جذب فؤاد الفتاة من يده بقوة وخبأها بأحضانه ليهتف بعينين تطلق شزرًا: -إنت اتجننت يا ماجد، إنت إزاي تعامل البنت بالطريقة الهمجية دي؟! -بنتي يا سيادة المستشار، وحقي أحميها. قالها بصياح عالٍ لتهرول فريال تجاور صغيرتها لتحتويها بحماية، ليستمع الجميع لصوت علام الصارم: -تحميها من مين يا ماجد؟
برغم ارتباكه من ملاحظة الجميع حدته وسخطه على الشاب إلا أن غضبه الأعمى سيطر عليه وحوله لمارد لا يخشى أحدًا حتى "علام" بذاته، لدرجة أنه هتف بنبرة عالية متعديًا أصول اللباقة: -من اللي دمر حلمي فيها يا باشا. نطقها ليحول بصره متابعًا إلى ذاك الذي يقف بكبرياء ويطالعه بعينين حادتين كحدة الصقر: -ولسه مصر يكمل تدمير مستقبلها بالكامل. -كفاية يا "ماجد". جملة نطقتها "فريال" وهي ترمقه بعتاب لتتابع برجاء: -إسكت الله يخليك.
-وأسكت ليه ولحد إمتى يا فريال؟! واسترسل بحدة أكبر: -لحد ما ألاقي بنتي ضاعت مني؟! هتف فؤاد وهو يشير لنجله العاقل بعدما رأى هلع الصغير وهو يختبئ خلف شقيقته عند ارتفاع الأصوات وحدتها: -زين، خد إخواتك ودخلهم جوه بسرعة. أطاع الفتى أمر والده وتحرك بشقيقيه ونجل عمته في الحال ليعاود "علام" ويسأل ذاك الحانق بجبين مقطب: -إنت ليه بتتكلم بالألغاز يا "ماجد"؟! لو حابب تبلغنا حاجة ياريت تقولها صراحة.
أخذ يتبادل النظرات بين إيثار ويوسف لينطق بحدة وحقد ظهر عيانًا داخل مقلتيه: -كلامي مش هيعجب الكل يا باشا. احتدم داخل ذاك العاشق واستشاط قلبه حينما رآه يتطلع حاقدًا على خليلة الروح والفؤاد ليهتف بحدة صارمة: -"ماجد"، لما تحب توجه كلام توجهه لي وإنت عينك في عيني، مفهوم. -تمام يا سيادة المستشار. قالها باستنفار ليتابع مسترسلًا في لحظة تحلى بها بالشجاعة: -ياريت بقى تخلي المحترم ابن مراتك يبعد عن بنتي، وإلا مش هيحصل له كويس.
بالكاد فتح "يوسف" فمه ليهم بالحديث لكنه توقف بعدما استمع لصوت ذاك الحانق حيث هدر محتدمًا: -ياريت تنتقي ألفاظك وتحاسب عليها قبل ما تخرجها وإنت بتتكلم عن الباشمهندس يوسف ده أولًا يا دكتور. بسط ذراعه ليحث خليلته على السكون بأحضانه وضمها بحماية وباليد الأخرى مازال يحتوي تلك الباكية "بيسان" وتابع محذرًا بإشارة من عينيه:
-تاني حاجة وياريت تحطها في قاموسك علشان ما نخسرش بعض، مراتي ويوسف خط أحمر بالنسبة لي، واللي يتعداه يبقى فتح على نفسه جبهة من النار هو مش قدها، والجبهة دي هيلاقيني مستنيه جواها علشان نبدأ الحساب. صاح ماجد بعدما انفلت منه زمام ضبط النفس: -ياريتك زي ما بتهددني قدامهم، تنبهه وتقول له عيب اللي بيعمله، وتخليه يبعد عن بنتي بشكل نهائي. هم فؤاد ويوسف بالرد قاطعهما صوت "زينة" التي هرولت على شقيقها وبعينيها تملك
الذعر وهي تتشبث بذراعه: -يلا نمشي من هنا يا "يوسف"، أرجوك بلاش تعمل مشاكل مع حد. تطلع بألم لحالها وتحدث وهو يحتوي وجنتيها كي يهدأ من روعها ويبث داخل روحها بعضًا من السلام: -متخافيش يا حبيبتي، مفيش أي مشاكل، إدخلي جوة عند عزة وإحنا هنتكلم شوية وبعدها هاخدك ونمشي على طول. حزن الجميع لأجل الفتاة وحالة الهلع التي أصابتها لتسرع إليها السيدة "عصمت" وحثتها على المضي معها وهي تقول بنبرة حنون:
-تعالي معايا أدخلك عند "تاج" تقعدي معاها يا حبيبتي. هزت رأسها برفض تام، فكيف لها أن تترك شقيقها يواجه ذاك الشرس لحاله، كيف لها التخلي عن ذاك الحنون الذي شملها بحنانه وغمرها بكل أنواع الرعاية لتشعر ولأول مرة منذ نشأتها بكيانها وبكونها إنسانة ولها الحق أن تعيش بهذه الحياة بآدمية، تحدثت وهي تتشبث أكثر بذراع شقيقها التي ما عاد لها سواه: -لا، أنا مش هسيب "يوسف". -يا حبيبتي متقلقيش عليا.
