الفصل 56 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم روز امين

المشاهدات
15
كلمة
6,717
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18

مثلاً، في رجل برتبة إنسان، حبيبًا أَتَوَكَّأُ عليه حين تُنهكني أفعال البشر وتُرهقني تقلبات الزمان، ملاذًا آمنًا أختبئ بكنفه ليتغلغل بكل ذرة بي الأمان، وإذا ما مِلتُ بيوم وانحرفت عن مسار طريقي المستقيم، يُقومني بحرص ولين دون تعرضي لكسرٍ يُبيد معه كل جميل بي وينتشل بعنف من داخلي السلام. فهنيئًا لمن يبتسم لها القدر وتحظى بمثل "فؤاد علام". "روز أمين"

صرخ الصغير باسم والده، وهرول ليرفعه فؤاد ويُثبته داخل أحضانه، ثم قام بتقبيل وجنتيه بشغف وهو يقول: -حبيبي يا ملوك، وحشتني يا روح قلب بابي.

رفرف قلبها من شدة السعادة وهي تراه ماكثًا أمامها بكامل أناقته، والجاذبية التي طالما استولت على لُبها. اشتاقت إليه بجنون، اشتاقت للنظر داخل عينيه والتعمق والغوص داخل بحرهما العميق. ودت لو هبت من فوق مقعدها وهرولت عليه لتكرر ما فعله صغيرها وترتمي داخل أحضان ذاك الحبيب الذي حضر إليها حين عَلِمَ من رجال الحراسة بوجود خليلة الروح بذاك المكان.

عاد من المطار إلى القصر ليترك حقيبته وهدايا أطفاله والجميع، ثم تعلل بالصغير ليطير إليها مهرولًا. وقف يوسف ليُقبل على أباه الروحي فاتحًا ذراعيه ليضمه الآخر بمنتهى الحنان، وما زال حاملًا صغيره بيد، والأخرى يُربت بها على ظهر حبيبه ونجله البكري كما كان دائمًا يطلق عليه. نطق يوسف بحفاوة: -حمد الله على السلامة يا باشا. أجابه بسعادة تغمر روحه: -الله يسلمك يا حبيبي، حظي حلو إني شوفتك النهاردة يا يوسف.

-الأكيد إن حظي أنا اللي حلو. تطلع على الفتى وتذكر رجوع ذاك الوغد، لا بد من إخباره كي يستعد نفسيًا لذاك اللقاء الموعود. يا الله، كم يُشفق من داخله على ذاك الشاب، فلطالما لم يجد أكثر من حظه بؤسًا بدائرة المقربين منه، لقد ابتُلي بوالدٍ إينما ذُكِرا السوء والندالة نال منهما الحظ الوفير. حزن لأجل قدره السيء وربت على كتفه بحنان أبوي وصل إلى الشاب وتغلغل الشعور بجميع كيانه.

التفت لينظر إلى ساحرة الوجدان، وما أن تعمق بعينيها انتفضت كل ذرة بجسده على الفور تُطالبه بالإسراع عليها واحتضانها كي يُهدئ ساكن الضلوع ويستكين. تحرك إليها وما زال الصغير متشبثًا بعنق أباه كمن يخشى فقدانه. نطق وهو يبسط ذراعيه لتلك الجالسة بارتباك ظاهر بعينيها: -إزيك يا إيثار. لم تتمالك حالها وبتلقائية وقفت لينتصب طولها أمامه، وبهدوء مدت يدها قائلة بعينين تجول وتصول بسوداويتاه الفاسحة:

-حمد الله على سلامتك يا سيادة المستشار. بدون إدراك رفع كفها وقربه من فمه ليطبع قُبلة زلزلت كل ذرة بجسدها حين لامست شفتيه الغليظة جلدها الناعم، فابتل بفضل عُمق قبلته، فقد امتص جلد كفها بفمه فبلله في حركة أثارت جنون كلاهما وكادا أن يكونا على شفا الجنون لولا تحكمه بذاته وانتصاب عوده مرة أخرى ليتحرك حاملًا الصغير متخذًا مقعده. تحمحمت وعادت لجلوسها من جديد فتحدث الصغير الذي سكن فوق ساقي أباه: -إنتَ جيت هنا إزاي بابي؟

مش إنتَ قولت هتيجي بكرة بالليل؟ -وحشتني فمقدرتش أبعد عنك أكتر من كده... رسائل مبطنة لمن يفطن معانيها جعلت من قلبها يرفرف كطير حُر سعيد حين أدركت أنها وجهة تلك الكلمات. صمت ليتابع وهو ينظر للصغير بميلة صغيرة من عنقه: -ضغطت نفسي ووقتي علشان أخلص الشغل المطلوب مني وأجي لك بسرعة. بثت كلماته الأمل بداخلها بينما ابتسم مالك وتحدث متسائلًا متلهفًا وهو يتحسس ذقن أبيه: -جبت لي حاجة حلوة معاك؟! رد يوسف ممازحًا شقيقه الصغير:

-هو فيه أحلى من رجوع بابي يا "مالك"؟ مازحه فؤاد: -قول له الباشا. أشار بكفه وهو يقول بتبرم طفولي: -هو حلو وكل حاجة، بس أنا بحب قوي الشوكولاتة اللي بيجبها لي معاه وهو راجع كل يوم. -جبت لك حاجات حلوة كتير يا لمض، لما نروح هتشوفها وتبسط بيها. صفق بيداه مهللًا: -يا ســلام، شكرًا يا بابي. مال على وجنته ليضع قُبلة بث من خلالها جنونه بحب ذاك الصغير المستحوذ على حيز كبير من قلبه. رفع رأسه لينتبه على سؤال يوسف الموجه له:

-أطلب لحضرتك عشا يا أنكل؟ -تسلم يا حبيبي، أنا أكلت حاجة خفيفة في الطيارة، كملوا إنتوا أكلكم وأنا هطلب حاجة أشربها. استدعى العامل وطلب قدحًا من القهوة وانتظر قدومها بينما تابعوا هم تناول وجبتهم. أخذ يتطلع إليها يسترق النظرات مع أخذ الحيطة كي لا تراه فرسته الجامحة ويزيد غرورها وتملكها بعشقه الهائل.

برغم الارتجافة التي أصابت جسدها حين رأته يلج من باب المكان، ناهيك عن ثورة قلبها المنتفض ومطالبتها بالارتماء بأحضانه، إلا أنها ضغطت بكامل قوتها لتظهر بثبات رهيب وتظاهرها بعدم الاهتمام بحضوره لحفظ ماء الوجه ليس إلا.

فتح حديثًا مع يوسف وبات يتبادلان أطرافه، وأثناء اندماجهما بالحديث استرق بعض النظرات إليها فوجد ما سَر قلبه وجعله يكاد يقفز من بين أضلعه. وجدها هائمة بالنظر لكف يدها تتحسس بنعومة ووله ظاهر موضع قُبلته حيث استقرت شفتيه. شعر بزلزلة بجميع جسده ولولا رجاحة عقله لاختطفها من بين أبنيها وتركهما ليرحل بها إلى مسكنهما في الحال ويحيا معها ليلة يبث من خلالها مدى اشتياقه الجارف وحنينه الجنوني بفضل الابتعاد.

بات ينظر عليها بسعادة بينما هي غافلة بعالمها الخاص الوردي، عالم الأحلام. انتبه على حديث الشاب: -هو حضرتك كنت في الغردقة بخصوص القضية الشهيرة اللي قلبت السوشيال ميديا مؤخرًا يا أنكل؟ -آه يا حبيبي... قالها مؤكدًا ثم تابع بنظرات لائمة: -مش ناوي تبطل كلمة أنكل اللي طالع لي فيها جديد دي كمان ولا إيه؟ تعمق الفتى بعينين يملؤهما الخجل فاسترسل هو بنظرات تقطر حنانًا: -يَلَّا ده أنا أبوك، أنا اللي مربيك في حضني يا يوسف.

