار الجميع له واصطفافهم وكأنهم ينتظرون تشريفة لأحد الشخصيات الهامة بالدولة، توقف بالسيارة بمكانها المخصص ليرى شقيقته رائعة الجمال "تاج" وهي تهرول عليه لتلقي بحالها داخل أحضانه تتنعم بدفئها الحنون وهي تقول: -يا جو وحشتني يا حبيبي.
ابتسم بقوة ليضمها وبات يقبل رأسها قائلًا: -يا حبيبي أنت كمان وحشتيني جدًا. وصل ذاك العابث الصغير ليهز بنطاله متسائلًا باعتراض وتذمر: -وأنا مش وحشتك ولا إيه يا جو؟ قهقه على ذاك المشاغب لينحني بطوله الفارع ويلتقطه يثبته بأحضانه ليزيد من قبلاته الشغوفة ويقول: -ده أنت أكتر واحد بتوحشني في الدنيا كلها. أشار إلى زينة قائلًا بطفولية: -إزيك يا "زينة"، مامي قالت لي أعاملك بلطافة علشان مش أتعاقب. كظم فمه لينطق بمداعبة:
-اسكت يلا، كلامك بيعمل مشاكل. ابتسمت زينة على الصغير لتقول بهدوء: -أنت جميل قوي يا "مالك". -وأنت كمان. بات يتطلع بعينيه باحثًا عنها بلهفة بين جميع الحضور، أصابه الإحباط عندما تأكد من عدم وجودها، أقبلت عليه والدته التي احتضنته بحبور تجلى بعينيها، وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول: -نورت بيتك يا حبيبي. لتبتعد قليلًا تحتضن وجنتيه متلهفة وهي تقول: -وحشتني يا جو، وحشتني قوي يا حبيبي. بلهفة لا تقل عن لهفتها تحدث
وهو يحتوي ذراعيها بكفيه: -أنت كمان يا قلبي وحشتيني قوي، طمنيني عليكِ يا ماما. هتفت بسعادة وعينين تتلالأ بهما دموع الفرح: -أنا بخير لما شوفتك قدامي يا يوسف. التفتت إلى تلك التي تقف وشعرت بحرجها، أقبلت عليها لتحتضنها وهي ترحب بها بحفاوة وسعادة: -نورتي يا "زينة"، إزيك يا حبيبتي.
لطالما وضعتها بخانة المظلوم وأشفقت عليها وعلى الطريقة التي أتت بها إلى الحياة، لكن تعاطفها تضاعف بعدما ذهبت إلى منزل "حسين" ورأت بعينيها تلك الحياة البائسة التي نشأت وكبرت بها. كانت تتمسك بذراع يوسف وتتطلع على تلك الدخيلة بحدة وتقييم لهيأتها قبل أن يوجه يوسف إليها الحديث: -مش هتسلمي على "زينة" يا "تاجي"؟
يناديها بـ تاجي كنوع من الدلال والغنَج ونسبها إليه كونها الفتاة الوحيدة بالمنزل والتي لاقت من الجميع دلالًا لو قام توزيعه على بلدة بأكملها لكفى وفاض. تنهدت بثقل وبابتسامة متصنعة تحدثت: -إزيك. برغم الشعور بعدم التقبل الذي وصل لديها من تلك المراهقة إلا أنها عذرت تفكيرها كونها فتاة صغيرة وتحدثت بابتسامة بشوش: -الله يسلمك يا "تاج". أما ذاك الخلوق زين فتحدث باحترام: -أخبارك إيه يا "زينة"؟
فجميع أشقائه تعرفوا عليها بالسابق أثناء زيارة شقيقهم، أجابته بابتسامة: -أنا بخير الحمد لله يا "زين". -عامل إيه يا بطلي في المذاكرة؟ جملة قالها يوسف بحفاوة لذاك الرزين الذي عدل من وضع نظارته الطبية قبل أن يقول بجدية ووقار يسبقان سنوات عمره القليلة: -كويس جدًا يا جو، بتبع نصايحك في المذاكرة. -ربنا يبارك فيك يا حبيبي... قالها ثم نظر لشقيقته "زينة" يتمسك بكفها ويتحرك للأمام كي لا تشعر بوحدتها، توقف ليُقبل على "علام" الذي
فتح ذراعيه يستقبله بحفاوة: -الندل اللي نسي جده خلاص. احتضنه بقوة ليقول بتأثر: -مش علام باشا اللي يتنسي، حضرتك علامة بتثبت وتستوطن جوة عقل أي حد يشوفك ولو مرة، فما بالك باللي عاش واتربى جوة حضنك يا حبيبي. تأثر بكلماته لدرجة أنه كاد أن يوشك على البكاء، لكنه تماسك وضمه من جديد ليشتم رائحته العطرة التي تتوق إليها، نطق بعتب عليه: -كده يا يوسف، تسيب حبيبك بعد ما كبر وعجز وبقى محتاج لك تسنده في شيبته.
