الأمر لم يكن هادئًا ولا مدويًا، وكذلك الألم، لم يكن عاديًا، بل كان فريدًا، أشبه بانسحاب الروح من الجسد بدون ضجيج، لقد حطمتني بعض الظروف وكسرتني كثيرًا من المواقف، لكنني صمدتُ ووقفتُ أمام تحديات الحياة كمحاربٍ تحلى بالشجاعة في مواجهة أعتى أعدائه، واجهتُ الصعاب بقوة إيماني وتخطيتها بثباتي، تجاوزتُ عثراتي ومضيتُ إلى الأمام على أمل حلاوة اللقاء وما سيفعلهُ من إزالة لآهاتي وآلامي، كم من المراتِ التي تخيلتُ فراشتي وهي
ذائبةٌ بين أحضاني كقطعة من الشيكولاتة الدافئة، ويا لسخرية القدر، فمن بين جموع البشر لم تأتني صفعتي الكبرى إلا على يدك يا من كنتي لي المعنى الحرفي للحياة، أرأيتي ما فعلتِ بقلبي الجريح، بفضلكِ أنا أقف الآن أمام اختيارين لا بديل لهما، إما أن تدفعني تلك الصفعة إلى الأمام لمتابعة طموحاتي وتحقيق نجاحاتي لتتوالى والكل يرى رِفعةَ شأني، أو تدفنني تلك التجربة حيًا لأبكي بجوار انكساراتي، والآن وجب الاختيار، إما أن أكون، أو لا
أكون.
"يوسف عمرو البنهاوي" بقلمي "روز أمين" داخل القرية التابعة لعائلة ناصف توجهت السيدة "أزهار" إلى الصيدلية المتواجدة على أرض القرية، تحدث الطبيب متلهفًا حين رآها تهلُ عليه بصحبة نجلها الأصغر: -أهلًا وسهلًا يا حاجة أزهار. نطقت المرأة بوجهٍ شاحب: -أهلًا بيك يا دكتور فريد. جاء دور نجلها ليتحدث: -عاوزين حقنة الفيتامين اللي أمي بتاخدها كل شهر يا دكتور.
-أنا تحت أمر الحاجة… قالها الطبيب ليتوجه سريعًا إلى الداخل وإذ بهِ يخرج سريعًا وبيدهِ أمبول الدواء بلونهِ الأحمر الذي يشبه الدماء، تحدث إليها بعدما دعاها إلى الداخل حتى تكون بعيدة عن أعين المارة: -ارفعي كُم العباية علشان تاخدي الحُقنة يا حاجة "أزهار". ساعدها نجلها وبدأ الطبيب يحقن الدواء ليسري بالوريد بقلبٍ يخفقُ بسرعة زائدة عن المعتاد، ابتلع لعابهُ لينطق وهو يسحب الإبرة بعدما انتهى من تفريغ محتوى الأنبول بالكامل:
-كدة خلصنا يا حاجة أزهار. أعادت ثوبها كما كان لتنطق بملامح وجهٍ منكمشة نظرًا لبعض الآلام التي سببها لها الحقن: -تسلم إيدك يا دكتور. -متشكر يا حاجة… قالها ليدفع له الشاب تكاليف الدواء وينسحب خارجًا منسحبًا مع والدته، رافقتهما عيني الطبيب حتى استقلا كليهما السيارة وانطلق بها الشاب، هرول يلتقطُ الهاتف لينطق بعدما هاتف أحدهما: -أيوه يا باشا، كله تمام، الحاجة أزهار جت أخدت الحقنة وأنا نفذت اللي اتفقنا عليه.
ابتسم واتسعت عينيه بشراهة وهو يستمع للطرف الآخر لينطق من جديد بجشعٍ: -تمام يا باشا، أنا في انتظار تحويل المبلغ اللي اتفقنا عليه. داخل أحد المحال الفخمة التي تقوم على تقديم الأطعمة الفاخرة تلتفُ عائلة "حُسين البنهاوي" حول أحد الطاولات بصحبة "زينة" و"يوسف" حيثُ قرر الأخير الاحتفال بمنصبهِ الجديد وسط هؤلاء الذين يعتبرهم عائلته، ابتسمت مروة وهي تتحدث بسعادة صادقة إلى يوسف:
-أنا فرحت علشانك قوي والله يا ابني، ربنا يعلم أنا بعزك إزاي من وإنتَ لسه عيل صغير. ابتسم لها بمحبة لتسترسل حديثها من جديد بملاطفة: -ما شاء الله عليك، من صغرك وإنتَ ليك هيبة يا يوسف. -يوسف إيه بس يا ماما… قالتها تلك المراهقة "تقى" وهي تنظر إلى ابن عمها بعينين هائمتين لتكمل بصوتٍ ناعم ودلالٍ بيّن بنبراتها: -اسمه حضرة الظابط، ولا إيه رأيك يا حضرة الظابط؟
قالتها وهي تستندُ بفكها ونظراتها الحالمة، لم يرق له نظراتها الهائمة التي تتطلعُ بها عليه، لذا تجنب النظر إليها وتحدث إلى مروة باحترام: -طنط مروة تقول اللي هي عاوزاه، دي في مقام ماما. رمق أحمد شقيقته بحدة حين لاحظ نظراتها الولهة لابن عمه الشاب فارتعبت داخل الفتاة وتخشبت خشيةً من بطش أخيها ذو الطابع الحاد وخصوصًا فيما يخص الأخلاق، هم حُسين بالحديث لينطق على استحياء: -أبوك كلمني إمبارح هو وستك وزعلانين منك يا يوسف.
طالعه باستغراب ليسألهُ برغم تيقنهُ من السبب: -خير يا عمي، ويا ترى زعلانين مني ليه؟! برغم خجلهِ وعدم اقتناعه بحديث شقيقه ووالدته لكنه استمر بالحديث لنقل وجهة النظر لا أكثر: -يعني، علشان شكرت جوز أمك وأهله في المؤتمر وحتى ما ذكرتش اسم أبوك ولا جدك نصر الله يرحمه. وتابع بنظراتٍ لائمة: -اللي كان يسمعك يقول إن مالكش عيلة وإنتَ عيلتك تسد عين الشمس يا يوسف، واسم جدك نصر البنهاوي كان بيتهز له شنبات.
كان يستمع إليه وعلى وجههِ ابتسامة ساخرة لينطق بعدما أنهى الرجل حديثهُ: -أنا ذكرت فؤاد علام والباشا الكبير لأنهم أصحاب فضل بعد ربنا في كل اللي أنا وصلت له. وتابع متسائلًا بما أحرج الرجل: -لكن مع احترامي الشديد لحضرتك ومقامك عندي يا عمي، إيه اللي قدمهُ لي عمرو البنهاوي أو اسم البنهاوي ككل؟! فهم ما يرمي الشاب إليه ومعهُ كامل الحق، فنطق على استحياء:
-أنا فاهم قصدك كويس قوي يا ابني، أنا بنقل لك كلام جدتك وأبوك، ومش عاتب عليك في النقطة دي. وتابع ملامًا: -بس اللي عاتب عليك فيه بجد، هو عدم ردك عليهم في التليفون، أبوك بلغني إنه بيرن عليك هو وجدتك من يوم المؤتمر وإنتَ ما بتردش. استاء عند استماعه لذكر ذاك الموضوع وتذكر سُباب تلك الشمطاء له ولوالدته فتحدث بحدة بالغة:
-يا ريت ما نتكلمش في الموضوع ده يا عمي ولا نفتحه، لإني مش هوّد وأتواصل مع اللي أذى أمي ودمرها لسنين طويلة، وأظن حضرتك عارف كويس قوي عمرو البنهاوي والحاجة إجلال عملوا إيه في أمي. وتابع باستفاضة: -وعلى فكرة، أنا رديت عليها إمبارح بعد إصرار عجيب منها وعشر اتصالات ورا بعض. طالعهُ الجميع باهتمام وبالأخص حُسين ليتابع الآخر بوجهٍ حاد:
-بمجرد ما فتحت المكالمة لقيت سيل إهانة واتفتح في وشي، يا قليل الأصل يا ناكر الخير والمعروف، يا ابن أمك وكلام كتير وإهانات ليا ولأمي وأهلها يعجز لساني عن إعادة ذكرها قدامكم. اتسعت عيني مروة وهي تقول مستنكرة: -يا دي العيبة، كل ده قالتهولك جدتك إجلال؟! -تخيلي… قالها الشاب مذهولًا ليتابع لعمه: -هي دي اللي حضرتك بتلومني علشان ما بردش عليها؟!
