الفصل 59 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم روز امين

المشاهدات
19
كلمة
4,359
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 66%
حجم الخط: 18

-هتفضل واقف بعيد كده يا خالي؟ قالها عمرو بابتسامة شامتة تحت زهو طلعت وعلو رأسه الشامخ ليتابع من جديد: -مش المفروض تيجي تستقبل ولاد أختك وترحب بينا في بلدنا؟

اشتعلت النيران بقلب الرجل من أفعال نجل شقيقته السافرة والتي جعلت منه صغيرًا في أعين أهالي القرية، لكنه مجبرًا على التعامل بلين وهدوء لاحتواء الموقف أمام مأمور القسم، تبين له أنه لم يعطِ لحديث شقيقته عن عمرو قدره، فقد اتهمها بالعته والجنون الناتج عن تقدم العمر، لكن ما رآه اليوم بأم عينيه فاق ما أخبرته به إجلال، نطق بابتسامة مزيفة: -ما أنتَ لسه قايل بنفسك، بلدكم، هو فيه حد بيرحب بحد في بلده؟

ابتسامة نصر ارتسمت بجانب ثغر عمرو الذي أصر على إذلال ذاك الذي أساء لوالدته وعاملها باستهانة: -بس أنا عاوز أشوف ترحيب خالي بيا أنا وأخويا. نظر له المأمور مستغربًا جبروته ليتحرك محمد إليه ونطق كرهًا: -نورت بلدك يا ابن أختي. ابتسم ساخرًا ثم دار بمكانه يتطلع على الجماهير الغفيرة التي حضرت بكثرة لحضور افتتاح المطعم الجديد وكشف هوية المالك، نطق بعلو صوته ليصل للجميع:

-ولاد الحاج نصر رجعوا تاني لبلدهم وأصلهم، البيت الكبير اترمم واتجدد والسرايا رجعت أحسن من الأول، هتنورها ستهم وطلعت بيه. وتابع بغرور: -وأنا هاجي لزيارة بلدي باستمرار، للأسف مش هقدر أعيش هنا على طول، لأن عندي شركات كتير بتابعها في القاهرة. واسترسل وهو يتطلع بأعينهم في محاولة منه لعودة هيبة عائلة نصر من جديد:

-وطبعًا مش محتاج أقول إن السرايا هتبقى مفتوحة ليل ونهار في وش الجميع، أي أرملة مش مقتدرة ومحتاجة خزين لبيتها أنا متكفل بشهرية محترمة تغنيها عن السؤال، وأي راجل مش قادر يجهز بناته أنا تحت الأمر. بدأت همهمة الجميع تتعالى ويتهامسون فيما بينهم ليتابع الآخر متبعًا سياسة الجزرة:

-وبمناسبة رجوع اسم الحاج نصر البنهاوي من جديد للبلد، المطعم هيشتغل أول أسبوع ببلاش، يعني أي حد عاوز ياكل أي نوع، إن شالله حتى يطلب المنيو كله، هيتقدم له بكل ذوق ويقعد ياكل جوه في التكييف ومن غير ما يدفع ولا مليم. -الله يخربيتك يا عمرو يا بنهاوي زي ما هتخرب بيوتنا.

قالها عزيز هامسًا لأخيه، هلل البعض من الناس الذين انجرفوا خلف مسيخ العصر "المسيخ الدجال" والبعض ثبت على موقفه وبدت على وجوههم رفض أنجال ذاك المجرم الذي دمر البلد ونشر فيها الفساد، ويبدو أن ذاك الـ عمرو جاء ليكمل مسيرة والده المليئة بالإجرام والمعاصي. الافتتاح كان ضخمًا للغاية لا يتناسب مع المكان، فرح الجميع وتناولوا الأطعمة المتنوعة والحلوى والمياه الغازية مجانًا، تحرك عزيز وبادر بالسلام على

عمرو برغم تجاهله هو ووجدي: -حمدالله على السلامة يا عمرو بيه. -الله يسلمك يا عزيز. قالها ببرود، لينطق الآخر بعتب: -بقى كده يا عمرو، ضاقت بيك وملقتش مكان تفتح فيه في البلد كلها غير جنب مطعمي. وتابع متأثرًا بافتعال أراد به جلب تعاطف الآخر: -مكنش العشم تعمل كده مع أخوال ابنك.

لم يصب عزيز بتفكيره تلك المرة، فقد خانه ذكائه عندما خيل له أن ذاك الـ "عمرو" هو بذاته الفائت، وبكلمة يستطيع التأثر عليه، لكنه أصبح أذكى وأدهى مما يظنه الجميع، تحدث بغلٍ والغدر يملأ عينيه: -أخوال ابني اللي مشيوا ورى أختهم وباركوا لها خيانتها ليا؟ اتسعت عيني عزيز ذهولًا من افترائه الباطل ليتابع الآخر بسخط ينذر بقدوم الأسوأ:

-أخوال ابني اللي مجوش في مرة وهو هنا زمان، وقالوا نوديه لجدته تشوفه، قستوه عليا وعلى جدته لدرجة إنه مزارهاش مرة واحدة من يوم ما أنا سافرت. وبلحظة اشتعلت عيونه بجحيم الغضب ليتابع مسترسلًا بوعيد: -بس بسيطة، كل واحد غلط فينا هيدفع التمن، وهيدفعه غالي قوي يا عزيز، وقطع رزقك دي أول خطوة ومش هتكون الأخيرة. ظهر وجدي من العدم ليهتف بحدة بعدما استمع لتهديد الأخير:

-محدش يقدر يقطع رزق حد يا عمرو، الأرزاق بإيد الواحد الأحد، وبالراحة على نفسك شوية، وافتكر إنها مبتدومش لحد. وتابع بيقين: -لو كانت بتدوم، كانت دامت لأبوك قبلك. قال كلماته بجدية وجذب شقيقه قائلًا: -يلا بينا يا عزيز، اللي زي ده ما يتعاتبش بالأصول، اللي الزمان ما يخليهوش يتعظ، يبقى مفيش فايدة فيه.