نطقها بعينين تفيضان حنانًا ليتابع بابتسامة خفيفة كي يدخل على قلبها الطمأنينة: -هو إنت ليه محسساني إني في خناقة في وسط الشارع؟ دار بعينيه على وجوه الجميع ثم تابع بابتسامة لطيفة: -أنا في وسط أهلي اللي اتربيت وسطهم، وده نقاش عادي جدًا. كانت "بيسان" تتطلع عليه وقلبها ينزف دمًا حزنًا على حالها، ترى حبيب القلب يطمئن شقيقته ويحتوي هلعها بكثير من الحنان بينما هي، أين هي من اهتماماته؟
تمنت للحظة لو أنه احتواها وطمأن خوفها مثلما فعل مع شقيقته، هي أيضًا حبيبته ولها في اهتمامه حق، تحتاج رعايته، تحتاجه حاجة الظمآن في نهار صيف حار لشربة ماء باردة، ليته يعلم ما يعنيه وجوده بالنسبة لها بالحياة، بل ليته يعلم أنه أصبح لها الحياة بأكملها، تحركت الفتاة بجوار "عصمت" التي أوصلتها للداخل وعادت سريعًا لتتابع الأمر خشية تطور الأمور وخروجها عن السياق وانفلات زمام الجميع. وقف يوسف ليناظر ذاك الغاضب
وبنبرة رجولية نطق يسأله: -هو إنت عاوز مني إيه بالظبط يا دكتور؟! واسترسل موضحًا: -بتطلب مني أبعد عن "بيسان" إزاي؟! واسترسل تحت نظرات "بيسان" الصارخة وقلبها الذي يئن وجعًا من ظلم الحبيب لها: -عاوزني أبعد إيه أكتر من إني سيبت لك البيت والمنطقة كلها وروحت سكنت في آخر الدنيا، دي حتى الزيارات للبيت اللي اتربيت فيه لما منعتها بسببك، علشان أريحك من طلتي اللي بقت تجننك وتخرجك عن السيطرة. واستطرد بلحظة غضب:
-وبالمرة أرحم نفسي من كلامك اللي كان أقوى عليا من الرصاص وإنت بتوجهه لي بمناسبة وغير مناسبة. وتابع بعينين صارخة تريد صب أم غضبها على أحدهم: -وكأنه بقى روتينك اليومي اللي مبترتاحش غير لما تعمله. بالكاد أنهى حديثه لتصيح تلك النمرة الشرسة بعدما خرجت من أحضان زوجها بجنون للدفاع عن صغيرها، لتندفع بشراسة باتجاه ذاك الذي جنى على حاله حين أظهر حدته وعبر عن غضبه للشاب بوجودها: -معناه إيه الكلام ده يا دكتور "ماجد"؟
وتابعت وهي تشير بسبابتها نحوه بصياح غاضب وعينين تطلق سهامًا نارية لو انطلقت لوقع صريعًا بالحال: -يعني إنت كنت السبب في إن ابني يبعد عن حضني ويسيبني ويسيب إخواته؟! بسخط تحدث إليها: -جرى إيه يا مدام، هو أنت وابنك عاوزين تشيلوني الليلة وتطلعوني قدام الكل الشيطان الأعظم في الحكاية؟! -مــاجد. كلمة صرخ بها "فؤاد" بعدما ترك الفتاة لأمها واندفع باتجاهه ليقف أمامه وقد سحب زوجته ليخفيها خلفه بدفاع وجسارة:
-لآخر مرة هحذرك، مراتي ويوسف، خط أحمر يا ماجد، كلامك توجهه لي أنا. تحدث وهو يهز رأسه بتأكيد: -طب مهو ده بالفعل اللي أنا عملته يا باشا، وجهت لحضرتك الكلام وقولت لك خلي الأستاذ يبعد عن بنتي، بسيطة أهي! وأشار إلى تلك النمرة رامقًا إياها بحدة مماثلة لحدتها: -لكن المدام هي اللي كسرت كلامك واتدخلت ووجهت لي الكلام. واسترسل بصفاقة جعلت من نار فؤاد تغلي بعروقه:
-يبقى الصح إنك توجه لها هي تحذيرك ده يا سيادة المستشار، ولا جنابك مش قادر تنتقدها قدامنا فبتهددني أنا. -تعديت حدودك معايا يا ماجد، وأنا عمري مارحـ... قاطع حديثه علام الذي هتف بحدة: -جرى لك إيه يا ماجد النهاردة، إنت شكلك مش طبيعي ومحتاج للي يفوقك. حتى صوت "علام" الذي صدح بحدة لم يحثه على التراجع والتعقل بكلماته واتهاماته التي يوزعها جزافًا هنا وهناك، لينطق بنظرات استعطافية أراد بها جذب علام لطرفه:
-وأبقى طبيعي إزاي يا باشا وأنا بنتي ضيعت مستقبلها علشان خاطر الأستاذ، وياريته اكتفى، ده مصمم يكمل تدمير للي باقي لها. تلك المرة تدخلت "عصمت" للدفاع عن ذاك الخلوق: -إنت ليه مصر تحمل "يوسف" ذنب اللي عملته "بيسان" يا ماجد، مع إن بنتك نفسها قالت أكتر من مرة إن ده كان اختيارها وتم بكامل إرادتها، وأنا بنفسي شاهدة على يوسف وهو بيقنعها تدخل الحقوق هنا في الجنينة، وبنتك اللي رفضت.
