الفصل 60 | من 89 فصل

رواية انا لها شمس الفصل الستون 60 - بقلم روز امين

المشاهدات
17
كلمة
4,262
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

تسللت إلى مسامعها نبراته البغيضة، والتي ما مقتت شيئًا أكثر من صاحبها. فجأة تسلل الرعب لجدار القلب، وكأن الماضي عاد بكل وحشيته، ليداهم سلامها النفسي والاستكانة، ويزعزع استقراريهما بضراوة. أما فؤاد فقد اشتعلت عيناه بشرارات الغضب حين استدار ليجد ذاك الحقير يقف بكل جرأة أمامهم. هب واقفًا على حين غرة ليطيح بالمقعد أرضًا من شدة غضبه، ليقف أمامه تحت استنفار الجميع. اشتدت نظراته عداءً وهو يسأله بعينين تطلق شزرًا لو خرج لأشعل اللهيب بجسد

الآخر وحوله لكتلة متوهجة: -إنت بتعمل إيه هنا يا بني آدم إنت؟ ليصيح مسترسلًا بحدة أكبر: -ومنين جبت الجرأة اللي قادر تقف بيها قدامي بعد كل البلاوي اللي عملتها؟! -أنا هنا زيي زيك بالظبط. قالها بكبرياء وقح بعدما وضع كفيه بجيبي بنطاله. لتهتف عزة وهي تتطلع عليه بنظرات منبهرة بأناقته وجسده الذي مازال يحتفظ بحيويته ورشاقته رغم مرور كل تلك السنوات:

-يخربيتك يا ابن إجلال، إنت إيه اللي سخطك كده، ولا كأن الزمن لا راح ولا جه عليك يا منيل. أشعلت بكلماتها العفوية غيرة فؤاد الذي هتف وهو يرمقها ببراكين غضبه الكامنة بعينيه: -عزة! ابتلعت إيثار ريقها بصعوبة وعلمت أن عزة بغبائها قد خطت بساقيها عرين الفؤاد. ليتابع الآخر بكلمات صارمة: -خدي الأولاد واقعدي بيهم في ترابيزة بعيد عن هنا. ازدردت ريقها وهرولت لتتمسك بكف مالك الذي أفلته وهو يقول بحدة:

-سيبيني يا عزة عاوز أتفرج على الخناقة. همست وهي تجذبه عنوة بينما ساقيه تتمسك بأرضها: -يلا يا منيل متجبلناش الكلام، خناقة إيه اللي عاوز تشوفها، دي هتبقى مجزرة.

تحركت عزة وصاحبها بعض الحرس لحماية الأطفال. أسرع يوسف ليجاور أبيه الروحي الوقوف والمساندة بينما رمق الآخر بنظرات يملؤها الاحتقار بعدما علم بجميع تفاصيل ما حدث بالماضي من سرد عزة المفصل وبات على علم بالحقيقة كاملة. عاد فؤاد بنظره لذاك الواقف بعناد واحتدمت نيران غضبه ليتحدث باعتراض قوي يجيب به على جملته: -إنت عمرك ما كنت ولا هتكون زيي. وتابع بتقليل من شأن الآخر: -ومهما حاولت، هيفضل أصلك غالب.

خرجت الكلمة لتخترق منتصف قلب يوسف بدلًا من ذاك الأرعن الذي استغل الوضع لصالحه وقرر اغتنام الفرصة في الحال، ليقول وهو يقترب من الشاب متمسكًا بيده بقوة وصلابة: -ماله أصلنا يا سيادة المستشار؟ ولا أنت لفقت التهم وبعد ما أقنعت الناس بيها بحكم منصبك، صدقتها؟! جذب يوسف كفه منه بعنف ليطالعه بازدراء مع صوت صارم: -إنت إيه اللي جايبك هنا، من فضلك امشي وكفاية فضايح لحد كده. وتابع بعينين متألمتين:

-اتقي الله فيا وابعد عني أنا وأختي وسيبنا في حالنا بقى. لم يخشَ الله ولا أعين الموجودين حول الطاولة الذين شهدوا على خسته وندالته وإجرامه بالماضي هو وعائلته، بل كذب وتحدث بنظرات توسلية وهو يتعمق بمقلتي الشاب كي يستقطب لبه: -اتقي الله إنت فيا وفي نفسك، وحاول تفهم وتشوف حقيقة الناس اللي خطفوك مني وحرموني من حضنك سنين بالظلم والافتراء. اشتعل جحيم غضب فؤاد وتقدم بساقه نحوه ليجذبه يوسف وهو يقول برجاء:

-اهدى يا بابا وتمالك أعصابك لو سمحت. بتلك اللحظة اشتعلت نيران غضبه وشعر بكلمات نجله وكأنها نصل سكين حاد يغرز في وسط قلبه ليدميه على الفور. استجمع قوته وتحدث بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس بطريقه: -هو مين ده اللي بابا يا يوسف؟! وتابع وهو يشير باتجاه فؤاد وعلام بنبرات تمثيلية متأثرًا:

-الناس دي لفقوا لجدك نصر قضية قتل ودخلوه السجن، وبعدها جه دوري أنا وأعمامك، وكل ده علشان يخلصوا مني ويبعدوني عن طريقهم وياخدوك من حضني. تمالكت من حالة الانهيار التي أصابتها لتتماسك رغم هلعها وتقف تستدير وتجاور زوجها الوقوف ويخرج صوتها غاضبًا بعدما فاض بها الكيل وطفح: -إنت إزاي قادر تكون كذاب وتمثل البراءة قدام كل اللي شهدوا على خستك وندالتك، وإزاي مصدق نفسك كده، لدرجة إني لو معرفكش كنت صدقت كلامك؟!

