أغلق الهاتف دون إضافة حرف واحد، ليهرول باتجاه السيارة واستقلها. زفر بقوة وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها. تحركت خلفه سيارة الحراسة. ضغط على زر الاتصال بزوجته، لينتهي ولم تجب، مما أشعل روحه وفخم شعور الغيرة لديه. أعاد الاتصال مرة أخرى ليصرخ وهو يدق المقود بقوة وعنف: -ردي يا هانم، ردي، ده أنتِ وقعتك سودة النهاردة.
لم تجب هذه المرة أيضًا. اشتعلت عيونه وامتلأت بشرارات الغضب وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته: -ماشي يا ابن البنهاوي، حفرت قبرك بإيدك النهاردة، وديني ما أنا سايبك غير وإنتَ روحك طالعة في إيدي، يا واطي. على الجانب الآخر، قبل قليل توجه يوسف إلى الباب وقام بفتحه، ليقطب جبينه حين رأى الرجل الذي من المفترض أن يناديه بأبي. نطق الآخر بصوت منتشي ووجه يبدو عليه السعادة والارتياح: -ازيك يا يوسف؟ -أهلًا وسهلًا...
قالها الشاب بنبرة باردة كالثلج وملامح جادة، وبرغم عدم ترحابه الواضح لم ييأس الآخر وتابع حديثه المتسم بالود: -وحشتني قوي إنتَ وزينة، قولت أجي علشان أشوفكم وأقعد معاكم شوية. لم يجد سوى الصمت على كلماته ليتابع الآخر مسترسلًا باستغراب: -إيه يا يوسف، مش عاوز تستقبل أبوك في بيتك ولا إيه؟ تنهد الشاب باستياء، ولم يجد حلًا سوى استقباله، فبالنهاية هو والده حتى ولو كان رافضًا من داخله تلك الصلة. تحدث بهدوء مستأذنًا:
-ثواني علشان عندي ناس جوة، هظبط الدنيا واستقبل حضرتك... قالها وهو يتأهب لغلق الباب وتابع باحترام: -بعد إذنك.
ابتسم عمرو بوجهه لتزيد ابتسامته بعدما أغلق الباب. اشتدت سعادته وزادت دقات قلبه، لتتفاخم مشاعر الحنين لديه. ولما لا فهو على استعداد رؤية من حرمت عن قلبه الراحة لسنوات بسبب عشقها المستوطن بكيانه. فلم يكن فؤاد فقط هو من يضع حراسة على منزل يوسف، بل هذا المعتوه أيضًا قام بوضع حراسة عند منزل الشاب. سعد قلبه وطار من شدة حبوره عندما حانت له الفرصة برؤية الحبيبة، فلم ينتظر وأتاها محلقًا.
بالداخل، وقف يتطلع على والدته وثوبها البيتي المجسم، حيث أبدلت ثيابها ببنطال قطني مجسم وكنزة بنصف كم كي تتحرك بأريحية داخل المنزل. تحمحم وتحدث وهو يتمعن النظر بعينيها: -عمرو البنهاوي برة وعاوز يدخل. انتفضت لتهب واقفة كمن لدغها عقرب وتحدثت بأعين تتسع على مصرعيها وصوت يرتجف كارتعاشة جسدها: -وده جاي يهبب إيه في الوقت ده؟ وتابعت بشك: -واشمعنا جاي في الوقت اللي أنا فيه هنا؟! لطمت عزة خديها وصاحت:
-يلهوي لو فؤاد باشا عرف، هتبقى ليلتنا سودة. وتابعت بحدة وهي تتطلع إلى يوسف: -وإنتَ مطردتوش ليه؟ -يطرده يعني إيه؟! ده أبونا!
جملة اعتراضية نطقت بها تلك البلهاء "زينة" التي انطلت عليها حيله الماكرة، والتي خطط لها كشيطان، حيث بات يطاردها بكل مكان تذهب إليه. يتودد لها بكلماته المعسولة وندمه المزيف ويطلب منها السماح لما مضى، ولكونها عاشت محرومة من عطف الأبوة فكانت في أشد حاجتها لذاك الحنان، لذا تركت لروحها العنان لتتنعم به برغم زيفه. كان يأخذها للتنزه وشراء الكثير من الثياب والمجوهرات برغم اعتراضها وعدم حاجتها، حيث أخبرته أن يوسف لم يدع في نفسها شيئًا إلا وجلبه ووضعه تحت قدميها. لم تكن بحاجة لماله بقدر حاجتها واحتياجها النفسي له كأب.
سمح يوسف وترك لها المساحة بناءً على أمر من الطبيب المعالج، حيث أبلغه أن اقتراب والدها منها سيحسن من الوضع ويعزز ثقتها بالنفس ويسارع بالشفاء من مرض الرهاب الاجتماعي. خشي على شقيقته من الانتكاسة فتحدث إلى والدته بهدوء كي يرضي جميع الأطراف: -ادخلي غيري هدومك وأنا هفتح له يقعد مع "زينة" في الصالون جوة، وبعد ما تجهزي هاخدك بنفسي أوصلك أنتِ وعزة. هتفت عزة وباتت تنعته باستياء تحت حزن زينة:
-إلهي يغم نفسه البعيد وينكد عليه زي ما طول عمره قارفنا معاه ومفرق شملنا، روح يجازيك ويرزقك باللي ينكد عليك يا ابن إجلال. -خلاص يا عزة. قالها يوسف بعدما لمح حزن شقيقته لتنطق إيثار بارتباك وهي تشير إلى المائدة: -لملمي الأكل وحطيه في التلاجة ليفسد، وعلى ما أدخل أغير هدومي بسرعة تكوني أنتِ خلصتي. أشارت على حالها وجلبابها البيتي الفضفاض وتحدثت مستنكرة باعتراض:
-يعني أنتِ هتغيري هدومك وتسيبيه يشوفني أنا بجلبية البيت كده عادي؟! -ده على أساس إنك لابسة كاش فوق الركبة ولا هوت شورت؟! قالتها متهكمة بملامح وجه كاشرة لتكمل بحدة وصرامة: -اخلصي يا عزة واعملي اللي بقولك عليه خلينا نخلص.
انتهت من كلماتها لتهرول سريعًا إلى غرفة النوم لتبديل ثيابها. أما عن هاتفها فكان بداخل حقيبة اليد الموضوعة فوق الفراش، ولهذا لم يستمع أحد إلى رنينه لعدة مرات. جل ما يشغل بالها الآن هو أن تخرج من هذا المنزل حالًا قبل أن يعلم فؤاد بالأمر ويجن جنونه. أما بالخارج، هرولت زينة إلى الباب لاستقبال والدها الذي أتقن دوره وضمها لأحضانه وهو يقول: -وحشتيني يا قلب أبوكِ. -أنت كمان وحشتني.
برغم من عدم شعورها الكامل بالكلمة إلا أن مجرد استماعها يحسن من النفسية ويجعلها بحالة أفضل، أشارت بكفها للداخل: -اتفضل. ولج ليجد يوسف واقفًا يشير بكفه حيث نهاية المسكن: -اتفضل حضرتك. تحرك للداخل ليتوقف حين شاهد عزة تلملم الطاولة فتحدث بابتسامة استفزت عزة قبل يوسف: -الله! دي عزة هنا هي كمان، ده أنا حظي حلو بقى. عبست ملامحها لتنطق بفم ملتوي: -وحظك حلو ليه يا اخويا إن شاء الله؟ يكش كنا أصحاب في الحضانة وأنا معرفش.