عدل علام من وضع نظارته الطبية ليوجه له سؤالًا وجيهًا: -اللي أنا مش قادر أفهمه ولا أستوعبه هو تمسكك بكلية الحقوق بالشكل المخيف ده يا ماجد؟! وتابع بجبين مقطب ودهاء: -وكأنك كنت عاوز تثبت لنفسك إنت شيء وفشلت فيه، إنت أوحيت لي إن القصة أكبر من كلية كان نفسك بنتك تدخلها والقدر كان له رأي تاني!
ارتبك من تلميحات ذاك المحنك وبلحظة شعر بأنه كشف عقدة النقص التي لديه، فبرغم معاملة أسرة علام الطيبة لماجد طيلة سنوات زواجه بابنتهم، إلا أن شعور النقص وعدم التكافؤ بينه وبين علام باشا ونجله مثلما يلقبهما الجميع، كانت حاجزًا وراء شعور التقزيم الذي لم يفارقه منذ أن تعرف عليها أثناء زياراتها لوالدتها بالجامعة، تلبك لينطق بحدة مدافعًا عن موقفه:
-هي فعلًا القصة أكبر من كده بكتير، قصة مستقبل وحلم هي نفسها حلمت بيه وكبر جواها وشاركتني فيه وكبرته جوايا، وفي الآخر اتنازلت عنه بكل سهولة علشان خاطر واحد مصمم يكمل على الباقي منها. -هو حضرتك عمال تلف وتدور وتيجي عند النقطة دي تحديدًا وتقف ليه؟ ليتابع الشاب بعدما وضع كفيه بداخل بنطاله وقد قرر وضع النقاط فوق الحروف وحسم ذاك الموضوع القاتل لكرامته اليوم: -عندي فضول تكمل كلامك قدام العيلة كلها. -بلاش، لأنك هتزعل.
قالها محذرًا ليقاطعه الآخر بإصرار عجيب: -أنا محدش يقدر يزعلني، أنا سامعك. قال كلمته الأخيرة بإشارة من كفه للبدء، لينجرف الآخر وراء فخ الشاب بمنتهى الغباء: -تمام، طالما الموضوع مش فارق معاك، يبقى نتكلم على المكشوف. وتابع وهو يوجه حديثه إلى ذاك الذي يرمقه بحدة كحدة الصقر: -هسألك سؤال وتجاوبني عليه بمنتهى الصدق، بعيدًا عن المشاعر يا سيادة المستشار. طالعه الآخر بإيماءة ليتابع مسترسلًا:
-لو "تاج" بنت سعادتك اتقدم لها عريس أبوه هربان بره البلد، وتاريخ عيلته مليء بالإجرام، قتل والمتاجرة في آثار ونهب ثروات البلد وتهريبها للخارج. وتابع تحت صرخات قلب "إيثار" الذي تمزق ألمًا على صغيرها حتى أنها همت لتجبره على الصمت فاحتوى نجلها كف يدها وبعينيه حثها على الصمود، ليكمل الآخر بقسوة:
-ده غير جده اللي مات مقتول في السجن وهو محبوس في جريمة قتل، وعمه اللي اتسجن كام سنه وخرج، ومرات أبوه اللي قتلت مرات خاله وأخدت إعدام بعدها. وناظر الفتى وتحدث بشماتة: -ها، تحب أكمل ولا كفاية كده يا... يا باشمهندس... قال كلمته الأخيرة ساخرًا ثم عاد إلى فؤاد يسأله من جديد: -جاوبني يا سيادة المستشار، كنت هتوافق؟!
بلحظة أراد الثأر انتقامًا لكرامته التي دهست تحت قدمي ذاك الفاقد الخلق والأخلاق ومعدوم الإنسانية، متناسيًا مشاعر تلك البريئة التي تقف منقسمة بين والدها وحبيبها، وكلاهما يمتلك نصف القلب، لينطق بكامل الثقة رافعًا قامته للأعلى: -اسمح لي أنا اللي أجاوبك بدل سيادة المستشار، لأن الموضوع يخصني أنا، ميخصش حد غيري. ابتسم ليستعرض بكفيه بطريقة مسرحية تحت عدم تحمل علام لما يجري أمام عينيه، فأحضر له فؤاد مقعدًا
وساعده كي يستريح عليه: -اتفضل سمعنا. سأله مضيقًا بين عينيه: -بالنسبة للاستعراض اللي حضرتك قومت بيه من شويه وبصراحة كان هايل. وتابع مصفقًا بكفيه: -شابوه حقيقي، قدرت تجسد كل جرايم عيلتي وتظهرها بشكل رائع لدرجة إن أنا نفسي اشمئزيت من نفسي، تخيل؟! قالها وهو يميل برأسه بطريقة ساخرة ليتابع بقوة وثبات: -بس السؤال المهم واللي شاغل بالي هنا، هو إيه مناسبته؟! واسترسل تحت صرخات الفتاة:
-هل، أنا في يوم من الأيام جيت لك وطلبت إيد "بيسان" منك؟! تلبك بوقفته وبلحظة اتسعت عينيه ليسأله الآخر بصوت قوي: -ما تجاوب يا دكتور؟! نطق محاولًا الثبات برغم ما أصابه من اهتزاز الثقة: -هو لازم تطلبها صريحة مني... صاح الفتى بحدة: -أمال هطلبها بالنية ولا إيه حضرتك؟! ارتبك ليكرر الفتى سؤاله بحدة أمام الجميع: -من فضلك تجاوب على سؤالي إجابة واضحة وصريحة يا دكتور. وأشار على حاله: -أنا جيت طلبت بنتك للجواز؟!
