هتفت المرأة بصياحٍ مرتبك وهي تراها تلف مقبض الباب استعدادًا لفتحه: -فيه حاجة لازم حضرتك تعرفيها قبل ما تدخلي مكتبك.
نطقت جملتها بعد فوات الأوان، فقد تسمرت الأخرى بوقفتها وكادت مقلتاها أن تخرجا من عينيها وهي ترى ابنة عم زوجها تجلس بكل أريحية خلف مكتبها. اشتعل قلبها نارًا حين لفت نظرها تلك اليافطة الذهبية الموضوعة على مقدمة المكتب مدونًا عليها "رئيس مجلس الإدارة سميحة زين الدين". وما زاد من حنقها وتعجبها هو حديث تلك المستفزة التي نطقت وهي تتحرك يمينًا ويسارًا بمقعدها المتحرك: -إيه رأيك في المفاجأة الحلوة دي؟
لم تستوعب ما تراه عيناها بعد، اتسعت عيناها بذهولٍ، في حين ارتجف قلبها هلعًا حينما هاجمتها فكرة إذلال زوجها إليها واستبدالها بابنة عمه في ذاك المنصب الذي سلمها إياه منذ سنوات عديدة. نطقت والارتياب يسيطر على كل ذرة بجسدها: -سميحة! أنتِ بتعملي إيه في مكتبي؟! وتابعت والذهول وعدم الاستيعاب سيدا موقفها: -وإسمك بيعمل إيه على يافطة مكتبي؟! -كان يا حبيبتي... نطقت الكلمة ببرودٍ قاتل لتتابع بطريقة استفزت الأخرى:
-كان مكتبك قبل ما أنا أختاره علشان يكون مكتبي. هزت رأسها بعدم إدراكٍ للموقف لتنطق بحيرة وتشتت ظهر بعينيها: -أنتِ بتقولي إيه؟ ومين سمح لك بكده؟! أجابتها بتعاظم: -اسمي واسم عيلتي هما اللي سمحوا لي. وتابعت رافعة عنقها بشموخٍ وكبرياء: -عيلة الزين. ما زال التشتت يشملها وفكرة أن فؤاد أتى بها كنايةً لها ولاستكمال عقابها المستمر هي المسيطرة على مخيلتها الآن. سألتها بصوتٍ خرج متلبكًا لصعوبة الموقف: -فؤاد هو اللي عينك مكاني؟
مطت شفتيها للأمام وبلا مبالاة نطقت نافية: -فؤاد ملوش علاقة بالموضوع، ده حتى لسه ما يعرفش إني جيت من دبي. سألتها بارتيابٍ: -عمو علام؟ -ولا عمو علام، ولا حتى بابي ليهم علاقة بالموضوع. قطبت إيثار جبينها فتابعت الأخرى بحماقة: -أنا اللي قررت أجي أشتغل في شركتنا، وبما إن الشركة شركة عيلتي، فاديت لنفسي الحق في اختيار المنصب اللي يلائم اسمي واسم عيلتي. واسترسلت برعونة:
-والحقيقة ما لقتش منصب في الشركة كلها أفضل من رئيس مجلس الإدارة. وهزت رأسها لتتابع: -ما أنا أكيد مش هشتغل تحت إيدك يا مدام. تداركت الموقف وتحدثت باستهزاء: -هو أنتِ طبيعية يا سميحة؟! يعني أنتِ صحيتي من النوم فجأة كده لقيتي نفسك فاضية فقولتي تيجي تشتغلي في الشركة، لا ومن غير أي قرارات رسمية جيتي واستوليتي على مكتبي؟! التفتت بجوارها وتحدثت بحدة إلى مديرة مكتبها المرتبكة لتلقي عليها باللوم الشديد:
-وأنتِ كنتي فين يا أستاذة، وإزاي تسمحي لها هي أو أي حد يدخل مكتبي في غيابي. وأشارت على ذاك الصندوق الموضوع أرضًا والذي يظهر منه بعض أشيائها الخاصة بالعمل كالأوراق واللافتة المدون عليها نقوش حروف اسمها، وبعض الأشياء الأخرى لتصيح بحدة أرعبت المرأة: -لا وكمان تلمي حاجتي بكل وقاحة وتركنها، وكأنها طلعت قرار بإقالتي. بجسدٍ يرتجف كانت تتابع "عالية" ما يحدث لتنطق متلبكة وهي تفرق كفيها ببعضهما من شدة توترها:
-ما لحقتش والله يا أفندم، والهانم كانت جاية ومعاها البودي جارد بتوعها. هتفت إيثار بسخطٍ وعينين تطلق شزرًا: -ده شغل فتونة وبلطجة بقى. -احترمي نفسك واتكلمي عني كويس قدام سكرتيرتك... نطقتها "سميحة" بعدما هبت واقفة وهي تخبط على سطح المكتب بكل قوتها لتتابع بتعالي وكبرياء: -وما تنسيش إنك بتكلمي بنت أصحاب الشركة، أنا اللي اسمي على اسم الزين. وبإشارة من سبابتها استكملت باستهانة وهي ترمقها بنظراتٍ تقليلية لشأنها:
-لكن أنتِ، تطلعي مين؟! وتابعت باستنكارٍ ودونية: -أنتِ مجرد باراشوت على العيلة، وإوعي تفتكري إنك علشان اتجوزتي فؤاد علام وجبتي منه ولاد تبقي خلاص ارتقيتي وبقيتي من العيلة، مهما وصلتي في عيلة الزين فأنتِ في الآخر هيفضل اسمك "إيثار الجوهري". بغرورٍ تلاعبت باليافطة الخاصة بها وباتت تحرك أناملها فوق حروف اسم الزين لتتابع مسترسلة بتفاخرٍ وتصرفاتٍ لا تليق سوى بطفلةٍ بمرحلة المراهقة: -مش إيثار الزين.
هزت الأخرى رأسها مستنكرة جميع ما يحدث لتنطق بذهولٍ من تصرفات تلك الفاقدة للحكمة والعقل الرشيد: -لا، أنتِ أكيد مش طبيعية، أنا هكلم أنكل أحمد حالًا ييجي يوقف المسخرة اللي بتحصل دي. انتهت من حديثها لتمد يدها داخل حقيبة اليد لإخراج هاتفها الخاص ليقاطعها ذاك الصوت الذي صدح ساخرًا من خلفها: -إيه الصياح والدوشة اللي على الصبح ده يا مدام، الموضوع بسيط ومش مستاهل تدخلي أحمد باشا أو غيره فيه.