ترك عمرو الاحتفال واتجه بأسطول سياراته تحت حماية المأمور وبصحبة خاله ورجال العائلة الذين أجبروا على الحضور، وصل إلى بيت خاله وخرجت إجلال تتطلع على الجميع بفخر، وبكل جبروت الماضي وكأن السنوات لن تمر، ولم يحدث ما يجعلها تتعظ وتعمل على موعد رحيلها الأبدي.

هرول عمرو مقبلًا كفها ورأسها لتحتضنه بلهفة وباتت تقبل بشوق كل إنش بوجهه وكفاه، كان مشهدًا مؤثرًا للغاية، لكن لكلاهما فقط، فسبحان الله الذي انتزع الرحمة من قلوب الجميع تجاه تلك العائلة لتصير مكروهة بين الجميع، انضم إليهما طلعت وانتهت فقرتهم غير المؤثرة سوى لهم، أمسك عمرو يدها وتحرك بهدوء إلى السيارة لتصعدها كملكة في طريقها للتتويج، بعد قليل كانت تقف بمنتصف السرايا تتطلع حولها بانبهار من شدة جمال كل ما حولها من أثاث وإكسسوارات، ملأ السرايا لها بالخدم من الداخل والحرس من الخارج لتشعر بعودة زهوها من جديد، وبأن عصر القوة عاد مع عودة عمرو الذي نصفها بعد خذلان الزمان لها.

بعدما تناولوا الطعام، جلسوا يتناولون القهوة التي أحضرتها لهم خادمة من القاهرة ترتدي ثيابًا مرتبة، لتنطق بصوت ناعم: -اتفضلي القهوة يا هانم. -هانم مين يا بت، اسمي ستهم. قالتها بصوت أرعب الفتاة وجعلها تتراجع بهلع ليشير لها عمرو بالانصراف، وتحدث: -بالراحة على البنات يا ستهم، فهميهم بالراحة، وواحدة واحدة هيتعلموا. سألته بشغف: -هتاخد بتار أبوك وتاري من اللي ظلموني أمتى يا عمرو؟ نطق بتأنٍ:

-اصبري يا ستهم، الموضوع محتاج تخطيط علشان ما يبانش إن إحنا اللي ورا اللي بيحصل، وأهل البلد يهيجوا علينا. نطق طلعت وهو يرتشف المشروب بصوت مقزز: -عمرو عنده حق يا ستهم. ليتابع عمرو بفحيح وهو يتطلع للأمام بنظرات مرعبة: -الانتقام اللي مجهزه لأزهار، ما يخطرش على بال الشيطان نفسه. ابتسمت بشر ظهر جليًا على ملامحها ليتحدث طلعت: -أنا عاوز أتجوز يا عمرو. وتابع بغل:

-عاوزك تشوف لي عروسة بنت ناس ولسة صغيرة أحرق بيها قلب ياسمين وأهلها. أومأ وصدقت إجلال على حديثه وتابعوا حديثهم المليء بالكره والحقد على الآخرين. حول المسبح تجلس كلٌ من إيثار وفريال التي حضرت لتتسامر مع زوجة شقيقها التي تحولت مع الوقت لصديقتها المقربة، تحدثت إيثار بتحكم من العقل متجنبة القلب: -بنتك عندها حق يا فريال، مينفعش تعيشي مع جوزك في بيت واحد وإنتوا شبه منفصلين، سامحي وانسي علشان ولادك. تحدثت باستنكار لحديثها:

-أنسى إيه يا إيثار، ده عمل شرخ بيني وبينكم آثاره هتفضل موجودة العمر كله. -مفيش حاجة بتفضل على حالها صدقيني، والله كله بيتنسي. هتفت بعيون متأثرة: -وبنتي اللي خسرت حبيبها بسببه؟ أردفت إيثار بيقين: -اطمني، يوسف عمره ما هيسيب بيسان، هو بنفسه قال لي كده. -بس ده مش كلام بيسان يا إيثار، وحتى لو بنتي رجعت لطبيعتها مع يوسف، تفتكري ماجد هيسمح لها؟ أجابتها بجدية:

-ساعتها مش هيقدر يتنفس لما يتحط قدام الأمر الواقع، ومتنسيش إن الباشا ليه دلال عليه. تنهدت بضيق وصمتت لتسألها فريال: -وإنتِ مالك أنتِ كمان، ليكِ كام يوم متغيرة؟ قصت على مسامعها ما حدث لتشهق الأخرى بذهول: -الله يخربيته، هو الراجل ده إيه، ما بيتهدش؟ وتابعت بريبة: -ربنا يستر، دي ماما هتخرب الدنيا لما تعرف. على ذكر سيرة والدتها فقد خرجت من باب المنزل تتجه صوبهما وبجانبها إحدى العاملات تحمل كؤوسًا من مشروب الليمون البارد،