رمقه بنظرات كسهام نارية تمنى لو خرجت وتوجهت لصدره ليلفظ أنفاسه الأخيرة وينتهي الأمر، ثم نطق من بين أسنانه: -محصلش. -تمام. ثم أشار بكفيه قائلًا بعينين تطلق شزرًا: -طالما محصلش، يبقى مسمعش حضرتك مرة تانية بتجيب سيرتي أو سيرة أهلي وتغلط فيهم. وأقسم متوعدًا: -لأني قسمًا بالله، هنسى وقتها إنك راجل قد أبويا، وإني أكلت معاك عيش وملح قبل كده. -خلاص يا يوسف، رسالتك وصلت يا ابني.
قالها علام بخزي بعدما لقن الشاب لذاك الغاضب درسًا وقام بإحراجه أمام العائلة بأكملها، ليتحدث يوسف والألم يشطر قلبه لنصفين: -أنا آسف يا باشا على اللي حصل في وجود جنابك، بس للأسف. واستدار يناظر ماجد بأسى: -الدكتور قدر بكل براعة يخرج أسوأ ما فيا. ليخرج صوت إيثار من بين بكائها الصامت: -إنت طلعت أبشع مما تخيلتك، كنت عارفة إن من جواك بتكره ابني، بس خيالي مقدرش يرصد مدى بشاعتك من جوه وسواد قلبك ناحيته. -أنا مسمحلكيش.
قالها بحدة وغضب لتتعالى الأصوات وتصدح بين الجميع متناسيين تلك العاشقة التي فقدت آخر أمل لديها في عودة الحبيب إلى أحضانها، الكل منشغل عنها بتوجيه التهم للآخر، كل يرمي الآخر ويحمله مسؤولية ما حدث متغافلين عنها، كانت دموعها تتدفق كشلالات في موسم الفيضان، باتت تفرق نظراتها على الجميع، خاصة والدها وحبيبها وكل منهما يقف للآخر بالمرصاد، يتناقران كديوك وسط حلبة مصارعة هي الأقوى من نوعها.
تطلعت إلى يوسف، ذاك الذي اختارته من بين جموع الرجال، لقد توسمت به خيرًا وظنت أنه سيقف أمام العالم أجمع ويحارب لأجلها، لكنها نسيت أن بعض الظن إثم عظيم، فقد تخلى عنها لأجل الثأر لكرامته، متغاضيًا عن مشاعرها حتى أنه لم يلحظ وجودها بالأساس، أفكار حادة هاجمتها بشراسة لتشعر وكأنها ورقة شجرة ذابلة سقطت لتتلاطم بين هواء الخريف القاسي، هاجم رأسها دوارًا حاد لتشعر وكأن جسدها يتهاوى وبدأت الغشاوة تقتحم عينيها لتبدأ الرؤية بالتلاشي وبلحظة خر جسدها ساقطًا ليرتطم أرضًا بعدما فقد عقلها وجسدها القدرة على تحمل كل ما حدث من ويلات.
التفت الجميع وتوجهت أبصارهم نحو تلك المسكينة التي تكومت على الأرض لتصرخ فريال بكامل صوتها: -بيســـان. هرول فؤاد ليضع كفه تحت رأسها ثم بات يضرب بخفة وجنتها علها تستفيق، هرول أيضًا ماجد ليهزها برفق وهو يقول بهلع أصابه خشية من فقدان نجلته الغالية: -بيسان، فوقي يا حبيبتي. صرخت به فريال لتدفعه بعيدًا عن ابنتها: -إنت السبب، إنت اللي وصلت بنتي لكده. واسترسلت متوعدة وهي تشير بسبابتها:
-لو بنتي حصل لها حاجة والله يا ماجد ماهرحمك. اتسعت عينيه بذهول وهو يشاهد تحول زوجته من قطة وديعة إلى غول شرس، ابتعد ليهب واقفًا يشاهد الجميع وهم يلتفون حول الفتاة في محاولة منهم لاستعادة وعيها من جديد، لم يتحمل منظر ابنته وتسطحها فاقدة الوعي بشكل كامل، ولا نظرات الجميع التي صوبت باتجاهه كسهام نارية ترشقت بجميع جسده، ما شعر بحاله إلا وهو يهرول خارجًا من البوابة الخارجية ومنها إلى سيارته ليقودها هاربًا من المكان برمته.
عودة لذاك العاشق، وقف يتطلع بمقلتين تكاد تقفز للخارج من هول ما حدث، وقلب يصرخ ويئن وجعًا لأجل حبيبته، بلحظة تحدث القلب سائلًا العقل بطريقة لائمة: -منذ متى وأنت تفكر بهذه الأنانية، وأنانية مع من أيها الأخرق، مع الحبيبة التي احتضنتك براءتها وتلفحت روحك بحنانها لتغمر كيانك وتحتوي كلك، صاحبة الابتسامة البهية والنظرات الحنون، يا لك من ناكر للجميل. أجبرته ساقيه دون وعي منه لينحني لمستواها وينطق بنبرة متقطعة
وهو ينظر إليها بحزن: -بيسان، قومي يا حبيبتي. ارتجف داخله وهو يتطلع لأهدابها الساكنة ونفسها الضعيف ليستفيق على صرخات فريال حيث تحدثت وهي تهز ذراع شقيقها: -البنت مبتفوقش ليه يا فؤاد؟! أجابها وهو ينظر إلى إيثار التي أتت من الداخل مهرولة وهي تحمل قنينة عطر: -متقلقيش، لو مفاقتش من البرفيوم هاخدها على المستشفى حالًا.