ثم ابتعد تحت تأثر كل من حوله ليتابع وهو يخبط على وجنته بخفة: -ده أنا كنت بقول لنفسي إنك هتبقى عكازي يا ندل. -وأنا روحت فين بس يا باشا، أنا تحت الأمر ورهن إشارتك... ليتابع بصدق وعينين متأثرتين: -في أي لحظة تحتاجني رن لي، هتلاقيني تحت رجليك في ثانية. ربت عليه ليميل على وجنته يقبلها باشتياق مما أسعد قلب يوسف، لتجذبه تلك الحنون التي تشوقت هي الأخرى وطال انتظارها لاحتضانه: -هو دلع جدك "علام" هينسيك تيتا ولا إيه يا جو.
-حبيبة قلبي وحشتيني... احتضنها بقوة لتبتسم بسعادة وتقول: -أنت اللي وحشتني جدًا يا "يوسف". استقبل علام الفتاة قائلًا: -إزيك يا "زينة"، عاملة إيه يا بنتي. -الحمد لله حضرتك. استقبلتها أيضًا عصمت بترحيب عالٍ أسعد قلبها وبث بداخله الطمأنينة. -إزيك يا حبيبي... قالتها فريال وهي تقبل خديه بحفاوة، فقد تربى على يدها واتخذته كنجليها تمامًا، نطق بسعادة: -الله يسلمك، إزي حضرتك. لكزته بكتفه بقوة قبل أن تهتف باعتراض:
-إيه حضرتك دي يا ولد، نسيت أيام ما كنت لسه بشورت وبتقولي. وقلدت صوت طفولته: -تعالي العبي معايا لحد ما جدو علام ييجي من الشغل يا عمتو. أطلق الجميع ضحكاتهم تحت غضب "ماجد" وحدة نظراته المصبوبة كسهام نارية إلى زوجته التي تجاهلته تمامًا لتحول بصرها إلى تلك المجاورة لـ إيثار: -أنت زينة؟ أومأت بصمت وخجل لتتابع الأخرى بانبهار: -ده أنت طلعتي جميلة قوي يا زينة، زي القمر يا حبيبتي.
وأقبلت تقبلها تحت شعور الفتاة بالاطمئنان والراحة من قبل تلك الحنون.