وأشار على شقيقته المبتسمة بتشفٍ وتحدث بابتسامة طفيفة ظهرت بجانب ثغره: -دكتورة "سميحة" شافت إن ده الوقت المناسب اللي لازم تيجي شركة عيلتها وتشتغل فيها وتحمي مالها بنفسها. وتابع بطريقة مستفزة: -وأنتِ عارفة "سميحة" دقيقة وذوقها صعب ونادرًا لما حاجة بترضي ذوقها. وتابع باستهانة ولا مبالاة: -هي دخلت كل مكاتب الشركة وعلى فكرة أولهم مكتبي، لتقولي إننا مستقصدينك، لكن من بين الكل ما عجبهاش غير المكتب ده.
بقوة وتحدي أجبته بحنكة أرادت بها إحراجه والتقليل من مهنيته: -أولًا أنا اسمي أستاذة إيثار مش مدام، مدام دي تقولها لي حضرتك وإحنا قاعدين نشرب مع بعض القهوة في جنينة أنكل أحمد، لكن أنا هنا أستاذة إيثار رئيس مجلس إدارة الشركة. وتابعت متهكمة:
-الشركة اللي حضرتك والدكتورة قلبتوها لقهوة بلدي، الأستاذة قررت فجأة تيجي تشتغل، لا ومن نفسها اختارت الوظيفة والمكتب ولا كأننا قاعدين في سويقة بيديرها تاجر في سوق العبور، مش شركة انترناشيونال وتعتبر من أكبر شركات الاستيراد والتصدير في الوطن العربي كله. -اللي اتعمل ده عيب كبير في حقك قبل ما يكون في حق الدكتورة يا باشمهندس... قالتها وهي ترمقه باستنكار وتابعت بقوة وثبات:
-أنا هروح مكتب أستاذ "أيهم"، عشر دقايق أرجع ألاقي كل حاجة رجعت زي ما كانت في مكتبي، وإلا تتحملوا نتيجة اللي هعمله. احتدم داخله وأضرمت نيران الحقد قلبه ليصيح بأعين تطلق شزرًا: -أنتِ بتهدديني؟! شكلك نسيتي نفسك ونسيتي أنتِ واقفة قدام مين؟ هتفت بثبات أشعل داخل كلاهما: -أنتِ اللي نسيت نفسك ونسيتي صلاحياتي اللي أسندها ليا أصحاب الشركة وأكبر مساهميها.
وقبل أن يبادر بالرد قطع هتافاتهم دخول السيد "عزمي" المحامي الذي تحدث قائلًا بهدوء: -سيادة المستشار فؤاد باشا معايا على التليفون وعاوز حضراتكم. صمت الجميع ليفتح الرجل مكبر الصوت ويظهر صوت ذاك القوي ثابتًا كجبال عاتية: -باشمهندس بسام، المهزلة اللي عندك دي تنتهي حالًا، والدكتورة تلم حاجتها فورًا وترجع المكتب زي ما كان بالضبط، وتتفضل تروح على بيتها.
اشْتعل داخل بسام من أسلوب نجل عمه الحاد والذي أشعره أنه تلميذًا فاشل يُعنّف من قِبَل معلمه، لتهتف تلك التي أسرعت متلهفة إلى الهاتف تحت ولع قلب الأخرى: -أنا جاية أشتغل في شركة عيلتي يا فؤاد. وتابعت بصوت متأثر وكأنها تشتكي مما أضرم نيران الغيرة داخل قلب خليلة الروح: -يعني معملتش جريمة علشان مراتك تكلمني بأسلوب مُهين قدام السكرتيرة بتاعتها.
برغم افتَرائها الكاذب عليها إلا أنها اتخذت الصمت ملاذًا آمنًا وتركت ساحة الحرب لفارسها المغوار ولتنتظر لترى ماذا هو فاعلًا لأجلها، قطع صمتها هتاف ذاك الثائر وهو يقول بصوت استطاع إخراجه متزنًا عاقلًا كي لا يقع في شرك تخطي الأصول: -بالنسبة للشغل فمحدش معترض على وجودك، مع إني مستغرب وجود دكتورة ناجحة في مجالها زيك في شركة استيراد وتصدير؟! بس ما علينا. وتابع صارمًا:
-لكن الشغل ليه أصول واحترام يا دكتورة، كان لازم تبلغيني الأول أو تبلغي الباشمهندس أحمد، وبعدها نعمل اجتماع مجلس إدارة ونتناقش في الوظيفة اللي تليق لك وتقدري تنتجي فيها بما يفيد الشركة ويضيف لها. ثم استرسل لائمًا بدهاء أوقعها في شَرَك الخطأ: -لكن سيادتك تخطيتي كل الأصول واخترتي منك لنفسك أعلى منصب في الشركة، وكمان المكتب. بدأت وتيرة صوته تعلو ليتغلغلها الحدة والغضب:
-أنتِ والأستاذ بسام تعديتوا حدودكم وتعديتوا عليا لما حطيتوا مراتي في الموقف السخيف ده قدام الموظفين. وأكمل موجهًا بتهديد مباشر تحت راحة قلب امرأته:
-وعند مراتي حطوا ألف خط أحمر، لأني ممكن أتلاشى أخطائكم في حق رئيس مجلس الإدارة وأعتبره تفكير غير متزن في لحظة طيش منكم، لكن أي حد هيحاول مجرد بس المحاولة بالتجاوز في حق مراتي، هيشوف مني معاملة أقسم بالله هتقهره وتكرهه في اللحظة الغبية اللي فكر فيها يقرب منها، والكلام موجه للكل مهما كان هو مين.