صمت ليتمكن الألم من نظراته فتابع الآخر بحيرة: -هو أنا زعلتك في حاجة يا ابني؟ -بالعكس، طول عمرك وإنتَ النموذج المثالي للأب اللي يتمناه أي حد... ابتلع لعابه ليكمل بخجل ظهر بَيِّن بمقلتيه المشتتة وهو يرفع كتفيه للأعلى: -جواك نضيف وطاهر لدرجة إني مش قادر أقول لك تاني يا بابا. وتابع بجدية وصمود يُحسد عليه:

-بعد ما عرفت الحقيقة منكم مبقاش ينفع اسم راجل شَريف زيك يرتبط باسم واحد من عيلة زي عيلتي، حتى ولو بكلمة بسيطة زي كلمة بابا. -يوسف... نطقتها بصوت يتمزق وعينين تصرخ باعتراض رافض تقليل حاله بذاك الشكل المهين أمامهما. رفع فؤاد كفه بتنبيه يحثها على السكوت وبالطبع استجابت ليتحدث هو بنبرة يتغللها الرأفة على حال صغيره الذي تربى في كنفه طيلة سنوات عمره: -يا جحودك يا يوسف، هو أنتَ فاكر إنك ابنهم بجد؟ وتابع متأثرًا

بصدق يقطر من مقلتيه: -أنا اللي خدتك في حُضني من وإنتَ عندك سبع سنين، ربيتك وعلمتك كل اللي أبويا علمه لي وزرعه فيا من صغري، كنت بفرح وأنا شايفك كل يوم بتكبر قدامي، مع كل صفة رجولة كنت بتكتسبها كل يوم كنت بحس بالفخر بنفسي. وتابع بحدة مؤكدًا: -إنتَ تربيتي وتربية علام باشا، ابني البكري اللي مخلفتوش، ومش هسمح لك تنكر عليا مجهودي معاك. اشتدت عينيه لتلوح بهما عاصفة من الغضب الحاد وهو يشير بسبابته مهددًا:

-وإياك أسمع منك الهبل اللي قولته من شوية ده مرة تانية، ومن النهاردة يا يوسف لو مرجعتش تقولي يا بابا تاني، لا هتكون ابني ولا عاوز أعرفك بعد كده. يا الله، ماذا سيفعل بقلبها هذا الخلوق أكثر؟ ألم ينتهي من مواقفه الرجولية بعد؟ فبكل يوم تحيا فجره معه يفاجأها ويثبت لها بالفعل أنه الجائزة الكبرى المهداة من الله نتيجة صبرها على ما مرت به من ابتلاءات منذ نشأتها إلى أن التقت به.

مواقفه الباسلة معها لا تنتهي منذ أن وقعت عليها عينيه باللحظة الأولى. شملته بعينين تفيض من الغرام والعشق ما يملأ نهرًا بأكمله، لكنه كان منشغلًا بحديثه مع نجله الروحي ولم يلحظ فائض حنانها. ابتسم يوسف وغمره بنظرات شاكرة ليقول بعدها بامتنان: -حاضر يا بابا. ابتسم باستحسان ثم تحدث بعدما قرر أن يُعلمه بأمر "عمرو" بمساعدة أبيه "علام" كي يعاونه بتلك المهمة الصعبة: -بقولك يا يوسف، إبقى هات "زينة" وتعالوا اتعشوا معانا بكرة.

على الفور تذكر صياح حبيبته وهي تطالبه بعدم الحضور مرة أخرى إلى منزل جدها، جال بخاطره أيضًا ذاك الغليظ "ماجد" ورؤيته البغيضة حيث باتت تُنغص عليه صفو حياته، فتحدث معتذرًا باحترام: -معلش يا حبيبي إعفيني، عندي ضغط شغل ومذاكرة الفترة دي، ومش حابب أضيع وقت. نطق فؤاد بما استدعى استغراب إيثار وحيرتها: -خلاص مش هضغط عليك، هجي لك أنا بكرة شقتك، عاوز أقعد معاك شوية إنتَ وزينة.

تعجبت من أمره وكادت أن تسأله مستفسرة بعدما شعرت بالريبة لكن كبريائها هو من منعها باللحظة الأخيرة. بينما هتف الصغير إلى أبيه برجاء: -هروح معاك يا بابي، وحياة ملوك توافق. أجابه بهدوء: -حاضر يا حبيبي. هلل وهو يقفز فوق ساقي حبيبه. لاحظ يوسف صمت والدته وتلاشيها النظر إلى فؤاد، فأراد أن يداعب ذاك الراقي، فمال وسأله بمشاكسة: -هو الباشا مبقاش مسيطر ولا إيه؟ -إخرص يا ولا، ده أنا أسيطر على بلد بحالها...

نطقها بمداعبة، وبعدها صدحت أصوات ضحكاتهم الرجولية تحت صمتها. مر الوقت سريعًا بين حديث يوسف وفؤاد ومشاركتها في بعض الأحيان، ثم وبدون سابق إنذار وضع كفه يحتوى خاصتها وتحدث ناظرًا بعينيها: -يلا علشان نروح؟ انتفض قلبها، وما زاد من ربكتها هي نظرات عينيه المسلطة بخاصتها لتبث كل أنواع العشق والهيام. ما شعرت بحالها سوى وهي تهز رأسها بإيماءة عدة مرات متتالية أظهرت توترها. تحدث الصغير إلى شقيقه: -تعالى معانا يا يوسف، وحياتي...

قالها بإلحاح ورجاء ليجيبه الفتى: -مش هينفع يا ملوك، عندي مذاكرة كتير. وتابع بجدية: -طب ما تيجي تبات أنت معايا وإبقى روح مع بابي بكرة؟ أشار بكفه رافضًا باستنكار: -لا، أنا بابي واحشني وهنام في السرير معاه النهاردة هو وحبيبتي مامي. فؤاد ذقنه وتحدث بمداعبة: -روح بات مع أخوك يا "مالك".

نطقها ليتشارك القهقهات مع يوسف، ثم أشار للنادل بجلب الحساب. انتهى من دفع الحساب ولملم الجميع أشيائهم الخاصة وتحركوا متوجهين للخارج. توقفت تحتضن نجلها الحبيب، فإلى الآن لن يستطيع عقلها استيعاب ابتعاده عن أحضانها. تحدثت بنبرة حنون: -حاول تيجي القصر الأسبوع ده علشان خاطري، جدك واخواتك اشتاقوا لك قوي يا حبيبي.

كلماتها الممتزجة بنظرات متوسلة تمزق نياط قلبه. يعلم أنه أصاب الجميع بمشاعر سيئة مضطربة ومختلفة. كل شيء يحدث خارج إرادته، لكنه بالنهاية هو المسؤول، بل والبعض بات ينظر إليه على أنه المذنب الوحيد بكل الحكاية. نطق وهو يحاوط وجهها برعاية: -هظبط أموري وهشوفهم قريب إن شاء الله، وعلشان خاطري بلاش شعور الذنب اللي جالدة نفسك بيه طول الوقت ده.

اشتعل داخله غيرة على امرأته من نظرات المارة الموجهة لها ولنجلها، فخرج صوته حادًا بعض الشيء رغمًا عنه: -إحنا في الشارع يا يوسف، لما تبقوا في البيت إبقى إحضن وبوس براحتك.

نطق جملته الأخيرة بحدة جعلت الفتى يضحك من داخله على غيرة ذاك العاشق. فتح باب سيارته الخاصة وأشار لها بعدما أمر الحرس بأخذ سيارتها للمنزل. تركت نجلها واتخذت مقعدها المجاور للقيادة وجلس الصغير بالمقعد الخلفي. وبعد تبادل السلامات بينه وبين الفتى استقل مقعد القيادة وتحرك متجهًا إلى القصر. أراد أن يخترق هذا الصمت المميت، فأدار مشغل الموسيقى كي يرسل إليها رسالاته بطريقة الموسيقى. اشتغلت غنوة للرائعة فيروز لتتغنى بالكلمات:

عندي ثقة فيك عندي أمل فيك وبيكفيك شو بدك يعني أكثر بعد فيك؟ عندي حلم فيك عندي ولع فيك بيكفيك شو بدك إنه يعني موت فيك؟ والله رح موت فيك صدق إذا فيك بيكفيك شو بدك مني إذا متت فيك؟ معقول في أكثر؟ أنا ما عندي أكثر كل الجمل يعني عم تنتهي فيك عندي ثقة فيك وبيكفيك حبيتك مثل ما حدا حب ولا بيوم رح بيحب حبيتك مثل ما حدا حب ولا بيوم رح بيحب إنت شايفها عادية ومش بها الأهمية بجرب ما بفهم شو علقني بس فيك بكتب شعر فيك

بكتب نثر فيك وبيكفيك شو ممكن يعني أكتب بعد فيك معقول في أكثر؟ أنا ما عندي أكثر ما كل الجمل يعني عم تنتهي فيك. كانت تستمع للكلمات بقلب هائم يعنفها بشدة على ما اقترفته من بعد بتلك الأيام الفائتة عن ساكن الفؤاد، ليهاجمها العقل بضراوة مذكرًا إياها وذاك القلب المغيب أنها فعلت كل ما بيدها لمراضاته، بينما صد هو جميع محاولاتها وباءت بفشل ذريع.