المفروض إني أرد كل ما تتصل علشان أسمع لي كل يوم وصلة تهزيق ليا ولأمي وتربيتها الناقصة ليا واللي مش عاجبة إجلال هانم؟! تنهد الرجل باستسلام لما استمع إليه وتحدث متأسفًا: -حقك عليا أنا يا ابني. وبرغم يقينهُ بفظاظة والدته وأسلوبها السيئ إلا أنهُ تحدث مجملًا الوضع لتحسين صورة الجدة بأعين الأحفاد: -جدتك ست كبيرة في السِن، ومش لازم ناخد كلامها على إنه جد ونزعل منه، فوت يا يوسف.
-بص يا عمي، أنا ما عنديش أي مانع في إني أتحملها وأتحمل غضبها وإهانتها ليا، بحكم صلة القرابة والدم اللي بينا. وتابع بحسمٍ لا يقبل المناقشة: -بس اللي عمري ما هقبله منها أو من أي مخلوق على وجه الأرض هو إهانة أمي. وتابع متوعدًا بأعين حادة: -إيثار الجوهري هي خطي الأحمر، واللي أمه داعية عليه يقرب منه. لم يجد حُسين لديه ما يمكن أن يقال ففضل الصمت ليتحدث أحمد بنبرة مرحة لتغيير مجرى هذا الموضوع المزعج:
-احكي لنا بقى يا حضرة الظابط، إمتى فكرة المشروع دي جت لك، وإزاي وصلت لاختراع بالعبقرية دي كلها. ابتسم ببشاشة وبدأ يتبادل الحديث مع نجل عمه لينسجم الجميع وينضم. لاحظت "جنة" انشغال ابنة عمها التي تعبث في هاتفها بملل فسألتها بغمزة مازحة بعدما اقتحمت هاتف الفتاة بعينيها: -ما تقلقيش، ممكن يكون مشغول وهيكلمك لما يفضى. انتفض قلب الفتاة وسألتها هامسة بنبراتٍ مرتجفة وهي تُبعد الهاتف عن أعين تلك المتطفلة:
-إنتِ بتتكلمي عن مين يا جنة؟ أجابتها بفطانة بصوتٍ يكاد أن يُسمع: -عن اللي عمالة تفتحي الماسينجر كل شوية وتبصي على رسايله، ولما ما تلاقيش جديد بوزك يتمد شبرين لقدام. وتابعت مستنكرة بمزاحٍ: -وبعدين ما بتتواصلوش واتس ليه، ده حتى مريح في الرسايل عن الماسينجر، ده غير إنه أمان يا هبلة. ازدردت ريقها لتنطق نافية بصوتٍ هلع: -إنتِ فاهمة غلط يا جنة، ده أنا مستنية رسالة من واحدة صاحبتي هتقولي فيها عن مواعيد محاضرات بكرة. بخبثٍ
وتركيز ردت عليها الفتاة: -وصاحبتك دي اسمها "رامي كمال" وحاطة صورة شاب بمجانص؟! تصبّغ لون وجهها بالأصفر الكاري بعدما هربت منه الدماء لتكمل الأخرى لائمة: -إخص عليكِ يا زينة، وأنا اللي كنت فاكرة إننا إخوات وما بنخبيش حاجة على بعض. أزاحت عينيها عن مرمى بصر الأخرى وهمست على استحياء: -هقول لك إيه بس يا جنة، هي الحاجات دي تتحكي إزاي. همست الأخرى بحماسٍ لتشجيع ابنة عمها: -طب ده أحلى كلام ممكن يتحكي عن الحاجات دي.
وتابعت بلهفة لمعرفة القصة: -هتحكي لي إمتى وتعرفيني على اللي اسمه رامي ده؟ ابتسمت بخجل وتحدثت: -يوم الخميس هستأذن من يوسف وأجي أبات عندكم، وهحكي لك على كل حاجة. -إنتوا عمالين توشوشوا بعض وتقولوا إيه؟! … جملة نطقت بها ابنة السابعة عشر عامًا "تُقى" لتلكزها شقيقتها الكبرى قائلة: -اتلهي وخليكي في النفخة اللي هتتنفخيها من أحمد لما نروح. طالعتها الصغيرة بعدم استيعاب لتتابع "جنة" مفسرة:
-علشان تبقي تبحلقي لابن عمك وتتنهدي قدام أخوكي يا أوكس إخواتك. ابتلعت لُعابها وتحدثت معللة: -وهو أنا كنت عملت إيه يعني، أنا بتكلم مع ابن عمي عادي يعني. نطقت جنة مستنكرة: -الكلام ده ابقي قوليه لأخوكي يا حلوة.
عاد يوسف وشقيقتهُ إلى منزلهما بعد قضاء سهرة لطيفة مع عائلة عمه، توجه للداخل وارتمى فوق الأريكةِ المتواجدة داخل البهو، ألقى برأسهِ للخلف مستندًا على ظهر الأريكة وأغمض عينيه ليحصل على بعضٍ من الاسترخاء، جاورته الجلوس لتسألهُ بعدما رأتهُ على هذا الحال: -مالك يا يوسف؟ ظل على حاله وأجابها بصوتٍ واهن: -ما فيش يا حبيبتي. سألته باهتمامٍ: -ما فيش إزاي، هو أنتَ فاكر إني مش واخدة بالي. وتابعت بتأثرٍ:
-أنا عارفة إن بيسان متقدم لها عريس. رفع عينيه يناظرها باستغراب لتتابع مسترسلة بحيرة: -بس اللي أنا مستغرباه إنها موافقة عليه! -وإنتِ مين اللي قال لك الكلام ده؟! -"تاج"، كانت مكلماني من كام يوم تطمن عليا، والكلام جاب بعضه. سألها محولًا مجرى الموضوع: -من إمتى إنتِ وتاج بتتكلموا؟! بهدوء واستفاضة أجابته: -من ساعة ما روحت معاك عندهم لما أبو بيسان عمل معاك مشكلة وأنا تعبت هناك، من وقتها وهي متغيرة معايا خالص.