قهقه عاليًا وتحدث باستفزاز: -طول عمرك وأنتِ دمك زي السكر يا عزة. -اللهم طولك يا روح. قالتها وهي تقلب عينيها بسأم وتابعت عملها لينطق وهو يتطلع إلى أصناف الطعام العديدة بشهية: -ده أنا مش حظي حلو بس، دي حماتي كمان طلعت بتحبني وبتموت فيا. وتابع وهو يتجول بعينيه على الطعام: -محاشي وملوخية وحمام وبوفتيك وممبار، ده إيه كمية الجمال اللي على السفرة والروايح اللي تجنن دي. وتابع متسائلًا تحت احتراق قلب يوسف:
-ده أكيد طبيخك أنتِ ده يا عزة؟ -لا، شاريينه من مطعم زيزو نتانة. قالتها بوجه مكفهر لتتابع متهكمة عليه: -أكيد عارفاه، ده اللي الحكومة قفشت في مطبخه ريش حمير ومخ كلاب السنة اللي فاتت. ارتفعت قهقهاته وتحدث بسماجة: -مش بقول لك دمك زي العسل. لم يرق لزينة معاملة عزة المحرجة لوالدها فتحدثت بإحراج: -تحب تاكل يا بابا؟! أجابها متعللًا كي لا يترك الردهة ليرى حبيبة القلب: -ده لو مكنش يزعجكم، أنا بصراحة لسه متغدتش لحد الوقت.
على عجالة نطق يوسف لتفادي الأمر: -اتفضل حضرتك جوة وأنا هجيب لك الأكل لحد عندك. يعلم علم اليقين أن نجله يبعده عن مرمى رؤية إيثار وهذا ما لم يتقبله مهما كلفه الأمر، فتحدث: -وعلى إيه تتعبوا نفسكم، أنا هاكل هنا على السفرة. ابتلعت زينة ريقها بينما سحب الآخر المقعد ليجلس وبدأ يتذوق الطعام مستلذًا بمذاقه الرائع تحت اشتعال روح يوسف واحتراق قلب عزة التي همست بهسيس: -ينزل بالسم الهاري إن شاء الله. -بتقولي حاجة يا عزة؟
قالها وهو يمضغ الطعام لتنطق من بين أسنانها: -هقول إيه، أصله الإحساس نعمة، وأنت ربنا حرمك منها. تحدث وهو يشير إلى زينة لتجاوره: -اقعدي كلي معايا علشان تفتحي نفسي يا حبيبتي. وتابع: -اقعد يا يوسف أنت كمان، الأكل زي ما هو، شكلكم لسه بادئين. أطاعته الفتاة برغم خوفها من حزن يوسف الذي زفر بقوة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله، ولولا خوفه على شقيقته وخوفه من الله لكان طرده شر طردة من المنزل وأنهى تلك المهزلة.
فتحت إيثار باب الغرفة لتتقدم بخطوات سريعة حتى اصطدمت وهي ترى ذاك الثقيل يجلس بأريحية يتناول من الطعام التي صنعته خصيصًا بيديها من أجل غاليها. ابتلع لعابه وانتفاضة شديدة بجسده صاحبها أخرى بقلبه مع ازدياد سرعة الدقات. بدون شعور وقف منتصب الظهر لينطق وهو يطالعها بأعين هائمة كالمسحور: -إزيك يا إيثار. لم تعر لحديثه اهتمام بل تحاشت النظر إليه وتحدثت بتجاهل إلى عزة: -يلا يا عزة علشان نمشي. هتفت متذمرة:
-استني بقى لما أدخل أغير هدومي. وتابعت وهي ترمق زينة باستياء: -وأنتِ يا أختي، إبقي شيلي السفرة بعد ما المحروس أبوك يخلص أكل. وتابعت ببرطمة وهي تتحرك إلى الغرفة: -أصلها التكية بتاعت المجحوم نصر والمنيلة إجلال. انتفض جسدها حين اخترق سمعها طرقات قوية فوق الباب كادت أن تخلعه من مكانه. تراجعت منكمشة بعدما أخبرها حسها بأن ذاك الغاضب هو زوجها الثائر لا غير. أغمضت عينيها وانتظرت طوفانه القادم.
هرول يوسف ليقوم بفتح الباب بينما تحرك ذاك الشيطان سريعًا ليقترب من إيثار بعد تيقنه من هوية الطارق. أراد أن يحرق قلبه ويذيقه آلام الغيرة المميتة مثلما تجرعها مرارًا على يديه. من شدة ارتباكها لم تعي لذاك الذي أقبل عليها واقترب بشدة يتطلع لملامحها التي اشتاقها حد الجنون.
ما أن فتح يوسف الباب حتى دفعه فؤاد الذي دخل بهيئة غير مبشرة بالمرة. عينين حمراويتين ككؤوس الدماء من شدة الغضب والغيرة على أنثاه، ووجه محتقن وعروق بارزة تنتفض بحدة. من يراه يقسم أنه على وشك ارتكاب جريمة قتل أحدهم.
اندفع للداخل كالثور الهائج لا يرى أمامه لتجحظ عينيه وهو يرى ذاك الوغد يقترب من زوجته بطريقة أثارت جنونه. هرول واندفع إليه ليجذبه من تلابيب بدلته وبدون مقدمات سدد له لكمة قوية على فكه الأيمن تلتها أخرى على الجانب الأيسر، لينطق بجنون لم يستطع السيطرة عليه: -جيت لموتك يا حقير. فعل ما كان يتمنى يوم تجمع النادي الاجتماعي ومنعه من تنفيذه والده حينها.
صرخت زينة بهلع وتيبس جسد إيثار وكأن عقلها توقف عن العمل، بينما هرع يوسف إلى فؤاد يتمسك به ليمنعه من ارتكابه لمزيد من الحماقة وخصوصًا حينما رأى عمرو الآخر بدأ بالتشابك ومنع الآخر من تسديد مزيد من اللكمات: -اهدى يا بابا أرجوك. دفعه بكف يده ليتراجع للخلف بجسد يتهاوى بفضل قوة الدفعة. اتسعت أعين يوسف وهو يستمع لتوعد فؤاد له: -أنت حسابك معايا بعدين.
إلى هنا ولم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي. لقد شاهدت زوجها الحبيب يزج نجلها بعنف بلكمة في صدره. أي ابتلاء تتعرض له تلك العاشقة. هرولت تتمسك بكفيه المتشبثة بتلابيب ذاك الحقير لتصيح متوسلة: -أرجوك يا فؤاد تسيبه، متدمرش نفسك علشان حد ما يستاهلش. برغم موقف عمرو الذي لا يُحسد عليه إلا أن كلمات من ملكت القلب نزلت عليه لتشطره لشطرين. عاتبتها نظراته مما زاد من جنون فؤاد الذي صرخ بها بأعين تطلق سهامًا نارية:
-انزلي استنيني تحت في العربية. اتسعت عينيها مستغربة حديثه الخيالي. أحقًا يطلب منها تركه ونجلها وسط ساحة حرب مشتعلة كهذه؟ وبكل بساطة خُيل له أنها ستستجيب؟ من أين له تلك الثقة العمياء؟ هزت رأسها باعتراض فنطق بهسيس خرج من بين أسنانه: -مش هكرر كلامي تاني، انزلي حالًا. هتفت بكامل صوتها معترضة: -أنت بتقول إيه يا فؤاد؟ أنت عاوزني أسيبك أنت وابني في الوضع ده وأمشي؟!