برغم حزنها العميق وجرحها الغائر من تصرفاته معها مؤخرًا إلا أن حديثه ودفاعه الجسور عنها أمام نجلي عمه، وإفشال مخططهما بغزو مكانتها وزعزعة عرشها الذي صنعته بجدارة حنكتها في إدارة الأمور، جعلت قلبها يلين وتشعر بنشوة هزت كيانها بالكامل، لطالما كان لها السند والجدار الصامد، رجلها القوي بطلها المغوار المستعد دائمًا بتقديم روحه فداءً لأمانها وأمنها، تنهدت براحة وبلحظة خمدت نيران جسدها المستعرة وكأن كلماته نزلت على قلبها بردًا وسلامًا.
تعرق جبين "بسام" خجلًا من حديث فؤاد، كم شعر بالتذلُّل والتصغير وما زاد من قهرته هو تهديده المباشر وإظهار ندالته هو وشقيقته بهذا الكم من الوضوح، كاد أن يتحدث فقاطعه حديث تلك الحانقة التي تحدثت بتبرم طفولي: -أنا رصيت حاجتي في المكتب وخلاص يا فؤاد، وأظن مش من الذوق إنك تخرجني من مكتب أنا اخترته. وتابعت تذكره بغرور: -وياريت متنساش إن دي شركة عيلتي، يعني أقل تقدير ليا إني أختار المكان اللي هقعد فيه.
بهدوء ما قبل العاصفة تحدث: -أنا مبعدش كلامي مرتين يا دكتورة. وتابع متجاهلًا عن عمد: -باشمهندس "بسام"، المهزلة دي تنتهي حالًا. -حاضر يا سيادة المستشار... نطقها بخنوع مجبر ومشاعر التذليل تشمل روحه، فتابع فؤاد بكل صرامة: -أنا هقفل علشان عندي شغل ومش فاضي للمهاترات الفاضية دي، عشر دقايق وهتصل بيك يا "بسام"، علشان تقولي إن كل حاجة رجعت لوضعها الطبيعي. بصعوبة أخرج كلماته عنوة عنه: -تمام يا سيادة المستشار، شوف شغلك واطمن.
أغلق الهاتف ونظر لشقيقته متجاهلًا إيثار ونظراتها الحادة الموجهة إليه: -لمي حاجتك في البوكس وأنا مستنيكي في مكتبي يا سميحة، في أقل من عشر دقايق تكوني عندي. -بسام... قالتها باعتراض وعينين راجية تطالبه بالوقوف بجانبها ضد تلك الغريمة، فتجاهل إشارات عينيها وتحدث بعدما أدار ظهره متوجهًا إلى مكتبه: -هطلب لك قهوتك معايا، متتأخريش علشان متبردش.
بالكاد نطق كلماته وتحرك بخطوات مسرعة تدل على مدى اشتعال قلبه، أما هي فنظرت على تلك التي تربع ساعديها على صدرها وترمقها بنظرات شامتة وابتسامة نصر مرتسمة بجانب ثغرها، نطقت الأخرى بغل ظهر من نظراتها الحادة: -الموضوع ما انتهاش لحد هنا. بدأت بلملمة أشيائها وقامت بوضعها داخل الصندوق باضطراب منفعل وبعدما انتهت حملته بين يديها لتتحرك باتجاه الباب لكنها توقفت لتقول بحدة: -المكتب ده خلاص، بقى بتاعي، وبكره هفكرك.
نطقت إيثار بابتسامة مستفزة أشعلت قلب الأخرى: -على ما أظن فؤاد باشا أمرك ترجعي المكتب زي ما كان. بنفس الاستفزاز ردت عليها: -رجعيه أنتِ والسكرتيرة بتاعتك. وتوقفت لتتابع باستفزاز أكثر: -ولا أقول لك، سيبي كل حاجة زي ما هي في البوكس، لإني مش مطولة. وانطلقت للخرج مسترسلة: -كلها يوم ولا اتنين بالكتير وراجعة لك. -سخيفة...
كلمة نطقتها إيثار وهرولت باتجاه الباب تصفعه بكل قوتها خلف "سميحة" مما زاد من احتراق قلبها أكثر، تطلعت إيثار بحقد إلى أشيائها الملقاة بصندوق جانبي ورفعت كفيها لأعلى ثم هدلتهما باستسلام، وتحركت باتجاهه فسبقت الفتاة خطواتها لتلتقطه بين يديها ثم وضعته فوق سطح المكتب الخشبي وتحدثت وهي تفرغ ما به لتعيد كل شيء لقواعده: -أنا هرجع كل حاجة مكانها يا مدام. وتابعت باعتذار بالغ وعينين آسفتين:
-أنا آسفة، والله ما عرفت أعمل أي حاجة. تنهدت لتجيبها بهدوء: -أنتِ معملتيش حاجة علشان تعتذري عليها يا "عالية". وتابعت وهي تهز رأسها: -"بسام" شكله أعلن الحرب عليا، وجايب أخته علشان تساعده في استفزازي ووقوعي في الغلط. -متقلقيش حضرتك، سيادة المستشار في ضهرك ومش هيسمح لأي مخلوق يمسك بأي سوء، وأدينا شوفنا اللي حصل من شوية.
على ذكر قاتل كبريائها أصيب قلبها بخيبة الأمل، فبرغم كل ما حدث ونصرته القوية لها، إلا أنه لم يقم بتوجيه ولو كلمة واحدة لرد اعتبارها أمام منافسيها، تطلعت لحقيبتها ونظرت بشاشة الهاتف أملًا بأن يتواصل معها ويطمئنها بكلماته التي لا يضاهيها شيء.
على الجانب الآخر، مازال واقفًا أمام النافذة الزجاجية العملاقة ينظر على حديقة الفندق المقيم به، فمازال متواجدًا بحجرته بعد، حيث كان يرتدي ثيابه استعدادًا للهبوط إلى مطعم الفندق لتناول وجبة الإفطار قبل ذهابه للعمل المكلف به، وعلم من خلال مصادره الخاصة بالشركة ما حدث من ابنة عمه، فأسرع بالاتصال الفوري بالسيد "عزمي" محامي الشركة وطلب منه الذهاب بالهاتف إلى حلبة الصراع الدائرة، نظر بشاشة هاتفه ونظر على نقش اسم معذبة فؤاده، فكر بأن يتحدث إليها ليغمرها بمشاعر الاحتواء كي يزيل عن قلبها ما حدث، لكن كبرياءه أبى أن يتنازل وقرر المضي قدمًا بخطة تهذيبها، زفر بقوة وتحرك إلى الفراش ليلتقط حلة البدلة وتحرك مهرولًا للخارج بعد ارتدائها ليبدو أنيقًا للغاية.