يا الله، كم من المشاعر الهائلة تصيب القلب عند رؤية من امتلكه بعد طول غياب، مشاعر عنيفة ضربت عمق قلبه وهو يراها بعد غياب كل تلك السنوات وحجبها عن عينيه. ظل ينظر عليها متجمد الملامح، هو الآن لا يرى ولا يسمع ولا يشعر سوى بدقات قلبه العنيفة التي تطالبه بضمتها وليحدث ما يحدث. اشتعلت نيران فؤاد وما زاد من اشتعال روحه هي تلك النظرات التي رآها متوهجة في أعين ذاك الحقير لتخترق وجه خليلة الروح، كان يتطلع عليها باشتياق بين متفحصًا إياها بأعين تلتمع بالشغف والحنين. اشتعل داخل رجلها الجاسور لتشتد نظراته عداءً وما شعر بحاله إلا وهو يندفع تجاهه ويمسك به من ياقة بذلته ليهزه بعنف ضاربًا بكل القواعد والأصول والبروتوكولات عرض الحائط.

من يرا تجهم وجهه يجزم أنه على وشك ارتكاب جريمة شنعاء. صاح يوسف وهو يجذبه للإبتعاد: -أرجوك يا بابا تهدى. هرولت تتمسك بساعده لتترجاه بصوتها المتوسل وعيناها المتأثرة: -سيبه علشان خاطري يا حبيبي.

استفاق عمرو على نطقها لكلمة "حبيبي" ليزيد لهيب كرهه لذاك الرجل الذي استطاع خطف لب امرأته الوحيدة مثلما فعل بنجله الحبيب. اهتز جسدها وكادت أن تسقط أرضًا لولا يدا عصمت التي سندتها بعد دفعة فؤاد القوية وهو ينهرها للإبتعاد عن مرمى نظر ذاك الحقير الذي يأكلها بعينيه: -ابعدي! وتابع وهو يرمقها بغضب عارم لو خرج لأشعل المكان برمته: -اتحركي وروحي عند ولادك حالًا!

تنفست بصعوبة وهي ترى زوجها لأول مرة يتعامل معها بتلك الهمجية. تمالكت حالها وهرولت إليه من جديد بعدم استسلام: -اهدى يا فؤاد وسيبه علشان خاطري، والله ما يستاهل اللي بتعمله في نفسك ده. أمسك يوسف كفيها المتمسكتين بساعدي حبيبها ليزيلهما بصعوبة: -اسمعي كلام بابا وابعدي. كاد فؤاد أن يلكمه لكنه توقف عند استماعه لنبرات صوت والده الخشنة: -فؤاد! توقف في الحال حين أمسك الأب ساعده المتشبث بياقة الآخر ليزيلها بحدة وهو

يتطلع بعيني نجله الغاضب: -دي مش تصرفات جناب المستشار فؤاد علام زين الدين. وتابع ناهرًا: -كل واحد ليه حدود بيتصرف على أساسها وأساس البيئة اللي اتربى فيها. وتابع وهو يتطلع من حوله على أعين المحيطين التي تصوبت تجاههم بتمعن شديد: -بص للناس اللي بتتفرج على سعادة المستشار ابن رجل القانون علام زين الدين، واعرف إنك غلطت لما عملت لنكرة قيمة.

لم تشفع كلمات والده ولا تلك النظرات. هرولت عليه تجذبه وتبتعد للخلف. قلبه يغلي كالبركان من شدة غيرته على خليلة الروح والفؤاد. تحدثت وهي تتحسس ظهره بلمسات حنون تحثه على الهدوء والسكينة: -مينفعش اللي بتعمله ده، أرجوك امسك أعصابك. برجاء تحدث إليها: -طب امشي من هنا، روحي عند ولادك. وتابع بعينين تطلق شزرًا: -امشي يا إيثار بدل ما أقتله قدام ابنك. نطقت بإصرار وعناد ناتجان من ارتعابها على من ملك الفؤاد واستوطن:

-مش هتحرك من مكاني غير ورجلي على رجلك. جذبته من ذراعه تترجاه بنظراتها: -يلا نروح ويوسف هيجيب الأولاد وبابا وماما ويحصلنا. هتف بهسيس مصاحبًا بنظرات مرعبة: -إنت ليه مش بتسمعي الكلام، بقول لك امشي من قدامه، ولا إنت عاوزاني أتحول لقاتل؟ -خد مراتك وامشي من هنا يا فؤاد. قالتها عصمت بصوت يهتز من شدة هلعها ليجيبها بعناد كافر: -لو مش عاوزاني أرتكب جناية، خديها من قدامي وامشوا يا ماما. نطق علام وهو يرمق الرجل شزرًا وتقليلًا:

-لو عاوز تحافظ على اللي باقي من كرامتك، خد بعضك وامشي من النادي حالًا. رفع حاجبه الأيسر بتهكم صاحبه تلك الابتسامة الساخرة وهو يقول: -هو أنتم ليه بتتعاملوا مع الناس على إنكم أسيادهم. وتابع رافعًا قامته بكبرياء ومغزى: -أنا هنا بفلوسي ونفوذي، فاهم يعني إيه نفوذي؟ بكل ثقة تحدث علام: -إنت اللي مش فاهم إنت واقف قدام مين وبتتحداه بمنتهى السذاجة. بغرور أرعن نطق بلامبالاة:

-أنا عارف كويس قوي أنا واقف قدام مين، وآخرك هاته يا باشا لأني مبتهددش. هتف يوسف من بين أسنانه بطريقة أظهرت كم الغضب الذي أصابه من ذاك الأبله عديم الفهم: -كفاية فضايح وقلة قيمة لحد كده، أرجوك، امشي، واحفظ كرامتك وكرامتي. أمسك علام هاتفه وابتعد قليلًا ليجري مكالمة. ليقطع الصمت صوت تلك التي تحدثت بصوت مرح: -وينك حياتي، عم دور عليك، الزغار كتير جوعانين وبدن ياكلوا.

التفت يطالعها بارتباك تحت نظرات الجميع التي اتجهت تتمتع بتلك الجميلة الرشيقة التي تقف بكامل أناقتها، ترتدي بنطالًا ملتصقًا بجسدها، يعتليه كنزة بدون أكمام، تاركة لشعرها الأشقر العنان ليتطاير مع نسمات الهواء الربيعية. اتسعت عيناها لتهتف بذهول وابتسامة هادئة حين رأت صورة زوجها المصغرة متجسدة بذلك الشاب: -يا الله، أكيد هيدا يوسف يا عمرو؟! أومأ لها بصمت لتتابع وهي تقترب من الشاب تحت حدة وفوران قلب إيثار

التي تراقب الوضع عن كثب: -لك شو هالشبه يلي بيناتكن، عيوني ما عم تصدق، قديش صاير بتشبه بيك. قطب الشاب جبينه وبات يتطلع نحوها باستغراب لجهله هويتها، فتابعت تعرفه على نفسها: -أنا بكون لارا، مرة بيك. وتابعت باستحسان: -يا الله، لو بتعرف اديش البابا بيحبك وبيموت عليك، صرعني من كتر ما بيحكي عنك. وتابعت بتأكيد وهي ترى جمود الشاب: -والله عنجد بيحكي. وتابعت:

-لازم تجي لعنا لحتى تشوف إخواتك وتتعرف عليهن، كتير مهضومين متلك، متأكدة إنك رح تحبهن وتصيروا إخوة بتجننوا. أشارت بكفها باتجاه معين لتتابع: -وحتى فيك تشوفن هلأ، هنن معنا هون بالنادي، تركتن مع الناني تبعهن وإجيت لحتى دور على البابا يلي اختفى. نطق يوسف بهدوء عكس ما يدور داخله من بركان غضب بفضل ما يحدث من عبث بحياته بسبب ذاك المسمى بأبيه: -أهلًا وسهلًا، ياريت حضرتك تاخدي عمرو بيه وتبعديه عن هنا، تجنبًا للمشاكل.

ضيقت ما بين عينيها متعجبة طريقة استقبال الشاب لها ثم باتت تتطلع من حولها لتجد استنفار الجميع وهم يطالعونها وزوجها، لتسأله باستغراب: -شو في يا عمرو، مين هادول الناس، وليش عم يطلعوا فينا هيك. هتف فؤاد موجهًا الحديث لها: -الأسئلة دي إبقي اسأليها للبيه وانتوا لوحدكم، وياريت تسمعي نصيحة يوسف وتمشوا من المكان حالًا. تطلعت إلى تلك المرأة المتشبثة بثياب ذاك المتعجرف لتنطق بعدم استيعاب بعدما شعرت بنغزة تقتحم قلبها

وكأنه شعر بحضور غريمتها: -مين إنت؟ ثم تطلعت نحو عمرو لتسأله: -هيديك المرة هي بذاتها يلي كنت متجوزا؟ لم يعد يتحمل سخافات تلك المرأة بالحديث، خاصة بعدما ضغطت على جرحه النازف، فتحدث بصرامة أثارت حنقها: -بطلي رغي وكلام فاضي وخدي جوزك واتحركي من هنا يا ست إنت. اكفهرت ملامحها واتسعت عيناها غضبًا لتهتف حانقة: -إنت شو مفكر حالك لحتى تحاكيني هيك، أنا رولا، بنته لسليم إلياس، رجل الأعمال المعروف بكل العالم. هتف بحدة متهكمًا:

-غنية عن التعريف يا مدام، أصلك وفصلك عارفهم كويس قوي، أبوكي من أكبر مشبوهي العالم. طالعها بقوة ليعد على أصابع يده بتسلسل متهكم: -غسيل أموال، على تجارة أعضاء، على سلاح ماشي، مخدرات تلاقي. صاحت معترضة: -إنت كيف بتتجرأ وتحكي هيك عن البابا؟! صدقني رح تندم على كل كلمة حكيتا. احتد غضبًا واشتعلت عيناه لتملؤها شرارات الغضب قبل أن يهتف هادرًا بتهديد:

-التزمي حدود الأدب وإنت بتتكلمي معايا، واعرفي إن اللي إنت واقفة قدامه ده، قادر يرحلك على المكان اللي إنت جيتي منه، وفي أسرع مما خيالك يصور لك. ارتبكت وأجبرتها شخصيته القوية على الصمت. أجزمت بداخلها أنها لن ترى رجلًا بقوة ذاك الصارم من قبل. باتت تتحسس صدره لتحثه على السكينة والهدوء وهي تقول بصوت يفيض حنانًا: -يا حبيبي اهدى، الناس بتتفرج علينا يا فؤاد.