وتابعت بابتسامة خجولة: -تقريبًا كدة صعبت عليها. ابتسامة هادئة ارتسمت على جانب ثغره لتنطق مستطردة: -ما تغيرش الموضوع يا يوسف. -ما فيش موضوع أصلًا علشان أغيره يا زينة… قالها بلامبالاة ليتابع مستشهدًا بحديثها: -وأديكي إنتِ بنفسك لسه قايلة إنها موافقة. -يعني كده خلصت… أنهى حديثهُ بحركة مسرحية من كفه. همت بالحديث ليوقفها قائلًا: -"زينة"، الموضوع انتهى، مش عاوز أي كلام فيه بعد النهاردة.
-يا يوسف… قالتها بلهفة ليرمقها بنظراتٍ نارية ناطقًا بتحذير: -"زينة". صمتت وأنزلت رأسها تنظر للأسفل فسألها لتغيير الموضوع: -عاملة إيه في الجامعة؟ -الحمد لله… قالتها بهدوء لينطق مستطردًا: -فيه حد بيضايقك بسبب الموضوع إياه؟ نفت سريعًا: -خالص، بالعكس، كل زمايلي متضامنين وفرحانين باللي حصل في العيال الزبالة دي. وأكملت وهي تطالعهُ بفخرٍ: -وبعد ما شافوك في المؤتمر وعرفوا إنك أخويا، الكل بيحاول يتقرب مني وبيعاملوني حلو قوي.
سعد بشدة لثقتها التي ازدادت بعدما حدث، عكس ما كان يتوقعُ تمامًا من انتكاسة، لكنهُ تفاجأ بما حدث، ابتسم ونطق يثني عليها وهو يتحسسُ وجنتها بحنانٍ بالغ: -إنتِ جميلة في كل حاجة يا حبيبتي، وكون إن الناس تحاول تقرب منك ده شيء طبيعي. شعرت بروحها تُحلقُ بالسماء وعززت كلماته ثقتها بنفسها أكثر. وقف منتصب الظهر وتحدث: -هقوم آخد شاور يفوقني علشان ورايا مذاكرة كتير. وقفت تقابلهُ لتنطق بمرحٍ جديدٍ على شخصيتها:
-إيه رأيك على ما تخلص الشاور بتاعك، أعصر لنا كام برتقالة نشربهم مع بعض في البلكونة. طالعها مستغربًا التطورات التي طرأت على شخصيتها حديثًا ونطق بحبورٍ ظهر بعينيه: -وأنا يا ستي موافق. ابتسمت بسعادة لتخطو مهرولة إلى المطبخ تحت نظرات يوسف المشيعة لها. بعد مدة كان يحتسي مشروبه بصحبتها داخل أجواء مليئة بالألفة، أخرجه من اندماجه معها بالحديث صدور رنين هاتفه ليرد بسرعة عندما وجدهُ فؤاد الذي نطق: -إزيك يا يوسف؟ أجابهُ موقرًا:
-أنا بخير يا باشا، طمني عليك وعلى ماما وأخواتي. -كلنا تمام يا حبيبي… قالها برزانة ثم صمت لثوانٍ قبل أن يتابع مسترسلًا بسؤال: -يوسف، كنت عاوز أسألك عن حاجة، وأتمنى تجاوبني بصراحة. قطب جبينهُ ليسألهُ متعجبًا: -ومن إمتى وأنا بكذب عليك يا بابا؟! أجابهُ نافيًا: -أنا ما جبتش سيرة الكذب يا يوسف. نطق الآخر رافعًا عنه الحرج: -أتفضل حضرتك اسأل وأنا هجاوبك زي ما اتعودنا، بمنتهى الصراحة.
انسحبت الفتاة للداخل تاركة لشقيقها المجال للتحدث بحرية، نطق فؤاد مستفسرًا: -إيه اللي حصل بينك وبين بيسان ووصل الأمور للدرجة اللي تخليها توافق على الجواز من راجل غيرك، بعد ما كانت بنية كل أحلامها على وجودك؟! -وحضرتك ما سألتهاش هي ليه؟ -سألتها طبعًا. -ويا ترى قالت لحضرتك إيه؟ سؤالًا فضوليًا وجههُ إلى أبيه الروحي ليجيبهُ فؤاد بحيرة: -أنكرت وقالت ما فيش حاجة حصلت، علشان كده جيت سألتك. تنهد بألم فاسترسل فؤاد:
-يا ترى إنتَ كمان هتحكي لي، ولا هتنكر زيها؟ أجابهُ بثقة: -لو أعرف حاجة أكيد كنت هقولها لحضرتك. سألهُ بحدة: -معناه إيه كلامك ده يا يوسف؟! أجاب الشاب بصوتٍ جاهد ليخرج بتلك النبرة الهادئة: -معناه إني ما أعرفش أي حاجة يا بابا، أنا وبيسان شوفنا بعض بالصدفة في مزرعة الخيول من حوالي أسبوعين أو أكتر، وقضينا وقت ولا أروع. وتابع بحسرة لم يستطع تخبأتها:
-فجأة ماما اتصلت بيا قبل المؤتمر بيوم، وقالت لي على اللي حصل من بيسان والكلام اللي قالته لها. تألم فؤاد لسماعه لذاك الحديث وبنفس الوقت لم يستطع إلقاء اللوم على زوجته، فهي تخشى على صغيرها وتريد تعزيزه، ليتابع الفتى مسترسلًا: -هي دي كل المعلومات اللي عندي، والباقي كله عند بيسان. تنهد فؤاد وسألهُ: -ما حاولتش تسألها إيه السبب ورا قرارها المتهور ده؟!
-خِلصت يا بابا… قالها بنبراتٍ وصل تأثرها إلى فؤاد، أخذ الفتى نفسًا مطولًا ثم تابع حديثهُ: -هي قررت واختارت الراجل اللي يناسبها. وتابع بثباتٍ وعزة نفس: -وأنا أكيد هلاقي البنت اللي تشترييني وتناسبني. نطق بلومٍ تجلى بحروفهِ: -يا خسارة يا يوسف، كنت فاكرك مُحارب. -لو كانت شارياني كنت حاربت الدنيا كلها علشانها… وتابع بغصة وقفت بمنتصف حلقه:
-لكن أنا اتباعت بالرخيص يا بابا، وأمي اتعايرت بيا من أكتر بنت حبتها واتمنيتها، وإهانتي منها ومن ماجد كوم. صمت لبرهة وتابع بتحدي وعنفٍ ظهر بصوته: -وإن أمي حد يمس كرامتها بكلمة واحدة، دي عندي كوم تاني يا باشا. لم يجد في جوفه ما يسعفه للحديث ففضل الانسحاب قائلًا بحسرة أخيرة: -خلاص يا يوسف، هي فعلًا زي ما أنتَ قولت، خِلصت. لم يجد كلاهما حديثًا ليتابعاه ففضلا إنهاء الاتصال بهدوء. داخل منزل "عمرو البنهاوي"
وصلا والدا "رولا" بعد أن استدعتهما إلى القاهرة لشدة اشتياقها الشديد لهما، وأيضًا ليخلصاها من تلك المصيبة التي حلت على حياتها واستوطنت منزلها، هرولت لترتمي بأحضان والدها قائلة بكثيرٍ من الاشتياق: -حياتي يا بابا، كتير اشتقت لك. أبعدها قليلًا ليحتوي وجنتيها بكفيه قائلًا باشتياقٍ ظهر بعينيه ونبرات صوته: -كيفك يا تؤبريني؟ أجابتهُ بحركة نافية من رأسها: -ماني منيحة يا بابا، دخيلك تخلصني من هالمصيبة يلي اسمها "ستهم".