*** على الجانب الآخر من الشركة، تحديدًا بمكتب بسام الزين، تقف تلك المستشاطة تدور حول نفسها بجنون لتنطق بحدة أظهرت كم غضبها الكامن بالداخل: -بقى أنا يتعمل فيا كده على إيد الشرشوحة دي يا بسام! وتابعت وهي تشير على حالها: -أنا، سميحة الزين، ابن عمي ينصر عليا واحدة فلاحة ويخرجني من المكتب علشانها؟! توقفت عن دورانها الجنوني لتتطلع على ذاك الجالس خلف مكتبه يتناول قهوته بهدوء وكأن ما حدث لا يعنيه من قريب أو بعيد، هتفت
بسخط وهي ترمقه باستغراب: -إيه البرود اللي أنتَ فيه ده، قاعد تشرب قهوتك ولا على بالك، أختك انطردت من المكتب يا بني آدم، طلعت منه شايلة حاجتي على إيدي زي ما دخلت. أجابها بصوت مستكين: -أنا قلت لك من الأول إن اللي اسمها إيثار محتاجة تخطيط بدهاء، علشان نعرف نكسرها ونظهر للعيلة كلها إنها متستاهلش ثقتهم فيها، لكن أنتِ اللي أصريتي على دخلتك الهبلة، واللي نزلت من قيمتنا قدامها وقدام عزمي والسكرتيرة بتاعتها.
كان بسام قد تحدث عبر الهاتف منذ عدة أيام إلى شقيقته المتزوجة حاليًا من أحد أفراد العائلة وأصبح لديها ابنتان، والمقيمة بدولة الإمارات العربية، وطلب منها العودة والاستعانة وبأن تنضم إليه بفريق العمل بالشركة كي يكونا معًا فريقًا متحدًا ضد إيثار، ويحاولا إيقاعها في الأخطاء الإدارية لظهورها بشكل غير لائق لإدارة الشركة، وبناءً عليه ستُسحب منها الصلاحيات التي كُلفت بها وتنتقل إلى "بسام". أشار لشقيقته لتجلس قائلًا:
-اهدي واقعدي اشربي القهوة بتاعتك وخلينا نفكر بالعقل، وبلاش حركات الجنان بتاعتك دي. ضيقت بين عينيها ليتابع هو: -علشان نمشي في السليم ونبعد الشكوك من حوالينا لازم تنسي موضوع المكتب ده خالص، وأنا قلت لك الكلام ده من الأول. أقبلت على المكتب لتدق بكفيها بقوة على سطحه لتهتف من بين أسنانها بغيظ أظهر كم الغل بداخلها: -على جثتي أسيبه للفلاحة دي يا بسام، يا هاخد المكتب ده، يا هاخد روحها قصاده.
إلى هنا لم يعد يحتمل غباء شقيقته، فهب واقفًا ليصيح بعينين تطلق شزرًا: -بقول لك إيه، يا تعقلي وتبطلي الجنان بتاعك ده وتتصرفي زي البني آدمين، يا تتفضلي ترجعي لحياتك في دبي تاني وتسبيني أدير معركتي بنفسي. اعتدلت بوقفتها لتهتف معترضة وهي تفرد ذراعيها:
-يا سلام، لعبة أنا بقى في إيدك يا باشمهندس، تجي لي لحد عندي وتطلب مساعدتي، وبعد ما أخد أجازة من شغلي وأوقف حياتي كلها وأرجع أنا وجوزي وولادي وأجي لك، بكل بساطة تقولي ارجعي مطرح ما جيتي. نطق بحدة مماثلة: -أنا من الأول قلت لك تسمعي كلامي ونخطط للموضوع صح، لكن أنتِ مُصرة تمشيها خناقة ستات تافهة. وتابع بما ذبح روحها: -مش قادرة تنسي إنها خطفت منك حبيب القلب اللي عمره ما حس بيكي أصلًا.
-بسام، خلي بالك من كلامك، أنتَ كده بتهيني... نطقتها بوجع ووغزة ظهرت بعينيها، ليتابع هو توبيخًا متجاهلًا ألمها: -عاوزاني أكلمك إزاي، ده أنتِ بغبائك عرضتينا لموقف مؤرف، خلتيني واقف زي التلميذ الخايب اللي المدرس أخده غسيل ومكواة قدام باقي الفصل. حاول السيطرة على حاله قدر المستطاع لينطق مسترسلًا بهدوء بعدما سيطر على انفعالاته: -اقعدي، اشربي القهوة وخلينا نفكر ونشوف الخطوة الجاية هتكون إيه.
طالعته بحدة ثم رمت حالها على المقعد وحاولت كبح جماح غضبها. *** انتهى اليوم دون وقوع مزيد من المشاكل، ليأتي المساء، كانت تنزل الدرج لتتناول وجبة العشاء مع العائلة، وجدت أبنائها الثلاثة مجتمعين على الأريكة الموالية للدرج، يشاهدون والدهم ويتحدثون معه صوت وصورة عبر التطبيق من خلال شاشة الحاسوب، فتوقفت بمنتصف الدرج لتستمع لصوت معذب فؤادها، هتف زين معترضًا:
-يا بابي أنا مش حابب أسافر، صدقني مش هستمتع، ليه أروح مكان ياخد من وقتي وتفكيري وفي النهاية مش هكون مبسوط، ولا بعمل حاجة بحبها؟! أجابه بهدوء في محاولة لإقناعه: -وبعدين يا زين، مش اتفقنا إن أنتَ رايح علشان تخلي بالك من أختك، سيبك من حتة إنك مش هتبقى مبسوط، اعتبرها مهمة أنا بكلفك بيها، إيه، هترفض مهمتي؟ باستياء ظهر على ملامح الفتى نطق بصوت خفيض: -العفو حضرتك، زي ما تحب. ابتسمت الفتاة وكادت أن تقفز بجلستها كالأطفال
لتنطق بسعادة لأبيها: -ربنا يخليك ليا يا بابي. -ويخليكي ليا يا تاجي... قالها مبتسمًا لينطق الصغير بأسى أظهر كم اشتياقه لعزيز عينه: -هو أنتَ هتيجي إمتي يا حبيبي، أنتَ وحشتني كتير. مزقت كلمات ذاك المشاغب نياط قلب فؤاد لينطق بحنو ظهر بفيض عبر عينيه: -كمان يومين يا حبيبي. قطبت الفتاة جبينها لتسألها مستغربة: -هو مش حضرتك قلت هتيجي بكرة؟ أجابها باستفاضة: -الشغل اللي جيت الغردقة علشانه مخلصش، فاضطرينا نأخر سفرنا يوم كمان.