اشتعلت روح عمرو من شدة غيرته وهو يراها بكل ذاك اللطف والحنان. أما رولا فابتلعت لعابها وهي تطالعهما ثم نظرت لزوجها فلمحت نظرات الغيرة والحقد تملأ عينيه. حضر مدير أمن النادي ومعه بعض رجال الحراسة. أحنى رأسه قليلًا احترامًا لعلام وفؤاد اللذان بادلاه تحيته الصامتة ليتحدث الرجل مشيرًا إلى "عمرو" بعدما أتاه أمرًا بطرده من المكان فورًا بعد إجراء علام اتصالًا هاتفيًا: -اتفضل معايا إنت والمدام يا أستاذ عمرو. سأله بجبين مقطب:

-اتفضل مع حضرتك على فين؟! بهدوء أجابه: -على مكتبي، عقد اشتراكك في النادي اتحل حالًا، واتفضل معايا علشان تسترد فلوسك كاملة. هتف بصياح معترض: -اللي بيحصل ده تهريج وشغل كوسة، أنا مواطن مصري محترم، اشتركت بفلوسي اللي إنتوا حددتوها، يبقى مش من حقكم بعد ما اتفقنا تلغوا العقد علشان خاطر مستشار. أجابه الرجل برزانة وثبات:

-حضرتك خالفت قوانين النادي المذكورة في بنود العقد من أول يوم ليك، اقتحمت خصوصية عيلة سيادة المستشار واتعديت عليهم باللفظ، وكل الحاضرين شاهدين بكده. وتابع الرجل بجدية: -إحنا نادي محترم وشغلنا كله قانوني. رفع حاجبه بتهكم مع رسم ابتسامة ساخرة: -آه طبعًا، وسيادة المستشار وابنه بتوع القانون كله. صاح الرجل معنفًا: -اتفضل وبلاش تعمل شوشرة لأنها هتضرك وتضعف موقفك أكتر. صاح أحد أعضاء النادي المخضرمين:

-يا ريت يا أفندم تتحروا الدقة في السؤال عن المشتركين الجدد، النادي ده عريق وأعضاؤه كلهم ناس محترمة، ولازم تحافظوا على النقطة دي. أيده جميع الحضور تضامنًا مع علام وعائلته ليرمق عمرو بنظرة تقليلية متابعًا: -مش كل من بقى معاه شوية فلوس مجهولة المصدر، يدخل ويقعد بينا. استشاط داخل عمرو وثار بفضل تعرضه للسخرية والتقليل من قبل هذا المتعجرف ليقابل حديثه بحديث مماثل:

-إنت بتقول إيه يا جدع إنت، أنا مولود في بقي معلقة دهب، وفلوسي وارثها أبًا عن جد. وأشار بكفه حول الجميع مقللًا: -الدور والباقي عليكم، لابسين بدل ماركات وإنتوا ماليانين بلاوي وعيوب. -امشي معايا من سكات بدل ما استعمل معاكم القوة. قالها مدير الأمن المسؤول عن المكان تحت استنكار عمرو وذهول رولا وعدم استيعابها للإهانة التي تتعرض لها هي وزوجها أمام الجميع. -إنت إيه يا أخي، شيطان، كفاية بقى فضايح، كفاااااية.

كلمات صرخ بها ذاك الذي ظل يكظم قهرته بداخله حتى امتلأت روحه قهرًا وما عاد فيه الامتصاص أكثر فثار وهاج ليصرخ معبرًا عن قمة غضبه. اتسعت عينا عمرو وبات يلعن نفسه آلاف المرات لما آل إليه نجله الحبيب بفضله، بينما هرول نحوه فؤاد يحتضنه ليجذب عنقه يريحه على كتفه مخبئًا وجهه به وتحدث هامسًا: -هش، اهدى يا حبيبي، حاول تمسك أعصابك يا ابني.