مدت يدها بالقنينة ليلتقطها ذاك العاشق "يوسف" وبلحظة كان يقربها من أنفها ويمررها يمينًا ويسارًا في محاولة منه وهو يقول تحت نظرات الجميع المشفقة على حاليهما: -فوقي يا بوسي. هبطت دموعه رغمًا عنه ضاربة بكل القوانين عرض الحائط، لم تفق فهتف بقوة بعدما هب واقفًا وهو يستعد لحملها متناسيًا وضعهما: -إحنا لازم نتحرك على المستشفى حالًا. وافقته فريال الرأي فأشار فؤاد بكفه بحزم كي يمنعه من التقرب: -إبعد يا "يوسف".
ارتعد داخله وهو يطالع فؤاد ليتابع الآخر مسترسلًا: -روح جهز عربيتك بسرعة وأنا هشيلها وأجي وراك. تحرك على عجلة لينطق علام لنجله الذي حمل الفتاة: -طمني أول ماتوصلوا المستشفى يا فؤاد. -حاضر يا باشا. انطلق لتجاوره فريال وإيثار وأيضًا فؤاد ماجد الذي حضر للتو من الداخل على إثر الصياح، تنهدت عصمت وهي تنظر بأثرهم ثم تحدثت لزوجها وهي تربت على كتفه ليطمئن:
-متقلقش يا حبيبي، هتبقى كويسة، تلاقي الضغط نزل عندها من خوفها من اللي حصل. نطق بعينين مثبتتين على البوابة: -ماجد اتجنن خلاص يا عصمت، لدرجة إنه مش قابل وجود الولد ولا أمه. بكلمات تائهة نطقت وهي تهز رأسها بعدم استيعاب: -أنا مش فاهمة إيه اللي غيره بالطريقة دي، من يوم ما بوسي رفضت دخول الحقوق وهو اتحول. -ماجد قدم في النيابة بعد ما خلص كلية الحقوق واترفض، وده سبب عقدة النقص اللي عنده. قالها علام بهدوء
لتسأله عصمت بعدم استيعاب: -معقولة يا علام، أنا أول مرة أعرف الكلام ده. ثم استرسلت: -وإنت عرفت إزاي حاجة زي دي؟! -عرفت من خلال مصادري وأنا بتحرى عنه لما اتقدم لخطبة فريال، بس العجيبة إني اتكلمت معاه كتير قبل كده حوالين الموضوع ده وعمره ما جاب لي سيرته. وتابع مسترسلًا: -المعلومات اللي وصلتني بتقول إنه كان راسم وباني أحلامه على إنه يكون وكيل نيابة، ولما ورقه اترفض دخل في نوبة اكتئاب بصعوبة خرج منها.
سألته بعينين متسعتين: -ولما إنت عارف الكلام ده، ليه وافقت من الأول على جوازه من بنتنا يا علام؟! -لأني سألت عن أخلاقه وأخلاق عيلته وطلع لا غبار عليهم وده كان الأهم بالنسبة لي، وفعلًا الولد عاش معانا سنين أخلاقه كانت لا تشوبها شائبة. واسترسل مضيقًا بين عينيه:
-أتاريه لما اتجوز فريال، الحلم اتجدد جواه، وعاش على أمل إنه يحقق حلمه المفقود في ولاده، ولما لقى إن يوسف بيحلم نفس حلمه شجعه، وحب قربه من بيسان، شاف إن قربه منها دافع قوي لتحقيق حلم البنت. وتابع موضحًا:
-بس يظهر إن اللي حصل مع "بيسان" جننه وجدد عنده خيبة الأمل وحالة الرفض والنكران اللي صابته زمان، بس المرة دي السبب المباشر لفقدانه لحلمه كان مختلف، السبب كانت بنته بذات نفسها، واللي أكيد حبه ليها والفطرة هتمنعه من إنه يكرها، فصب كل غضبه وجحيمه على المسكين "يوسف". تنهد بألم نم عن حزنه العميق على من رباه واتخذه حفيدًا: -وكأن اللي حصل للمسكين ده كله مش كفاية بالنسبة له، فقرر يحمله ذنب بنته هي كمان.
كانت تستمع إلى ذاك الداهي بذهول وعدم استيعاب، فذاك العلام على دراية بكل ما يجري من حوله لكنه يشاهد عن كثب كالذئب ويعلم خفايا الجميع ومتى يتحرك. سألته وخيبة الأمل تسيطر على صوتها وجميع الحواس: -الظاهر إن ماجد كان السبب في إن يوسف يا حبيبي يضطر يسيب البيت. -للأسف ده اللي اكتشفته النهارده من الكلام اللي دار بين ماجد ويوسف.