تألم قلب إيثار حينما استمعت لتأجيل عودته يومًا آخر، فحتى لو كانا لا يتحدثا، فيكفيها شعور وجوده حولها، فقد أصبح مستحيلًا الشعور بالاطمئنان وهو خارج محيطها، فاقت على صوت الصغير الذي التفت إليها وتحدث بصياح فاضح: -مامي، تعالي اتكلمي مع بابي.
غصة مُرة توقفت بحلقها وبلحظة قررت الثأر لكرامتها من هادرها، تابعت الهبوط بكبرياء بعدما رفع الصغير الحاسوب لتظهر وهي تنزل الدرج بثوب أنيق يظهر تفاصيل جسدها، وما زاد من لوعة قلب ذاك العاشق هو لونه النبيذي والذي يعشقه عليها، استنفر جسده بالكامل حين رآها بكل ذاك السحر، فقد اشتاقها شوق المحتضر لترياق الحياة، تجاهلت الحاسوب بعدما رأت نظراته عليها وتحدثت بصوت مرتفع: -عزة. خرجت الأخرى سريعًا لتتابع حديثها:
-خليهم يجهزوا السفرة وادوا خبر للباشا والدكتورة، الوقت اتأخر ومالك لازم ينام علشان مدرسته.
نطقت كلماتها وتحركت لغرفة المكتب حيث والد زوجها، كظم غيظه منها، متى سترضخ تلك الفرسة الجامحة وتلين لخيالها، أما زالت غاضبة، ألم يشفع له ما فعله من أجلها صباح اليوم، انتظر أن تهاتفه وتتحدث معه فيما جرى، فطال انتظاره وكالعادة انحازت لكبريائها، تابع حديثه مع أنجاله الثلاث حتى استمع لصوت والده الذي تحدث إليه بعدما استمع لصوته بينما إيثار تتأبط ذراعه لمساعدته: -اقفل مع ولادك وكلمني بعد العشا علشان عاوزك يا فؤاد.
-حاضر يا باشا، ساعة بالضبط وهرن على حضرتك... قالها دون أن يرى أبيه وبالفعل أغلق وانضم الجميع إلى حجرة السفرة ملتفين حول الطعام، بدأ علام بسؤال إيثار كي يفتح مواضيع للنقاش بدلًا من الصمت المريب الذي يملأ المكان: -الشركة أخبارها إيه يا إيثار؟ نطقت بعملية دون أن تخبره بما حدث اليوم كي لا تشغل تفكيره بتلك المهاترات التي لا جدوى منها وأيضًا لكي لا تخلق مشاحنات بين أفراد العائلة الواحدة وتؤثم عليها وتعكر صفو منزلها:
-كل حاجة ماشية تمام يا بابا. رمقتها عصمت بنظرة ثاقبة، فمازالت غاضبة منها للآن، تحدثت الفتاة إلى والدتها: -مامي، ممكن تقربي لي المربى. -حاضر يا حبيبتي... قالتها للفتاة وهي تناولها الصحن فتحدثت عصمت إلى حفيدتها: -كلمتي بابي وخلتيه لغى فكرة السفر زي ما قلت لك يا "تاج"؟ هتف الصغير بصوت مرتفع وكأن عزة هي من تتحدث: -دي كلمته من شوية يا نانا وخلته يخلي زين يوافق غصب عنه، وهو مش كان موافق أصلًا. هتفت الفتاة
بغيظ من ذاك المشاغب: -اطلع منها يا مالك، وألف مرة قلت لك ملكش دعوة بأي حاجة تخصني. هز رأسه لإغاظتها فقاطعها "زين" بصوت معترض: -يطلع منها ليه يا "تاج"، هو بيقول اللي حصل، أنتِ فعلًا السبب وأنتِ اللي خليتي بابي يضغط عليا علشان أروح مكان أنا مش عاوز أروحه. نطقت إيثار بحزم: -كفاية أنتَ وهي، أنتوا إزاي تتكلموا بالطريقة دي قدام الباشا ونانا؟! -آسف يا مامي...
قالها زين ثم توجه إلى جديه وأبدى أسفه إليهما مما جعلها تشعر بالفخر، تأسفت الفتاة أيضًا للجميع وتابعوا تناول الطعام في صمت تام، انتهى الطعام وتحركت إيثار إلى المطبخ لطلب قهوة لها ولوالد زوجها وتحدثت إلى عزة: -اعملي القهوة بتاعتي أنا والباشا يا عزة. ثم تابعت بتوجيه حديثها إلى وداد: -وأنتِ يا وداد، اعملي الأعشاب بتاعت الدكتورة. -تحت أمرك يا هانم، حالًا هتكون جاهزة. توقفت لترمق تلك الفتاة بجمود ثم تحدثت بصرامة:
-أنتِ، اليونيفورم اللي أنتِ لابساه ده يتغير وتلبسي لبس محترم، لو شوفت زرار من زراير بلوزتك مفتوح تاني هتسيبي القصر في لحظتها، وتلبسي زيك زي باقي زميلاتك، بنطالون وشيميز محترم فوق منه، الجيب الضيقة دي ممنوع تتلبس تاني، مفهوم؟ نطقت بخبث وهدوء: -اليونيفورم ده أنا متعودة عليه من وقت ما كنت شغالة عند أحمد باشا يا مدام. بقوة تحدثت:
-وإحنا هنا مش في فيلا أحمد باشا، أنتِ في قصر علام باشا زين الدين، يعني تلبسي نفس اليونيفورم بتاع زميلاتك. وتوجهت باللوم لرئيسة العاملات: -وأنتِ يا سعاد، إزاي تقبلي بالتسيب ده؟! نطقت السيدة بوقار: -أنا اعترضت يا هانم من أول يوم، بس هي راحت من ورايا للدكتورة وقالت لها إنها متعودة على اللبس ده ومرتاحة فيه، واستأذنتها تفضل بيه، والدكتورة سمحت لها. هتفت بجمود:
-وأنا بقول لك ممنوع أشوفها بالمنظر ده قدامي مرة تانية، ولو حصل هتكوني أنتِ المسؤولة قدامي. اشْتعل قلب الفتاة غيظًا لتتابع إيثار بأمر لا يقبل النقاش: -ومن النهاردة ممنوع أي حد يطلع لخدمة الدور الثاني غير وداد وشيماء وعزة، سامعاني يا سعاد، مفيش رجل تتحرك ناحية السلم غير التلاتة اللي قلت عليهم دول. هتفت عزة مهللة وهي ترمق الفتاة باشمئزاز: -ينصر دينك، أهو ده الكلام ولا بلاش. نطقت السيدة بطاعة: -تحت أمرك يا هانم.