أما "ماجد" فأقبل باسطًا كفه إلى "يوسف" كي لا يدع الجميع يلاحظون العداوة، فهو شخص شديد الذكاء يتمتع بالخبث والدهاء معًا، وتلك العادات طارئة عليه نتيجة حقده مما حدث من مستجدات مؤخرًا، كخسارته الكبيرة بحلم ابنته الوحيدة واستيلاء إيثار ووضع يدها على جميع أملاك العائلة من وجهة نظره وما تبثه والدته من سموم داخل نفسه، فلطالما عامله أمام الجميع بمنتهى اللطف، بينما ينتهز فرصة انفرادهما ويمارس عليه شعور القوة ليقهره ويشعره بالضعف، ويقوم بالتقليل منه كي يجبره على الابتعاد مرغمًا عن "بيسان":
-إزيك يا يوسف. -الحمد لله يا دكتور... نطقها بقامة مرتفعة ليشيح عنه نظره سريعًا لعدم تقبله للنظر إليه مؤخرًا. ظهر فؤاد حيث كان بالداخل يعمل على بعض الملفات الهامة لتخبره العاملة، بابتسامة سعيدة فتح ذراعيه ليقبل عليه الآخر بلهفة ويرتمي بأحضانه مستندًا برأسه فوق كتفه مثلما كان يفعل دومًا، فلطالما كان له السند والدفء والعون بعد الله، تحدث وهو يشدد من تمسكه به وكأنه يتمنى الرجوع إلى الماضي وطفولته البريئة:
-إزيك يا أنكل، وحشتني. ربت فؤاد على ظهره بحنان قبل أن ينطق بصوت متأثر: -عامل إيه يا حبيبي. ابتعد قليلًا وتحدث: -أنا بخير الحمد لله، وحشتني مناقشاتنا وقعدة الجنينة بالليل. ابتسم له وتنهد متأثرًا قبل أن يقول: -تعالى كل يوم يا حبيبي وإحنا نقعد زي زمان، هات أختك وتعالى، ده بيتك يا جو. أومأ بابتسامة فقال فؤاد من جديد: -مجهز لك ماتش هنلعبه مع بعض بالليل، ومش هرتاح غير لما أغلبك النهار ده.
-وأنا مستعد للهزيمة لخاطر عيونك يا باشا... قالها وهو يتحرك بجواره ليقول فؤاد بمشاكسة: -بس يلا يا بكاش، كل مرة بتقول فيها كده وبردو بتهزمني، ومش أي هزيمة، ده بيكون فوز ساحق. بدعابة تحدث: -ما أنت اللي ما بتعرفش تلعب يا باشا، لا وفاكر لي نفسك حريف. تشاركا القهقهة ليجد من تهرول إليه لتحتضنه بحفاوة قائلة: -كده تيجي من غير ما تسأل عليا يا يوسف؟ -والله يا حبيبتي كنت لسه هدخل لك.
-سماح المرة دي، أما أنا بقى عاملة لك طاجن مسقعة باللحمة المفرومة، هتاكل صوابعك وراه. -طول عمري وأنا بعشق أكلك يا وزة... قالها بدلال لتبتسم ثم تحدثت إلى فؤاد: -شايف الناس اللي كلامها زي البلسم يا باشا. وربتت على صدرها بكف يدها لتتابع بفخر وهي تهز رأسها: -تربيتي. اتسعت عينيه ليتحدث بذهول: -بقى المحترم ده تربيتك أنت؟! يا شيخة اتقي الله! اتسعت عينيها ليتابع وهو يشير إلى "مالك": -المتشرد اللي هناك ده هو اللي تربيتك.
وتابع مسترسلًا وهو يربط على كتف الشاب متباهيًا: -لكن الباشمهندس تربية علام باشا. -شايف يا يوسف الباشا بيعاملني إزاي؟ نطق بمشاكسة: -الباشا بيحبك يا عزة، علشان كده بيحب يناغشك. ابتسمت لتقول بلهفة: -هروح أكمل تقطيع السلطة وأرجع لكم، مش هتأخر عليكم. -لا خدي راحتك على الآخر يا عزة... قالها فؤاد ليقهقه يوسف تحت تذمر تلك العزة. اقتربا على الجميع ليتفاجأ يوسف بذاك الراقي "علام" وهو يحتوي كتفه بذراعه ويسحبه إلى المقاعد قائلًا
بكثير من الحميمية والود: -تعالى يا باشمهندس علشان تحكي لجدو على كل أخبارك. -هنحكي ونتكلم للصبح يا باشا... قالها بابتسامة مرحة ليتابع مسترسلًا وهو يتطلع لساعة يده الفخمة: -نصلي الجمعة الأول لأن الخطبة خلاص هتبدأ بعد كام دقيقة. تحدث فؤاد المحتضن نجليه زين وتاج: -يلا الكل يدخل يتوضى ويجهز علشان الصلاة. ثم تابع وهو يتطلع إلى زينة كي لا يشعرها بالغربة: -يلا يا زينة ادخلي مع طنط إيثار وطنط فريال علشان تجهزوا للصلاة.