هرول يوسف ليسحبها باتجاه الخارج عندما رأى تلك الشرارات المنطلقة من أعين فؤاد لوالدته، فأراد أن يفض ذاك الاشتباك قبل أن يبدأ: -اسمعي الكلام وانزلي الله يخليكِ. -اسكت يا يوسف. نطقتها بأعين تكاد أن تجن من عدم استيعابها لما يُطلب منها فانضمت عزة التي هرولت عليها بعد خروجها من الغرفة عندما وصل إليها ضجيج اشتباكهما: -اسمعي كلام الباشا وابنك ومتقاوحيش، متخربيش على نفسك. وتابعت لتلك التي تتطلع عليها كالتائهة:
-مهو ده اللي عاوز يوصل له ابن إجلال، يخرب عليكِ وبعد الشر تطلقي ويرجع يستفرد بيكِ زي زمان، بس المرة دي تفرق، زمان أبوكِ كان واقف في ظهرك وبعد منه الباشا، لكن الوقت هتبقي واقفة قصاده بطولك. -يوسف وفؤاد يا عزة.
قالتها وهي تشير على نجلها الذي اقترب من كلا الديكين ليفض تسارعهما العنيف، فالوضع أصبح على وشك الانفجار كالبارود. فؤاد يلكم عمرو فيرد الآخر بمثلها لكن فؤاد يتفاداها بحرفية، وكلا منهما يتشبث بتلابيب الآخر كما العدو، لتكمل إيثار بذهول: -مقدرش أسيبهم وأنزل. بتلك اللحظة رأت عزة ذاك الغاضب وهو يلتف ناحيتهما فأمسكت بيدها وجذبتها ليهربا سريعًا، وبلحظة كانتا أمام المصعد الكهربائي تاركين حربًا شرسة بالداخل.
وجدت رئيس الحرس بانتظارها فتحدث وهو يحاوطها بيديه هو وثلاثة من رجال الحراسة: -اتفضلي معايا يا هانم. وهتف لآخر بصوت حاسم: -افتح باب الأسانسير يا "بدر". استجاب الرجل وبلحظة كانت تستقله ويهبط بها للأسفل ومنه إلى السيارة الخاصة بفؤاد. استقلت مقعدها بجوار مقعد القيادة بينما اتخذت عزة مكانها بالخلف. أمسكت هاتفها كالمجنونة وتحدثت: -أنا هتصل بـ بابا يجي له. انتشلت منها الهاتف وصرخت:
-تبقي ناوية على خراب بيتك بجد يا بنت منيرة، تكونيش فكراه عيل صغير هتتصلي بأبوه ييجي يأدبه. وتابعت بهتاف يغلفه المفاخرة: -ده باشا قد الدنيا، والكلمة منه تهز محافظة. نطقت من جديد: -طب أكلم أيهم ييجي يقف مع يوسف. -اوعي تكلمي حد، متصغريش جوزك، أنا لما ينزل الباشا هبقى أكلم أيهم ييجي ليوسف، وأنا هبقى أجي له الصبح أطمن عليه وعلى زينة. وتابعت محذرة:
-وأنتِ ملكيش مجيء هنا تاني، ابنك يجي لك لحد عندك، لكن أنتِ رجلك مش هتخطي هنا تاني، أنا بقولك أهو، إحنا مش ناقصين وجع قلب ومشاكل، والمثل بيقول لك الباب اللي يجي لك منه الريح، نسده يا بنت الناس ونستريح.
ما زال الصراع دائرًا وكما معروف في الحروب فالبقاء دائمًا للأقوى، وبما أن فؤاد هو الطرف الأقوى فكان يرقد بساقيه مكبلًا جسد ذاك الممدد على الأرض ووجهه أصبح كخريطة مليئة بالألوان منها الأحمر والأزرق والأصفر الداكن، بينما اصطحب الشاب شقيقته وأغلق عليها الباب قبل أن ترى والدها مهانًا بتلك الطريقة، وبات يهدأها قبل أن يخرج لهما من جديد بعدما أوصد عليها الباب. لكمه للمرة التي لا عدد لها ليسأله بأعين تطلق شزرًا:
-أنت عايز إيه من مراتي يا ابن الـ****؟ داير تحوم حواليها أنت ومراتك ليه؟ أجابه بحقارة جعلت الدماء تفور في عروق فؤاد: -متنساش إنها كانت مراتي قبلك، يعني كانت معايا وملكي بكل ما فيها. وتابع بابتسامة شريرة حين لاحت بأعين الآخر ألسنة لهب نارية: -زي ما هي ملكك الوقت بالظبط، كانت ملكي.
كان ينطق كلماته بغل لتوصيل رسالة معينة للآخر وبالفعل وصل لمبتغاه. ما أقصاها تلك المشاعر على رجل بالغرام ذائبًا في عشق أنثاه. لاحت أمام عينيه مشاهد حميمية لها مع ذاك الوغد زادت من لهيب قلبه المستعر، ليتابع ذاك الحقير الضغط على جرحه الغائر: -خلفت منها ابني الأقرب لقلبها واللي أكيد بيفكرها بيا. صرخ بسبه بلفظ نابي أظهر كم نيرانه الساكنة بقلبه: -يا حقير يا واطي، والله ما أنا سايبك غير وأنا طالع بروحك في إيدي.
تفاقم الغضب لديه وتصاعد وإلى هنا ولم يستطع تمالك حاله. وبكل قوة لكمه ليسيل خطًا من الدماء من أنفه ويزداد معه إعياء الآخر الذي أصر على مواصلة ندالته رغم فقدان قدرته على الكلام. خرج يوسف من الغرفة ليهرول إليهما ومال بجزعه محاولًا تهدئة ذاك الثائر وهو يترجاه لتركه: -يا بابا أرجوك مينفعش اللي حضرتك بتعمله ده. وتابع عسى الآخر يستفيق ويعي لحاله: -لا أخلاقك ولا اسمك ولا منصب معاليك ومعالي الباشا يسمحوا لك بالتصرفات دي.
نفض يد الشاب عنه بحدة ونهض تاركًا الآخر كجثة هامدة لا يقوى على الحركة. رمقه باشمئزاز وتحدث: -لو راجل خليني أشوف وشك قدامي تاني. استدار إلى يوسف ليتابع بإشارة توعدية من يده: -أما أنت بقى يا سي يوسف، فحسابك معايا لما أفضى لك. سأله بذهول مستهجنًا لهجته: -هو إيه اللي كان حصل مني لغضب حضرتك ده كله؟! هتف بحدة معاتبًا بعيناه: -أنت هتستعبط يا يوسف؟ أقسم بصدق متأثرًا من غضب والده منه: -والله ما أعرف حضرتك بتتكلم عن إيه.
رمقه بحدة وتسائل: -إيه اللي خلاك تدخل البني آدم ده بيتك في وجود أمك، وأنت عارف اللي بينا وبينه؟ شعر بحماقة ما قام بفعله وأن تصرفه كان خطأ فتحدث بدون مكابرة: -أنا آسف يا حبيبي، أنا عارف إني غلطت، بس والله العظيم بمجرد ما عرفت إن هو اللي على الباب، استأذنت منه ودخلت لأمي اللي أول ما عرفت دخلت تغير هدومها بسرعة، وكنت هنزل أوصلها لحد البيت بنفسي.
رمى بمبرراته عرض الحائط ورمقه بنظرات ازد رائية قبل أن يتحرك إلى الباب ويفتحه مشيرًا لرجال الحراسة حيث ولجوا مهرولين تحت عدم استيعاب يوسف لما يحدث: -تربطوا الكلب ده بحبل في الكرسي على ما أبلغ مراته تيجي تستلمه. ضحك عمرو باستهزاء وتحدث بوهن وصوت بالكاد يُسمع: -بتستقوي عليا بمنصبك يا ابن الزين. بينما اتسعت عيني يوسف الذي نطق معترضًا بقوة: -يا بابا مينفعش اللي حضرتك بتعمله ده، أنت رجل قانون.