كانت الفتاة تنظر أرضًا تحاشيًا لتلك النظرات القاتلة التي تخرج من قلب عاشقة تذوب عشقًا وغيرة على رجلها. تحركت للخارج لتترك همهمات الخدم وأحاديثهم الجانبية لتقطعها عزة التي هتفت بسخرية: -جرى إيه يختي منك ليها، مصدقتوا كلمتين واتقالوا. وتابعت متهكمة: -ودود ودو ودودو. ضحكن على تلك المرأة الفكاهية وتابعن ما يفعلن. خرجت إيثار لتقطع طريقها "عصمت" حيث نطقت بجدية: -كلمتي جوزك وصالحتيه؟
نطقت بقوة نتيجة الضغوط النفسية التي تتعرض لها مؤخرًا: -لا يا ماما، ومش هكلمه، لأني مغلطتش علشان أصالحُه. أجابتها بتحدي: -براحتك، بس لما الأمور تفلت من بين ايديكي، ساعتها متبقيش تلومي غير عنادك ودماغك الناشفة. تركتها وتحركت إلى المطبخ لتباشر العاملات تحت استياء الأخرى. *** داخل المكتب، تحدث بارتياب: -يا حبيبي أنا خايف على الأولاد، مينفعش يسافروا إنجلترا لوحدهم يا فؤاد. أجاب والده بثقة:
-متقلقش يا باشا، أنا مأمنهم كويس قوي، أكيد مش هفرط في أمان ولادي وأضحي بيهم، أنا مش عاوز الولاد يحسوا إنهم محبوسين وممنوعين من كل حاجة يا بايا. وتابع بما يثقل قلبه في الفترة الأخيرة: -وبعدين اللي إحنا خايفين منه كلها أربع تلات أيام ويبقى في مصر، يعني هيبقى تحت رحمتي، مظنش إنه غبي لدرجة إنه يأذي ولادي وهو روحه بين ايديا.
وتابع بسخط وحدة ترجع لغيرته الشديدة من ذاك الحقير، فبرغم مرور كل تلك السنوات إلا أنه مازال يشتعل من غيرته كلما جال في خاطره فكرة أن امرأته كانت ملكًا لغيره من قبل: -هو كمان بقى له نقطة ضعف أعرف أمسكه منها، مراته وولاده الصغيرين. زفر الأب وسأله باستسلام: -بلغت إيثار ويوسف برجوعه؟ -لسه، مش عارف أفاتحهم إزاي في الموضوع، بس أكيد هقول لهم لما أرجع إن شاء الله. وتابع: -فيه خبر عرفته جديد. -خير يا فؤاد؟
-شركة الصخرة، طلع الحقير هو اللي وراها زي ما توقعت بالضبط، والراجل الفرنسي صاحبها طلع جذوره لبنانية، ويبقى حماه. ***
صعدت إلى جناحها بعدما اطمأنت على أطفالها، بدلت ثيابها وتمددت فوق الفراش، باتت تتقلب عليه وكأنه جمر ملتهب، فكل شيء بدونه فاقد لقيمته، حتى روحها، فاقدة للحياة، ماذا فعلت بي يا رجل حتى تتوقف حياتي عليك بتلك الطريقة، فكل شيء أصبح بلا مذاق، كلما نظرت رأيت وجهك يلاحقني بجميع الزوايا، كل الوجوه أصبحت وجوهك، كل العيون كأنها عيناك، اشتقت إليك حد الجنون، ليتك تباغتني بدخولك الآن، تهرول إليَّ وتضمني بقوة وتدخلني بضلوعك، أريدك
الآن بجانبي وبقوة، لم يكن حاله ببعيد عنها، فكان يقف أمام النافذة يتناول مشروبًا باردًا عله يطفئ نار قلبه الملتهبة، فقد أضرمت نيرانًا متعددة بداخله، منها الاشتياق والغيرة والغضب أيضًا، فهو الآن ساخطًا عليها لعدة جوانب، أولهما ذاك الـ "عمرو"، يعلم أن لا ذنب لها لكنه يحملها ذنب وجوده بمحيط حياتهما، فلولا حماقتها وزواجها من ذاك الأرعن بالماضي ما كان لوجوده أثرًا، وسخطه الثاني هو عنادها الكافر والذي طالما كان سببًا لجميع
مشاكلهم سويًا.
أمسكت الهاتف وطلبت نجلها بعدما شعرت بحنينها إليه، وحددا موعدًا مساء الغد ليتناولا سويًا العشاء بأحد المطاعم المحببة لديهما. *** أتى المساء سريعًا، بأحد المطاعم الفخمة الموجودة بالعاصمة "القاهرة".