اعترضت فريال بحدة مصطنعة: -إيه طنط دي يا سيادة المستشار، هو علشان جنابك عجزت وطلع لك كام شعرة بيضا في دقنك، هتكبرني أنا كمان؟! هتفت إيثار باعتراض وهي تتحرك باتجاه زوجها لتحتضن ذقنه النابت بتباهي: -فشرتي يا حبيبتي، ده الباشا لسه في عز شبابه وبكامل لياقته، والشعرتين اللي بتقولي عليهم دول موضة، اللي عندهم عشرين سنة صابغينهم. -حبيبة حبيبها اللي دايمًا نصفاه يا ناس... قالها غامزًا بعينه وهو يخرج زين ويجلبها لتسكن أحضانه،
بينما نطقت تاج بتصفيق حاد: -عاش يا باشا. تطلعت فريال على زينة لتشير بكفها على كلتيهما: -التطبيل عالي قوي من البنت ومامتها للباشا الصغير. ضحك الجميع ثم تحرك الرجال إلى المسجد.
كانت تختبئ خلف ستائر غرفتها، تسترق البصر على جميع المارة بالشارع، تنتظر مروره إلى الجامع للصلاة، فمنذ أن لمحت سيارته وهي تدخل إلى المجمع السكني وهي تنتظر خروجه للصلاة بفارغ الصبر، انتفض قلبها حين لمحته يجاور جدها وشقيقه "زين" أما الصغير "مالك" فيتمسك بكف والده "فؤاد" ويسبقهم والدها، من حسن حظها أن الجميع توقف لتحية أحد المعارف، فابتعد قليلًا وترك الجميع، رغمًا عن عقله الراجح وجد حاله يرفع قامته للأعلى على أمل رؤية وجهها الذي تتوق لرؤياه بشدة، توارت سريعًا إلى الخلف لكي لا يلمحها ويرى ضعف قلبها، تنهد بألم حين وجد نافذة غرفتها خالية، ارتبك
حين استمع لصوت ذاك البغيض: -بلاش تبص لفوق كتير، اللي بيبص لفوق بيقع وتنكسر رقبته. التفت ليطالعه بكبرياء ثم ابتسم ليقول بذات مغزى: -المثل ده غلط يا دكتور، والدليل إن حضرتك لسه واقف ورقبتك ثابتة مكانها. توسع بؤبؤ عينيه ليسأله بحدة: -أنت تقصد إيه بكلامك ده يا ولد؟! بنبرة صارمة ونظرات حادة كالصقر تحدث: -أنا مش ولد، اسمي الباشمهندس "يوسف". وأشار بكفه عندما لمح فؤاد وعلام يتحركون للأمام: -صلاة الجمعة هتفوتك يا دكتور.
قالها لينطلق للأمام حين ناداه علام ليجاوره ويستند عليه لثقل حركته التي تأثرت بعوامل السن، اشتعل داخل ماجد ليمضي خلفهم مجبرًا. بينما تلك العاشقة كانت تراقب صراع كل منهما تحت دموعها التي انهمرت بألم لتنعي حالها. عاد الرجال من الصلاة والجميع متواجد بالحديقة عدا تلك العاشقة، بدأت العاملات برص طاولة الطعام، وأثناء تفقد علام للجميع لاحظ عدم تواجد حفيدته الغالية ليتطلع إلى ابنته يسألها مستفسرًا: -فين "بيسان" يا فريال؟!
انتفض قلب ذاك العاشق حين ذكر اسمها لكنه ادعى عدم المبالاة تجنبًا لإثارة غضب "ماجد". صمتت فريال لينطق ماجد سريعًا: -عندها مذاكرة كتير يا باشا. نطق متعجبًا: -وهي المذاكرة تمنعها إنها تيجي تستقبل يوسف وأخته يا "ماجد"؟! تلبك فتحدث "فؤاد" بحماس الشباب: -أروح أنده لها يا جدو؟! هتف ماجد بلحظة تهور منه متناسيًا حاله: -اقعد يا ولد. تعجب الجميع من حدته ليتحدث علام لحفيده: -اقعد يا "فؤاد".