نطق وهو يتطلع لذاك المُلقى فوق الأرض كقطعة قماش بالية: -أنا عيشت عمري كله في خدمة القانون ورفعته، كنت بنفذه وأطبقه على نفسي قبل الناس، مجتش على مرة أكسره فيها علشان أأدب بيها الحقير ده. -أرجوك يا بابا. قالها متوسلًا وهو يرى رجال الحراسة يرفعونه من على الأرض استعدادًا لتنفيذ أوامر رب عملهم، ليتابع وهو يتمسك بذراعه: -علشان خاطر زينة بلاش تعمل فيه كده، البنت لو شافته مربوط حالتها هتنتكس. دار بنظراته يمشط المكان بعناية
ليسأله من باب الإنسانية: -هي فين أختك؟ -دخلتها أوضتها وقفلت عليها بالمفتاح علشان متخرجش وتشوف خناقتكم. بلامبالاة تحدث: -ولما أنت قافل عليها بتتكلم ليه؟ وتابع مستنكرًا وهو يتناقل النظرات بينه وبين عمرو المقيد بالمقعد: -ولا يكونش صعبان عليك ابن البنهاوي، مهو في الآخر بردوا أبوك، والدم أكيد بيحن. رمقه الشاب عاتبًا وكاد أن ينطق ليوقفه الآخر باسطًا كف يده: -اديني تليفونك.
قطب جبينه مستغربًا طلبه لكنه بكل ثقة بالآخر أخرج هاتفه من جيب بنطاله القطني وقام بفتحه ثم ناوله إياه. وضع فؤاد بضعة أرقام ثم تحدث بقوة وهو يتطلع لذاك المقيد: -تعالي استلمي اللي باقي من كرامة جوزك يا مدام، وياريت تلميه وتقعديه جنبك يعمل روتين للبشرة والشعر، وتخليه يبطل شغل النسوان اللي بيعمله ده. وتابع متوعدًا بحدة: -لأن الغبي بعد السنين دي كلها لسه مش قادر يقتنع إنه مش قد غضبي. هتفت الأخرى بارتياب: -مين معي؟!
هيدا أنت يا فؤاد يا علام؟! لم يعط لسؤالها أهمية وتحدث متهكمًا: -تعالي بسرعة على بيت يوسف، أكيد عرفاه، ما أنتوا عصابة واحدة. أغلق بوجهها الهاتف ليعيده للفتى وتحدث بصرامة لا تقبل المناقشة: -يفضل مربوط زي ما هو كده لحد البت اللي متجوزها ما تيجي تستلمه، لو فكيته هتبقى بتتحداني يا يوسف. نطق الشاب محاولًا تهدئة الآخر: -يا حبيبي حاول تهدى وخلينا نتكلم بهدوء بعيدًا عن الغضب والعصبية اللي أنت فيها دي. هتف مقاطعًا بصرامة:
-كلامي مفهوش نقاش يا يوسف، عمرو البنهاوي يفضل زي ما هو لحد ما مراته تيجي، وكفاية عليك العملة السودة اللي أنت عملتها. وتابع عاتبًا: -ومتخليش حسابك يتقل معايا أكتر من كده. لم يتوقع حتى بأحلامه أنه سيأتي يومًا ويعامله أباه الروحي بتلك الطريقة. تألم قلبه وهو يسأله متأثرًا: -حضرتك بتقولي أنا الكلام ده؟! رمقه فؤاد بحدة لينشطر قلب الفتى ثم تحدث متأثرًا وهو يستمع لدقات شقيقته على الباب الموصد:
-طب يا ترى فكرت أنا هعمل إيه مع أختي المرعوبة جوة دي، هفضل حابسها لحد ما مراته تيجي وتاخده؟! بلامبالاة أجاب: -إيه المشكلة، دي كلها نص ساعة وتوصل الهانم. وتابع مقترحًا: -تقدر تدخل عندها وتقعد معاها علشان تهديها. هز الفتى رأسه بأسى معترضًا على جميع أفعال ذاك الغاضب الذي تغاضى نظراته وتابع وهو يتطلع لذاك المقيد:
-لآخر مرة هقولها لك وده مش علشانك، ده علشان خاطر ربنا وأولادك، إبعد عن عيلتي علشان تسلم من أذايا لأنك والله العظيم ماهتتحمله. وتابع متوعدًا: -أنا لحد الوقت عامل حساب ليوسف وزينة، بلاش توصلني لمرحلة أفقد فيها أعصابي، والله يا ابني ما في مخلوق هيعرف يخلص روحك من إيدي. نطق عمرو وهو يتحداه بنظراته: -بتتحامى في سلطتك وسلطة أبوك ورجالتك، أنت لو كنت راجل بجد تواجهني راجل لراجل. نطق فؤاد بما أشعل روح ذاك الأرعن:
-ومن إمتى وأنت راجل علشان أواجهك يا لا؟ ده أنت طول عمرك متخبي ورا النسوان، الأول أمك يا ننوس عينها واللي كانت بتحقق لك كل رغباتك، والوقت بنت سليم إلياس رجل الأعمال الشمال، هو ده آخرك في نوعية الأشكال اللي تعرفها. تحرك باتجاه الباب ليلحق به يوسف سريعًا وهو يقول: -بابا، ماما ملهاش دعوة بأي حاجة، ياريت متزعلهاش. صاح يلومه بغضب:
-عامل حساب أمك قوي وخايف عليها، لو كانت في بالك أصلًا مكنتش سمحت للو**** ده يدخل في مكان هي موجودة فيه. هتف مفسرًا موقفه: -أنا سمحت له يدخل علشان زينة، الدكتور قالي إن وجوده في حياتها وقربه منها هيعجل بشفائها. ربت فؤاد على كتفه وتحدث مبهمًا: -يومين بالظبط وهعرفك اللي أنت مدخله بيتك علشان أختك ده بيعمل إيه من وراك. لم يضف كلمة أخرى وفتح الباب ليجد رجاله بانتظاره فتحدث بلهجة حادة:
-نضفتوا كاميرات المراقبة كلها من دخولنا؟ هتف كبيرهم بوقار: -كل اللي أمرت بيه اتنفذ يا باشا، كاميرات العمارة وكل الكاميرات اللي في الشارع تم اختراقها ومسح الوقت الخاص بينا من عليها، مفيش أي أثر. لينطلق باتجاه المصعد سريعًا يستقله. تنهد الشاب بأسى ليعود للداخل. وقف بمنتصف الردهة مكتوف الأيدي، يتطلع ما بين ذاك المقيد يلقي رأسه للخلف بإعياء شديد، وبين تلك التي صاحت بصوتها الحزين: -افتح لي الباب يا يوسف.