لتتحدث بابتسامة: -شوفتكم من البلكونة فجيت أقعد معاكم وخليت البنات عملوا لنا عصير ليمون. ناولت إيثار كوبها وهي تقول بحميمية: -اشربي علشان أعصابك تكون هادية دايمًا. لم تستطع حجب كلماتها التي انطلقت بلوم: -سبحان الله، اللي كان يشوف غضب حضرتك مني من أسبوع واحد، ما يشوفش المعاملة الملوكي اللي بتعامليهالي. ضحكت لتجيبها بمرح: -أنا كده، اللي يزعل ولادي يبقى عدوي، واللي يحبهم ويدلعهم، أشيله جوه عيوني.

نطقت فريال لتلطيف الأجواء ولإخراج حالها من تلك الحالة: -قصدك اللي يزعل حبيب القلب فؤاد. سألتها بابتسامة: -يعني أنا مبحبكيش يا مكارة؟! أجابتها بإبانة: -مقولتش كده، بس ما تنكريش إن طول عمرك وفؤاد عندك غير الكل. وتابعت قاصدة إيثار: -المهم يا إيثار، الدرس المستفيد اللي تقدري تطلعي بيه من الموضوع ده، إن طول ما أنتِ مدَلعة سيادة المستشار والضحكة مرسومة على وشه، هتشوفي الدلع كله من دكتور عصمت. ضحكن وأكملن حديثهن.

داخل مزرعة الخيل المملوكة لـ "علام زين الدين".

شعر بأن عالمه ينهار من حوله بعد الزيارة غير المرغوب بها من ذاك الوغد المسمى بوالده، فقد اقتحم حياته واستطاع تسميم أفكاره أو دعنا نقول زعزع عقيدته قليلًا بشأن من اعتبرها مصدر الثقة الوحيد بحياته، ضاقت الدنيا بعينيه وأصبح صدره مثقلًا بالهموم، حتى أنه شعر بعدم استطاعته التنفس براحة، بدون أن يشعر ساقته قدميه إلى مزرعة الخيول الخاصة بجده علام، شعر بحاجته الملحة برؤية الفرسة التي أهداها له ذاك الراقي منذ أن كان بعمر السابعة، فور زواج والدته وانتقالهما للعيش داخل قصر العائلة.

توقف بسيارته أمام البوابة الحديدية ليسارع الحارس بفتحه ليسير يوسف للداخل تحت تحية الحارس له والترحيب بزيارته التي أصبحت عزيزة منذ ما حدث وبعثر كيانه، ترجل من السيارة ليسرع أحد العمال المسؤولين عن الخيل وهو يقول: -نورت المزرعة يا يوسف باشا. -متشكر يا عم سلامة. قالها بوقار ليتابع بشغف: -أخبار زهرة إيه؟ -زي الفل يا باشا. نطقها وهو يهرول خلف ذاك الذي أسرع الخطى صوب مكوث الخيول وتابع يخبره بحفاوة:

-أنا مهتم بيها زي ما وصتني سعادتك، مش ناقصها غير رؤيتك البهية. نطق وهو يسرع بخطوات واسعة تعود لاشتياقه للفرسة وكأنه يواعد الحبيبة: -روح هات لي سكر علشان أأكلها. نطق الرجل بأنفاس لاهثة تعود لكبر سنه وهرولة الشاب: -عاوز أقول لك على حاجة مهمة يا باشا. تابع خطواته للأمام ونطق بصرامة وحزم: -بعدين يا "سلامة"، اعمل اللي قلت لك عليه الأول وحصلني على الإسطبل.

رفع الرجل كتفيه ليهدلهما من جديد باستسلام ثم استدار عائدًا لجلب ما طلب منه، بينما أكمل الآخر طريقه ليصاب بصدمة عنيفة عندما رأى هيئتها متجسدة أمام عينيه، نعم تواليه ظهرها مرتدية قبعة لحجب سخونة الشمس عنها، فهل يضل المحبوب عن حبيبه؟

تقف بجوار فرسته الخاصة تطعمها وحدات السكر وهي تتلمس شعيرات عنق الفرسة برقة ونعومة تظهر محبتها لتلك الفرسة العربية الأصيلة بلونها المميز الأسود الممتزج بالأحمر ليسر الناظرين، كانت زهرة تتجاوب مع لمسات أنامل الفتاة بميل رأسها وكأنها تعوضها غياب صاحبها وتخليه عنها وتركها لشهور وحيدة، تنهدت "بيسان" وهي تطالعها بألم ونغزة قوية بصدرها، أذابها الاشتياق للحبيب بينما وقفت كرامتها حائلًا، بعد تفكير عميق اهتدت لفكرة الذهاب إلى الفرسة الخاصة به، أتت إليها شاكية، قصت جل ما يرهق روحها وبات يجثو على صدرها بثقل مميت.