ولأنه يعلم مكر ماجد مؤخرًا وغضبه الذي يصبه على ذاك الشاب، نطق ليجعله يندم على ما قام به منذ القليل: -أبوك هو اللي هيروح ينده لها بنفسه. اتسعت عينيه بحدة وغضب لاحظه فؤاد واشتعل داخله، لكن سرعان ما تدارك حاله ليستدعي هدوئه في وجود ذاك الداهي ليتحدث بهدوء معتذرًا: -هي لو عاوزة تحضر المقابلة يا باشا كانت جت، لكن هي بنفسها اللي اعتذرت وفضلت تشوف مستقبلها.
طالعته إيثار بغضب لأجل نجلها الحبيب، واشتعل صدرها بنار لو خرجت لحولت ذاك السخيف لجثة متفحمة، أما علام فهتف بقوة وصرامة لا تقبل المناقشة: -روح هات البنت يا ماجد، ومتتأخرش، السفرة قربت تجهز، ومحدش هيتحرك ناحيتها إلا في وجود "بيسان".
احتدت ملامحه وامتلأت بشرارات القسوة قبل أن يحول بصره إلى ذاك الذي تحول لغريم بين ليلة وضحاها، وجده يتطلع أمامه بلامبالاة، من يراه يعتقد أنه غير عابئ بما يحدث، بينما داخله كالبركان الثائر يتشوق لرؤية عينيها بشدة، تحامل على حاله وبصعوبة أخرج كلماته: -حاضر يا باشا، تحت أمرك.
قالها بابتسامة مرسومة وما أن استدار ووالى الجميع ظهره حتى تحولت ملامحه لغاضبة وعيناه باتت تطلق شزرًا لو خرج لحول المكان لجحيم، مالت عصمت على ابنتها التي تجاورها الجلوس لتسألها باستغراب: -جوزك ماله يا فريال؟! -ماجد اتجنن يا مامي، تصرفاته كلها بقت غريبة. تفاجأت بحديث نجلتها فهي أكثر من عاشر ماجد من خلال احتكاكهما بالعمل بالإضافة إلى المنزل، لتنطق متعجبة: -ليكون هو اللي مانع "بيسان" من إنها تيجي و"يوسف" هنا؟!
نطقت مؤكدة: -بالظبط ده اللي حصل. وتابعت: -هحكي لك على كل حاجة، بس بعدين، لما نبقى لوحدنا. أومأت المرأة متفهمة لتنظر لتلك الفتاة: -نورتي بيتنا المتواضع يا "زينة". -متشكرة يا أفندم... قالتها بهدوء لتسألها الأخرى في محاولة منها لإدماجها بالحديث معهم: -أنت بتدرسي إيه يا زينة؟ داخل منزل ماجد، ولج بعينين تطلق شزرًا ليهتف بصوته العالي: -سمرة، أنت يا اللي اسمك سمرة. خرجت العاملة تهرول لتجيب ذاك الغاضب بتوقير:
-أفندم يا دكتور. -اطلعي اندهي لـ"بيسان" وخليها تنزل لي بسرعة. هرولت تتسلق الدرج خشية بطش ذلك الحانق، أخبرتها بطلب والدها لتسألها الفتاة متعجبة: -متعرفيش عاوزني في إيه؟ -لا يا أستاذة، بس هو باين عليه متعصب قوي. -وإيه الجديد يا سمرة، مهو ده بقى العادي بتاع بابي... وتابعت: -روحي وأنا هغسل وشي وجاية وراكي. بعد قليل كانت تقف تتدلى الدرج لينطق بحدة: -اتفضلي قدامي على قصر جدك. ضيقت بين عينيها قبل أن تسأله بفضول:
-هو مش حضرتك... لم يدعها تكمل سؤالها لينطق كاظمًا غيظه: -جدك عاوزك تحضري الغدا. وتابع محذرًا: -تحضري الغدا والولد اللي اسمه يوسف تبعدي عنه خالص، وبعد الغدا تعتذري من جدك وترجعي هنا، فاهمة يا "بيسان"؟! نطقت بنبرة جادة أظهرت كم الوجع الذي يسكنها: -سبق وقولت لحضرتك إن أنا ويوسف سبنا بعض خلاص، يعني مفيش داعي لكل اللي حضرتك بتعمله ده. تنهد ببعض الراحة ليجدد حديثه: -اللي عندي قولته، اتفضلي قدامي.