قالها باستسلام مخزي، فاليوم اكتشف أن الماء كان يجري من تحته ولم يشعر، تلك هي المرة الأولى التي تجري بها الأمور من غير علمه، وهذا ما أحزنه وجعله يلقي اللوم على حاله، سألته بألم: -وهتعمل إيه يا علام؟ زفر بقوة وتحدث: -مش قادر أفكر حاليًا في أي حاجة، نتطمن الأول على بيسان وبعدها نشوف. *** بداخل القصر
حيث يجلس أولاد فؤاد، وأيضًا "زينة" التي تجلس بارتياب ظاهر بعدما حدث بالوسط، لاحظت "تاج" ارتجاف جسدها، وبرغم أنها لا تحمل لها الكثير من المحبة وتحملها ذنب ترك يوسف للمنزل مما أحزن والدتها، إلا أنها حزنت لأجل الحالة التي عليها وتحدثت كي تطمئنها: -إنت ليه قلقانة قوي كده. التفتت إليها الفتاة ليكمل "زين الدين" على حديث شقيقته: -اللي حصل ده خلاف عادي جدًا، وممكن يحصل في أي عيلة. نطقت بصعوبة ترجع لخوفها:
-أنا خوفت على "يوسف" من جوز عمتك، حسيت إنه ممكن يتهور ويضربه. ضحك التوأمان حتى الصغير المشاكس، لتنطق الفتاة متهكمة: -خوفتي على "يوسف" من أنكل "ماجد"؟ ثم تابعت بملاطفة: -ده لو لمس يوسف بطرف صباعه، بابي كان عمل منه بطاطس محمرة. نزل الصغير من فوق الأريكة ليهتف بصياح وهو يهرول إلى المطبخ وكأنه تذكر: -يا زوزة، أنا عاوز بطاطس محمرة وعليها كاتشب. عدل زين من وضع النظارة الطبية ليتابع بجدية حديثه إلى تلك الـ"زينة":
-شكلك مش عارفة قيمة "يوسف" وقدره في العيلة، جدو "علام" بيعتبره صديق، مش مجرد حفيد زينا. أومأت "تاج" بموائمة لحديث شقيقها، حضرت عزة من الداخل ممسكة الصغير بيدها وهي تقول: -تعالى هنا يا مغلبني، متتحركش من جنبي لحد ما يحمروا لك البطاطس بتاعتك. أشارت للعاملة لتضع فوق المنضدة ذاك الحامل الموضوع عليه بعضًا من كؤوس مشروب الليمون البارد، جاورت الفتاة الجلوس وقامت بوضع ذاك المشاغب بجوارها، ناولت كأس مشروب الليمون
البارد للفتاة قائلة: -خدي يا زينة اشربي كباية الليمون دي وإنت هتبقي زي الفل. تناولتها وارتشفت منها القليل، ثم شردت تتطلع أمامها لتقول: -يا ترى "بيسان" عاملة إيه؟ أشاحت بكفها قبل أن تنطق بلامبالاة: -شوية وهتلاقيها داخلة تتنطط زي القردة، ده دلع بنات مرق. واسترسلت بثرثرة: -لو كنت شفتها قبل ما ياخدوها على المستشفى كنت فوقتها بطريقتي. سألتها "تاج" ساخرة: -ويا ترى إيه هي طريقة دكتور عزة في الإفاقة؟ -بصلة.
نطقتها بفاه ملتوي لتجحظ أعين التوأمان في حين لم تتعجب زينة، لتسألها تاج بملامح وجه مكفهرة: -بصلة؟ أومأت قائلة: -آه بصلة، كنت هدشها وأفلقها نصين والزقها في مناخيرها، كانت هتقوم تجري وترمح زي الحصان. تعالت الضحكات رغم ما تمر به العائلة من مشاكل لكنهم لم يستطيعوا كظم ضحكاتهم من كلمات تلك التي ما فشلت إطلاقًا بإضحاكهم بجميع الأوقات. انشغل الأشقاء بالحديث الجانبي لتنطق زينة وهي تنظر أمامها باستغراب:
-أنا كنت فاكرة إن المشاكل والخناقات دي مقتصرة على الفقرا وبس، لكن لما شوفت بيسان اتأكدت إن التعاسة والحزن ملهمش علاقة بالغنى والفقر. تنهدت عزة لتنطق بجدية يصاحبها أسى: -محدش خالي من الهموم يا بنتي، البيوت مقفولة على أصحابها والحيطان ياما بتداري، اشربي الليمون بتاعك. ***
توقف "يوسف" بسيارته أمام مدخل المشفى، ليترجل متلهفًا يفتح الباب الخلفي حيث تجلس الفتاة ما بين والدتها و"إيثار" وقد بدأت تستعيد وعيها قليلًا، تفتح عينيها بصعوبة لتغلقهما من جديد، قابلهم فريق من التمريض كان بانتظارهم بعدما أبلغهم فؤاد بقدومهم، ساعد يوسف بخروج فريال المنهارة وكاد أن يوشك على حمل حبيبته لكنه توقف حين تذكر أن لمستها عليه محرمة، أشار له فؤاد بالابتعاد ليساعدها على الخروج من السيارة وأخذها فريق التمريض ليضعوها فوق الحامل ومنه لداخل حجرة الفحص ومعها والدتها، بالخارج، يقف فؤاد بجوار الفتى
لينطق وهو يربت على كتفه: -متقلقش يا فؤاد، أختك هتبقى كويسة. أما إيثار فوقفت بجوار نجلها تسأله وهي ترمقه بنظرات لائمة: -ليه مقولتليش إن اللي اسمه ماجد كان بيضايقك بالكلام؟ بقلب يئن ألمًا أجابها عاتبًا: -هو حضرتك شايفة إن ده الوقت والمكان المناسبين للكلام في الموضوع ده؟! زفرت بألم ينخر بعمق قلبها، ثم نطقت بحيرة والدموع تسكن مقلتيها:
-مش عارفة أقول لك إيه يا حبيبي، لا قادرة أوافقك على اللي عملته وكان سبب من الأسباب اللي وصلت البنت للي حصل لها، ولا قادرة ألوم عليك. وتابعت وهي تلقي برأسها لتستند على ذراعه: -بالنهاية إنت كنت بتدافع عن كرامتك اللي اتهانت قدام الكل. ابتعدت قليلًا لتنطق بأعين معتذرة: -أنا آسفة يا يوسف، سامحني على سوء اختياري للأب والعيلة اللي يليقوا بيك يا حبيبي. تنهد بألم لأجلها وسحبها لتسكن أحضانه.