شعر بوخزة اخترقت قلبه بعد رؤيته لهذا المشهد، وما زاد من ذبح روحه هو تشبث يوسف بكتف فؤاد وكأنه وجد الملاذ الآمن له. هرولت إيثار صوب نجلها لتحاوط ظهره بحنو ثم طالعت عمرو لترمقه بكره لم تكنه لأحد مثله لتهتف كارهة: -ربنا ينتقم منك، ربنا ينتقم منك. الآن فقط أدرك فظاظة ما فعله. تحدث إلى الشاب نادمًا بعد فوات الأوان: -أنا آسف يا يوسف، كرهي للي ظلموني قدر يتغلب على حبي ليك يا ابني. نطق كلماته السامة ليتحرك ممسكًا بكف

زوجته التي نطقت بتذكير: -خلينا نروح لحتى نجيب الزغار. نطق مدير أمن النادي بجدية: -متتعبيش نفسك يا مدام، الولاد والدادة بتاعتهم والحرس اللي كانوا معاهم مستنينكم في المكتب. طالعت فؤاد بسخط ليبتسم بجانب فمه ساخرًا على تلقيها أول هزيمة أطاحت بكبريائها أرضًا أمامه. رمقته بتحدي قبل أن تتحرك بجوار زوجها الذي تحدث: -هنتقابل تاني يا فؤاد يا علام، ده مش آخر المطاف. -وأنا دايمًا جاهز وفي انتظار جولاتك.

قالها بقوة وثبات ومازال الشاب بأحضانه. _خرج من النادي بصحبة عائلته بعدما تلقى هزيمة ساحقة على يد غريمه الأقوى. استقل الجميع السيارة وجلس هو وزوجته ونجلاه بالأريكة الخلفية. قاد بهم السائق وتحرك تجاه طريق العودة لمنزلهم. هتفت توبخه على موقفه المخزي: -يا عيب الشوم عليك، تركت الزلمة يبهدلني وضليتك واقف تتفرج عليي. أجابها ببرود مميت: -إنت اللي زودتيها لما هددتيه باسم أبوك يا رولا. صمت ليتنفس ثم تابع بتفكير:

-شكلنا محتاجين لخطة جديدة علشان نعرف نتعامل معاهم ونضرب من تحت الحزام. -ما كنا هيك لحد ما حضرتك خربت الدنيي بجيتنا عالنادي. وتابعت وهي ترمقه بنظرات نارية: -ليش إجينا على هيدا النادي بالتحديد يا عمرو، وبهالوقت؟! صمت لتسأله والدموع تجمعت بعينيها مع نظرة عتب: -كنت بتعرف إنها هون؟ -لا طبعًا. قالها مستنكرًا ينفي عنه اتهامها ذاك فسألته من جديد: -لساتك لهلا بتحبا؟ بإنكار هتف لكي لا يثير شكوكها برواياته التي

قصها عليها طيلة سنوات: -إيه التخاريف اللي بتقوليها دي يا رولا، حب إيه وزفت إيه. سحب عنها عينيه لكي لا تكشف كذبه: -بأي عقل هفضل أحب واحدة خاينة باعتني علشان راجل تاني، واحدة حرمتني من ابني سنين طويلة، بعد ما اتفقت مع الحقير اللي سابتني بسببه. طالعته بريبة أثارت رعبه ليتمسك بكفها في محاولة لجذب ثقتها من جديد: -إنت مش مصدقاني يا رولا؟ نطقت بوهن يرجع لعشقها الهائل له:

-أنا حبيتك كتير، وما بخلت عليك بأي شي، وصدقني يا عمرو، لو حسيت بيوم إنك بعدك بتحب هيدي المرة. وتابعت بعيون حادة وتهديد مباشر: -الله وحده اللي بيعلم شو راح أعمل فيك. ابتلع ريقه ليضمها إلى صدره وهو يقول: -خرجي من دماغك الشك اللي زرعه لك كلام الحقير اللي اسمه فؤاد، وخليك واثقة إني محبتش في حياتي كلها حد غيرك. تنهدت والشك مازال يساور داخلها لكنها ستصمت الآن وتنتظر ما ستظهره الأيام قبل أن تصدر حكمها بحقه.

ولج الجميع إلى المنزل بحالة مزرية ومشاعر مشتعلة. أخذت عزة الصغار وصعدت إلى الأعلى لتبديل ثيابهم. هتف علام بحدة أظهرت كم غضبه الجامح من تصرفات نجله العاقل: -حصلني على المكتب يا سيادة المستشار. انتهى من كلماته ليتحرك بغضب عارم. تنفس فؤاد بعنف ليتطلع على زوجته التي همست بهدوء: -ادخله يا حبيبي، وأنا هبلغ وداد تعمل لكم قهوة.

طالعها بغضب لا تعلم سببه ليتركها ويلحق بأبيه بخطوات واسعة يدق الأرض من تحته من شدة احتدامه. تنفست بألم لتقترب منها عصمت وهي تقول بتوعية: -حاولي تهدي جوزك وتحتويه، نسيه اللي حصل بأي طريقة يا إيثار. وتابعت وهي تحاول جاهدة بإيجاد حلول لتلك المشكلة: -أنا شايفة إننا نحاول منخرجش في أماكن عامة الفترة اللي جاية لحد الأمور ما تهدى. وزفرت وهي تهدل كتفيها باستسلام: -مش عارفة طلع لنا منين ده كمان. نطقت والخوف يجوب بعينيها:

-الولاد مش لازم يسافروا يا ماما، إحنا لازم نقنع فؤاد بأي طريقة إنه يلغي الاشتراك. أجابتها وهي تطالعها بذات مغزى: -أنا شايفة إن إنت الوحيدة اللي تقدري تعملي ده، أنا والباشا حاولنا معاه كتير، وكل اللي طالع عليه هو إنه إزاي يرجع في كلامه بعد ما وعد "تاج" وهي فرحت. وصلها مغزى الحديث فهزت رأسها متفهمة لتنطق:

-اطلعي حضرتك غيري هدومك وحاولي ترتاحي شوية، وأنا هدخل المطبخ أبلغ وداد تعمل فنجانين قهوة للبشوات، وهطلع أنا كمان أغير هدومي. ولجت للمطبخ وجدت العاملات يقمن بوظائفهن. رمقت الفتاة "هند" بنظرات ثاقبة، ثم نطقت بجدية: -اعملي قهوة للبشوات ووصليها بنفسك للمكتب يا وداد. أومأت لها لتتحرك إيثار باتجاه الطاولة. تناولت كأسًا من الماء لترتشف نصفه ثم تنفست وتحركت للخارج تحت نظرات الفتاة التي شيعت خروجها بنظرات حاقدة.

داخل المكتب، هدر علام بحدة عبر من خلالها عن غضبه واعتراضه القوي على تصرفات نجله العاقل: -ممكن تديني سبب واحد مقنع للتصرفات الصبيانية اللي عملتها في النادي النهاردة؟! وتابع مسترسلًا بذات مغزى: -يا ابن علام زين الدين؟! بحدة بالغة أجابه: -هو حضرتك مشفتش تصرفات الحقير ولا الكلام اللي قاله في حقنا يا باشا؟! صاح علام مؤنبًا نجله بصرامة: -الحاجة الوحيدة اللي شوفتها إنك قللت من نفسك باللي عملته النهاردة قدام الناس.

بغيرة مرة لم يستطع تخبئتها كرجل يذوب عشقًا في غرام أنثاه: -طب وبالنسبة لنظراته الـ... لمراتي، هي كمان مشوفتهاش يا بابا؟! أشفق على حال ولده من نار غيرته المرة. يعلم جيدًا شعور الرجل عندما يرى نظرات رجل آخر لزوجته، والمميت أن ذاك الرجل كان زوجها السابق. يا لها من قهرة لرجل عاشق لأنفاس زوجته. اقترب عليه وتحدث وهو يشدد من مسكة كتفه:

-أنا عارف ومقدر صعوبة الموقف اللي إنت اتحطيت فيه، بس إنت رجل قانون، متدرب على ضبط النفس ولازم أفعالك وتصرفاتك تكون موزونة، ولازم تحط منصبك دايمًا قدام عينيك، وتعمل له ألف حساب، وإلا الكلاب المتربصة هتنهش لحمك عند أول سهو منك. أبعد نظره عنه لينطق بخزي: -حاضر يا باشا، غلطة وأوعد حضرتك إنها مش هتتكرر. -ياريت. قالها بصرامة ليواليه ظهره.

صعد إلى جناحه فوجدها تجلس فوق مقعدها الهزاز، يبدو عليها عدم الراحة، ومن أين تأتي الراحة في وجود ذاك الشيطان المتمثل بهيئة "عمرو البنهاوي"؟ كانت ترتدي قميصًا ناعمًا من قماش الستان لونه كشمير، طوله يصل لنهاية قدميها، يعتليه مئزر بنفس اللون والقماش. هبت واقفة لتهرول عليه بلهفة، أمسكت كفه تفردها لتميل بشفتيها تضع قبلة بباطنها، أرادت من خلالها إيصال رسالة أنها ملك له. تطلع عليها وما زالت النار تشتعل بصدره، فنطقت بصوت

ناعم وهي تتحسس ذقنه الخشن: -بحبك يا فؤاد. جذبها بقوة لترتطم بصدره وبات يضمها بقوة كادت أن تسحق عظامها وهو ينطق بخشونة ونبرة مشتعلة: -إنتِ مراتي، بتاعتي من أول ما جيتي على الدنيا دي، ملكي لوحدي، أنا وبس. برغم سحقه لعظامها والآلام التي بدت تغزو جسدها بالكامل إلا أنها تحملت الوجع لتنطق بصوت جاهدت ليخرج طبيعيًا بعيدًا عن الأنين: -إهدى يا حبيبي، أنا ملكك بقلبي وروحي وكل كياني، وعمري ما كنت ملك لغيرك.

وتابعت بغباء لم تدرك حجم فجاجته وإلا ما كانت سمحت له بالخروج: -وحتى لو كنت معاه بجسمي لما كنت مراته، فأنا عمري ما كنت معاه بروحي.

ابتعد سريعًا ليرمقها بشزر يخرج من عينيه، ارتعبت من حدة نظراته، أمسك كتفيها يعتصرهما بقوة ألمتها ونار شاعلة تستعر بقلبه العاشق ليكتم فمها بشفاهه الغليظة مجبرًا إياها على الصمت، قام بدفعها على الفراش بقوة ليثبت لحاله أنها ملك له بكل ما فيها تحت استسلامها واستشعار مدى اقترافها لخطأ فادح بحق مشاعر ذاك المغروم، دون وعي منها. بحلول المساء، داخل منزل ماجد.