وتابعت بذهولٍ وعدم استيعاب لشخصية تلك المرأة غريبة الأطوار: -هيدي المرة كتير بشعة، بعمري ما شفت هيك شخصية. تحدثت والدتها بحدة: -ليش ما طلبتي من "عمرو" يبعتها عبيتها؟! صاحت بحدة: -قِلتِلو يا ماما، قالي ما فيني أكحشها من بيتي، هيدي إِني وبيتي بيتها. نطقت والدتها بلهجة اعتراضية: -وإذا كانت إمه، هيدا ما بيعطيها الحق لحتى تخنق عيشتكِ هيك؟! تحدث والدها بتعقلٍ:
-فيكِن تهدوا شوي، أولًا ما فينا نتحكم بالزلمة بقلب بِيته، المرة بتكون إمه. اتسعت عينا "نائلة" لتنطق باعتراضٍ حاد: -شوهالحكي يلي عم يطلع من تمك يا سَليم؟! هيدي بنتك يا زلمة ولازم توقف حدها. نطق الرجل متهكمًا: -إي بتؤمري نائلة خانوم، رح أدخل هلأ وأعطيه لجوز بنتك كفين ع وشه وواحد ع قفاه وبقله توصل إمك ع بيتها في الحال وإلا. طالعته زوجته بلوم حاد لينطق للتهدئة: -دخيلكن لا تزيدوها.
في تلك الأثناء أتت الصغيرة من الداخل لتصيح بصرخات تنم عن كم سعادتها الهائلة: -جدو وتيتا إجو لعنا. هرولت ليتلقفها سليم يرفعها لتسكن بأحضانه ويقول وهو يضمها ويشم رائحتها العطرة: -يا أهلا وسهلًا بحبيبة جدو، إشتقتلك كتير يا تؤبريني. نطقت الصغيرة بنبرة غلبت عليها الحنان: -وأنا كمان إشتقتلك جدو. وتساءلت بدلال مفرط: -شو جبتلي معك يا جدو؟ أجابها وهو يقبّل وجنتها بوله:
-كل يلي أمرتي فيه جبت لك إياه، برنسس نور تؤمر والجدو بنفذ. خرج عمرو حاملًا صغيره لتسرع نحوه نائلة تنتشله منه وهي تغمره بحنانها قائلة: -حبيب التيتا يلي كبر، يؤبرني جمالو وعيونه الحلوين، كيفه الحلو. اقترب عمرو من والد زوجته لينطق بترحّاب حار: -مصر نورت يا سليم بيه. -والله مصر منورة بأهلها يا عمرو.
قالها الرجل وهو يربت على ظهر زوج ابنته الوحيدة لتقترب نائلة وهي تطالعه ببرود يعود لعدم تقبلها لشخصه، فمنذ طلبه الزواج من ابنتها وهي تبغضه وحاربت كثيرًا لتمنع تلك الزيجة لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل لعشق ابنتها الأعمى لذاك الذي طالما رأته أهوجًا وثقيل الظل. مدت كفها لتصافحه بابتسامة صفراء: -كيفك؟ رد بذات الطريقة السخيفة لعدم تقبله هو الآخر لها: -أنا تمام، نورتي البيت ومصر كلها يا هانم. -ميرسي لإلك.
قالتها بوجه عابس لتهرول ابنتها تجاورها الوقوف وتقترب تكلزها بخفة في يدها لتطالعها الأخرى بحدة قابلتها رولا بنظرات متوسلة وهي تهمس بجانب أذنها: -بليز ماما، متزعليه. همست المرأة عاتبة على ابنتها: -لو بس بعرف شو يلي عاجبك بهالأزعر، كان عقلي بيرتاح وبيهدى. وتابعت باستياء وملامح وجه مكفهرة وهي تتابع مزاحه الثقيل مع سليم إلياس: -يا دلي ع ثقل دمه. رمقتها ابنتها بغضب ممزوج بلوم لتزفر الأخرى متابعة باعتذار مجبر:
-خلص يا ماما، لا تزعلي حالك، رح حاول أتجنبه بالكام يوم يلي رح نقعدهم بمصر. -كام يوم؟! جملة نطقتها رولا بانزعاج وهي تقول: -شو عم بتقولي يا ماما، البابا خبرني من قبل وقالي رح تقضوا معنا الصيفية كلها هون. تحدثت المرأة بتأثر: -ما فينا يا قلبي، أبوكي عنده شغل لفوق راسه، وأنا ما بقدر أترك الأتيلييه تبعي كل هالمدة. وتابعت بمزاح كي تخرج ابنتها من حالة الحزن التي تملكت منها:
-ما فيني اترك نسوان فرنسا بلا موضة، بتعرفي ما فيهن يلبسوا إلا ع ذوقي. ضحكت رولا وتحدثت بمزاح مماثل: -إي بعرف يا نائلة خانوم، بس ياريت ما تكوني نسيتي الكام قطعة يلي وصيتك عليهن. أجابتها بحنان: -ما فيني أنسى أي شي بيتعلق فيكي، إنت نور عيوني يلي بشوف فيهن يا رولا. احتضنتها رولا وتحدثت بسعادة: -تؤبري قلبي يا ماما. انتهى عمرو من حديثه المرح مع والد زوجته لينطق موجهًا حديثه للجميع: -اتفضلوا علشان أعرفكم على ماما.
-ريتني أقبرك إنت وإمك وبخلص منكن عن قريب. جملة همست بها نائلة ليسألها عمرو بفضول: -بتقولي حاجة يا حماتي؟! ابتسمت بسخافة لتجيبه: -بدعي لك وللست الوالدة بطيلة العمر. ثم تابعت بحدة وصرامة: -وكام مرة نبهتك ما تقلي يا حماتي، يا زلمة يلي بيشوفك أصلًا بيفكرك بيّي. قهقه سليم ليحتضن كتفها وهو يقول إرضاءً لها: -بهيدي معك كل الحق حياتي، يلي بيشوفك أصلًا بيفكرك بنتها لـ رولا. قالها وهو يغمز لابنته التي نطقت
ليتماشى حديثها مع والدها: -مو هيك بنتي؟ -أكيد يا بابا، الماما ما في بجمالها، يا الله شو بتجنن. -ميرسي حياتي. قالتها المرأة برضا وانتشاء تحت نظرات عمرو النارية التي تخترقها ليهمس وهو يقول لحاله: -ربنا يهدك يا حيزبونة، ولية حرباية. ولج الجميع للداخل ليجدوا تلك المرأة السمينة وهي تتوسط الأريكة وتملؤها، رمقت كلًا من سليم ونائلة التي طالعتها بعدم ارتياح لينطق عمرو: -أحب أقدم لكم ماما، الحاجة إجلال.
قاطعته بحدة وهي تتبادل النظرات المخيفة بين الرجل وزوجته لتقول بصوت غليظ جاد: -ستهم، اسمي ستهم. نطق سليم إلياس مرحبًا: -أهلًا وسهلًا يا ست سِتهم. لم تعره اهتمامًا بل حولت بصرها ووجهها العابس لتلك المرأة وثيابها الخليعة بالنسبة لها، حيث كانت ترتدي كنزة بدون أكمام بفتحة عميقة من الصدر وبنطالًا يصل لتحت الركبة بقليل. قطع تعمقها عمرو الذي نطق ليكمل التعارف: -ودي نائلة هانم، والدة رولا.