كانت تُقابل نجلها الجلوس حول إحدى الطاولات وأمامهما عِدة أصناف من الطعام المفضل لدى كُلٍ منهما، تطلعت عليه وجدته شاردًا يُقلب بتلك الشوكة بحبات الأرز داخل صحنه ويبدو عليه التشتت وعدم التركيز، مضغت ما في فمها وابتلعته لتقول وهي تُشير إلى صحنه بذاك السكين الصغير المخصص لتقطيع اللحوم: -مبتاكلش ليه يا حبيبي؟
كان غارقًا بالتفكير فيما حدث منذ عدة أيام أمام جامعة تلك الحبيبة التي استحوذت على جميع حواسه، مازالت تلك المرارة التي سكنت جوفه تسكنه للآن، وغزة حادة اقتحمت وسط قلبه وكأنها طعنة خنج مُدبب غُرس بمنتصف القلب، كرر "مالك" ذاك المشاكس الجالس بالمقعد المجاور لوالدته بصوت مرتفع أثار انتباه جميع من بالمكان لينتبه ذاك الشارد "يوسف" لحديث شقيقه الأصغر، الذي تمسك بوالدته وأصر على الخروج معها عندما عَلِم بأنها ذاهبة
لمقابلة شقيقه الأكبر: -مش بتاكل ليه يا چو؟ انتبه وتطلع عليه ليكمل ذاك المشاغب الصغير بلطافة وعفوية ما يتردد دائمًا على أذانه من "عزة": -على فكرة، الخضار اللي مش بتاكله ده هيجري وراك يوم القيامة، والرز كمان، هيجري وراك كل حبة لوحدها. -يا راجل؟! نطقها بعينين متسعتين بذهول مصطنع ليسأله مستغربًا: -معقولة دي يا ملوك، كل حبة رز هتجري ورايا لوحدها؟! ليجيبه الصغير بانتشاء وحماس: -أيوة يا چو، زوزة هي اللي قالت لي كده.
حدث شقيقه بكثير من اللطف وهو يشجعه على إكمال طعامه: -طب يلا يا بطل خلص طبقك كله. ابتسمت والدتهما لتحث صغيرها على الصمت: -كُل وأنتَ ساكت يا ملوك علشان أخدك معايا كل مرة أروح فيها عند چو. -وعد يا إيثو؟ اتسعت عينيها ذهولًا لتهتف ناهرة: -ولد، عيب اللي بتقوله ده؟! رفع كتفيه للأعلى وأشار بكفيه مبررًا: -هو بابي بيقول عيب يا مامي! ضيقت عينيه مستفهمة ليتابع بمراوغة: -مش بابي هو اللي بيقولك يا إيثو.
ضحك يوسف وهو يتطلع على الصغير لتنطق والدته وهي تعنفه بنبرة حازمة: -لو سمعت صوتك تاني اعتبر إن دي هتكون آخر مرة تخرج معايا فيها. مط شفتيه للأمام قبل أن يزفر باستياء ويلجأ للاحتماء في الطعام لينشغل به بدلًا من أن يندمج بالثرثرة وتصب تلك الشرسة جام غضبها عليه، تنفست بحدة لتزفر أنفاسها علها تستعيد هدوئها من جديد ثم تحدثت إلى نجلها البكري المستحوذ على جزء كبير من القلب: -مقولتليش يا يوسف، ناوي تعمل إيه في موضوع بيسان؟
ضيق بين عينيه ليسألها مستفهمًا: -يعني إيه هعمل إيه؟! طالعته باستغراب لحديثه ليتابع شارحًا: -طب نخلي السؤال مباشر أكتر، إيه اللي حضرتك شايفة إني المفروض أعمله من وجهة نظرك؟! تنهدت للحال الذي وصل إليه نجلها فتحدثت بما وصلت إليه بعد تفكير عميق: -بص يا حبيبي، أنا فكرت كويس في وضعك أنتَ وبوسي، ولقيت إن موضوعكم مش هيتحل غير عن طريق علام باشا. قطب بين حاجبيه ليسألها مستفسرًا: -بمعنى؟ رفعت كتفيها قليلًا قبل
أن تهدلهما من جديد وتقول: -هكلم لك الباشا علشان يتدخل ويخطبها لك من ماجد. بصوت مرتفع نسبيًا نطق بحدة أظهرت كم استيائه: -إوعي تعملي كده. ضيقت بين عينيها لتسأله باستغراب: -ليه؟! -علشان أنا عمري ما كنت ندل ولا عمر دي كانت أخلاقي... لم تفهم المغزى من وراء جملته فأوضح مسترسلًا: -مش أنا الراجل اللي ألجأ لحد علشان يضغط على أبو البنت اللي بحبها علشان يجبره يجوزها لي.
تركت أدوات تناول الطعام داخل الصحن وشبكت كفيها ببعضيهما ثم استندت بفكها عليهما لتنطق بابتسامة ساخرة: -وتفتكر اللي اسمه أمجد ده يستاهل إنك تفكر فيه بالأخلاق دي؟! ده إنسان انتهازي ووصولي، وبيركب أي موجة تجي له علشان توصله لهدفه، حتى لو كانت الوسيلة غير شريفة. -وحضرتك بقى عاوزاني أخده قدوتي؟ -أنا مقولتش كده يا يوسف، بلاش تحور كلامي وتفسره بطريقة تدين تفكيري. أجابها بحدة ترجع لحساسيته المفرطة تجاه ذاك الموضوع:
-الكلام واضح وضوح الشمس ومش محتاج تحوير، أنتِ أكتر واحدة عارفة عدم ارتياح دكتور ماجد ليا واللي وصل لحد الكره. وتابع بمرارة: -مش هقبلها على نفسي يا ماما. سألته بألم ينخر بقلبها: -يعني هتسيبها تضيع من إيدك يا چو؟! -مين قال كده... قالها بثقة عالية ليتابع وهو يقتطع شريحة اللحم بالسكين والشوكة: -أنا مش هسيب بيسان لأني ببساطة مش هعرف أعيش مع غيرها، بس الموضوع مش سهل، ومحتاج صبر مني ومنها، وسعي وجهد مني.
رفع بصره يتعمق بعينيها قبل أن ينطق بكبرياء وكرامة: -أنا مش هتقدم لبوسي غير وأنا باني نفسي ومالي مركزي، علشان أعيشها في نفس المستوى اللي هي عايشة فيه. واستطرد بعينين تشتعل غضبًا: -مش هسمح للي اسمه ماجد يهيني ويتطاول عليا ويقولي إني بتحامى في أمي وجوزها. هزت رأسها تعبيرًا عن استيائها من الحديث مع خروج ابتسامة ساخرة بجانب فمها لتنطق متهكمة: -ده على أساس إنه عايش في خيره ولا خير أهله؟!