ثار قلبه وانتفض بعنف وهو يتطلع عليها بأعين يقفز من داخلهما لهيب العشق ومنتهى الهيام، تنفس مستمتعًا وبات يشم رائحة عطرها الذي فاح في المكان بأكمله ليخترق أنفه رغم بعد المسافات، قطع عليه لحظة الانسجام تلك صوت الرجل حيث صدح من خلفه ليرعب كلاهما ويحثها على الانتباه: -السكر يا يوسف باشا. ارتعب داخلها وعلى حين غرة التفتت لترتفع دقات قلبها بفضل رؤية مالك الكيان، تحمحم وانتبه للرجل يتناول منه ليسأله الرجل من جديد:

-أي خدمة تانية يا باشا؟ حرك رأسه ليخرج صوته متأثرًا: -روح أنتَ يا "سلامة". ليكرر الرجل سؤاله تلك المرة للفتاة: -تؤمريني بأي خدمة يا هانم؟ تسمرت بمكانها ولم يعد بمقدورها نطق حرف واحد تأثرًا باللحظة، ليشعر حبيبها بذاك الارتباك الذي تجلى بملامحها، فتحدث نيابة عنها قائلًا بجدية: -قلت لك روح يا سلامة، ولما نحتاجك هننده عليك.

انسحب الرجل ليتحرك هو صوبها بساقين ثقيلتين، يا الله لقد اشتاق التعمق ببحر عينيها الغميق والغوص داخل سحرهما الفاتن، ما أن وقف قبالتها لتهاجمه عدة مشاعر ثائرة هزت كيانه، ما بين اشتياق وحنين، ألم وبؤس وندم، وشعور مرير يكمن في أعماق قلبه ليستقر وتزداد مرارته، خرج صوته حنونًا للغاية، بينما تحتضن عينيه بقوة كل إنش بوجهها الجميل: -إزيك يا بوسي؟

سحبت نفسًا لتهدئة روعها، وبرغم ما أصابها من اضطرابات بفضل اشتياقها المجنون لحبيب الروح، إلا أن عنادها الكافر سيطر على جميع الحواس لتتحول ملامحها من عاشقة متشوقة يذبحها الحنين، إلى صامدة جاحدة يقودها غضب الرفض على حافة الجنون، وبكل كبرياء عاندته بجحود يتوارى خلفه جنون العشق: -أظن سبق وقلت لك إن ممنوع أسمعك تنده لي باسم بوسي مرة تانية؟ أغمض عينه في ألم ثم فتحهما من جديد لينطق بمرارة باتت لا تفارقه: -حاضر.

شعرت بوجع روحه وخذلانه، صرخ قلبها وبات يعنفها ويتهمها بالجحود، يطالبها الآن بالهرولة إليه وضمه لضمام جراح روحه، حاولت تتجاهل حالته ولكن، هل في مقدور الحبيب التخلي عن من يحب؟ لا والله، ولا سيما ما يخص الحبيب، أخذت نفسًا مطولًا لتشجيع حالها على اتخاذ الخطوة ليخرج صوتها متحديًا جميع القوانين الصارمة التي وضعتها للفصل بين القلب والكرامة: -مالك يا يوسف؟ -تعبان. نطقها بأعين تئن ألمًا ليتابع بصوت قطع

به أنياط قلب عاشقة عينيه: -تعبان قوي ومحتاج لك جنبي يا بوسي. ازدردت ريقها مقتربة منه خطوة بعد أن لاحظت حزنه العميق ولا تدري سببًا له وسألته: -أنتَ وزينة كويسين؟ حرك رأسه بنعم فصمتت فاقترب منها خطوتان لينطق بنظرات تقطر من الغرام ما يجعلها تقسم بعشقه الهائل لها: -أنتِ وحشتيني قوي. نطقت بحدة ظهرت بعينيها حين لاحت بالذاكرة توسلاتها له بأن يظل بجانبها وألا يتركها تواجه أبيها بأياد خاوية:

-الكلام ده مبقاش له معنى خلاص، إحنا اللي بينا انتهى. نطق برفض وتصميم: -مفيش حاجة انتهت. امتلأت عيونها بالقسوة لتهتف بعصبية مفرطة ملقية باللوم عليه لما وصلا إليه كلاهما: -لا انتهت، وأنتَ بنفسك اللي نهيت كل حاجة. ابتعدت للخلف تمهيدًا للذهاب فاجأها باقتحام مجالها ليتمسك بكفيها قائلًا بعينين متوسلتين: -متمشيش، أنا محتاج لك. ابتلعت ريقها تأثرًا ليسترسل بنظرات مترجية: -خلينا نقعد ونتكلم. -هنتكلم في إيه؟ قالتها

بوهن لتتابع مستسلمة: -ما أنا جيت لك واترجيتك، وأنتَ كالعادة، كسرت قلبي من جديد. نطق بانهزامية وعينين تجلى من خلالهما مدى إنهاك روحه: -هتصدقيني لو قلت لك إني مش قادر أتكلم في الموضوع ده، ولا أنا حمل أي جدال من أي نوع حاليًا. سألته بطريقة مباشرة: -أنتَ عاوز مني إيه يا يوسف؟ نطق متلهفًا وعيون شغوفة:

-عاوزك تفضلي هنا معايا، تعالي نركب الأحصنة ونمشي بيها زي زمان، تعالي نرمي همومنا وزعلنا وكل حاجة وحشة حصلت ورا ظهرنا، ونعيش النهاردة بس لينا. تعمقت بعينيه وسألته بمغزى: -طب وبكرة؟ أجابها متهربًا من إجابة بعينها لينطق بمراوغة: -بكرة سيبيه على ربنا يا بيسان، خلينا في النهاردة.