مالت المرأة برأسها قليلًا كتحية منها قابلتها الأخرى ببرود زاد من غضب رولا ليتابع عمرو مشيرًا إلى والد زوجته: -وده بقى حمايا العزيز وصاحبي كمان، سليم باشا إلياس. ضحك الرجل وربت على كتفه باستحسان يعود لمحبته لشخصه لترد المرأة بفظاظة: -أهلًا. خرج صوت نائلة مجبرًا: -أهلين فيكي يا ست سِتهم، كيف صحتك؟ -زي البومب.
قالتها برخامة لتزفر رولا من ثقالة تلك المرأة عديمة الذوق والتي لا تعلم شيئًا عن أصول الترحاب بالزائرين وحسن استقبالهم، فتحدثت لكي تخرج والديها من ذاك الموقف المحرج: -شو يا بابا، رح تضلكن واقفين هيك؟ نطق عمرو سريعًا بعدما انتبه: -اتفضلوا ارتاحوا يا جماعة، البيت بيتكم. نطقت رولا بقوة وتأكيد لوضع حدودًا لتلك المرأة السليطة: -طبعًا مهيدا بيتي، وهنن البابا والماما، يعني بيتن هنن كمان.
قالت جملتها الأخيرة وهي تتعمق في عين إجلال بتحدّ أثار حفيظة الأخرى حيث رمقتها بسهام نارية ولو النظرات تصيب لفتكت بتلك الرولا وأنهت أمرها في الحال. جلس الجميع وبدأوا بفتح مواضيع مشتركة تحت تبرم إجلال وتسليطها النظرات الحادة على الجميع، تلقت اتصالًا من نجلها البكري طلعت فتحدثت بحدة أمام الجميع: -توك ما افتكرت أمك يا سي طلعت، طبعًا ما تلاقي الحرباية اللي إنت اتجوزتها لهياك عن أمك. وتابعت بأسلوب فظ جعل أعين سليم
ونائلة تتسع على مصراعيها: -وديني لو جيت لقيتها مبهدلة البيت لأكون مسودة لك عيشتها. ابتلع عمرو لعابه خجلًا لتهمس نائلة لابنتها التي تجاورها الجلوس: -شو هالمرة يلي معيشتيها بقلب بيتك يا رولا، يا الله عالسم يلي بيطلع من تمها. همست الابنة: -منشان تعذريني يا ماما، هيدي المرة منا طبيعية ومكانها الحقيقي بين المجانين.
على الجانب الآخر، يجلس طلعت فوق سريره منعمًا على الفراش الحرير يتذوق حبات العنب من يد تلك الفتاة التي تجاوره الفراش والتي بالكاد أتمت عامها السابع عشر، فقد تزوجها جميلة صغيرة السن كي يحرق قلب طليقته ياسمين التي تزوجت من رجل غيره فور طلاقها منه وأنجبت ذكرًا وهذا ما أشعل قلب طلعت وتزوج لينجب هو الآخر الذكر الذي لطالما كان يحلم به. تحدث وهو يلتهم حبات العنب من أصابع تلك الشقية:
-كلام إيه اللي بتقوليه ده بس يا أُمّا، دي حتى نوجا بتحبك وكل شوية تسأل هتيجي إمتى. ابتسمت الفتاة وداعبت صدر زوجها بأصابع يدها ليبتسم كالأبله ولكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة فور سماعه لكلمات والدته الحادة: -يا أهبل دي بتسأل علشان تطمن وتاخد راحتها بنت نفيسة. وتابعت مستنكرة بتهكم:
-وإيه نوجا دي كمان يا سبع البرمبة، هي قوام كلت بعقلك حلاوة وخلتك تدلعها، إنشف يا طلعت وارجع زي زمان، إنت مش عاجبني، الكام سنة اللي بعدتهم عن البلد وعني غيروك، خلوك ضعيف ونسوك إنت كنت إيه زمان. وتابعت بكبرياء وغرور وهي تتطلع بوجوه الجميع: -إنتوا ولاد الحاج نصر البنهاوي، اللي كلمة منه كانت بتهز رجالة المركز كله.
انتهى اليوم وصعد الزوجان إلى غرفتهما كي يغفيا، كانت تجلس فوق مقعدها أمام مرآة الزينة، تضع بعض الكريمات المرطبة لمرفقيها ووجهها فتحدثت إلى عمرو الجالس فوق الفراش ينتظر قدومها: -بليز عمرو، ممكن إذا بتسمح تعامل الماما منيح، بلاها التكشيرة يلي معبية وجك كل ما بتشوفها قدامك. هتف مذهولًا من حديثها: -أنا، دي هي اللي ما بتطقنيش يا رولا. وتابع مبررًا:
-أنا لو عليها وعلى كرهها ليا والله ولا أعبرها ولا أستقبلها في بيتي أصلًا، أنا بحترمها بس علشان خاطرك وخاطر عمي سليم. احتدت ملامحها وامتلأت بالقسوة لتهتف معترضة بحدة على إهانته بالحديث عن والدتها: -إنت كيف بتتجرأ وبتحكي هيك عن الماما؟! ابتلع لعابه من حدتها وسرعان ما نطق مبررًا: -ما قصدش طبعًا يا حبيبتي، بس إنت شايفة معاملتها ونظراتها ليا عاملة إزاي؟ نطقت بحدة:
-اسم الله ع معاملة الست إمك، مهي كمان بتعاملني كأني مرته لجوزها مو ابنها، ومع هيك بتعامل معها بكل احترام، مع إنها ما بتطيق تشوف وجي، بس كل واحد بيتعامل بأصله وبحسب تربيته. أزاح عنه الغطاء وتوجه إليها ليراضيها، احتوى كتفيها بكفيه ومال بطوله ليقبل وجنتها وهو يقول: -إنت ما فيش زيك يا قلبي.
اقترب من شفتها ولثمها بنهم جعل الأخرى تذوب بين يديه وتنسى إساءته لوالدتها، حملها وتحرك ليلقي بها فوق الفراش بعنف حرك إثارة الأخرى ليغيبا سويًا داخل عالمهما الخاص. بعد مدة كانت تقبع داخل أحضانه تتنعم بحنانه وشعورها بالسعادة التي لم تحصل عليها سوى بحضن ذاك الـ عمرو، كعادته استغل تلك الفرصة وقرر اغتنام صفائها لينطق: -هو أنا ممكن أطلب طلب من حبيبتي؟ كانت تلتصق بوجنتها على صدره مغمضة العينين باسترخاء
تام لتهمس بنبرة هائمة: -بتؤمر حياتي، لو بتطلب عيوني ما بتأخر. ابتسم وتنفس منتشيًا متفاخرًا بنفسه من حالة السيطرة التامة على تلك الجميلة البلهاء، مال على وجنتها ليضع قبلة وتحدث: -ربنا يخليكي ليا يا رولا. وتابع بدهاء يخبرها عن خطته التي خطط لها بخبث كعادته مؤخرًا: -كنت عاوزك تاخدي نور وتروحي ليوسف بكرة قدام جامعته. رفعت رأسها تطالعه بجبين مقطب وهي تسأله: -لشو؟ تنهد بثقل حقيقي يخرج من أعماق قلبه ثم أجابها بحزن صادق:
-يوسف مش قابلني في حياته يا رولا، مش مديني فرصة أقرب منه، حتى مكالماتي ما بيردش عليها. وتابع بلمعة ظهرت بعينيه تأثرًا من عدم تمكنه من لمس نجله الحبيب: -نفسي أخده في حضني يا رولا، أعوضه عن سنين الحرمان اللي فاتت وأعوض نفسي معاه، نفسي يصفى من ناحيتي. هتفت بغل من بين أسنانها تعاطفًا مع الحبيب: -وكيف بده ينسى ويصفى وهاديك العقربة يلي اسمها إيثار مسيطرة على عقلاته.