خرج الطبيب ليسرع إليه الجميع ويسأله فؤاد متلهفًا: -طمنا على "بيسان" يا دكتور. أجاب الطبيب بمهنية: -مفيش داعي للقلق يا سيادة المستشار، الآنسة بيسان كويسة، هي حصل لها هبوط حاد في مستوى السكر أدى لإغماء، نتيجة لتعرضها لضغط عصبي شديد. وتابع: -هي كويسة وممكن تدخلوا تشوفوها، هنخليها تحت المراقبة نص ساعة وبعدها تقدروا تاخدوها وتروحوا.
هرول فؤاد وإيثار للداخل بينما تجمدت ساقا "يوسف" وكأنه فقد السيطرة على الحركة، كيف سيدخل وبأي عين سينظر إليها؟
هو من خذلها للمرة الثانية على التوالي، الأولى منذ ما يتخطى الشهرين حين تخلى عن وعوده لها وطالبها بمحو جميع ذكرياتهما معًا، واليوم هي المرة الثانية والتي لم تتحملها تلك المسكينة، كم شعر بندالته وكم الحقارة، يرى حاله الآن لم يختلف عن ماجد، فكلاهما ساعد بتمزيقها وقتل روحها بطريقته الخاصة، أما الفتى فؤاد منعه من الدخول وصول مكالمة هاتفية من والده، تحدث الفتى باحترام: -أيوة يا بابا.
كان يجلس داخل سيارته المصطفة بجانب الرصيف، قلبه يؤلمه بشدة وشعور الاشمئزاز هو المسيطر عليه حاليًا، لقد تسبب في الأذى النفسي لصغيرته التي يعشقها، بصعوبة أخرج صوته ليسأل الفتى: -أختك عاملة إيه يا فؤاد؟ -كويسة يا بابا، الدكتور قال نص ساعة وهتخرج من المستشفى. انزعج ليهتف بهلع متسائلًا بلهفة: -مستشفى ليه، أختك مالها؟!
لم يخطر بباله أن تسوء حالة صغيرته لتلك الدرجة، فقد اعتقدها إغماءة بسيطة وستزول بمجرد استنشاقها لبعض من العطر، هتف برعب ظهر بين بصوته: -قولي بسرعة انتوا في أي مستشفى. قاطعه صوت فريال التي اختطفت الهاتف من صغيرها بعدما استمعت لحديثه الدائر: -عاوز إيه يا ماجد، بتتصل بينا تاني ليه بعد اللي عملته؟ ارتجفت أوصال يوسف وهو يرى تحول وشراسة تلك الجميلة، على الجانب الآخر تحدث متوسلًا:
-مش وقت الكلام ده يا فريال، قولي لي بنتي مالها وإيه اللي وصلها لإنكم تنقلوها المستشفى. هتفت ولأول مرة توبخه: -إنت إزاي بجح كده يا ماجد، بعد كل اللي عملته بتسأل إيه اللي وصل البنت للحالة دي؟! وتابعت: -على العموم البنت بقت كويسة وفاقت، وعشر دقايق وهنروح. وتابعت بقوة وشراسة: -ومن الأفضل ليها بلاش تشوفك النهارده. أغمض عينيه بألم، فمهما تخيل لم يأتِ بباله أن تحدثه زوجته بتلك الطريقة المهينة لرجولته.
تسحب "يوسف" وولج للداخل، ليجدها ممددة فوق السرير الطبي، تجاورها إيثار من جهة والجهة الأخرى فؤاد ممسكًا بكفها برعاية، تحمحم كي ينتبه الجميع وما أن استمعت لصوته التي تحفظه عن ظهر قلب حتى شعرت بالألم يعاود ليغزو قلبها البريء، ما عاد فيها التحمل أكثر من ذاك، خرج صوته بصعوبة وهو يقول بقلب نازف: -سلامتك يا "بيسان". تطلعت إلى خالها وبصوت خرج متألمًا نطقت: -خليه يخرج بره يا خالو، مش عاوزة أشوفه.