حمدت الله بسريرتها بأنها تأنقت بثوب كان يعشقه عليها وتجملت على أمل أن يجد بالأمور شيئًا وبالفعل حدث ما تحسبت إليه، كانت تتحرك بجوار والدها بقلب يطير كفراشة رائعة الألوان، وما أن اقتربت من البوابة حتى أخذت نفسًا عميقًا كي تستطيع ضبط النفس والتحكم بقلبها الراقص لرؤية الحبيب بعد شهرين تعمد من خلالهما عدم الإجابة على اتصالاتها والاختفاء من جميع الأماكن التي كانا يتقابلان فيها.
ولجت متلهفة لرؤياه وكذلك هو شعر بقدومها من خلال ضربات قلبه التي تزايدت وعلى صوتها، أقبلت على مكان جلوس الجميع وأخيرًا لمحته، كان يجلس بجوار جدها يتحدث معه بهيئته الجذابة، انتفض قلبها صارخًا متلهفًا يطالبها بالهرولة إليه والارتماء داخل أحضانه وليحدث بعدها ما يحدث، لم يكن حاله بأفضل منها، فقد تطلع إليها ليتوه بجمالها وأناقتها المعتادة، شعرها الحريري وهو يتطاير حولها بفضل نسمات الهواء المنعشة، انعكست خيوط الشمس وتعمدت على وجهها المستدير لتزيده نورًا وسحرًا، ابتلع لعابه حين رآها بذاك الثوب الذي لطالما عبر عن إعجابه به وأخبرها مدى روعته عليها، اقتربت
لتنظر إلى جدها وتقول: -ازيك يا جدو، بابي قال لي إن حضرتك عاوزني. -طب مش تسلمي الأول على "يوسف"؟! تحمحمت لتقول بلامبالاة مفتعلة: -سوري، ما أخدتش بالي. تطلعت إليه وبصوت جاد استطاعت السيطرة عليه تحدثت: -إزيك يا باشمهندس.
برغم اجتهاده في إظهار عكس ما يحمله ذاك القلب المسكين إلا أنه أمام عينيها رمى بجميع وعوده وقوانينه الصارمة التي فرضها على حاله لمعاقبتها على أذناب لم تقترفها، ووقف ليقترب عليها وهو يبسط ذراعه لها استعدادًا لمصافحتها: -إزيك يا "بيسان".
يا الله، كم كانت تتشوق لاستماع نبرات صوته الرجولية وهو ينطق حروف اسمها، النظرة بداخل عيناه تساوي العالم بأجمع، ارتبكت من لمسة يده التي احتضنت خاصتها وتلمستها بنعومة، تمعنت بالنظر لمقلتيه لتجد حنينًا واشتياقًا منهما، وكأنه يحتضن عينيها بخاصته. انتفض قلبها حين استمعت لصوت والدها الذي خرج حادًا بعض الشيء: -سلمي على أخت يوسف واقعدي يا "بوسي". ابتعدت عنه كالملدوغة لتقترب على تلك التي وقفت لتبسط يدها قائلة:
-أنا "زينة"، أخت "يوسف". ابتسمت بارتياح وشعرت بطيبة تلك الفتاة وبراءتها، فتحدثت وهي تصافحها: -أنا اسمي "بيسان"، وكان نفسي أتعرف عليك من زمان، بعد اللي سمعته عنك من طنط إيثار. ابتسمت بسعادة لتحضر عزة وهي تقول باحترام: -السفرة جاهزة يا بشوات، اتفضلوا. وقفت عصمت لتشير إلى الطاولة وهي تدعو الجميع: -يلا يا جماعة قبل الأكل ما يبرد. احتضن فؤاد حبيبته وتحركا باتجاه الطاولة ليسألها بحنو: -مبسوطة يا حبيبي؟ تعمقت بمقلتيه لتنطق
بحبور أظهر ابتهاج روحها: -قوي يا فؤاد، حاسة إني هطير من السعادة. -قلبي أنت يا بابا... قالها بابتسامة جذابة وحنان فائق لتضع رأسها فوق كتفه بدلال نال استحسانه. توجه الجميع واتخذ كل مقعدًا ليأتي مقعد العاشقين متقابلين، تحدث فؤاد وهو يشير إلى "يوسف": -مسقعة عزة الملهلبة يا چو، مولعة زي لسانها بالظبط. قهقه الجميع ليتحدث هو بدعابة: -مش قادر أوصف لحضرتك مدى افتقادي ليها في حياتي. أجابه بمشاكسة جعلت الجميع