هيدي المرة منا سهلة، ومنصبه لزوجها الأهبل مقوي قلبها، الشاب بيضله معزور يا عمرو. تحدث متلهفًا: -علشان كده عاوزك تاخدي نور وتحفظيها كلمتين حلوين تقولهم له علشان يحن ورجله تاخد على هنا علشانها هي وأخوها، يوسف حنين واللي خلاه يتحدى إيثار ويسيب البيت ويروح يعيش مع بنت الحقيرة سمية اللي المفروض خربت بيت أمه زي ما فهمته، يخليه يتنازل وييجي هنا علشان إخواته الصغيرين. أجابته وهي تتحسس ذقنه بطمأنة:
-فهمت عليك حياتي، ما تعتل هم، أنا بحلها. اعتلت البسمة وجهه ليقبل شفتيها بنهم تعبيرًا عن امتنانه وشكره لما تقدمه له طيلة الوقت. باليوم التالي داخل الحرم الجامعي، تتحرك بيسان على عجالة في طريقها لحضور المحاضرة الأولى، وجدت نبيل يقبل عليها فتوقفت لينطق هو بابتسامة هادئة: -إزيك يا بيسان؟ -إزيك إنت يا نبيل؟ قالتها بملامح وجه منطفئة ليسألها ببرود وإحباط: -لسه بابا ما بلغكيش برأيه في موضوعنا؟ بنبرة خالية من التعبير تحدثت
كالروبوت الفاقد للحس: -بلغني، وهيكلم باباكي النهاردة علشان تيجوا عندنا ونتفق على ميعاد وتفاصيل الخطوبة. وكأن حياته ردت إليه بكلماتها تلك، فمنذ لقاء والده بعائلتها العريقة فقد الأمل في موافقتهم وخصوصًا أنهم تأخروا في الرد، اتسعت ابتسامته وهو يسألها بلهفة: -طب ليه ما اتصلتيش بيا وقلتي لي؟ -كان عندي مذاكرة كتير إمبارح وما فضتش يا نبيل.
قالتها بعدم اهتمام أصابه بالإحباط لكنه تغاضى عن الأمر سريعًا، يعلم علم اليقين أنها لم تريده بقلبها، بل كبرياؤها من دفعها على الموافقة، لكنه لا يهتم، جل ما يعنيه أنه فاز بتلك المعركة وسحق حبها وذاك المغرور يوسف، بالإضافة إلى الاستفادة التي سيحصل عليها معنويًا وماديًا إذا ارتبط اسمه بعائلة علام العريقة، وبهذا سيكون لأولاده شأن وعائلة وبتلك الطريقة سيتخلص من عقدة النقص التي تلازمه أينما ذهب. كاد أن يتحدث
فقاطعته بوجه عابس ذابل: -بعد إذنك، عندي سيكشن مهم. لم تنتظر حتى لاستماعها لكلماته وانسحبت مهرولة من أمامه، خلع عنه نظارته الشمسية والتف يتابع رحيلها ثم نطق متوعدًا: -ماشي يا بنت ماجد، إدللي على كيفك، بكرة هأندمك على كل تصرف عملتيه معايا بقلة ذوق، وهأخليكي تبوسي رجلي علشان بس أرضى عنك. وتابع بابتسامة مغرورة:
-بس ده مش هيحصل قبل ما أخليكي تدوبي في غرامي، ولما تذوقي حضن وعشق نبيل السرجاوي اللي مفيش ست قدرت لحد الآن تقاومه، إنت اللي هتجري ورايا وتتمني لي الرضا. ارتدى نظارته من جديد وتحرك بخطوات واثقة إلى الكافيتريا تحت نظرات عالية التي كانت ترمقه من بعيد بحزن وألم وحيرة.
في مكان آخر وجامعة أخرى، خرجت زينة بعد انتهاء محاضرتها لتجلس وحيدة داخل كافيتريا الجامعة، تتناول شطيرتها والحزن يسيطر على ملامحها البريئة، قلقة هي وحائرة لعدم تواصل رامي معها ليلة الأمس كعادته اليومية، فمنذ أن تقربا وهو يراسلها بشكل يومي للاطمئنان عليها، والأمس كان اليوم الأول لتجاهله، انتفض قلبها حين رأته يقبل عليها بابتسامته البشوشة: -صباح الخير، إزيك يا زينة؟ برغم لهفة قلبها عليه إلا أنها تظاهرت بالبرود لتنطق
بهدوء عكس ثورة قلبها: -صباح النور. -تسمحي لي أقعد؟ قالها مشيرًا على المقعد المقابل لتنطق على استحياء فتلك هي المرة الأولى التي يتجرأ ويطلب مجالستها: -اتفضل. جلس لينطق بما أنهى على صبرها وفخم شعور الخجل لديها: -وحشتيني. اتسعت عينيها ذهولًا ممتزجًا بخجل ودهشة ليبتسم على رد فعلها العفوي، أزاحت بصرها بعيدًا ليقهقه متفاخرًا بحاله، سألته كي تخرج من حالة التلبك التي أصابتها إثر كلمته: -هو إنت ما كلمتنيش إمبارح ليه؟
أجابها موضحًا بهدوء: -ماما تعبت شوية وروحت معاها للدكتور، اتأخرنا هناك ولما رجعنا كان الوقت متأخر، دخلت علشان أكلمك لقيتك أوفلاين. -ألف سلامة على ماما، طب هي كويسة؟ قالتها باهتمام وهي تنظر بعينيه ليجيبها: -أحسن الحمدلله، شوية رطوبة في العضم والدكتور وصف لها أدوية. استجمعت شجاعتها لتنطق وهي تتعمق بعينيه: -ممكن لما يكون عندك ظروف زي كده تبقى تطمني حتى برسالة بسيطة. وتابعت بشعور عميق وصل لعمق قلبه وزلزله:
-أنا قلقت جدًا إمبارح عليك. -قلقتي عليا بجد؟ قالها بصوت وعينين هائمين لتهز رأسها بنعم وابتسامة خجلة تزين ثغرها الصغير ليداعبها بكلماته: -طب ولما قلقتي، ما بعتليش رسالة ليه تطمني عليا؟ -اتكسفت. قالتها على استحياء وتابعت متعللة: -وبعدين إنت كنت أوفلاين، هبعت لك إزاي! -كنتي اتصلي بيا. -مش معايا رقمك. نطقت بها وهي تتهرب بعينيها بعيدًا لينطق مستغلًا كلماتها: -لا ده كده لازم رقمي يكون معاكي. طالعته مندهشة ليتابع مفسرًا:
-علشان الطوارئ. ابتسمت ليبسط ذراعه مشيرًا لهاتفها: -إديني تليفونك أسيف لك رقمي. وكأنها منساقة بسحر عينيه أمسكت بهاتفها وناولته إياه ليدون رقمه ويتصل برقمه ليدون رقمها لديه هو الآخر، وتحدث وهو يناولها الهاتف: -شوفتي الموضوع بسيط إزاي. ابتسامة رقيقة شقت ثغرها لينطق بعينين مسحورتين: -ضحكتك حلوة قوي، كل حاجة فيكي حلوة قوي يا زينة. تحمحمت لتهب واقفة وتحدثت وهي تلملم أشيائها بارتباك: -أنا لازم أمشي.