نزلت دموع إيثار ليخرج صوتها متأثرًا: -إهدي يا حبيبتي، وبلاش تظلمي يوسف وتظلمي نفسك معاه. -خليه يطلع بره يا خالو، من فضلك. صاحت بها لتهرول فريال من الخارج على صوت انهيار صغيرتها لتتابع الأخرى صارخة: -طلعي الباشمهندس بره يا مامي، وقولي له إني مش عاوزة أشوف وشه لحد ما أموت. صرخت بانهيار: -قولي له كمان إني لو شفته ماشي في شارع، هغير طريقي علشان ميكونش فيه بينا أي شيء بيربطنا، حتى لو شارع هنمشي فيه.
التفتت إليه لتنتفض جالسة وبنظرات حادة صرخت وهي تهز رأسها بهيستيريا: -أنا بكرهك يا يوسف، بكرهك، بكرهــك، إمشي يا يوسف، إمشي من هنا. هرول فؤاد يحتضنها محاولًا السيطرة على حالة الهياج التي هاجمتها بشراسة بينما نزلت دموع الآخر بقوة تأثرًا بحالتها، أما فريال فتحدثت بصياح عالٍ: -اخرج بره يا يوسف، أرجوك اخرج. هرولت إيثار لتسحبه للخارج تحت عدم رغبته لتركها بتلك الحالة، هرول أيضًا الأطباء فور استماعهم لصرخات المريضة.
خرج وتحدث إلى أمه: -أنا حيوان، حيوان. وأشار بكفيه: -بإيديا أذيت حبيبتي ونور عيوني، أذيتها بإيديا يا ماما. احتضنته بقوة لتربت على ظهره وتحدثت بدموعها: -إهدى يا يوسف، إهدى من فضلك. انتهى اليوم وعادت بيسان لمنزلها تحت التفاف جديها والجميع من حولها واحتوائهم لها للتخفيف من وطأة ما حدث، عاد يوسف بصحبة شقيقته إلى سكنهما بقلب مهشم وكيان محطم، ذهب ماجد إلى منزل والديه ليمكث معهما لبضعة أيام حتى يهدأ الجميع. ***
بعد مرور عدة أيام داخل شركة الزين تحديدًا بالقاعة الخاصة بعقد الاجتماعات، كعادتها تترأس الطاولة تلك القوية التي أثبتت جدارتها لتستحق ذاك المقعد الخاص برئيس مجلس الإدارة، الجميع يجلس بحالة من التوتر وعدم الارتياح انتظارًا لنتيجة المناقصة، فاليوم هو الحاسم، حك "بسام" ذقنه ليسألها مبتسمًا بتسلي: -قلقانة ليه كده يا أستاذة إيثار، مش المفروض إنك رئيس مجلس الإدارة وواثقة من خطواتك؟ أجابته باقتضاب: -الحمد لله يا باشمهندس.
سألها متهكمًا: -الحمد لله على إيه بالظبط؟ أجابته بهدوء: -على كل حاجة. قالتها بنظرات متفحصة لتتابع مسترسلة بكلمات يشوبها الإبهام أثارت ريبته: -لازم نحمد ربنا على نعمة البصيرة، وبإن سبحانه وتعالى إدانا عقل نفكر بيه، ونمشي ورا الدلائل لحد ما نلاقي اللي بندور عليه. تحمحم وهو يعدل من ربطة عنقه بارتباك ظهر عليه ليسألها مرتابًا: -أكتر حاجة بكرهها في حياتي هو رمي الكلام بطريقة غير مباشرة. واستطرد متعمدًا التقليل
من شأنها أمام الجميع: -التصرفات دي تليق بتجمعات ستات المصاطب، مش رئيسة مجلس إدارة شركة عريقة زي شركة "الزين"؟! وتابع قاصدًا إحراجها: -فيا ريت إذا تكرمتي تقولي قصدك من الكلام مباشر يا أستاذة.
لأول مرة يحدثها بتلك الطريقة الفجة، وما زاد من سوء تصرفه أنه تم أمام جمع ليس بالقليل من كبار موظفي الشركة، احتدم داخل "أيهم" غيرة على شقيقته ولولا نظراتها التي صوبتها إليه وطالبته من خلالها بضبط انفعالاته لهب واقفًا وأسرع مهرولًا ليسدد له سيلًا من اللكمات والصفعات على ما اقترفه من خطيئة بحق شقيقته، تمالك من غضبه بإعجوبة، أما هي فابتسمت ببرود أثار ريبة ذاك المتعجرف وجعلته يتطلع إليها متفحصًا تلك الابتسامة المستفزة،
تحت استغراب واستنفار كل من الموجودين لما يحدث ولتلك الطريقة غير اللائقة التي يتبعها ذاك الحانق بتلك التي ترأسه، قطع خيط تفكير الجميع صوت هاتفها الذي صدح بالحجرة لتمسكه وتستمع دون رد تحت استنفار الجميع وانتظارهم الأخبار بقلوب متلهفة، سوى ذاك الخائن "عزت البنداري" الذي يجلس مطمئنًا بفضل خسته وتسريبه كالعادة للمعلومات الخاصة بالمناقصة، أغلقت الهاتف ثم
نظرت لمديرة مكتبها وتحدثت: -أستاذة عالية. أومأت المرأة برأسها وتحركت صوب الباب بطريقة توحي لاتفاق سابق بينهما، فتحت الباب لتشير لمن يقف خلف الباب قائلة: -اتفضل.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!