زادها الحنين شوقًا، ولم تعد تتوق الابتعاد، فحولت عينيها إليه كي تتطلع عليه. وجدته ينظر إليها وشوق العمر بعيناه. انتفض قلبها حين بسط يده وحاوط خاصتها الرقيقة. شبك أصابعه وخللهما بأناملها الرقيقة وضغط بنعومة مما جعل القشعريرة تسري بكل ذرة بجسد كلاهما. تعمقت بعينيه الزائغة ما بين النظر بساحرتيها وبين متابعة الطريق. ابتلعت لعابها فأشار لها لتسكنه، وكأنها كانت تنتظر تلك الإشارة. فكت حزام الأمان وتحركت ليجذبها ترتطم بصدره،

وما أن ضمها لأحضانه حتى أخرج تنهيدة حارة أظهرت كم مشاعره الملتهبة الكامنة بصدره. تمسحت بوجنتها بجانب صدره في حركة جنونية أثارت مشاعره، فضمها بقوة مشددًا عليها بذراعه الملفوف حول كتفها. كادت أن تتأوه من شدة الضمة وسحق عظامها، وبرغم شعورها بالألم إلا أنه كان لذيذًا مستحبًا لكلاهما.

همست بصوت ناعم عاتبة: -كده يا فؤاد، هونت عليك متكلمنيش ولا مرة من يوم ما سافرت. -ششش...

قالها محذرًا خشية إفساد لحظتهما بالعتاب والمهاترات. انساقت لأمره وتجاوبت مع أحضانه لتذوب حنينًا. لحظات تحمل مشاعر هائلة مختلفة وكأنها سرقت من الجنة لتخبرهما عن المتعة الحقيقية. تنهدت بارتياح. مال بشفته ليلامس جلد جبينها ليضع قبلة بنفس طريقة قبلة المطعم وكأنه مصر على فقدان عقلها بالسيارة. لفت ذراعها حول خصره وشددت من ضمته مما جعله يشعر بالفخر. افزعهما ذاك الذي وقف واقترب عليهما لينطق بملامة:

-إيه يا مامي اللي إنت عاملاه ده؟! انتفضت وخرجت سريعًا من ملاذها وقد تناست وجود ذاك المشاكس الصغير. أما هو فرمقها بنظرات عاتبة في حين تابع الصغير لغوه: -إزاي تفكي الحزام وتعرضي نفسك للخطر؟! وضع كفيه بوسط خصره وتابع متهكمًا: -مش ده الكلام اللي إنت بتقولهولي كل شوية؟ -إرجع مكانك وأربط الحزام يا ولا... قالها باستخفاف وتابع بأعين حادة: -وهكلمك بلغة حبيبتك عزة علشان تفهم الكلام وتعقله. وتابع بما جعل الأخرى تذهل

وهي تستمع لزوجها الراقي: -وحياة أمك إيثار اللي قاعدة جنبي دي يا مالك، لو سمعت لك صوت من الوقت لحد ما نوصل، لكون معلقك على الشجرة اللي جدك زارعها في الجنينة من أيام أبوه الله يرحمه ما اشتراها أرض. -مفهوم كلامي؟! مط شفتيه وتحدث بعدما أصابه الإحباط: -مفهوم. -اربط حزامك... قالها بحزم، ثم حول بصره لتلك التي ما زالت مذهولة ليتابع حدته مشيرًا لأحضانه: -وإنت، إرجعي مكانك. ابتسمت لتهرول ومن جديد تسكن أحضانه ليهمس بما جعلها

تدخل بنوبة ضحك هيستيرية: -الظاهر كده إنت وولادك مبتجوش غير بالعين الحمرا، وأنا بقى نويت أظبطكم بالطريقة اللي تنفع معاكم. نطقت وهي تدخل حالها بحضنه أكثر: -اللي تشوفه مناسب إعمله يا باشا، أنا وولادي ملك إيديك. رفع حاجبه متعجبًا قبل أن ينطق بطريقة متهكمة: -لا والله، وده من إمتى الرضى والعقل والطاعة دي كلها يا جناب الـ (Strong independent woman) «سترونج إندبندنت وومن»؟!

ارتفعت قهقهاتها بهيستيرية لتنتقل عدواها إليه. وصل إلى المنزل فترجل الصغير وبات يركض حين وجد جديه وأشقائه وعمته فريال وبيسان يجلسون بالحديقة بانتظارهم. هرول وتحدث لجده: -بابي جه من الغردقة يا جدو. أدخله بأحضانه وتحدث بعدما قبل وجنته: -ما أنا عارف يا حبيبي، هو جه هنا الأول ولما عرف إنك مش موجود راح لك المطعم على طول. رفع ذراعيه لينطق باستعراض وهو يرمق شقيقته بغيظ: -علشان وحشته كتير، أصلًا بابي بيحبني أكتر حد في الدنيا.

-سخيف... نطقتها "تاج" لإغاظته فمد شفتيه لإغاظتها. اتجهت جميع النظرات إلى فؤاد حيث ترجل من سيارته وتوجه إلى الباب الآخر يفتحه، وما أن خرجت "خليلة الروح" حاوط خصرها بتملك أظهر للجميع انتمائها له وبأن مدة الحرب بين الحبيبين قد انتهت. ابتسمت عصمت وتنهدت براحة وهي ترى ابتسامة نجلها تملأ وجهه وتنير عيناه. قطع شرود الجميع صوت الصغير الذي صدح: -جو حبيبي بيسلم عليك يا جدو. وأشار مكملًا بسبابته نحو عصمت تحت اهتزاز قلب "بيسان":

-وعليك يا نانا، وعليك يا زين، وعليك يا عمتو. وتوقف عند وصوله لشقيقته لينطق برخامة وهو يهز رأسه نافيًا: -مجبش سيرتك لاء. -والله يا مالك لو مبطلطش أسلوبك السخيف ده لأقول لـ بابي... قالتها بحنق ليتدخل فؤاد الذي اقترب عليهم: -فيه إيه يا "تاج"، مالك ومال أخوك؟ انتفضت من مقعدها وتحدثت وهي تهرول لترتمي بأحضانه بدلال: -طول الوقت بيضايقني يا بابي. -مساء الخير... قالتها إيثار بوجه بشوش ليرد الجميع تحيتها.

-وبعدين في دلعك ده يا تاج... جملة تحذيرية نطقتها عصمت بحزم لتتابع وهي تنظر لنجلها الحبيب: -بابي لسه راجع من السفر ومحتاج هدوء، بطلي دوشة ومناقرة في أخوك الصغير. لم تعر لحديث جدتها اهتمام وتحدثت وهي تتحسس ذقن أبيها بدلال مفرط: -وحشتني قوي يا بابي. ابتسم وقبلها: -وإنت كمان يا حبيبتي.

وهنا ترك كلتاهما لترتمي الفتاة بأحضان والدتها، بينما اتجه فؤاد إلى شقيقته التي حضرت لاستقباله هي وابنتها عندما علمت بعودته من خلال مهاتفة والدتها لها. احتضنها وتحدث مربتًا على ظهرها: -إزيك يا فيري، عاملة إيه يا حبيبتي؟ -أنا بخير يا فؤاد، حمدالله على سلامتك...