كان يجلس داخل المكتب، يعمل على حاسوبه الخاص ليقطع اندماجه دخول زوجته بعد طرقها للباب، طالعها مستغربًا، فتلك هي المرة الأولى التي تأتي إليه منذ ما حدث، أتت إليه بعدما فكرت مليًا وخافت من عقاب الله لها على الابتعاد وحرمان زوجها من ممارسة حقه الشرعي، تحمحمت لتنظف حنجرتها وتنطق بنظرات خجلة: -أنا بلغت سمر علشان تنقل حاجتك وترجعها لمكانها، تقدر من النهاردة ترجع لأوضتك وتنام فيها من تاني.

هب واقفًا ليتحرك صوبها حتى وقف قبالتها وتحدث بنظرات عاتبة: -أخيرًا رضيتي عليا وهتدخليني مملكتك من تاني يا فريال؟ صمتت وأشاحت ببصرها بعيدًا ليسألها متهكمًا: -ويا ترى إيه سبب التغيير العظيم ده؟ طالعته بدون إدراك لمغزى حديثه ليتابع هو بريبة تسللت بداخله: -ليكون الولد ابن مرات أخوكِ ناوي يفتح موضوع بيسان تاني، وإنتِ جاية بالحركة دي علشان تأثري على قراري؟ اتسعت عيناها من تفكيره الغريب المليء بالخبث لتعنفه بحدة:

-أولًا يا دكتور يا محترم، أنا تربية سيادة المستشار علام زين الدين، يعني اللؤم والخبث مش طبعي، ولو عاوزة أوصل لك حاجة هاجي مباشر وأقولها لك في وشك، مش هلف وأدور بحركات رخيصة زي ما وصفتني. ارتبك وخشي عدولها عن قرار عودته لغرفة الزوجية، فنطق سريعًا لنيل رضاها: -يا حبيبتي إنتِ فهمتي كلامي غلط. هتفت بحدة أظهرت كم الغضب الذي انتابها من كلماته:

-بلا غلط بلا صح، أنا عملت كده علشان خاطر أرضي ربنا فيك، الأوضة قدامك، عاوز ترجع أهلًا وسهلًا، مش عاوز إنتَ حر. استدارت لتخرج فلحق بها واحتضنها من الخلف ليقول بأسف بعدما دفن رأسه بثنايا عنقه: -أنا آسف، متزعليش مني. وهمس بجانب أذنها: -أنا بحبك قوي يا فيري، وإنتِ عارفة كده كويس. أذاب قلبها بهمس كلماته الناعمة، فهو زوجها وحب حياتها، ما زالت تكن له الحب بقلبها، لكنها بدأت تتأثر بأفعاله غير المقبولة، تنهدت لينطق بهمس حنون:

-اطلعي على فوق وأنا هقفل اللاب وأحصلك. أومأت وخرجت تتجهز لينهي هو عمله سريعًا ويلحق بها. مرت ثلاثة أيام منذ حدوث صدفتها الجميلة به، ومنذ ذاك الوقت لم يهاتفها ولو لمرة واحدة للاطمئنان عليها، أنهت محاضرتها وتحركت للخارج بصحبة صديقتها المقربة "علياء" التي سألتها عندما لاحظت حزنها: -مالك يا بوسي؟ هتفت بحنق أظهر مدى غضبها: -هطق من يوسف يا علياء، تصوري من يوم ما اتقابلنا في الإسطبل ما رنش عليا. وتابعت بجنون

وهي تتجه صوب الكافيتريا: -اللي كان يشوف رقته معايا وحبه وجنونه وخوفه عليا في اليوم ده، يقول إنه هيكلمني كل دقيقة يطمن ويحب فيا. وصلت لإحدى الطاولات وجلست لتقابلها الأخرى، استندت بفكها لتتابع بنظرات حزينة: -عيشني مشاعر حلوة قوي، خلى قلبي ينبض بحبه ويدق بسرعة من جديد. -طب ما تكلميه إنتِ. هتفت باعتراض: -لا طبعًا، هبقى برخص من نفسي قوي لو عملت كده. أقبل النادل عليهما لتطلب كل منهما شطيرة وزجاجة من المياه الغازية. نطقت

علياء بعد انصراف النادل: -أنا مش فاهمة إنتِ مكبرة الموضوع ليه، اتصلي بيه عادي واطمني عليه، مش يمكن يكون تعبان؟ صمتت قليلًا تتمعن بكلماتها ثم حركت رأسها لتنطق برفض تام: -لا يا علياء مش هتصل، لأن حتى لو تعبان ده مش مبرر إنه يطنشني بالشكل ده، وخصوصًا بعد اللي حصل في الاسطبل. هتفت الفتاة:

-مفيش حاجة هتضيع حبكم الكبير ده غير العند، طول ما انتوا الاتنين عاندين قصاد بعض وكل واحد مستني التاني هو اللي يقرب ويبدأ، هتفضلوا واقفين مكانكم والفجوة هتزيد. زفرت بقوة لتنطق بحزن والألم تملك من قلبها وظهرت الريبة بعينيها: -عارفة أنا إيه اللي راعبني يا علياء. ترقبت الأخرى حديثها لتتابع بألم ينهش بقلبها: -إنه يكون ندم على الكلام اللي قاله لي في المزرعة، ولما قعد مع نفسه لامها وقرر يبعد من جديد.