مهو من ساعة ما اتجوز فريال وهو عايش سفلقة على عيلة مراته. نطق متنصلًا بترفع: -أنا مليش دعوة بغيري، ومش هحط نفسي معاه في نفس الخانة وأعرض نفسي أبقى مادة للسخرية يتنقلوها الناس بينهم، زي ما حضرتك بتتكلمي عنه الوقت. نطقت وهي تشمله بسخرية: -وأنتَ بقى فاكر إن البنت هتفضل مستنية جنابك لحد ما تكوّن نفسك في سنين؟! -هتستناني، بيسان بتحبني، وأنا هعمل المستحيل علشان أكون جدير بيها. تحدثت بتحايل:
-طب خليني أساعدك يا حبيبي، أنا عندي فلوس كتير خاصة بيا في حساباتي، كلها من تعبي وشغلي. قاطع حديثها هادرًا بحدة أظهرت كم استيائه: -لو سمحتي يا ماما تنسي الموضوع ده نهائي، وياريت دي تكون آخر مرة نتكلم فيه. تنهدت قبل أن تقول بنبرة استسلامية: -أنتَ حر، أنا حاولت أساعدك لكن أنتَ قافل دماغك ورافض تسمع أي حد غير صوتك، يارب ميجيش اليوم اللي تندم فيه يا يوسف.
بسط كفه ليحتوي خاصتها بعدما رأى غضبها يلوح بعينيها، ثم شملها بنظرات تقطر حنانًا صاحبتها ابتسامته الجذابة: -أنا مقدر خوفك عليا وعلى مصلحتي، بس أنا عاوزك تطمني من ناحيتي، صدقيني يا حبيبتي أنا مرتب أموري كويس. بمقلتين تمتلئ بحنان الدنيا بأكملها تحدثت: -نفسي أشوفك أسعد إنسان في الدنيا كلها يا حبيبي، أنتَ تعبت معايا كتير قوي، ونفسي قلبي يطمن عليك. -اطمني يا ماما... تنهد بهدوء وتناول إحدى اللقيمات
ثم تحدث بنبرة حذرة مترددة: -عمرو بيه البنهاوي باعت لعمي حسين عاوز منه رقم تليفوني. توقف الطعام بحلقها وبدأت بالسعال مما أربك الشاب وعلى الفور ناولها كأس المياه وهو يقول بارتياب: -اشربي مياه يا حبيبتي. تناولت من يده الكأس وارتشفت منه وبعدما هدأت تطلعت بمقلتيه تسأله والذعر يتملك نظراتها: -خد رقمك منه يا يوسف؟ هز رأسه نافيًا فهدأ قلبها قليلًا وتابعت: -جاي بعد السنين دي كلها عاوز منك إيه؟! بلامبالاة تحدث وهو يتابع تناول
طعامه وكأن الأمر لا يعنيه: -الباشا شكله قام من النوم وفجأة افتكر إن عنده عيال راميهم في مصر من سنين. وتابع ساخرًا وهو يبتسم: -قال إيه عاوز رقم تليفوني علشان يتواصل معايا أنا وزينة، ويشوف لو محتاجين حاجة. بدأت تقطم أظافر يدها نتيجة لتوترها الزائد قبل أن تقول بارتباك ظهر بيِّن عبر نبراتها: -تصرفه في الوقت ده وبعد الغيبة دي كلها ميطمنش، وأكيد وراه مصيبة. -ولا وراه أي حاجة...
نطقها بلامبالاة ليكمل مفسرًا بتقليل كي يحد من ارتياب تلك التي سكن الرعب عينيها: -كل الحكاية إن البيه حابب ينيّم ضميره، فسأل من باب إنه كده عمل اللي عليه قدام أخوه. -وهو اللي زي عمرو ده عنده ضمير من الأساس علشان يفوق؟! وبعدين كان فين السنين دي كلها. وأشارت بكفها مستفهمة بنظرات حائرة وعقل مُشتت: -إشمعنا في التوقيت ده بالذات اللي فكر فيك أنتَ وأختك! -وبعدين يا ماما... قالها لائمًا ليتابع بحزم:
-متكبريش الموضوع وتخليني أندم إني قلت لك. اتسعت عينيها لتهتف بعينين تقطر لومًا: -هو أنتَ كمان مكنتش عاوز تقول لي؟! -يا حبيبتي أنا مقصدش إني أخبي عليكي، بس حقيقي رد فعلك وتوترك ده خلاني ندمت إني بلغتك، وده خوف عليكي على فكرة. أومأت بفتور ليتطلع هو على ذاك القاطن فوق مقعده وجده متوقفًا عن الطعام ويبدو عليه الغضب من شفتيه الممطوطة للأمام، سأله بنبرة حنون: -مالك يا حبيبي، مبتاكلش ليه؟ إيه اللي مزعلك؟
هتف بحدة أظهرت كم استيائه: -زهقت يا چو، حياتي كلها عبارة عن عقابات، طول الوقت بتعاقب وبتعنف من بابي ومامي. ثم ربع ساعديه وتابع مسترسلًا بسخط: -هو أنا لو بس أعرف أنا بتعاقب على إيه، قلبي هيرتاح ويهدى يا چو. كظم ضحكاته من مظهر شقيقه المشاكس لتشير إيثار بكفها إلى الصغير الذي سيؤدي بها حتمًا إلى الجنون وهي تنظر على يوسف: -اتفضل، كأني سامعة عزة بتتكلم قدامي. تطلع على شقيقه وتحدث مبتسمًا:
-لو هنتكلم بالمنطق والعقل، فأنتَ عبارة عن مجموعة كوارث متحركة على الأرض يا مالك، يا ابني أنتَ مفيش ساعة بتعدي من غير ما تعمل فيها مصيبة، وده اللي بيزعل مامي وأنكل فؤاد منك. رفع يده وتحدث متحمسًا: -أنا صغير يا چو، وجدو قالي إني بكرة هكبر وهبطل كوارث. بالكاد أكمل جملته ليصيح بصوت مرتفع وتهليل بعدما هبط من فوق مقعده ليُسرع مهرولًا على أبيه الذي ولج من باب المكان حالًا: -بابي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!