نطقتها بنبرة هادئة خالية من المرح كعادتها السابقة. حزن الجميع لأجلها، فمنذ ذاك اليوم المشؤوم تبدل حالها وكأنها أصبحت امرأة أخرى، امرأة فاقدة للشغف والحياة كما عاهدها الجميع من ذي قبل. ضمها إليه وتحدث بحنو ليحتويها: -الله يسلمك يا حبيبتي. طالع الفتاة التي تقف تنتظر دورها وهي تتحدث بمرح: -أنا واقفة مؤدبة أهو ومستنية دوري. علا صوت ضحكاته ليقول وهو يفتح ذراعيه بحنان: -يا حبيبي أنت الدور يجي لك لحد عندك.

ارتمت لتتنعم بحنان خالها الذي طالما كان لها الأب الحنون المستمع المراعي. ابتسمت وشددت من ضمته، ثم تحركت إلى إيثار التي احتضنتها بقوة فتحدثت الفتاة معتذرة: -أنا آسفة علشان بطلت أجي أقعد معاك زي الأول. -متتأسفيش، أنا عذراكي ومقدرة اللي إنت فيه، بس حاولي ترجعي معايا زي الأول، لأن وجودك فارق لي جدًا. وتابعت والحزن سكن عينيها: -كفاية عليا بعد يوسف يا بيسان.

أصاب الوجع قلبها البريء عند ذكر اسم الحبيب، فتنهدت بألم نحر قلب الأخرى على حال المغرمين. أمسك كفها واتجه ليجلس بجوارها وبدأ الجميع بخلق أحاديث. خرجت عزة خلف تلك العاملة "هند" والتي صدمت من مشهد جلوس الزوجين بجوار بعضيهما، وما زاد اشتعالها هو الحديث الجانبي الدائر بينهما والضحكات الناعمة الظاهرة للأعمى. تقدمت بالحامل ومالت عليه لتنطق بنعومة ونظرات مبتسمة: -حمدالله على سلامتك يا باشا، اتفضل العصير.

شعر بعصبية زوجته من خلال تشنج كفها المتشابك مع خاصته بينما بدأت بعصره دون إدراك، فعلى الفور تحدث بحدة متجاهلًا لطف حديثها: -مش عاوز. والتفت إلى عزة متجاهلًا وقوف الفتاة: -وحياتك يا عزة تلحقيني بفنجان قهوة من إيدك. نطقت تجيبه بحماس ظاهر: -من عنيا يا سيادة المستشار، أحسن فنجان قهوة في الدنيا كلها يتعمل لك حالًا. ثم اقتربت منه بعدما رأت تسمر تلك الفتاة لتطرق على كتفها بقوة قائلة:

-إنت متنحة كده ليه يا أختي، يلا ورينا عرض كتافك. اشتعل داخلها من حديث تلك العزة وتحركت إلى إيثار التي أشارت لها بالتخطي بمنتهى التقليل مما جعلها تتحرك سريعًا إلى الحضور. مالت عزة على أذن فؤاد وتحدثت بحبور شديد بعدما رأت تشبثه بكف ابنتها الحبيبة: -ليك عندي مفاجأة. -أستر يا رب... قالها بريبة مفتعلة لتتابع مسترسلة بحماس: -جهزت لك أوضة الجاكوزي أنا وسعاد. غمز لها بطرف عينيه وتحدث:

-أيوه بقى يا عزة، هي دي المفاجآت اللي بجد. أكملت حديثها بنفس النبرة الحماسية: -ده أنت هتنبهر لما تشوف اللي أنا مجهزاه جوه. -هات العواقب سليمة يا رب... قالها وهو يطالعها بحذر مما جعلها تشعر بالغيظ لتقول: -والنبي لو قدت لك صوابعي العشرة شمع برضه ما هيعجبك، يلا، كله لوجه الله وعلشان الغلبانة اللي قاعدة جنبك. نطق متجاهلًا شكواها: -روحي إعملي القهوة يا عزة، دماغي صدعت فوق صداعها. مصمصت بشفتيها قبل أن تنطق وهي

تخبط كفيها فوق بعضيهما: -صحيح، خير تعمل. تحركت للداخل تحت ضحكات إيثار التي سألته: -مالك ومال زوزة، مزعلها ليه؟ طالعها مستغربًا وتحدث باستنكار: -أنا أزعل عزة، دي جبروت، دي تزعل قارة بحالها. -أمال بتبرطم ليه وهي ماشية؟! مال بجزعه يهمس: -أصلها موجبة معايا وحضرت لنا الجاكوزي، وبتقولي هتنبهر. تحدثت بمشاكسة: -طب والله كتر خيرها، الست حريصة على تعلية مزاج معاليك، وإنت كمان اللي زعلان؟!

-مين قال إني زعلان، أنا بس قلقت بعد كلمة هتنبهر بالأجواء دي. وتابع متوجسًا: -المشكلة إني حافظ عزة وأساليبها في الانبهار، دي مش بعيد تكون حاطة لنا صواريخ من اللي بتفرقع في قلب الماية، أو ديناميت كنوع من الإثارة والحماس. لم تستطع كبح ضحكاتها التي صدحت وملأت المكان تحت استغراب الجميع الذين صوبوا نظراتهم عليها. وكزها بخفة ينبهها ليقاطعه صوت علام الحكيم:

-خد مراتك واطلع على جناحك يا فؤاد، إنت جاي من سفر وأكيد محتاج للراحة. نطقت الفتاة بدلال: -خليك قاعد معانا شوية يا بابي. تطوعت عصمت بالرد: -بكرة أجازة يا حبيبتي، إبقى اقعدي معاه براحتك. وتابعت موجهة حديثها إلى فريال: -إبقى هاتي ولادك وتعالي اتغدي معانا بكرة يا فريال. أومأت بهدوء وتذكرت حزن والديها من زوجها وسخطيهما عليه بعدما حدث منه وعدم مجيئه إلى هنا منذ ذاك الحين. وقف فؤاد وجذب خليلة روحه تأهبًا للصعود، فهب مالك

من جوار جده وهتف بحماس: -أنا هاجي أنام معاك يا بابي. كانت إشارة من سبابته على تلك الشجرة العتيقة كافية لهدل كتفي الصغير وعودته مرة أخرى إلى كنف جده. همست بصوت خفيض: -بقيت جبروت حتى على ولادك يا سيادة المستشار. رد بهدوء: -بتعلم منك يا قلب سيادة المستشار.

حاوط خصرها وتحركا للطابق الثاني وما أن أغلق باب الجناح حتى احتضنها رافعًا إياها من خصرها لأعلى لتتدلى ساقيها معلقة في الهواء. تحرك بها إلى التخت بعد أن التقط شفتيها بين خاصتيه وغاصا معًا في قطف شهدها. وصلا للتخت فنزل بركبته مستندًا على الفراش ثم طرحها بقوة للخلف وابتعد ينزع عنه ثيابه ويلقيها بإهمال ليقبل عليها بشوق وكأنه ابتعد عنها لأعوام وليس عدة أيام فقط. غاصا معًا في جنة العشاق ليبث كل منهما مدى عشقه واشتياقه الجارف للآخر.

بعد مرور حوالي ساعة، ولج من الباب الخاص بغرفة "الجاكوزي" ليجدها مزينة بألوان الشموع وألوانها المختلفة وروائحها العطرية المريحة للنفس وجلب السلام النفسي، وأنواع الفاكهة المحببة لدى كلاهما والشراب أيضًا. ما لفت انتباه فؤاد هي بذلة الرقص الشرقية التي رآها معلقة على مانيكان بجوار المغطس. بذلة جديدة كليًا بها حزام مزين من الترتر باللون ذاته. حقًا كانت رائعة ومثيرة. قامت عزة بشرائها من متجر مخصص لبيع ملابس النساء الخاصة لتقديمها كهدية إلى تلك العنيدة، وذلك لعلمها باهتمام فؤاد بذاك النوع من الملابس. هتف وهو يتطلع على الثوب بمقلتين

ستترك عينه وتقفز عليه: -دي مفاجأة عزة طلعت مفاجأة نار بجد، لا وإيه، مفاجأة من العيار الثقيل. نطقت هي متعجبة: -جابتها منين الأروبة دي؟ -ده وقت الأسئلة دي برضه... قالها وهو يجذبها بقوة إليه لترتطم بجسده وتابع بوقاحة: -دقت ساعة العمل، الست عملت اللي عليها، الباقي بتاعك إنت يا إيثو. أفلتها وأشار إلى الساتر الخشبي: -روحي غيري بسرعة على ما أشغل غنوة حلوة تشعلل الأجواء وتنعنشها.