يدخل بنوبة جديدة من الضحك: -يا سيدي لو مفتقداها قوي كده، خدها معاك وأنت ماشي، أرجوك. هتف ذاك الصغير بمشاكسة: -ولما چو ياخد عزة، مين هيعمل لي الرز بلبن يا بابي؟ تطلع إلى صغيرة ليداعبه ساخرًا: -طبعًا لازم تتمسك بيها، مش قاموسك اللغوي. لكزته زوجته وهي تقول: -خلاص بقى يا فؤاد، لتكون جاية على غفلة وتسمعك وتزعل. تلك المرة تحدثت عصمت:
-أنا نفسي أعرف هي بتطلع لنا منين، نكون بنتكلم في أمان الله، ودي تلاقيها نطت في وسطنا ومدخلة نفسها في الحوار. قهقه الجميع ليتحدث علام: -بس غلبانة ومحترمة، ست جدعة وبميت راجل. كان الجميع يتحدثون مستمتعون بالطعام، سوى تلك العاشقة التي تسترق النظرات من ذاك العنيد القابع أمامها، وهو أيضًا كان يختطف النظرات إليها تحت احتراق قلب ماجد الذي مال على أذن زوجته وتحدث: -شوفتي قلة ذوق الولد، قاعد يبص عليها بكل بجاحة. نطقت بدفاع:
-الولد قاعد باحترامه يا ماجد، من فضلك متعملش مشكلة من لا شيء. ثم استرسلت: -لو مش مرتاح في المكان فيك ترجع البيت، وإحنا لما اليوم يخلص هنحصلك. -وأسيب بنتي معاه في مكان واحد؟! ده بعده... قالها بتحدي ليتطلع مجددًا يراقب نظرات كلاهما للآخر. تحدثت "تاج" إلى شقيقها بدلال: -خليك معانا النهارده يا چو، وحياتي. -مش هينفع يا حبيبتي... لترد عليه وهي تتطلع إلى زينة: -لو علشان زينة ممكن تبات هنا هي كمان. تطلعت لوالدها لتهتف بدلال:
-وحياتي يا بابي تخليه يوافق. رفع فؤاد كفيه لينطق بمداعبة: -مقدرش أتكلم يا چو، تاج راسي أمرت ولازم أمرها يطاع. -حبيبي إنت يا بابي... قالتها وهي تميل برأسها بدلال ليهتف "مالك" بحدة وغيرة: -سخيفة ودلعك سخيف زيك. -ولد... قالها فؤاد محذرًا لينطق باعتراض وهو يربع ساعديه بحدة: -ما هي بتغيظني يا بابي، بتحب فيك قدامي. -تكونش مراتي يلا وأنا مش واخد بالي. قالها فؤاد ليضحك الجميع وينطق ذاك المشاغب الصغير:
-أنا حبيبك الوحيد، مش أنا اللي كل يوم بتجيب لي شيكولاتة معاك، وأنا اللي بنام في حضنك إنت ومامي، يبقى أنا اللي حبيبك وبس. برقة ودلال حدثه بعدما استولى على قلبه بكلماته ونظراته الآسرة للقلوب: -إنت قلب "فؤاد" من جوه يا ملوك. ضحك الصغير وهدأت ثورة غضبه فتحدث علام وهو يتطلع لذاك العاقل: -ربنا يكملك بعقلك يا زين باشا. -ميرسي يا جدو... نطقها الفتى باحترام فتفاخرت إيثار وهي تقول:
-هو أنا خلفت غير زين، حبيب قلب ماما اللي مريح قلبها. ابتسم الفتى بسعادة لينطق تلك المرة يوسف باعتراض مفتعل: -وأنا بقى اللي واجع قلبك يا ست ماما؟! تنهدت وهي تنظر إليه بحنو ممتزج بعتب: -طول عمرك وإنت نقطة ضعفي وسيد قلبي يا يوسف. -ريحي قلبك من ناحيتي يا حبيبتي، والله أنا مرتاح...