ساقته قدماه إلى الغرفة وما أن لف بيده المفتاح حتى جذبت الباب سريعًا ودفعت شقيقها لتهرول إلى الخارج. تلفتت حولها لتجحظ عينيها حين رأت والدها مقيدًا فوق المقعد ليهرول عليها الشاب محتضنًا إياها وهو يقول: -تعالي ندخل نتكلم جوة. دفعته على صدره بكلتا يديها بكل ما أوتيت من قوة لتصرخ بوجهه: -أنت فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليا بكلمتين؟
وهرولت مسرعة باتجاه أبيها لتتسع عينيها وهي ترى وجهه الملئ بالكدمات والانتفاخات والتصبغات المتنوعة. التفتت تتطلع لشقيقها وهي تلومه: -أنت إزاي تسمح له يعمل كده في أبونا يا يوسف؟! صاح بغضب وتشنج أبرز عروق وجهه وجسده بالكامل: -إبقي اسألي البيه أبوكِ قال للراجل إيه وصله للجنون اللي شايفينه ده. رفع عمرو وجهه لينطق عاتبًا على نجله: -يعني أنت بدل ما تزعل علشاني واقف تبرر له اللي عمله فيا؟! هتف بأسى واستياء:
-أنا لا ببرر ولا نيلة، أنا أصلًا تعبت وقرفت من كل حاجة حواليا، من يوم ما اتولدت وأنا محطوط في خانة الانتظار، واقع في النص ما بين طرفين، كل واحد يشد فيا من ناحية لحد ما دمرتوني. وثار متابعًا بسخط: -تاريخ عيلتك الأسود خرب حياتي وضيعني زمان. وحتى لما تخطيت وحفرت في الصخر ونجحت في إني أكون إنسان محترم في عيون المجتمع، مصرين تشدوني معاكم وتدخلوني صراعاتكم المريضة اللي مليش ذنب فيها.
سيبوني في حالي بقى، خلوني أعرف أتنفس طبيعي زي البني آدمين. -أنت لسه هتقعد تتكلم وتسيب بابا مربوط كده؟ كلمات غاضبة نطقت بها الفتاة لتتابع وهي تقترب منه محاولة فك قيوده: -تعالي نفك الحبل ده عنه ونتصل بدكتور ييجي يشوفه. بسخرية رد عليها عمرو كي يستفز الفتى ويحرجه أمام شقيقته: -ميقدرش يخالف أوامر ولي نعمته يا زينة. منعها الشاب وأبعدها لينطق متحديًا ذاك الأبله: -أهو البيه قالك على اللي فيها، ابعدي بقى وخلينا على الحياد.
وقفت تهدده برحيلها كمحاولة أخيرة: -لو مفكتش بابا حالًا، أنا هسيبك وهمشي يا يوسف، هروح أعيش معاه في بيته ومش هتشوف وشي تاني. صدمها رده حين أشار بكفه للخارج ناطقًا ببرود: -براحتك، اتفضلي روحي معاه، ويارب يديكي اللي ملقتهوش عندي يا زينة، يارب تلاقي الحنان والحب والاحتواء اللي أنا مقدرتش أوفرهولك. -روحي يا زينة.
قالها بهدوء صدمها، لم تقصد ما تفوهت به، كل ما أرادته هو الضغط عليه فقط لا أكثر. نطق كلماته وتحرك ليقف داخل الشرفة. استغل عمرو الموقف كما المعتاد وتحدث للفتاة: -أحسن قرار اخدتيه يا زينة، يوسف بيحبك ومش هيقدر يبعدك عنه، ودي هتبقى فرصة حلوة علشان يراجع نفسه ويعرف قيمة عيلته كويس، وبعد كده ميحطناش في مقارنة مع حد. ابتلعت لعابها والحيرة والدهشة والصدمة حال عقلها.
عودة لذاك الذي خرج من المصعد والشرر يتطاير من مقلتيه. اتجه إلى سيارته واستقل مقعده تحت دموع إيثار ورعبها. أدار السيارة وبحدة تحدث إلى عزة: -انزلي اركبي مع الحرس. ازدردت لعابها وتحدثت بحرص وارتياب: -حاضر، بس بالله عليك متزعلها، هي... قاطعها بغضب لو خرج لأشعل بكل ما حوله: -انزلــي.
اهتز جسد إيثار بينما فتحت عزة الباب وهرولت بجسد ينتفض رعبًا. أدار محرك سيارته التي اندفعت بسرعة مرعبة جعلت من دقات قلب الأخرى تدق كطبول الحرب. جاهدت لإخراج حروفه وهي تقول متلعثمة: -فؤاد. اشتعلت عينيه وامتلأت بشرارات الغضب ليقول هادرًا بقسوة: -مسمعش نفسك لحد ما نوصل جناحنا فوق. كلماته كانت كفيلة لتخرسها. تطلعت أمامها بصمت تام، لا يخرج منها سوى صوت شهقاتها التي بدأت تعلو وتزعجه لحد لا يوصف جعله يصرخ وهو يدق
على مقود السيارة بجنون: -قولت لك مسمعش صوتك. تعالت شهقاتها لتصل لحد النحيب بعدما شعرت أن حزنها هان عليه، بينما هو كان بين نارين، نار حرقته وغضبه منها بعدما حدث، ونار دموعها التي تكوي قلبه المغرم. يعلم أن لا ذنب لها بما حدث، لكنها ضلع مهم في المشكلة. يكاد أن يفقد رشده بفضل ما حدث. يشعر بدمائه تفور داخل عروقه وتكاد تفتك بحياته كلما تذكر كلمات ذاك الحقير.
بعد قليل كانت تتحرك خلفه ليلج كلاهما من باب القصر الداخلي. هرول الصغير عليهما وهو يقول لوالدته بملامة: -كده يا مامي تروحي عند جو من غير ما تخديني معاكِ؟ بصعوبة أخرجت صوتها المرتبك: -معلش يا حبيبي، كنت مستعجلة. توقفت بجوار الصغير ليهز جسدها صوت ذاك الذي بدأ يصعد الدرج: -ورايا يا مدام. تمسك الصغير بكفها وتحرك معها ليتابع ذاك الذي يرى بظهره: -خليك مكانك يا مالك، ادخل لجدو المكتب اقعد معاه. نطق ذاك المشاغب وهو
يتمسك بكف والدته بحميمية: -أنا هطلع معاكم علشان مامي وحشتني. استدار يرمقه بنظرات تطلق شزرًا ليصيح بما أرعب الصغير: -ولد، مبتسمعش الكلام ليه؟ هرولت عليه عزة التي ولجت لتوها من البوابة لتقول وهي تخبأ الصغير بحضنها: -تعالى معايا المطبخ أعمل لك أيس كريم. رمقها بنظرات نارية لينطق مهددًا: -ودي الولد المكتب عند جده، وإياك أشوفك حاشراه مع الشغالات في المطبخ تاني، سمعاني؟ -حاضر يا باشا، حاضر.
قالتها بجسد منتفض وهي تشدد من تمسكها بالصغير تحت دموع إيثار وشعورها بالمرارة والانكسار. تحركت خلفه كطفلة تائهة لا تعلم مصيرها تحت نظرات عزة المشيعة لها بألم. هتفت بصوت يكاد أن يُسمع: -ربنا يسترها عليكي من غضبه يا بنتي. بتلك اللحظة خرجت عصمت من غرفتها لتسأل عزة وهي تتابع صعود الزوجين: -فيه إيه يا عزة، سيادة المستشار صوته عالي كده ليه؟! وإيه اللي رجعك أنتِ وإيثار بدري كده؟! قطع حديثها مالك الذي هرول إلى جدته يشتكيها:
-شوفتي بابي يا نانا، زعق لي ومنعني أطلع مع مامي فوق. تمسكت بكفاه وتحدثت بحنو ظهر بعينيها لذاك الحفيد الغالي: -معلش يا حبيبي، أكيد بابي متضايق من حاجة وميقصدش يزعل ملوك حبيبه. وتابعت: -إخواتك قاعدين في الليفنج بيسمعوا فيلم أجنبي، ادخل اقعد معاهم على ما عزة تعمل لك عصير. هتف مقاطعًا: -أنا عاوز بيتزا من برة. أجابته كي تخفف عليه: -بس كده، من عيوني، حالًا هخلي سعاد تتصل بالمطعم يبعتوا لك أحلى بيتزا لعيون مالك باشا.