بالفعل اتجهت وأبدلت ثيابها بالبدلة وما أن خرجت عليه حتى اشتعل قلبه من مظهرها الفتاك. أسرع على مشغل الموسيقى وجدها جاهزة على غنوة شعبية. بدأت كلماتها لتدخل إيثار بنوبة ضحك عندما استمعت للغنوة وهي تقول: أنت لو كنت بتهتم أنت لو كان عندك دم أنت لو بتحس يا عم هتعرف إيه اللي مزعلني ما أنت لو كنت بتهتم ومالية عينك كنت تتلم أنت لو كنت بتفهم ما تزعلنيش وتدلعني

تطلع بأعين مذهلة وهو يرى زوجته تستغل الكلمات لإغاظته وتتمايل بخصرها مع الغنوة بتردد لكلماتها فهتف بحنق: -الله يخربيت أم غبائك يا عزة، أنا كنت متأكد إن عمرك ما تعملي حاجة عدلة وتكمليها للآخر أبدًا. جذبته عليها لتدمجه معه بالرقص وتحدثت مع الغنوة بتمايل أصابه بالجنون لدرجة أنه اندمج لأبعد حد وبات يتمايل معها ممسكًا إياها من خصرها وتقريبها عليه: مخصماك وإبعد عني أنا مش طايقاك سيبني مش عايزة أبقى معاك ما تورينيش وشك تاني

نطق هو بغمزة: -يا راجل، ده من قلبك؟! تابعت بدلال مفرط وشفاه مثيرة: مخصماك مجنون بجد أنا مش فاهمك مش عايزة عيني تكون شايفاك ولا أسمع صوتك في وداني انتهى من رقصتها الجنونية ليقسم بداخله أن تلك الرقصة وتلك الليلة ستحفر بذاكرة كلاهما. توقف وبأنفاس لاهثة تحدث منبهرًا: -كنت هايل يا وحش. اقتربت عليه تسأله بدلال: -عجبتك يا فؤاد؟ -فوق ما تتخيلي. أمسك بخصلات شعرها واشتم عبير زهورها ثم أعادها إلى خلف أذنها وتحدث بأعين يفيض

منهما الشوق والاشتياق: -وحشتيني قوي يا بابا. ارتمت بأحضانه وتحدثت بحنين أظهر كم احتياجها ووحشتها له: -إنت اللي وحشتني قوي يا حبيبي، وكلمة بابا هي كمان وحشتني منك قوي، أوعى تبعد عني تاني. وتابعت: -عاتبني وعاقبني زي ما أنت عاوز، بس من غير بعد وخصام يا فؤاد، روحي بتروح مني لما تبعد يا حبيبي. ضمها لصدره بقوة وتحدث بنبرة يتخللها الحنان: -كان غصب عني يا قلبي، بس كان لازم شدة الودن دي ليا أنا وإنت. أبعدها قليلًا وتحدث:

-إلبسي المايوه وتعالي ننزل الماية، جسمي متخشب ومحتاج أفكه. -عيوني. بعد قليل كان منبطحًا على بطنه على حافة المسبح. تميل بجسدها عليه وبكفيها تدلك ظهره بخفة واحترافية وحركات دائرية بمساعدة بعض الزيوت العطرية المخصصة لذلك. تنفس براحة وتحدث بعينين مغمضة من شدة الاستمتاع: -تسلم إيدك يا حبيبي، كنت محتاج المساج ده قوي يا إيثار.

ابتسمت وتابعت التدليك بحرفية. اعتدل ليستند على جدار المغطس ثم أخذها أمامه لتريح رأسها للخلف على صدره. حاوط خصرها بذراعيه وتحدث بوله وهو يضع قبلة بجانب أذنها أصابتها بقشعريرة وقتية: -حبيبة حبيبها اللي وحشته بجنون. لفت ذراعيها للأسفل حول عنقه وشبكتهما لتتنهد باسترخاء. تحمحم وهو يقول مضطرًا فلا وقت لديه للانتظار: -حبيبي. -إمممم. تحمحم ليتابع بحذر: -فيه حاجة مهمة حصلت ولازم تعرفيها. -خير يا حبيبي؟ ...

قالتها بجفون مرتخية مستمتعة بلحظاتهم الحميمية معًا. ليتابع هو مرغمًا: -عمرو البنهاوي. صعقت لتلتفت إليه سريعًا تطالعه بعينين مرتعبة وكأنها تعرضت لصاعقة كهربائية. ابتلعت لعابها تنتظر تكملة الحديث بهلع بعدما رأت خيبة الأمل تملأ عينيه: -هيوصل مصر بكرة. "وكأنك ذنب عظيم تلاحقني لعنته أينما ذهبت". بجسد مرتجف وصوت مرتعب تحدثت: -إنت بتقول إيه يا فؤاد، عمرو مين ده اللي يرجع؟! وتابعت بهذيان ونظرات زائغة توحي لمدى

فظاعة وقع الخبر عليها: -أكيد إنت غلطان، ده عليه حكم قضائي ولو نزل مصر هيتقبض عليه. أمسك كفيها باحتواء وتحدث: -ممكن تهدي علشان أعرف أفهمك الموضوع. سحبت كفها من بين راحتيه وقامت بوضعها فوق فمها، وبعينين مغيمة بالدموع هزت رأسها لتشهق وبلحظة انسابت دمعاتها بغزارة على وجنتيها. شعر بأن أحدهم قام بغرس نصل سكين حاد بمنتصف القلب. هو رجلها وحمايتها، كيف لدموعها الانسياب بحضرته. احتوى وجنتيها وتحدث بتأكيد من عيناه:

-إنت خايفة من إيه، أنا معاك يا بابا، مفيش مخلوق هيقدر يقرب منك في وجودي. -يوسف يا فؤاد، يوسف... قالتها بضعف ووهن ودمعات تقطع نياط القلب، فأجابها بصوت هادئ مستكين: -يوسف بقى راجل وميتخافش عليه يا حبيبي. وتابع ليشعرها بالطمأنينة على نجلها: -وبعدين ده ابنه، أكيد هو مش مختل لدرجة إنه يأذي ابنه. هتفت بدموعها الهيستيرية: -إنت بتتكلم على أساس إنه قبل كده مبعتلوش بلطجية علشان يخطفوه من باص المدرسة؟! وتابعت صارخة بهذيان:

-ده بني آدم مجنون يا فؤاد، المخدرات لحست نفوخه وخلته فاقد الوعي والأهلية. أجابها شارحًا: -زمان كان يوسف صغير والخوف من إنه يخطفه وارد جدًا، لكن يوسف حاليًا بقى راجل، يعني أكتر حاجة ممكن يعملها هي إنه يروح له ويحاول يتقرب منه، ويزيف له حقايق الماضي علشان يكسبه في صفه. -وهي دي حاجة بسيطة يا فؤاد؟! أجابها بتعقل:

-القصة مش قصة بسيطة أو معقدة يا حبيبي، اللي يطمن في الموضوع إن يوسف راجل ومتربي صح، وعنده عقل ناضج قادر يفرق من خلاله ما بين الحق والباطل والصدق والكذب، وده اللي مخليني مطمن من ناحية يوسف. -أما بخصوص المخدرات فالموضوع ده انتهى خلاص... نطقها بهدوء فضيقت عينيها لتسأله بعدم استيعاب: -يعني إيه انتهى؟! زفر وتحدث بهدوء: -قومي إلبسي هدومك علشان متبرديش، وتعالي نطلع نتكلم في أوضتنا.