لم يرق لها حديثه المبهم ذاك، فلأول مرة تراه ملاوعًا غير واضح، تحركت خطوة للمغادرة لكنها تراجعت وتسمرت بأمر من القلب، ألا لعنة الله على خنوع القلوب للعاشقين، هي من تجعل منا أذلاء، ابتسم برضى وبسط كفيه وهو يقول: -بما إنك أكلتي زهرة السكر بتاع الحصان بتاعك، فخدي دول أكلي المسكين اللي عينه هتطلع عليكِ والغيرة قتلاه وهو شايف تجاهلك ليه. -يستاهل التجاهل، لو كان فضل كويس مكنتش هتجاهله.

نطقت الكلمات بقوة لتنتشل من بين يده قوالب السكر وتتجه إلى الحصان التابع لها، ضحك بقوة على غضبها الطفولي وتوجه إلى زهرة التي صهلت بقوة مهللة بمالكها ومرحبة بعودته بعد غياب، وضع قبلة حنين للفرسة وبات يتلمس عنقها بلطف وتحدث بملاطفة تلك الجميلة: -اتغيرت قوي سعادة السفيرة يا زهرة. مال بطرف عينيه ينظر لتلك التي تطعم حصانها بالقرب منه، لتلتفت بعنف ليتابع لمشاكستها: -بقت قلابة. بنبرة بها تحدي أجابته:

-مع اللي يستاهلوا بس يا زهرة. صهلت الفرسة ومالت برأسها وكأنها تساندها فضحك لينطق بلوم للفرسة: -بقى كده يا ست زهرة، حضرتك واقفة معاها وبتأيدي كلامها كمان؟ تحركت إليه لتحنو على الفرسة بلمسة رقيقة على عنقها وهي تقول بصوت ناعم: -زهرة أصيلة وبتقول الحق، مش زي صاحبها. ضيق بين عينيه مترقبًا لتتابع بصرامة وهي تتعمق بعينيه: -بياع وملوش أمان. رفع أحد حاجبيه ليشير على حاله مستنكرًا: -ده أنا؟ -هي ليها صاحب غيرك؟ قالتها بتأكيد

ليبتسم ويسألها بمشاكسة: -ولما أنا وحش قوي كده، جاية للفرسة بتاعتي علشان تتونسي بيها ليه؟ وتابع مع غمزة وقحة من عينيه: -بذمتك، مش جاية علشان تشمي ريحتي فيها؟ ضحكت لتنطق مستنكرة: -أشم إيه! لتتابع بإنكار في محاولة بائسة لحفظ ماء الوجه: -أنتَ بقيت مغرور قوي يا باشمهندس، كل الموضوع إني اشتقت لركوب الخيل، وزغلول وحشني. وأشارت لزهرة وتابعت مسترسلة: -والمسكينة زهرة صعبت عليا بعد غدرك بيها.

ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يهز رأسه قائلًا بتهكم: -ولما أنا وحش كده، لسه بتعشقيني وهتموتي عليا ليه؟ رفعت حاجبيها لتهتف مندهشة بافتعال: -هموت عليك! لا ده أنتَ بقيت مغرور وحالتك صعبة بجد.

حضر السايس وجهز لهما الحصانين وامتطى كلٌ منهما حصانه وانطلق يمرح بسعادة والقلب يتراقص فرحًا، ليقضيا معًا يومًا رائع، كان سيكمل بخروجهما وتناول العشاء معًا، لولا وجود زينة بحياة يوسف حيث استأذن منها ليرافق شقيقته لزيارة الطبيب النفسي المعالج لها. عادت بيسان إلى المنزل، صعدت إلى غرفتها وباتت تتراقص وتدور حول حالها وفراشات الحب تهيم من حولها، بانتظار غدٍ أفضل. باليوم التالي.

بالساعة الحادية عشر صباحًا، هاتف يوسف علام وعبر عن اشتياقه لرؤياه، طلب منه أن يلتقيا داخل النادي الاجتماعي الخاص بالعائلة، وأوصاه باصطحاب أشقائه بما أنه يوم عطلة لديهم، وأيضًا إحضار عزة لرعاية الصغير، بعد قليل، كان يجلس بجوار علام وأشقائه وعزة يصطفون جميعهم حول الطاولة، نطق علام وهو يحتوي كف يوسف: -ياه يا يوسف، أنتَ مش متخيل أنتَ كنت واحشني إزاي. -وحضرتك كمان. سأله بنظرات حزينة: -هتفضل مقاطع بيت جدك كده كتير؟

وتابع متأثرًا: -يعني لو تعبت ومقدرتش أخرج بره البيت، مش هشوفك يا يوسف؟ -يا حبيبي بعد الشر عليك، إن شاء الله تفضل بصحتك وتفضل منور حياتنا كلها. وتابع بأسى ظهر بنظراته: -بس خلينا كده أفضل. وتابع معتذرًا: -وأنا آسف يا حبيبي والله علشان بتعبك معايا. قاطعه الرجل معترضًا: -إوعى تقول كده، أنا أعمل أي حاجة في سبيل راحتك، وإني أشوفك مرتاح وسعيد. -ربنا يخليك ليا يا باشا. قالها بأعين تفيض حنانًا ليجيب الآخر بسعادة:

-ويخليك ليا يا حبيبي. وتابع متذكرًا: -بقول لك إيه، أنا هعزم جدك أحمد وعيلته في مزرعة الخيول كمان يومين، تعالى احضر اليوم معانا، وإن كان على ماجد وعيلته، أنا مش هعزمهم علشان خاطرك، إيه رأيك؟ هتفت تاج برجاء حماسي: -وافق علشان خاطري يا چو، بصراحة أي تجمعات بتحصل للعيلة من غيرك، بتكون سخيفة ودمها تقيل. -وافق يا چو. قالها زين ليعترض الشاب بطريقة ذوقية: -مش هينفع يا حبيبي، عندي شغل مهم في اليوم ده ولازم أخلصه.