غامت عيناها بغشاوة الدموع لتخرج الحروف منها بصعوبة مخترقة تلك الغصة المرة المتواجدة بمنتصف حنجرتها: -ساعتها يوسف هيبقى نهى على اللي فاضل مني بجد، أنا ممكن أموت فيها يا علياء. تحدثت ناهرة: -الكلام اللي بتقوليه ده مستحيل يحصل، يوسف بيعشقك، وكلنا عارفين كده. سألتها وهي تجفف سريعًا دمعة فرت من عينيها: -ولما هو بيحبني، بيعمل فيا كده ليه؟! رفعت كتفيها بلا معرفة للسبب وهنا استمعن صوت ذاك الذي اقتحم خصوصيتهما وهو يقول:

-ازيكم يا بنات. تنفست بهدوء حاولت به ضبط أنفاسها لتنطق بنبرة باردة: -أهلًا يا نبيل. تحدث متوسلًا بعينيه وهو يتلفت من حوله: -ممكن أخد البريك بتاعي معاكم، الترابيزات كلها مليانة ومش لاقي مكان آكل فيه الساندوتش بتاعي. صمتت ليستعطفها بنظراته فنظرت لعلياء التي أومأت لها بالموافقة، فأومأت له ليجلس ثم فتح بابًا ذكيًا للحوار: -سمعتوا عن موضوع البنت اللي لقوها مقتولة في شقة صاحبتها، مش هتتخيلوا السبب اللي خلى البنت قتلتها.

سألته بعدما نجح في جذب انتباهها: -هما معانا هنا في الجامعة؟! أجابها بابتسامة خبيثة: -آه، الاتنين معانا هنا. تضخم شعور الفخر بداخله على نجاحه وبدأ يقص عليهما الحكاية تحت نهم الفتاتين للاطلاع على التفاصيل المثيرة، وأكمل الحديث وهم يتناولون طعامهم سويًا.

داخل مسكن يوسف، كان منكبًا على الحاسوب يعمل بجد واجتهاد وكأنه يغرق حاله بالعمل كي ينأى بنفسه من ذاك التفكير القاتل، فرد ظهره وأرجعه للخلف، خلع عنه النظارة الطبية وفرك عينيه بقوة، استند للخلف ليرجع رأسه مستندًا على خلفية الأريكة لأخذ قسط من الراحة يفصل به بعد ساعات من العمل المتواصل، تبسم عندما تذكر زيارته بالمزرعة، كم كان يومًا مميزًا أنعش روحه وأعطاه القوة للدفع للأمام والمثابرة، تنفس براحة ووقف يتحرك إلى غرفة تحضير الطعام لصنع بعض القهوة كي تساعده على شدة التركيز لإكمال ذاك العمل المهم الذي يقوم به مؤخرًا، وأثناء صنعه للمشروب ولجت زينة لتتفاجأ به وتسأله

بعدما شاهدت ما يفعل: -إنتَ بتعمل قهوة لنفسك يا يوسف، طب كنت ندهت عليا وأنا أعمل لك! أجابها باستفاضة: -حسيت بضهري قافش من القاعدة، فقمت أعملها لنفسي وبالمرة أحرك جسمي. وتابع مستفسرًا: -طمنيني، عاملة إيه في جامعتك؟ -الحمد لله، كله كويس. وتابعت بريبة: -مش هتقولي إيه اللي مغيرك بقى لك كام يوم؟ أجابها بهدوء: -مفيش حاجة يا حبيبتي، عندي شغل كتير ومسحول فيه، ده غير المذاكرة والامتحانات اللي خلاص على الأبواب.

أومأت بتفهم، تنفست بهدوء ثم تابعت حديثها: -جنة بنت عمي حسين كلمتني النهاردة، بتقولي إن جدتها إجلال جاية على مصر بكرة، وقال إيه عاوزة الكل يتلم عند عمرو بيه. نطق بصرامة: -وإحنا مالنا بالكلام ده. أجابته: -بتقول إنها جاية مخصوص علشان تشوفك. تنفس براحة ثم طالعها وبجدية تحدث: -زينة، ركزي في مذاكرتك وبس، الناس دي مفيش أي حاجة تربطنا بيهم غير الأسامي اللي في البطاقة، ولو أقدر أمحيها والله ما هتأخر دقيقة واحدة. تحركت

لتقف بجواره ثم سألته: -محدش منهم كلمك وقال لك؟ أجابها متجهمًا: -البيه رن عليا كتير، معرفش جاب رقمي منين أصلًا، ولما مردتش بعت لي رسالة على الواتس، شوفتها وعملت له بلوك. ابتسمت بصوت ليطاعها وبلحظة انطلقت ضحكاتهما ليتراقص قلبه فرحًا لأجل شقيقته وضحكاتها التي أنارت وجهها الجميل. ظهر اليوم التالي.

خرجت زينة من الجامعة واستقلت سيارة قد استدعتها عبر أحد التطبيقات، وصلت لمنتصف الطريق إلى منزلها، ليقطع طريقهما إحدى السيارات الخاصة، تحرك منها رجلان ليقوم أحدهم بفتح الباب الخلفي وإجبار زينة على الترجل وجذبها عنوة عنها إلى السيارة الأخرى تحت هلعها وصرخاتها المرتفعة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...