مالت بجانب رأسها تتعمق بعينيها وكأنها تشتكيه مر زمانها. جذبها وأسكنها أحضانه لينطق وهو يمسح فوق رأسها بلمسات بثت في روحها الأمان: -يا حبيبي أنا جنبك، خايفة من إيه بس. بعد قليل، فوق الفراش بغرفتهما كانت تقابله الجلوس وهو يتحدث: -أنا عاوزك تهدي خالص. وتابع مفسرًا: -وبعدين متقلقيش، ابن البنهاوي اللي راجع مش هو اللي سافر هربان. قطبت بين حاجبيها بعدم استيعاب فتابع بإبانة: -البيه اتجوز هناك ومخلف ولد وبنت. وتابع متهكمًا:

-ما شاء الله عليه، متجوز بنت واحد فرنسي الجنسية، مفيش شغل شمال ملوش فيه. لطمت خديها: -يا لهوي، وبتقولي متقلقيش؟! -أه يا حبيبي بقولك متقلقيش، وهتفهمي حالًا لما أشرح لك أنا ليه بقول لك كده... قالها بهدوء ليتابع مسترسلًا باستفاضة:

-بصي يا ستي، هو لما هرب على فرنسا اتعرف على البنت اللبنانية اللي اتجوزها بعد كده، هي كانت مدمنة كحول وهو مخدرات، أبوها كان بيحاول معاها كتير يوديها مصحة وهي كانت بترفض، واحدة واحدة حبت البيه واتعلقت بيه، وقررت وقتها تتعالج، فأخدته معاها. وتابع شارحًا:

-ولأنه إمعة ومطموس الهوية أي حد معدي بيأثر فيه، فاستجاب لها وراحوا بالفعل اتعالجوا، ودي كانت أحسن حاجة عملتها معاه، اتعالجوا وخرجوا ومن هنا علاقتهم اتطورت واتعرف على أبوها، حكى له عن قصة حياته كلها، وأبوها أخد الفلوس الـ... اللي كان البيه جامعها من بيع الآثار وغسلها له. ثم تابع مسترسلًا بإبانة لما حدث:

-دخلها له بعد كده في شوية مشاريع، وبعدها كلم محامي كبير علشان يعمل له المصالحة مع الدولة، وبدأ يعمل مشاريع هنا في مصر استعدادًا لرجوعه. صمت لبرهة ومسح على وجهه وهو يزفر بعنف، مما استدعى تعجبها ثم تحدث بما جعل عينيها تتسع على مصراعيهما: منهم شركة الصخرة اللي كانت السبب في خسارة شركتنا لكذا مناقصة. أغمضت عينيها وباتت تهز رأسها بذهول من هول ما استمعت إليه من معلومات، صاحت بنبرة عاتبة:

-وأنت كنت عارف كل ده وساكت يا فؤاد؟! أشار بكفيه شارحًا بحدة: -ما كنتش ساكت، كنت بحاول بكل قوتي ونفوذي أمنع التصالح اللي بيعمله المحامي بتاعه مع الدولة، لكن للأسف، الاتفاقيات الدولية الموقعة بين الدول ساعات بتبقى فوق الكل، وللأسف البلد من بعد الثورة عملت كمية تصالحات في قضايا كتير. وتابع بأسى وغيظ: -ولأن أساسًا قضايا الآثار مالهاش أحكام شديدة عندنا، فده ساعدهم وسهل عليهم الأمر أكتر، دفع فلوس وخد المصالحة.

تنهد ليتابع بضيق بعدما رأى تشتتها والانهيار النفسي: -أنا كل غضبي منك الفترة اللي فاتت كان بسبب كده، في وسط الضغوط اللي كنت بتعرض لها وأنا بجري وبحاول بكل قوتي أمنع الأذى عنكم، الأذى قدر يوصل لشركتنا ولحد مكتبك، وسيادتك بدل ما تجري عليا وتبلغيني ونحاول نحل ونحمي نفسنا، لغيتي وجودي واتصرفتي لوحدك، ولولا ستر ربنا وإني متابع وزارع ناس تبعي في الشركة يا عالم، كان إيه اللي هيحصل. بأعين نادمة أمسكت كفيه وتحدثت بدموع:

-أنا آسفة يا حبيبي، ما كنتش أعرف إن الماضي الملعون قام من رقدته وراجع تاني. زفر ليخرج شحنة الغضب الكامنة بالداخل لينطق متمالكًا حاله: -أنا مش ضدك ولا ضد نجاحك يا إيثار، بس أنا الأمر اللي يعنيني في الأول وفي الآخر هو أمانك وأمان ولادنا ويوسف، بعدها طظ في أي حاجة. كانت تستمع إليه بعقل مشتت وقلب ممزق، سألته بعدما أدركت حديثه بشأن أمان يوسف: -طب يوسف وكبر وزي ما بتقول وجوده ما بقاش بيشكل عليه خطورة، لكن وولادي يا فؤاد؟!

وتابعت بهلع قفز من مقلتيها: -أكيد هيحاول يأذينا فيهم. -طب خليه يجرب كده وشوفي أنا هعمل فيه إيه… ليتابع بجحيم ظهر بعينيه: -قسمًا بالله أخليه ما ينفع يكون راجل تاني. اعتدل بجسده وجهز وضعية الفراش للنوم وتحدث وهو يدعوها لأحضانه: -يلا يا حبيبي علشان ننام. رفعت كفيها لتنطق بإحباط وألم مليء عينيها: -أنام، وأنا هيجي لي نوم بعد اللي عرفته ده إزاي يا فؤاد؟! نطق بلوم وعتاب:

-وأنا يبقى إيه لزمتي في الدنيا لو النوم فارق عيونك بسبب واحد حقير زي ده؟! ده أنا يبقى عدم وجودي فيها أحسن يا إيثار. أسرعت لتتخذ وضعية النوم ثم ارتمت بين أحضانه لتقول بصدق: -إيه اللي بتقوله ده يا فؤاد، ده أنا ما عرفتش للأمان عنوان غير في حضنك. ضمها وتحدث بيقين بالله: -يبقى تنامي جواه وترمي حمولك على ربنا، وسيبي الباقي عليا. خرجت سريعًا من حضنه لتسأله بارتياب: -أنت هتروح بكرة عند يوسف علشان تتكلم معاه في كده، صح؟

أومأ لها فتحدثت برجاء: -أنا هاجي معاك. -حاضر، هعمل لك كل اللي أنت عاوزاه… قالها بهدوء ليتابع مترجيًا بعينين يغلب عليهما النعاس: -بس خلينا ننام علشان خاطري، أنا من ساعة ما سافرت الغردقة ما نمتش ساعتين على بعض. ملست على شعره بحنو لتقول بصوت بث داخله الاستكانة والراحة: -نام في حضني يا حبيبي.

غمس رأسه على صدرها وحاوط خصرها بذراعيه ليتنعم بدفء حنانها ورائحة جسدها المسكرة، لتحتضن هي رأسه وبدأت بمداعبة خصلات شعره الفحمي بأناملها الرقيقة حتى غفى بسلام بين أحضانها، أما هي فباتت تفكر فيما حدث وقد جافا عينيها النوم بعد إزاحة ستار الحقيقة.

فاق من النوم وبات يفرد ذراعيه يتمطأ بتكاسل لذيذ ومزاج حسن بفضل ما حدث، حتى ولو عكر صفو الليلة الحديث عن ذاك الإمعة، لكن أثر الليلة عليه تغلغل داخله وأدخله بحالة مزاجية رائعة، استمع لصوت باب الحمام فالتفت ليجد حبيبته تخرج بزي الحمام الخاص (البرنس) ، تلف منشفة كبيرة فوق شعرها لسرعة تجفيفه، تطلعت عليه وبابتسامة جاهدت لإخراجها تحدثت: -أنت صحيت إمتى؟ -حالًا… وتابع عاتبًا: -ما صحيتنيش آخد حمامي معاك ليه؟

أقبلت عليه وهي تقول: -صعبت عليا قلت أسيبك نايم. مالت بجذعها لتضع قبلة حنون بجانب شفته فأمسكها من خصرها وأجبرها على النزول ليلتهم شفتيها فصاحت باعتراض وهي تتشبث بمنشفة الرأس خشية انزلاقها: -الفوطة هتقع وشعري هينقط عليك ماية يا فؤاد. نطق باستفزاز: -وأنا راضي، أهو بالمرة آخد الشاور بتاعي على السرير.