هتف بحبور: -أنا بحبك قوي يا نانا. -وأنا كمان بحبك قوي يا "مالك"، يلا ادخل عند إخواتك. أطاعها وهرول سريعًا لتتحرك عزة كي تهرب إلى غرفتها ليوقفها صوت عصمت الحاد: -مجاوبتنيش على أسألتي يا عزة. أجابتها برأس مُنكس وملامح وجه حزينة بائسة: -أنا معرفش حاجة يا دكتورة، أما الباشا الصغير ينزل إبقي اسأليه. تمعنت عصمت بملامحها وعندها تيقنت أن مشكلة كبيرة قد حدثت. بالأعلى
ما أن ولجت خلفه حتى أغلق الباب بقوة زلزلت جدران الغرفة لتنتفض تلك المرتعبة التي طالعت ذاك الذي يقترب عليها وكأن غضب العالم أجمع قد تجمع بعينيه: -عايز تفسير للمنظر القذر اللي أنا شوفته قدامه؟ هزت رأسها ودموع الهلع تتساقط من عينيها ليتابع مسترسلًا بلفظ نابي: -الـ... ده جاب منين الجرأة اللي يقرب فيها منك بالطريقة دي؟ هزت رأسها تنفي من جديد بصمت، ليقترب منها أكثر فتراجعت للخلف ليهمس بفحيح تصحبه نظرات مرعبة:
-الواقفة اللي أنا شوفتها دي واقفة اتنين عشاق يا مدام. -إنت اتجننت يا فؤاد، إزاي تقولي كلمة زي دي؟ نطقتها بأعين جاحظة ليصرخ وهو يشير إلى رأسه بجنون: -هو أنتِ وابنك خليتوا فيا عقل؟ لما أدخل ألاقي مراتي وطليقها مقفول عليهم باب شقة واحد، وألاقي المنسون ده واقف قصادك واللي بينه وبينك ما يكملش شبر! وإلى هنا لم يستطع تحمل جحيمه الداخلي حين رأى نظرات الهيام الموجهة من ذاك الحقير لأنثاه، أمسك فكها بقوة وتحدث بهسيس: -والـ...
واقف يبص على الهانم وعلى جسمها بمنتهى القذارة. هزها بعنف، وما زالت قبضته تشدد على فكيها: -ردي عليا وجاوبيني، منين جاب الجرأة دي يا هانم؟ نطقت بدموعها الصارخة: -سيبني يا فؤاد حرام عليك، إنت كده بتأذيني. -وإنت مأذتنيش باللي عملتيه ده؟ قالها ثم دفعها للخلف بقوة ليتهاوى جسدها ويستقر فوق الفراش، اقترب ليميل عليها بعدما ثبت جسدها بين ركبتيه: -إزاي تغلطي غلطة زي دي، انطقي؟ قال كلمته الأخيرة بجنون لتنطق بدموعها الحارة:
-والله العظيم ما اعرف قرب مني كده إزاي. وباتت تقص عليه جُل ما حدث تحت اشتعال روح ذاك الغاضب لتنتهي قائلة: -لحد ما يوسف راح يفتح لك، أنا عيني كانت على الباب لأني كنت متأكدة إنه إنت، والله العظيم ما اعرف قرب كده إمتى، والله يا حبيبي ما حسيت بيه. -اخرسي يا إيثار، صوتك مش عاوز أسمعه. نهض ليعتدل فاستندت هي الأخرى على كفيها لتجلس، تحدث مشيرًا بسبابته بلهجة حادة:
-مبدئيًا كده شقة ابنك دي تنسي عنوانها نهائي، رجلك لو خطت فيها تاني هتبقى متحرمة عليا. قالها بصرامة جعلت من عينيها تتسع على مصراعيها لتنطق بذهول وعدم استيعاب: -إيه اللي إنت بتقوله ده؟ لم يعر لصدمتها اهتمام وتابع صارمًا: -الباشمهندس ييجي يزورك هنا ومرحب بيه الليل قبل النهار، حتى لو حابب يرجع يعيش معانا من تاني، البيت بيته في أي وقت، غير كده محدش ليه عندي حاجة. وتابع بحدة:
-وإنت احمدي ربنا إني واثق فيك وفي نفسي، وإلا كان زماني مخلص عليك بعد اللي شوفته بعيني. انفجرت بعدما فقدت قدرة تحملها على الإهانات أكثر من هذا: -شوفت إيه يا بيه؟! هي حصلت تلمح بشكوكك في أخلاقي يا فؤاد؟!
جاي تحاسبني على ذنب أنا ما ارتكبتهوش، أنا من الصبح ساكتة لك وبقول يا بت فوتي واتحملي، جوزك وبيحبك وبيغير عليك، زقيت ابني قدام عيني لدرجة إنه كان هيقع وسكت، كلمته بطريقة مهينة وبلعتها واتخرست، عمال تغلط فيا من ساعة ما جينا ومحسسني إني ارتكبت كبيرة من الكبائر وكل ده وأنا ساكتة. هبت واقفة لتقابله وهي تقول بأعين حادة ولهجة صارمة:
-لكن لحد إنك تتهمني في شرفي أو حتى تلمح فده اللي مش هسمح لك بيه، أنا معملتش حاجة غلط علشان تكلمني بالطريقة دي، ومش هسمح لك تحاسبني على أفعال واحد مريض بيحاول يدمر حياتنا. هز رأسه وتحدث: -قولت لك من زمان إنك بجحة يا إيثار، بتبقى غلطانة وبرضه تعلي صوتك وتبجحي. كادت أن تتحدث فقاطعها بحدة: -الظروف أجبرتك تكوني معاه في مكان واحد، اخرجي فورًا، مش تقعدي ساعة بحالها وإنت وهو في نفس المكان وإنت عارفة ومتأكدة من قذارته.