فطن علام اختلاق يوسف للأعذار كي لا يكون سببًا في تفرقة لم شمل العائلة، لكنه فضل عدم الخوض في الحديث أكثر وغير مجرى الحديث، وقف مالك وتحدث مستأذنًا من علام: -جدو، ممكن أروح مع عزة الكيدز آريا؟ -روحي معاه يا عزة وخدي اتنين من الحرس معاكِ، وخلوا بالكم عليه كويس. بصوت خافت همست بتملل: -آه يا غلبك يا عزة، حتى الخروجة والجو الحلو مش هيهنيكي عليه ابن إيثار.

اصطحبت عزة الصغير وبعد مدة سألها وهو ينظر بتمعن لفتاة شقراء تقاربه في العمر، ويبدو من نظراتها أنه شغل تفكيرها: -هي البنت دي بتبص لي كده ليه يا زوزة؟! وضعت كفها لتداري ضحكتها وتحدثت خجلًا: -شكلها معجبة بيك يا واد يا مالك. وتابعت باستحسان: -البت دي بتفهم وعينيها ناصحة. وتابعت بثرثرتها المعتادة: -بالك أنتَ البت دي لما تكبر، هتنشن على الراجل صح وتوقعه بسهوكتها دي. سألها مستفسرًا: -يعني إيه سوكستها؟!

لوت فاهها لتجيبه ساخرة: -سوكستها إيه بس يا موكوس، يا واد بقولك سهوكتها، يعني بت مسهوكة وهي بتبص عليك بعنيها النعسانة دي. وتابعت بإبانة صريحة: -يعني من الآخر كده، أنتَ عاجبها. -يعني زي بابي ما عاجب مامي كده. طالعته برفعة حاجب ليتابع مفسرًا: -ما هي مامي بتقعد تبص عليه زي البنت دي بالظبط، لما بابي يكون بيتكلم مع جدو ومش واخد باله. لكزته بذراعه وهي تقول: -أروب وناصح يا واد يا مالك. اقترب عليها يوسف وتحدث بجدية:

-بقولك إيه يا زوزة. أجابته بدلال يرجع لمكانته الخاصة بقلبها: -نعمين يا عيون زوزة من جوه. -ما تخلي مالك يقعد مع جدو وتعالي نتمشى شوية. اتسعت ابتسامتها لتلكزه بساعده قائلة: -وحشتك صح؟! ضحك على أسلوبها الساخر وتحدث لمراضاتها: -ودي عاوزة كلام، أنتِ طول الوقت وأنتِ وحشاني يا عزة. -يخليك ليا يا حبيبي. قالتها بسعادة ليهتف مالك باعتراض وهو يقفز بساقيه لأعلى: -أنا هروح معاكم. نطق شقيقه بهدوء:

-مش هينفع يا حبيبي، روح مع الحرس وأنا هتكلم مع عزة شوية وهنرجع لك على طول. تذمر بوقفته وهو يربع ساعديه بحدة لينطلق إلى مكان جده علام بصحبة الحرس، تحركت عزة وهي تتأبط ذراع يوسف فسألها يوسف بارتياب: -بقولك إيه يا عزة، كنت عاوز أسألك عن حاجة كده. -إسأل يا نن عين عزة. تراجع بحديثه ليعيد تصحيحه لعدم ريبة الأخرى: -هو مش سؤال بالمعنى الحرفي، نقدر نسميها دردشة أو حب استطلاع. نطقت متذمرة لعدم استيعابها للمصطلحات:

-يا أخويا أنا مش فاهمة حاجة من كلامك الملعبك ده، قول اللي أنتَ عاوزنا نرغي فيه من غير كلام كبير أنا مفهموش. تنهد بقلة حيلة ليخرج الكلام بصعوبة من بين شفتيه: -هي ماما وبابا فؤاد اتجوزوا إزاي؟ -مالك يا يوسف؟! قالتها بأعين متعجبة لتتابع بريبة: -هو أنتَ فيه حد لاعب في دماغك يا واد؟ ازدرد ريقه لينطق سريعًا متلبكًا: -حد زي مين، إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ هتفت باستياء:

-أي حد من الحرابيق قرايب أبوك، ولا هو نفسه المخفي، ما أنا سمعت إنه اتنيل رجع. تنهد بضيق لينطق متذمرًا: -خلاص يا عزة، أنسي كل اللي اتكلمنا فيه وكأني مقولتهوش. جذبت ذراعه تحثه على التوقف لتنطق: -استنى بس، ما تبقاش حمقي زي أمك. وتابعت بنبرة حنون: -أنا هقول لك اللي يريحك ويهديك، مع إني شامة ريحة الحقود أبوك في الموضوع. نطق بجدية وصرامة: -قبل ما تحكي إوعديني إن اللي حصل بينا ده ما يوصلش منه حرف لماما، ولا لأي مخلوق.