-بطل شقاوة بقى… قالتها وأفلتت حالها بصعوبة من بين براثنه لتنطلق مهرولة إلى مرآة زينتها، سحب جسده للأعلى ليستند للخلف، طالعها بانبهار لجمالها وسحرها الفريد، فبرغم مرور سنوات عديدة على زواجهما إلى أن ما زالت لديها القدرة على سحبه لعالمها وسحر عينيه بقوة، كانت تجفف شعرها استعدادًا لتصفيفه، ابتسمت وهي تراه يطالعها مسحورًا عبر انعكاس المرآة لتتحدث بنعومة: -بتبص لي كده ليه؟ -مسحور بجمال حوريتي…. ثم تابع بابتسامة جذابة:

-أنت حلوة قوي يا إيثار، دائمًا قادرة تجددي حبنا وتاخدينا من وسط الدنيا ومشاكلها. ابتسمت بدلال وتحدثت لضيق الوقت: -طب يلا قوم خد الشاور بتاعك علشان الباشا مستنينا على الفطار. ولج إلى الحمام بمساعدتها لينتهي بعد فترة ويرتدي ثيابه ليتحرك للأسفل بعدما سبقته هي للاطمئنان عن أطفالها، وصل لنهاية الدرج وجد عزة تدخل من الباب الرئيسي للمنزل لتقبل عليه بابتسامة واسعة تزين ثغريها:

-يا صباح الفل والهنا والسعادة على عيونك يا سيد البشوات. وأكملت بثرثرتها المعتادة: -الله أكبر، عينك عليك باردة، اللي يشوفك وأنت نازل من على السلم زي الأسد، يقول شاب يدوب في الثلاثينات. -الله أكبر في عينك يا عزة… قالها ممازحًا ليتابع: -جرى إيه يا ست أنت، أنت صاحبة تقري عليا؟ -أنا أقر على جوز حبيبتي وراجلها… مصمصت بشفتيها بصوت معترض لتتابع: -ده أنا الود ودي أشوفكم أسعد الناس كلها. تخطى حديثها ليسألها موجهًا ببصره

نحو الباب المؤدي للحديقة: -الباشا فين؟ -مستني جنابك بره في الجنينة، كلهم قاعدين ومستنيينك على الفطار. خطى بساقيه فأوقفته متسائلة بسعادة: -ما قلتليش يا باشا. التف يطالعها فتابعت وهي تهز رأسها منتظرة الإجابة بحماس: -إيه رأيك في المفاجأة بتاعتي؟ رفع حاجبه ثم حك ذقنه وتحدث بنظرات متوعدة: -كويس إنك فكرتيني، بقى أنا يتقال لي أنت لو بتحس يا عم، وأنت لو كان عندك دم؟ ارتبكت وتراجعت للخلف بعدما وجدته يقترب

عليها بوعيد لتتحدث بتلعثم: -يو، وأنا اشعرفني يا أخويا بالأغاني وأمور المسخرة دي. وتابعت بتنصل للأمر: -أنا سألت البت سميرة بنت وداد، قلت لها لما بتحبي تدلعي جوزك وتشخلعيه يا بت بتشغلي إيه؟ وتابعت: -وهي اللي حطت لي أغنية الشوم دي. اقترب عليها أكثر مستمتعًا بمظهرها المنكمش وهي تتراجع للخلف بذعر: -لا والله، يعني أنت ما كنتيش تعرفي كلام الغنوة؟ هزت رأسها نافية لينطق بلهجة حذرة: -عزة. زفرت باستسلام وقررت الاعتراف:

-الكدب خيبة يا بيه، أنا بصراحة سمعتها، وقلت للبت ينيلك يا سميرة، أنت عاوزاني أشغل قلة القيمة دي لسيادة المستشار. وتابعت بحماس: -بس البت أكدت لي إن الأغنية مشهورة، وكل الرجالة بتتهبل وتجيب ورا لما بتسمعها. -بت إيه؟! … قالها بذهول ليتابع بحدة ونظرات شزرة: -ده أنت نهارك مش فايت معايا النهاردة يا عزة. وتابع ناهرًا من بين أسنانه: -بقى لامّة الشغالات حواليكي وقاعدين تختاروا لي الغنوة اللي هسمعها مع مراتي؟!

رفعت ذراعيها تحمي بهما وجهها وارتجفت وهي تقول: -العفو والسماح يا باشا، أنشك في قلبي لو اتدخلت لك في حاجة تاني. -في حاجة يا سيادة المستشار؟! التف كلاهما على صوت عصمت التي ولجت تستعجل العاملات بتجهيز الفطور، فوجدت مناوشات ذاك الثنائي، تحمحم قائلًا: -مفيش يا ست الكل. والتف يناظر تلك التي ابتلعت لعابها براحة وكأن حضور عصمت أنقذها من براثن ذاك الوحش، واسترسل متابعًا بابتسامة مستفزة إلى عزة:

-أنا كنت بطمن على صحة عزة، أصل صحتها مش عجباني اليومين دول، فبقول لها تهتم شوية. -يخليك ليا... قالتها بأعين زائغة لتنقذها عصمت قائلة: -طب يلا يا عزة ادخلي استعجليهم على الفطار، الباشا والأولاد جاعوا برة. -فوريرة يا هانم... نطقتها وتحركت مهرولة ليشيعها بنظراته حتى اختفت داخل المطبخ، اقتربت والدته تتحسس ذقنه وتقول: -شيفاك مبسوط النهاردة. احتوى كفها وتحدث بلباقة مداعبًا إياها: -حد يشوف القمر ده قدامه على الصبح ومينبسطش.

ضحكت وهي تقول: -بقيت بكاش على كبر يا سيادة المستشار، اتعلمت المراوغة من ولادك. ابتسم لها وتحركا للخارج يتناولا بصحبة العائلة وجبة الفطار تحت سعادة عصمت ومعاملتها الحسنة لإيثار التي تعجبت تغيير المرأة الكلي معها. عند غروب الشمس

كانت تهرول خلف ذاك الكارثة الكبرى بحديقة القصر الواسعة، ذاك المشاغب الذي تقضي يومها بالكامل ركضًا خلفه وهي تلحقه من هنا لهناك كي لا يفعل كارثة كعادته ويأتي ذاك الغاضب "فؤاد" ويحملها كل النتائج، هتفت تنادي عليه وهي تراه يقترب من المسبح: -يا واد تعالى هنا وجعت قلبي معاك، قطعت نفسي من الجري وراك الله يهديك. توقفت لتأخذ نفسًا ثم تابعت بأنفاس لاهثة:

-تعالى علشان تستحمى قبل ما أبوك يشوف هدومك اللي اتبهدلت من العجين دي ويسود عيشتي. توقف يجيبها وهو يترقص بطريقة ساخرة لإغاظتها: -هقول له زوزة هي اللي ندهت عليا وقالت لي تعالى ساعدني، واعجن البيتزا بدالي يا ملوك. -أنا عارفة إن نهايتي وطردي من البيت ده هيكون على إيديك يا شبر ونص أنت. قطع حديثها قدوم ذاك البغيض عليها لتكفهر ملامحها وهي تهمس لنفسها: -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، انصرف. سألها بتعالٍ:

-علام باشا وفؤاد باشا موجودين يا عزة؟ -جوة في المكتب... قالتها بلامبالاة وتابعت: -اتفضل أوصلك ليهم. والتفتت للصغير: -راجعة لك، اصبر عليا يا مالك. وصلت إلى المكتب لتدقه بهدوء، استمعت إلى صوت فؤاد فولجت لتنطق: -الدكتور ماجد برة وعاوز يقابل حضراتكم. تبادل كلاهما النظرات سويًا فأومأ علام لنجله فتحدث بناءً عليه: -خليه يدخل. دخل ليرمقه علام بنظرات لائمة وتحدث مبكتًا: -لسه فاكر يا ماجد؟ أقبل عليهما وتحدث آسفًا:

-حقك عليا يا باشا، أنا كنت هاجي لجنابك من وقتها، بس كنت محروج منك بعد اللي حصل آخر مرة. ابتسامة ساخرة ارتسمت على ثغر فؤاد الذي ظل على حاله ناظرًا للأسفل دون أن يعير لدخوله أدنى اهتمام، أشار له علام ليشاركهما الجلوس، نطق بهدوء لذاك المتجاهل وجوده: -ازيك يا سيادة المستشار. هز رأسه ونطق بصوت خافض: -الحمد لله. اعتدل بجلوسه ثم تحدث بتوتر أظهر حضوره المجبر:

-أنا جاي أتأسف لحضرتك وليك كمان يا فؤاد باشا، عن اللي حصل مني يوم العزومة. وتابع وهو يفرك كلا كفيه ببعضهما: -أنا عارف إني تعديت حدودي في وجودكم، بس أنا غصب عني، لحد ولادي وبتحول. كانا يستمعان إليه بهدوء مريب ليقرر فؤاد التحدث إلى أبيه: -بعد إذن الباشا طبعًا. أعطى له علام الإشارة فتابع مسترسلًا بغلظة: -كويس إنك عرفت غلطتك واعترفت بيها يا ماجد، ولو إن أسفك متأخر بس مش مشكلة. وتابع بحدة:

-وبرغم إن وجودك هنا مهم وكان لازم، إلا إني شايف إن الاعتذار الرئيسي مكانه مش هنا خالص. ضيق بين عينيه وتحدث مستفهمًا: -مش فاهم حضرتك تقصد إيه بالظبط يا سيادة المستشار؟ بقوة وصرامة أجابه: -أقصد إن الشخص اللي أنت أهانته قدامنا كلنا هو اللي يستحق اعتذار منك، ومش بينك وبينه لا، ده لازم يكون قدام العيلة كلها. وتابع مسترسلًا بقوة: -وزي ما الإهانة حصلت قدام الكل، أبسط حق ليه إن كرامته تترد له هي كمان قدام الكل.

أسند ظهره للخلف وتحدث بكبرياء متغاضيًا عن مدى تعلق فؤاد بالشاب: -بس أنا مغلطش فيه علشان أعتذر يا باشا، أنا كنت بدافع عن بنتي وافتكر إن ده حق أصيل ليا. وتابع بازدراء للفتى: -ثم إن اللي اسمه يوسف ده ميخصنيش في شيء، ولا يعني لي رضاه من زعله. وتابع برياء أراد به تضامنهما: -أنتوا اللي تخصوني وعلشان كده أنا موجود هنا. انتفض فؤاد منتصب الظهر وتحدث متجاهلًا وجود ماجد: -بعد إذنك يا باشا، ورايا مشوار مهم.

شعر بالإهانة من تجاهله وبرغم غضبه إلا أنه استطاع التماسك وتحدث لإصراره على كسب وده مرة أخرى: -إحنا لسه مكملناش كلامنا يا فؤاد. طالعه بكبرياء وتحدث بصرامة وهو يغلق زر بذلته: -بالنسبة لي الكلام انتهى لحد هنا. استمع لبعض الطرقات لتدخل مباشرة إيثار وهي تحمل صينية عليها قدحين من القهوة كان قد طلبهما منها علام، وتحدثت بابتسامة اختفت بعدما رأت ماجد: -معلش اتأخرت عليكم. أشار بكفه لتتوقف ونطق بصرامة لا تقبل المراجعة:

-اطلعي وابعتيها مع حد من الشغالين. ثم حول بصره إلى علام يرجو منه السماح على ذاك التصرف، فليس من الرجولة أن يسمح لزوجته بتقديم المشروب لرجل يكن لها ولصغيرها البغضاء والضغينة بصدره، تفهم علام وأومأ له لينطق مستأذنًا: -بعد إذنك يا باشا. خرج من المكتب دون أن يعير الآخر أي اهتمام مما جعل الدماء تغلي بأوردته بفضل الإهانة المقصودة. تحدث علام بجلد ولوم: -مبسوط باللي وصلنا له كلنا بفضل تهورك يا ماجد.

دخلت العاملة لتقديم القهوة تلى دخولها عصمت التي جلست لتقول بفتور: -ازيك يا دكتور ماجد. -الله يسلمك يا دكتورة... قالها بخزي ليتابع شارحًا موقفه أمام الزوجين وبعدما انتهى تحدث علام: -كل الكلام اللي أنت قولته ده مش مبرر للي عملته يا ماجد. وتابع بتبكيت: -أنت صغرتني وأهنت ضيفي في حضور أخته ده من جهة، ومن الجهة التانية ده بالنسبة لي مش مجرد ضيف، ده حفيدي اللي ربيته على إيديا وبسببك أنت اضطر يسيب بيته اللي اتربى وكبر فيه.

هز رأسه وهتف مسترسلًا بحدة ونظرات جالدة: -وياريتك اكتفيت بكده، ده أنت حرمته من إنه يدخل البيت تاني. وأشار بكفه باتهام: -أنت متخيل مدى الأذى النفسي اللي تسببت لي فيه وأنا بالسن ده يا ماجد؟! نطق مدافعًا عن حاله: -يا باشا أنا بدافع عن مستقبل بنتي، أنتوا بتلوموني علشان رافض أجوز بنتي لواحد عيلته كلها مجرمين؟! قاطعت حديثه عصمت التي نطقت بصرامة وأسلوب حاد يرجع أسبابه لرفضها تحول شخصيته:

-لاحظ إن اللي بتتكلم عنه ده يبقى متربي في بيتنا وتحت عنينا يا ماجد، وأنا والباشا بنعتبره حفيدنا البكري. وتابعت بجدية وصدق: -ده غير إن أخلاق يوسف ومستقبله يخلي أي حد يتمناه عريس لبنته. أجابها: -إلا أنا يا دكتورة، أنا مش مرتاح للموضوع وأظن ده من حقي، ده غير إن أنا والولد مبنرتحش لبعض، بأي عقل أجوز بنتي لواحد مفيش بيني وبينه أي ود. نطق علام بحدة ترجع لتعنت ماجد بالفكر والحديث:

-الظاهر إن تفكيرك لا اتغير ولا هيتغير يا ماجد، وخليني أعيد لك كلام يوسف ليك قدامنا كلنا. تابع بلوم: -الولد متقدمش لبنتك علشان تعمل الزيطة اللي حصلت دي كلها، يعني أنت بعترت البيت كله وفرقتنا على الفاضي. أنزل بصره بخجل تحت نظرات عصمت المستنكرة فتابع علام بإشارة من أصبعه متوعدًا:

-اسمعني كويس وافهم الكلام ده يا ماجد، اللي حصل في اليوم ده مش عاوزه يتكرر تاني، ولو فاكر إن بيسان علشان بنتك هسمح لك تهينها وتتحكم فيها فأنت غلطان، دي حفيدتي وهي وأمها وأخوها في حمايتي، وأي حد هيحاول يمسهم ولو بكلمة هفتح عليه نار انتقامي اللي مش هيقدر يتحملها، حتى لو الحد ده هو أنت يا ماجد. ارتجف جسده من تهديد علام الصريح وأسلوبه الحاد الذي يتبعه معه للمرة الأولى منذ دخوله للعائلة.

بالخارج، كانت تنزل الدرج بعدما ارتدت ثيابها استعدادًا للذهاب مع زوجها إلى يوسف للتحدث معه، خرجت للحديقة لتستقل السيارة بجوار زوجها قائلة: -اتأخرت عليك؟ -لا يا حبيبي، يلا بسرعة قبل ما مالك ينزل ويعمل لنا دوشة. تحرك بالسيارة و تلته إحدى سيارات الحراسة المجهزة، سألته بعدما رأت تجهم وجهه: -مالك يا حبيبي؟ -مفيش... قالها مقتضبًا لتنطق من جديد: -اللي اسمه ماجد كان جاي ليه؟ -متشغليش بالك بيه، خلينا في حياتنا واللي يخصنا.

أومأت برأسها ثم تنفست بعمق ونظرت للأمام تفكر في وقع الخبر على نجلها. بنفس التوقيت داخل مطار القاهرة الدولي، تحديدًا بالصالة الخاصة بكبار الزوار، خطى بساقيه ينظر للمكان بسعادة والغرور يملؤه، ابتسم بجانب فمه لينطق بهمس لحاله: -"وقت الحساب بدأ خلاص، ونار الانتقام هتحرق الكل". استمع لصيحات تلك التي هرولت عليه تحتضنه بلهفة قائلة: -حمد لله عسلامتك حياتي، كتير اشتقت لك أنا.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...