ابتسم وراقب هروبها وهو يداعب ذقنه بأصابع يده مستمتعًا بتلك المشاعر الطارئة عليه. أمام كلية الهندسة جامعة القاهرة خرج يوسف من الجامعة وتوجه إلى مكان اصطفاف سيارته ليتفاجأ بتلك التي خرجت سريعًا من سيارتها واقتحمت خطواته لتقطعها تلك المجاورة لها والتي هرولت على شقيقها قائلة بابتسامتها الرائعة: -أخي يوسف، كتير اشتقتلك. طالع الصغيرة باندهاش وبدأ يتبادل النظرات بينها وبين تلك الـ رولا التي أقبلت عليه بحيوية لتنطق مبتسمة:
-كيفك يا حضرة الضابط؟ نطق بعدم استيعاب: -أنا بخير الحمدلله. فاجأته تلك الصغيرة التي بالكاد تصل لركبته لينزل ببصره يطالعها وهي تجذبه من بنطاله كي ينتبه، فنطقت حين تلاقت أعينهما: -احملني لحتى بوسك.
ابتسم تلقائيًا ومال بطوله الفارِع ليحمل تلك التي لفت ساعديها سريعًا حول عنقه لتقترب من وجنته وقامت بوضع قبلة بثت له مدى اشتياقها مثلما أوصتها والدتها، نظر لعينيها مستغربًا حنانها الزائد برغم عدم لقائهما منذ تلك المرة الأولى، لتفاجئه بقولها وهي تتحسس ذقنه: -إنت ليش ما بتحبني أنا وسليم؟ قطب جبينه وتحدث متعجبًا: -مين اللي قالك إني ما بحبكوش؟ بالعكس، أنا بحبكوا جدًا. قابلت حديثه بسؤال ذكي حفظته بتركيز عالي:
-لكان ليش ما عم تيجي لعنا إذا عن جد بتحبنا؟ -علشان عندي جامعة ومذاكرة كتير. -بس إحنا كتير بنحبك وبنشتقلك، فيك تيجي ولو لمرة؟ وتابعت متوسلة وما زالت تتحسس ذقنه النابت: -بليز يا جو تيجي لحتى يشوفك سليم، ولحتى أورجيك أوضتي وألعابي يلي جابن جدو والتيتا. اقتربت تلك الحرباء وأكملت خطتها للتأثير على مشاعر الشاب:
-قد ما بعدت ما فيك تنكر إخواتك وتبعدهن عن حياتك يا يوسف، حاول تفرق بين خلافاتك مع بيك وبين إخواتك الزغار، هدول إلهن حق عليك. وتابعت بأعين متوسلة: -وأنا بدي ولادي يكون إلهن سند بعد بيهن، إنت أخوهن الكبير يا يوسف، ما فيك تتخلى عنهن وعن مسؤوليتك تجاههن. كاد أن يتحدث لكنه صمت عندما اقتحمت وقفتهم تلك الـ ساندي وتحدثت بمرح وهي تتحسس وجنة تلك الصغيرة القابعة بأحضان شقيقها: -مين البنوتة الحلوة دي يا حضرة الظابط؟
تحمحم ليجيب زميلته بهدوء: -دي أختي الصغيرة. هتفت مبتسمة: -معقولة أختك؟ اسمك إيه يا جميلة؟ أجابتها الصغيرة بابتسامة: -نور، هيدا بيكون اسمي. سألتها مستغربة لكنتها: -إنت سورية؟ أشار بكفه إلى رولا التي لعنت تلك المتطفلة ولو بيدها الأمر لجذبتها من خصلاتها البنية وألقت بها بعيدًا لتكمل خطتها: -مدام رولا، مامة أختي. بسطت ساندي ذراعها لتفاجئها رولا بحديثها الجاد: -أنا بكون مرت بيه ليوسف، ولبنانية، ماني سورية متل ما توقعتي.
-أهلًا وسهلًا بحضرتك، مبسوطة جدًا إني اتعرفت عليكي. -ميرسي لإلك حياتي. قالتها بابتسامة زائفة، بدأت ساندي بمداعبة الصغيرة التي تعالت ضحكاتها مما أسعد يوسف وابتسم هو الآخر.
بدأ الجميع يتبادلون المداعبات والحديث المرح مع الصغيرة، ومن سوء الحظ حضرت بيسان بسيارتها التي صفتها على الرصيف المقابل، لا تعلم ما السبب الذي أتى بها إلى هنا، فقد اشتاقت إليه وغلبها الحنين، فاستمعت لنداء قلبها وانساقَت إليه، ولسوء الحظ رأت تلك الصورة التي صدمتها، تلك الفتاة لا غيرها تجاوره بالتصاق بحجة مداعبة الصغيرة، مهلًا مهلًا، من تلك الصغيرة أصلًا؟!
ومن تلك الشقراء التي تجاورهم، لابد أنها شقيقتها وتلك هي ابنة الشقيقة، ضحكت ساخرة من سذاجتها لتهتف بألم يمزق قلبها وهي تدق على طارة السيارة بندم: -غبية غبية، في عز ما إنت لسه بتشتاقي له وتسمعي كلام الملعون قلبك، البيه عايش حياته ومبسوط مع حبيبته الجديدة. تابعت بدموع شرخت قلبها قبل العين: -لا وكمان عارف عيلتها وشايل بنت أختها زي ما تكون بنته، يظهر إن الموضوع دخل في الجد وحضرة الظابط داخل على مشروع جواز قريب.
صرخت لائمة لحالها وهي تشهق من شدة البكاء: -أنا إزاي كنت غبية قوي كده، إزاي ما خدتش بالي من يوم ما بَعد عني واتحجج بمعاملة بابا ليه. طالعت ابتسامته وتقبيله لوجنة الصغيرة لتنطق بقلب يكاد تتوقف دقاته من شدة الألم: -يا خسارة يا يوسف، يا خسارة الأيام والليالي اللي سهرتها أناجي فيها حبك، يا خسارة سنين عمري اللي ضاعت في هواك الكذاب، يا حقير، يا حقير يا يوسف، ربنا ينتقم لي منك، ربنا ينتقم لقلبي منك.
باتت تدق على قلبها بقوة قبضتها وهي تصيح من شدة الوجع: -آه، يا رب ساعدني إني أقدر آخد حق قلبي اللي انكسر منه، ساعدني أنتقم لكرامتي اللي داس عليها بجزمته. باتت تتطلع عليه والغل والألم يشطران قلبها لنصفين حتى قررت الرحيل قبل أن تصاب بذبحة صدرية وهي ترى تلك الصورة المؤلمة. ليلًا بمنزل عالية، ولجت إلى مطبخ مسكنهم المتوسط الحال لترى والدتها تجلس تحتسي كوبًا من الشاي، جلست بمقعد مقابل لتنطق بحيرة:
-ماما، عاوزة أحكي لك على حاجة حصلت ومُنَكدة عليا حياتي. -خير يا عالية، قلقتيني. قالتها المرأة بعدما أصابها الذعر على نجلتها لتقاطعها الأخرى سريعًا: -حاجة تخص بيسان صاحبتي. وباتت تقص عليها جل ما حدث من البداية للآن، تنهدت المرأة وتحدثت بتعقل تجنبًا لدخول ابنتها في مشاكل لا دخل لها بها:
-ملكيش دعوة يا عالية، اللي اسمه نبيل ده شكله واصل وشراني، صاحبتك مش صغيرة وأهلها قد الدنيا، وهو كمان على كلامك أبوه غني وواصل، وإحنا يا بنتي ناس على قد حالنا. إحنا اتنين ولايا، ما لناش سند ولا راجل يحمينا بعد أبوكي الله يرحمه، ما ندخلش في مشاكل إحنا مش قدها. بعينين لامعتين بغشاوة الدموع تحدثت الفتاة: -بس أنا صعبان عليا قوي بيسان ويوسف، ضميري بيأنبني وأنا عارفة الحقيقة وساكتة، حاسة إني خاينة يا ماما.