نزلت دموعها بعدما فقدت السيطرة على الرد فتحدث من جديد: -حافظي على نفسك وعلى عيالك، التزمي بيتك واتقي شر غضبي يا مدام. نطق كلماته وانطلق نحو الحمام ليخلع عنه جميع ثيابه وتحرك مهرولًا داخل كابينة الاستحمام، وقف لينهمر فوق رأسه الماء البارد عله يهدئ من نار جسده المشتعل بنار الغيرة، كور قبضته بقوة حتى ابيضت ودق بها الحائط عدة مرات متتالية أحدثت صوتًا مدويًا اهتز على إثرها جسد تلك المتخشبة بالخارج، تنهدت وتحدثت بقهر:
-ربنا ينتقم لي منك يا عمرو يا بنهاوي، ربنا ينتقم منك. *** داخل مسكن يوسف. فتح الباب لتهرول رولا التي حضرت سريعًا بصحبة والدها، وجدت الفتاة تجاور مقعد والدها المقيد ودموعها تنهمر لعجزها، وقفت بالمنتصف بذهول تتطلع ما بين يوسف وعمرو والفتاة لتصيح بعدم استيعاب: -حياتي يا عمرو، مين يلي عمل فيك هيك يا تؤبرني؟! تنفس بعمق وألقى برأسه للخلف مستغلًا إعيائه الشديد ليتخذه حجة لعدم الإجابة لتصيح وهي تهرول عليه تتفحص
وجهه بمراعاة لتلك الكدمات: -شو يلي حصل؟ منشان الله حدا منكن يفهمني؟! نطق يوسف بلهجة جادة وحدة: -اتفضلي فكيه وخديه معاكي، وهو يبقى يفهمك على اللي حصل براحته في بيتكم. التفتت إليه لتنطق بتحدي: -بأحلامك يا يوسف، ما إني متحركة من هون من قبل ما افهم كل شي. هرولت وبدأت بفك الحبال وهي تستدعي والدها: -تعا ساعدني يا بابا. ساعدها هو والفتاة تحت نظرات يوسف الواقف يطالعهم وهو يضع كفيه داخل جيبي بنطاله وكأن الأمر لا يعنيه،
سألتها رولا بهدوء: -شو يلي حصل يا زينة، فؤاد علام هو اللي عمل هيك في بيك؟ أومأت بهدوء لتسألها: -شو السبب؟ صمتت الفتاة فاطمئنت رولا على زوجها تسأله: -إنت منيح يا عمري؟ نطق بوهن: -أنا بخير يا حبيبتي ما تقلقيش. هتفت بحدة أظهرت كم غضبها: -بحياة الله لأدمر لك مستقبلك، وبامحيك من وش الأرض يا فؤاد يا علام. تابعت وهي تتطلع إلى يوسف: -رح أبلغ فيه الدرك، وإنت بتشهد بكل يلي حصل هون. طالعها يوسف بجبين مقطب قبل أن يسألها ببرود:
-وهو إيه اللي حصل هنا يا مدام، عمرو بيه خبط علينا ودخل وهو بالشكل اللي إنت شايفاه ده، وأنا استقبلته وكلمتك في التليفون علشان تيجي تاخديه. وتابع بدهاء: -حتى رقم تليفوني هتلاقيه متسجل عندك. اتسعت عينيها مستغربة حديثه الغير متوقع بالنسبة لها أما عمرو فلم يستغرب اصطفافه بجانب غريمه، لتنطق زينة مستنكرة حديث شقيقتها: -إنت بتقول إيه يا يوسف؟! قال بحدة أظهرت وصوله للمنتهى:
-بقول اللي حصل، واللي عنده كلام غير اللي أنا قولته يتفضل يثبت. هتفت رولا بتحدي ظهر بعينيها: -نحن بنبلغ الدرك وهني بيشوفوا شغلهن، وأكيد الكلام يلي قال لي إياه هاديك البلطجي بالهاتف متسجل في شركة الاتصالات، وهيك بينكشف وجهه الحقيقي وبيظهر للكل. ابتسم يوسف وتحدث كي يردعها: -ومين اللي هيسمح لشركة الاتصالات إنها تخرج التسجيلات، الجهة النيابية مش كده؟ فهمت لما يلمح به لينطق عمرو لائمًا نجله:
-أنا شايفك بتدافع بكل قوتك عن الراجل اللي تعدى عليا ومش همك اللي حصل لأبوك منه يا يوسف. أجابه بثبات وقوة: -أولًا أنا بفسر الصورة للمدام اللي جاية تبيع الماية في حارة السقايين، يعني مش واقف مع حد ضد التاني. وتابع بصرامة مشككًا: -وبالنسبة للي عمله سيادة المستشار في حضرتك فأنا معرفش إنت قولت له إيه يخلي واحد في منصبه يتخلى عن رزانته والحكمة والتحلي بالصبر اللي بيتميز بيهم، ويعمل فيك اللي عمله ده. وتابع بقوة
وصرامة لا تقبل المناقشة: -ثالثًا بقى ودي أهم نقطة عندي ولازم الكل يحطها في الاعتبار، أنا مش هسمح لاسم أمي يتذكر في أي قضايا تخصك أو تخص غيرك يا عمرو يا بنهاوي، عاوز تتحدى فؤاد علام وتعمل معاه مشاكل براحتك، إنت حر، بس بعيد عن أمي، لأن أمي... وتابع بأعين تطلق شزرًا: -خط أحمر، واللي هيقرب له هنسفه من على وش الدنيا، والكلام ده يمشي على الكل، وأولكم فؤاد علام بذات نفسه. سألته بحدة وغيرة ظهرت بعينيها:
-وشو دخل إمك بجوزي يا عيني؟! -الموضوع ده بقى تسألي فيه جوزك، أنا معنديش إجابات لا ليكي ولا لغيرك. التفتت تطالع عمرو لتسأله: -هاديك المرة كانت هون يا عمرو، انطق يا زلمة؟! تحدث بكذب كي ينأى بحاله عن بطشها: -ما كنتش أعرف إنها هنا يا رولا، كنت جاي بالصدفة أزور ولادي، والحيوان اللي اسمه فؤاد جه اتهجم عليا بالشكل ده لما كلابه بلغوه إني هنا. صاحت بتشكيك: -ولما لقيتها هون، ليه فوت عالبيت من الأساس؟!
-أهو اللي حصل بقى يا رولا... قالها بحدة ليصيح متألمًا بعتاب لقلب الطاولة: -وبعدين هو أنا ناقصك، أنا في إيه وإنت تفكيرك في إيه؟ رمقته بحدة أظهرت ريبتها منه ليتابع هو بشر وتوعد: -ورحمة أبويا ما هرحمك يا فؤاد يا علام، وما هسيبك غير لما أدمر لك مستقبلك. نطق سليم بعقلية رجل أعمال مخضرم:
-أنا شايف إن من وقت نزولك لمصر، كترت مشاكلك مع هاد الزلمة يلي اسمه فؤاد، ولو تتذكر كلمة قلت لك إياها من لما نويت تستقر بمصر، قلت لك ما فيك تنجح بأشغالك لما بتعادي الكبار، قلت لك ركز وفيك تختار من هلا، إذا بتحب تكون رجل أعمال ناجح، أو بتقضي حياتك كلها تضرب وتتلقى ضربات. كان يطالع الجميع بغضب لو خرج لأنهى عليهم جميعًا، ود لو فيه القيام بطردهم جميعًا خارج منزله، فقد طفح الكيل وما عاد فيه احتمال سخافتهم أكثر،
بينما تحدث عمرو بهدوء: -خلي الكلام ده لبعدين يا باشا، أنا تعبان ومحتاج أروح علشان أرتاح. تحرك خطوة للأمام وتحدث لابنته: -يلا بينا يا زينة. ارتجف جسدها هلعًا، فهي كانت تدعو الله في سريرتها أن ينسى ما تفوهت به منذ القليل ويذهب بصحبة عائلتها تاركًا إياها متنعمة بحنان شقيقها، لم تكن تقصد ما قالته، وهل فيها تركها لشقيقها الذي انتشلها من الضياع وقدم لها كل ما استطاع لإنقاذ روحها؟ سألته رولا مستفسرة: -لوين؟
-هتيجي تعيش معانا. اشتعل داخلها غضبًا، فبيتها لم يعد خاصًا كما كان، بل أصبح سبيلًا لكل عابر، وبرغم هذا تحدثت بهدوء: -إي طبعًا، بتنور. نطقت الفتاة بصوت خافت كي تتهرب: -خليني بايتة هنا النهاردة علشان ألم هدومي وكتبي براحتي، وبكرة هبقى أجي. إجابتها صدمته، أبعد كل ما ضحى به لأجلها، تتركه بتلك السهولة، لقد ضحى حتى براحة والدته لأجلها، أكان حدسه بصلاح روحها خادع؟ تظاهر بالجمود لينطق عمرو بإغواء للفتاة:
-ما تجيبيش حاجة معاكي، أنا هشتري لك كل حاجة جديدة، وإنت معايا كل اللي تأشري بيه هحققه لك. ابتسم يوسف ساخرًا ليتابع الآخر بعدما رأى حيرة الفتاة وترددها: -يلا يا زينة مش قادر أقف على رجليا. وأمسك كفها ليحثها على المضي قدمًا معه قائلًا: -أنا محتاج لك جنبي اليومين دول يا زينة. لان قلبها الأبله له لتنطق مجبرة إلى يوسف: -أنا هاجي بكرة أخد كتبي وحاجتي المهمة. وقبل أن تخبره أنها ستمكث فقط بضعة أيام فاجأها بحديثه الحاد:
-مفيش داعي تيجي. وأكمل بقلب يتمزق جراء ما تعرض له من خذلان على يد شقيقته: -أنا هجمع لك كل حاجتك في كراتين، وخلي السواق اللي عمرو بيه أكيد هيخصصه لك بعربية لخدمتك، يعدي هنا بكرة الصبح ياخدها.