قالها ليطمئن قلب غاليته فأشعل قلب الأخرى التي تطلعت إليه بنظرات حادة لمحها وارتبك من فهمها الخاطئ لجملته، بالفعل فسرت راحته في الابتعاد عنها واستشاط داخلها وغلى قلبها. بعد قليل انتهى الجميع من الطعام فتحدثت بيسان إلى زينة: -تعالي نتمشى في الجنينة وأفرجك على الورود النادرة اللي جدو زارعها بإيده.
اصطحبتها وتحركوا لتهرب من أمام أبيها الذي يراقبها بعينيه. أحضرت فريال مع عزة حلوى الجيلي وباتت توزعه على الجميع، وأثناء حديثهم استقبل هاتف يوسف مكالمة فانسحب ليجيب بعيدًا عن الازدحام. انتهى واستدار ليجد ذاك الماجد بوجهه، وضع كفيه بجيبي بنطاله وتحدث بحدة: -أوعى خيالك يصور لك إنك تستغل حبي للباشا الكبير وتحاول تفاتحه في موضوع بيسان، لأني ساعتها هقف في وش الكل ومش هيهمني زعل حد. واستطرد مهددًا:
-ولو وصلت هاخد بنتي وأسيبها لك إنت ومامتك تشبعوا بيها. ضيق بين عينيه يستوعب حديثه ثم تحدث بقوة وشموخ: -أنا مش ضعيف ولا خسيس علشان أضغط على حد بيحبني وأستغل درجة حبي في قلبه علشان أحقق رغباتي الشخصية زي ناس. كلمات مقصودة ألقاها بوجهه ليزيد من نار ماجد ويتابع من جديد:
-اطمن يا دكتور، وياريت تبعد عني وتخرجني من دماغك، بنتك وسبتها لك والقصر والمكان كله سيبتهولك، عاوز مني إيه تاني علشان أبرهن لك إني بقيت مش طايق أي مكان ولا حاجة تجمعني بيك؟ وأكمل بحدة: -وتاني مرة أوعى تجيب سيرة أمي على لسانك، صدقني ما هرحمك... قالها بتهديد وهو يحذره بسبابته. -فيه إيه يا يوسف؟ سؤال طرحته إيثار التي اقتربت عندما لاحظت احتدام نجلها لينطق ذاك الغاضب بتهديد مباشر:
-انصحي ابنك وخليه يبعد عن بنتي يا مدام، وده أفضل لكم أنتم الاثنين. احتدت ملامحها وثارت من طريقته السخيفة لتنطق بقوة: -اتكلم بأسلوب أحسن من كده يا محترم. -أنا محترم غصب عنك... قالها بحدة لتنطق بيسان التي حضرت عندما تعالت أصواتهم: -أرجوك يا بابي كفاية، كفاية بقى حرام عليك اللي بتعمله ده. هرول فؤاد والجميع عليهم ليهتف فؤاد وهو يجذب الفتاة من رسغها: -قدامي على البيت.
جذب فؤاد الفتاة من يده بقوة وخبأها بأحضانه ليهتف بعينين تطلق شزرًا: -إنت اتجننت يا ماجد، إنت إزاي تعامل البنت بالطريقة الهمجية دي؟! -بنتي يا سيادة المستشار، وحقي أحميها... قالها بصياح عالي لتهرول فريال تجاور صغيرتها بحماية، ليستمع الجميع لصوت علام الصارم: -تحميها من مين يا ماجد. يتبع...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!