نطقت المرأة مبررة: -وهو إنت كنتي متأكدة من إن نبيل ده هو اللي دبر مقابلة يوسف وصاحبته دي؟ دي كلها شكوك عندك يا عالية، إنت ما عندكش دليل مؤكد على إنها لعبة واتعملت على صاحبتك وحبيبها. -يعني إنت شايفة إني أسكت؟ سؤالًا طرحته الفتاة بقلب يتمزق حزنًا على حال صديقتها لتهتف المرأة مؤكدة: -طبعًا تسكتي، والكلام ده تنسيه خالص ولا تفتكريه حتى بينك وبين نفسك. وتابعت متأثرة:
-إحنا غلابة يا بنتي ومش قد الناس دي، هما كبار في قلب بعضيهم، لكن إحنا لو وقعنا في وسطيهم هنتفرم، خلينا مستورين وماشيين زي ما إحنا، ده إحنا بنقول يا حيط دارينا. تنهدت بألم وهزت رأسها بموافقة رغم ضميرها الصارخ. بعد مرور يومين داخل قصر علام زين الدين كانت تتدلى من أعلى الدرج ترتدي ثيابًا أنيقة استعدادًا لزيارة نجلها الحبيب، خرجت عزة من المطبخ ووقفت تتعجلها: -يلا بقى هنتأخر. تحدثت إيثار بهدوء:
-خلي البنات يطلعوا الحاجة في شنطة العربية. أجابتها عزة على عجالة: -طلعناها من بدري، رصيت الحلل كلها في الشنطة ورا، والصواني والطواجن حطيتها على الكنبة علشان ما تتبهدلش، يلا بقى قبل ما مالك ييجي من التمرين ويشبُط فينا، أنا مش ناقصة فرهدة، مش هيبقى جري وراه هنا وهناك كمان، صحتي ما عادتش تتحمل يا إيثار. خرجت عصمت من الداخل لتتحدث إلى إيثار: -وصلي ليوسف سلامي وقولي له إني مستنياه قريب ييجي يتغدى معانا هو وزينة.
ابتسمت تجيبها: -من عيوني يا ماما، خلي بالك من مالك لما يرجع، إنت عارفة، كل خطوة منه بكارثة. نطقت عصمت لطمأنتها: -ما تقلقيش، هيقعد معايا أنا وجده برة في الجنينة لحد ما ترجعي بالسلامة. خرج فؤاد من المكتب ليتحرك باتجاه زوجته، احتوى كتفها وهو يقول: -هتتأخري عند يوسف يا حبيبي؟ طالعته بحنان وهي تقول: -هرجع على الساعة عشرة، إنت عارف يا قلبي، أنا مش بروح له غير مرة كل أسبوعين، وببقى مشتاقة له جدًا. تدخلت عصمت باحترام:
-سيبها ترجع براحتها لما تشبع من ابنها يا فؤاد. أومأ بموافقة رغم خوفه عليها وعدم ارتياحه النفسي وهي خارج المنزل. تحركت بسيارتها تبعتها سيارتي الحراسة، وصلت وبعد مدة كانت تجهز طاولة الطعام هي وزينة وعزة التي تحدثت إلى زينة: -روحي خبطي على أخوكي قبل الأكل ما يبرد، كل ده بيستحمى. وقبل أن تتحرك قاطعتها إيثار وهي تهم بالحركة: -خليكي يا زينة أنا هأنده له. قاطعهما يوسف الذي خرج من غرفته مقبلًا عليهما:
-لا إنت ولا هي، أنا جيت لوحدي أهو. التف الجميع حول الطاولة وبدأت إيثار وعزة بإدخال الطعام جبرًا في فم الشاب تحت ضحكات زينة الخجلة من المنظر، تحدث يوسف في محاولة منه للتملص: -يا حبايب قلبي كلوا إنتوا، أنا باكل والله. نطقت عزة وهي تقرب قطعة الدجاج المشوي من فمه: -طب بس خد من إيدي حتة الفرخة دي. وقبل أن ينطق كانت عزة تدفع بها داخل فمه، أشار بكف يده لتتوقفا كلاهما ووضع الآخر على فمه ليمضغ ما به،
وبعد أن انتهى تحدث بصرامة: -على فكرة لو ما بطلتوش هأقوم ومش هأكمل أكل. تحدثت إيثار إلى عزة بحزم: -خلاص يا عزة، كلي إنت وسبيه ياكل براحته. وتابعت وهي تقترب من فم الشاب: -خد مني صباع ورق العنب ده دوقه وقولي رأيك فيه. -ماما. قالها بصرامة لتتوقف وتعيده إلى مكانه، تابعوا تناولهم للطعام حتى قطع انسجامهم صوت جرس الباب الذي قرع، توجه يوسف صوبه لتهتف عزة بمداعبة: -ده مين اللي حظه حلو وحماته بتحبه ده؟ نطقت زينة بهدوء:
-الوقت نعرف يا خالتي. على الطرف الآخر يقف فؤاد داخل الحديقة يروي بعض الزهور النادرة باهتمام، استمع لرنين هاتفه فأجاب سريعًا عندما وجد اسم رئيس حراسة إيثار: -خير يا منير؟ نطق الرجل بدون مقدمات لتيقنه طبع سيده الذي يكره هذا الفعل: -الراجل اللي اسمه عمرو البنهاوي يا باشا، لسه طالع حالًا شقة الباشمهندس يوسف. -إنت متأكد يا منير؟ سؤالًا طرحه بهدوء ما يسبق العاصفة ليؤكد الرجل عليه:
-أنا ما بلغتكش غير لما اتأكدت بنفسي إنه دخل الشقة يا باشا. احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة ليصرخ عاليًا بتوبيخ: -ما كنت تستنى لما ياخد واجب ضيافته بالمرة وبعدها تبلغني يا روح أمك. اتسعت أعين الرجل وهو يستمع لإهانته للمرة الأولى على يد سيده الخلوق، ليتابع الآخر بحدة بالغة تنم عن مدى غضبه: -تتنيل تقف مكانك وما تتحركش إنت والحمير اللي معاك لحد ما أجي لكم.
أغلق الهاتف دون إضافة حرف واحد ليركض باتجاه السيارة واستقلها، زفر بقوة وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها، تحركت خلفه سيارة الحراسة، ضغط على زر الاتصال بزوجته لينتهي ولم تجيب مما أشعل روحه وفخم شعور الغيرة لديه، أعاد الاتصال مرة أخرى ليصرخ وهو يدق المقود بقوة وعنف: -ردي يا هانم، ردي، ده إنت وقعتك سودة النهاردة.
لم تجيب هذه المرة أيضًا، اشتعلت عيونه وامتلأت بشرارات الغضب وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته: -ماشي يا ابن البنهاوي، حفرت قبرك بإيدك النهاردة، وديني ما أنا سايبك غير وإنت روحك طالعة في إيدي، يا واطي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!