-عيب يا يوسف، حد قال لك عليا إن أنا فتانة؟ قالتها بعتاب لتتابع مسترسلة بمدح حالها: -طب ده أنا الكلمة بتيجي لحد عندي وتدفن. -عزة. قالها مستنكرًا حديثها المنافي لحقيقة تلك الثرثارة لتنطق متلبكة: -ما هو مش كل الكلام يتحكي يا يوسف. أطال النظر بعينيها لتتابع هي بنظرة مطمئنة مغلفة بالحنان: -وغلَاوتك عندي ما فيه مخلوق هيعرف. باتت تقص عليه جل ما حدث بالماضي وكانت هي الشاهد عليه ونقطة الوصل.

_اتصل فؤاد على أبيه يطمئن على صحته هو والصغار بعدما علم من رجال الحراسة تحركهم المفاجئ إلى النادي الاجتماعي، فأخبره عن اتصال يوسف وتواجده بالوقت الحالي، فقرر اغتنام الفرصة ليحضر ويلتقي بالشاب، كي يستكشف ما بداخله من خلال نظرات عينيه الشفافة، ظهر من بعيد ليهرول الصغير مناديًا باسمه: -بابي جه. رفعه فؤاد وقبل وجنتيه لينطق الصغير بصياح: -بابي، يوسف هنا. نطق بهدوء: -آه يا حبيبي، جدو قال لي في التليفون.

تحرك حاملًا الصغير صوب والده، هرولت أيضًا الفتاة وتشبثت بأحضان والدها لتنطق بحفاوة: -بابي چو هنا. هتف مالك لإغاظتها: -أنا قلت له قبلك. تجاهلت شقيقها وتحدثت برجاء: -بابي ممكن نتغدى هنا مع چو، بليز كلم مامي تجيب نانا ونتغدى كلنا مع بعض. نطق زين أيضًا برزانة: -آه يا بابي من فضلك، لأن چو مبقاش ييجي القصر ومن زمان ما اتجمعناش وأكلنا مع بعض. -حاضر يا حبيبي.

هلل الصغير ليفلته فؤاد لاقترابه من أبيه، مال بطوله على رأس والده يضع قبلة احترام تحت نظرات أبنائه الفخورة بتصرفات أبيهم الراقية مع والده: -إزيك صحتك يا باشا؟ -الحمد لله يا حبيبي. قالها برضى ليسأله الآخر وهو يترقب المكان بعينيه: -هو يوسف فين؟ -كان قاعد معايا هنا وبعدين راح يشوف مالك مع عزة. اقترب الصغير ليلتصق بساقي والده وتحدث:

-هو خلاني أرجع لجدو مع الحرس، وقال لعزة إنه عاوز يتكلم معاها في حاجات سر، مش ينفع أنا أسمعها. قطب جبينه وسأله: -هو قالها كده؟ أجاب مؤكدًا: -آه، قال لي روح يا ملوك عند جدو، وأنا هتكلم وهاجي وراك. تنهد فؤاد بثقل وتيقن هنا أن الشاب ساوره الشك بعد زيارة والده عديم الضمير.

حضرت إيثار بعدما خرجت من العمل باكرًا عن موعد انصرافها المحدد، ذهب بها السائق إلى القصر ليحضر عصمت هي أيضًا لحضور الغداء العائلي، تأهب جميع العمال بالنادي لوجود سيادة المستشار العريق "علام زين الدين"، الرجل الثاني بعد النائب العام مباشرةً، مع عائلته، وقف الجميع على قدم وساق لتجهيز وجبة الغداء التي أشرف على تحضيرها رجال الحراسة تحسبًا وضمانًا لسلامة المستشار وعائلته الكريمة، اجتمع الكل حول الطاولة الكبيرة وكلٌ اتخذ مقعده، كانت محاطة برجلي حياتها، فؤاد ويوسف، كم شعرت بسعادتها وهي تتوسطهما، وضعت كف يدها تحتوي

خاصته وهي تقول بحفاوة: -وحشتني يا حبيبي. بنظرات فخورة وحنو يملأ مقلتيه أجابها: -وأنتِ كمان يا حبيبتي وحشتيني جدًا. وتابع بمشاكسة كي يكسر حدة ما حدث من فتور معها في الأيام الفائتة: -بس هو إزاي لحقت أوحشك وأنا لسه كنت معاكِ من كام يوم؟ ضغطت على كفه لتقول بحنان مفرط: -ولو كنت شيفاك من ساعة واحدة، بردوا بتوحشني بمجرد ما تبعد عني يا يوسف. رفع كفها ليقبله احترامًا وتقديرًا تحت سعادة واستحسان الجميع، نطقت تاج بمعارضة

مفتعلة من باب المداعبة: -يا ريت كان اسمي يوسف علشان تحبيني قوي كده يا ست مامي. ضحك الجميع وتحدث زين متمثلًا بالحق: -مامي بتحبنا كلنا بنفس الدرجة، مع اختلاف طرق التعبير. -يعني إيه بقى يا عبقري؟ سألته تاج ليجيبها: -يعني يوسف علشان بعيد، مامي دايمًا بتظهر حبها ليه بالعواطف، وأنتِ بتظهره باللين وإنها بتوجهك للصح واللي طبعًا عمرك ما بتطبقيه. تعالت ضحكات الجميع تحت تذمر الفتاة من سخرية توأمها ليتابع هو بذكاء:

-وأنا مثلًا، بتعبر لي باهتمامها بأدق التفاصيل اللي بتريحني كحد بيحب النظام وبيكره الفوضى في حياته، أو إنها تاخد من وقتها كل فترة، وتيجي تقعد معايا ونتناقش في خططي المستقبلية ومشاركتها لأحلامي. كان فؤاد يستمع لنجله بفخر وعزة، ليهتف الصغير متسائلًا: -طب وأنا يا زين، مامي بتعبر إزاي عن حبي؟ -إنها تجري وراك طول اليوم وتلمك من كل مكان في القصر هي وعزة. صدحت الضحكات من جديد لينطق علام فخورًا بحفيده العاقل:

-كلامك يحترم يا دكتور زين. اشتدت سعادة الفتى من إشادة جده الغالي ووصفه بالدكتور، ليتابع علام ردًا على حديث حفيدته الغالية: -وبالنسبة لكلامك يا تاج، فيه رواية شهيرة بتقول، سئل رجل حكيم، من أحب أولادك إلى قلبك؟ فقال: أصغرهم حتى يكبر، ومريضهم حتى يشفى، وغائبهم حتى يعود. وتابع وهو يتطلع إلى الشاب: -وحبيبي يوسف ينطبق عليه الفئة التالتة، أي الغائب حتى يعود. نطقت تاج: -بس يوسف مش مسافر يا جدو، ومامي لما تحب تشوفه بتروح له.

هذه المرة تطوعت عصمت بالإجابة: -الأم لو ابنها مش قدام عينيها طول الوقت، بالنسبة لها غايب يا حبيبتي. هتف الصغير بكثير من الابتهاج: -مش مهم كل ده يا جدو، المهم إن مامي بتحبني مع چو، وأنا بحب چو. تطلع لشقيقه الأصغر ونطق بنبرة أظهرت كم سعادته: -وأنا كمان بحبك يا حبيبي. -كلنا بنحبك قوي يا چو. قالتها تاج بصدق لتتابع بتمني:

-وكل يوم بدعي ربنا إنك ترجع تعيش معانا تاني، ونتجمع كلنا زي زمان، إحنا وعمتو فريال وبوسي وفؤاد الصغير. -بس بلاش عمو ماجد، علشان وشه عكر وبيقطع الخميرة. قالها الصغير لتجحظ عيني إيثار قبل أن تأنبه بحزم وشدة: -ولد، إيه اللي بتقوله ده؟! عنفته أيضًا عصمت: -عيب يا مالك، مين اللي قال قدامك الكلمة دي؟

حول فؤاد بصره لتلك الجالسة بمقعدها بصمت يتفقدها بنظرات ثاقبة كالذئب، وبرغم أنها تحاول جاهدة التزام الصمت وبألا تتدخل بالحديث منعًا لجلب المشاكل لها، إلا أن حظها السيئ والمتمثل الآن في "مالك" جعل المشاكل هي من تأتي إليها مهرولة. كاد الصغير أن يتحدث فنهره والده قائلًا بحزم: -اخرس يا ولد، طول ما إحنا هنا مش عاوز أسمع صوتك لحد ما نروح وتتعاقب على تجاوزاتك دي. ربع ساعديه لينطق متذمرًا: -أوك. تحدث علام ليشفع له:

-خلاص يا فؤاد، عدي الموضوع وخلينا مبسوطين بيوسف. بسط ذراعه يحتوي كف ذاك الحبيب قائلًا بأعين تفيض حنانًا: -حبيبي يا جدو، ربنا يبارك في عمرك وصحتك يا حبيبي. أجابه بصوت يحمل بين طياته الكثير من الحب والود والحنان: -ويبارك لي فيك يا يوسف، وأشوفك أنجح واحد في مجالك وأتشرف بيك. -إن شاء الله يا حبيبي. سألته عصمت بعملية: -اخترت مشروع التخرج اللي هتشتغل عليه ولا لسه يا يوسف؟ أجابها بود: -أنا عندي مشروع تخرج كل سنة يا حبيبتي.

-أنا قصدي مشروع التخرج النهائي يا چو. وتابعت بنصح: -لازم تركز في اختيارك كويس، عاوزين امتياز مع مرتبة الشرف يا باشمهندس. -إن شاء الله يا حبيبتي. تطلع فؤاد إلى يوسف ونطق بفخر وكأنه نجله البيولوجي: -أنا ابني ما يتخافش عليه يا دكتورة. ثم تعمق كلاهما بعيني الآخر ومشاعر مختلفة تملكت قلب كليهما: -واثق إنه هيشرفني وهيخليني أفتخر بيه قدام الناس كلها. -مساء الخير.

تسللت إلى مسامعها نبراته البغيضة والتي ما مقتت شيئًا أكثر من صاحبها، أما فؤاد فقد اشتعلت عينيه بشرارات الغضب حين استدار ليجد ذاك الحقير يقف بكل جرأة أمامهم، هب واقفًا على حين غرة ليطيح بالمقعد أرضًا من شدة غضبه، ليقف أمامه تحت استنفار الجميع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...