نزلت كلماته القاسية على قلبها شطرته لنصفين لتبتلع غصة وقفت بمنتصف حلقها كادت أن تطلع بروحها، هزت رأسها بموائمة لتتحرك لداخل غرفتها تلتقط هاتفها وحقيبة يدها وتنسحب مع الجميع ليتركوه وحيدًا، وقف يتطلع على إثرها ليصرخ بعلو صوته موبخًا:
-في ستين ألف داهية، إشمعنى إنت اللي هتطلعي وفية، إذا كانت حبيبتي اللي عيشت عمري كله أحميها وأفضلها حتى على نفسي، سابتني وعايرت أمي بيا وبعيلتي، وراحت رمت نفسها في حضن أكتر واحد في الدنيا كلها بيكرهني. نطق بتحدي: -أنا اللي غلطان، من النهاردة مش هعمل اعتبار لأي مخلوق غير نفسي وأمي وبس. ***
داخل منزل عمرو كانت إجلال تنتحب وهي تجلس بجوار نجلها المسطح فوق الفراش والطبيب يضع له ما يمكن إنقاذ وجهه من كريمات لإعادته كما كان وتهدئة لهيبه المشتعل وآلام عظامه التي طحنها ذاك الفتاك فؤاد علام، هتفت تسأله بعدما خرج الطبيب: -يا ابني ريح قلبي وقولي مين اللي ضربك وسيح لك خلقتك في بعضها كده؟! همست نائلة الواقفة بجوار ابنتها: -لك يسلم دياته يلي ضربه. زفر بحدة يجيبها: -يا ماما قلت لك خبطت بالعربية في عمود كهربا. تطلعت
إلى نائلة وتحدثت بازدراء: -معلش يا ابني، أصلها أقدام. رمقتها نائلة بشزر لتتابع وهي تنظر لتلك الزينة الواقفة بزاوية الغرفة كالغريبة: -ودي إيه اللي لمها عليك دي كمان؟ -زينة هتعيش معانا يا ماما. فرقت نظراتها الساخطة ما بينها وبين نائلة ورولا: -هي المشرحة ناقصة قتلى؟ -إي والله صدقتي، المشرحة ما أنا ناقصة، البيت أصبح ما فيه أكسجين لحتى نتنفس... وتابعت قاصدة: -مفروض كل واحد بيحس ع حاله وبينكشح ع بيته. وجذبت ابنتها من كفها:
-تعي لحتى ننام ونرتاح، اليوم كان كتير صعب. نطقت باعتراض: -وجوزي يا ماما، رح أتركه ليغفى لحاله؟! -ما تقلقي حياتي، السِت ستهم بتدير بالها عليه... لتتابع متهكمة: -مو هيك يا ستهم؟! -هيك يا أختي... قالتها بوجه ساخط لتجبر نائلة ابنتها على الخروج جبرًا فتحدثت إجلال إلى نجلها: -هي الولية دي كانت بتقول إيه قبل ما تغور على بره؟ -خلاص بقى يا ستهم، أنا تعبان ومحتاج أرتاح. نظرت للفتاة وتحدثت:
-وإنت يا بنت سمية، هتفضلي متخشبة جنب الباب كده كتير؟ جرحتها تلك الكلمات ووصفها بابنة سمية "الزانية" هو أكثر ما ألم روحها لينطق عمرو بعدما انتبه لحالة الفتاة: -انزلي يا زينة يا حبيبتي للشغالة خليها تفرجك على الأوض الفاضية واختاري منهم أوضة ليكي.
نزلت الدرج وحال قلبها هو الانشطار، يبدو أن القدر لم ينتهِ بعد من تعذيبها، كم من السنوات يلزمها بعد لتستقر حياتها داخل بيت، أوجب عليها الانتقال بين المنازل كما المشردين، وكلما ذاقت طعم الاستقرار تأتي لها صفعة من الحياة لتستفيق وتعيد الجرة من جديد. ***
غفت فوق الفراش بعدما غلبها النعاس، ظلت تنتظر صعوده كثيرًا لكنه لم يأتِ، فقد قرر أن يقضي ليلته فوق أريكة المكتب بالأسفل كنوع من العقاب لها، فزعت عندما استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب لتنطق بهلع بعدما رأت الظلام من خلف ستائر النافذة الزجاجية الكبيرة: -مين اللي بيخبط؟ ولجت عزة وتحدثت وهي تتحرك صوبها: -ده أنا، ما تخافيش. نظرت إلى الساعة وجدتها الخامسة فجرًا لتجاورها الأخرى الجلوس وهي تقول:
-لقيت الباشا نايم في أوضة المكتب، قلت أطلع أطمن عليك ليكون عمل لك حاجة. عادت خصلاتها للوراء واستندت للخلف بظهرها مع إخراجها لتنهيدة حارة جعلت الأخرى ترتعد قائلة: -ألا يكون مد إيده عليكِ؟! وتابعت متوعدة: -طب والنبي لو عملها لأكون مسودة لك عيشته. نطقت بأسى: -ومن إمتى فؤاد مد إيده عليا يا عزة علشان يعملها بعد السنين دي كلها؟ سألتها مستغربة: -أمال مالك، وشك منفوخ كده ليه؟! -قالي كلام صعب قوي يا عزة، صعبت عليا نفسي.
استمعت كلاهما لأذان الفجر فتحدثت: -استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وقومي اتوضي وصلي، آه قبل ما أنسى، الباشا بلغني أقول لك إنك إجازة من الشغل بكرة. -يعني إيه؟! هتفت الأخرى مستنكرة: -يعني تسمعي الكلام وتحمدي ربنا إنها جت على قد كده، ده اللي كان يشوف وشه امبارح يقول هيوقع فيها قتيل.
توضأت وصلت فرضها وغفت من جديد لتريح جسدها المنهك، وبرغم اعتراضها على قراره للإجازة الإجباري إلا أنها انصاعت لأوامره منعًا لافتعال مزيد من المشاكل.
فاقت في حدود الساعة الحادية عشر، توضأت وأدت ركعتي الضحى وخرجت إلى الشرفة تستنشق الهواء قبل أن تنزل للأسفل، تفاجأت بدخول سيارة المدعوة "سميحة" والأغرب استقبال فؤاد الحار لها، تحركا بجانب بعضيهما تحت ذهولها وعدم استيعاب ما رأته بأم عينيها، هرولت إلى الدرج ونزلته بوقت قياسي، هرولت إلى غرفة المعيشة فلم تجد كلاهما لتخرج سريعًا، وجدت عصمت تخرج من المطبخ، سألتها بحدة: -فين فؤاد وسميحة يا ماما؟! -في المكتب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!